|
|
أنّ النص مكذوب على أبي سعيد ، وإن كثرت أسانيد الرواية عنه ، مع وجود الآفة في بعض رجال الرواة ، كالجريري الذي اختلط وتغيّر حفظه ، ومع ذلك لم يترك ابن علية وابن عدي السماع منه ، بل أقسم ابن عدي فقال : لا نُكذِب الله ، سمعنا من الجريري وهو مختلط. هذا من جهة السند ، ولنلق نظرة عابرة على متنه لنرى مدى صحته ، وهل يسوى سماعه وتحصيله بدرة أو لا يسوى حتى بعرة؟
فنقول : إنّ صحيح البخاري له مقام عند العامة ، لا يوازيه أيّ كتاب من صحاحهم وغيرها ، حتى قالوا فيه : إنّه أصح كتاب بعد كتاب الله ، وهذا وإن لم نقبله نحن ، ولكن لإلزام ابن كثير وقومه نقول لهم : إنّ بخاريّكم روى بسنده عن الزهري عن عروة عن عائشة خبر مطالبة الزهراء ( عليها السلام ) في باب غزوة خيبر (1) ـ وقد مرّ ذكره في النص الثاني فماذا عند البخاري فراجع ـ وقد جاء فيه : ( فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر ... ).
وقد بيّنا هناك اقتضاب البخاري ـ ومثله أحمد بن حنبل في مسنده ـ لهذا الخبر ، مع أنّ عبد الرزاق وهو قبلهما ، قد روى الخبر بنفس السند وبصورة أتم ، ومما جاء فيه : قال معمّر : فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ قال : لا ، ولا واحد من بني هاشم حتى بايعه علي. ( راجع النص التاسع فيماذا عند عبد الرزاق ).
|
|
(1) صحيح البخاري 5 : 139.
|
ومن المضحك ـ وشر البلية ما يضحك ـ أنّ ابن كثير لم يغب عنه ما رواه عبد الرزاق وأحمد والبخاري ، فراوغ في الجمع بين ما ذكره أولاً من خبره الذي رواه ابن خزيمة ، وقوّم تحصيل سماعه ببُدرة ، وبين ما رواه الثلاثة ، فساق خبراً كذباً عقب ما مرّ وهو النص الآتي.
النص الثاني : وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم : حدّثني أبي أنّ أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ، وأنّ محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير ، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال : والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة ، ولا سألتها الله في سر ولا علانية ، فقبل المهاجرون مقالته ، وقال علي والزبير : ما أغضبنا إلاّ لأنّنا أُخّرنا عن المشورة ، وإنّا نرى أبا بكر أحق الناس بها ، إنّه لصاحب الغار ، وإنّا لنعرف شرفه وخيره ، ولقد أمره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالصلاة بالناس وهو حي.
ثم قال ابن كثير : وهذا اللائق بعلي ( رضي الله عنه ) ، والذي يدلّ عليه الآثار من شهوده معه الصلوات ، وخروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كما سنورده ، وبذله له النصيحة والمشورة بين يديه ، وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمة ، وقد ماتت بعد أبيها ( عليه السلام ) بستة أشهر ، فذلك محمول على أنّها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ، ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في قوله : لا نورث ما تركنا فهو صدقة.
أقول : هذا هو الجمع بين الخبرين فيما يراه ابن كثير ، فكل من بايع أبا بكر من المسلمين بايعه مرّة واحدة ، إلاّ علي المظلوم فقد بايعه مرّتين ، لك الله يا علي؟! إنّها لفرية جازت الحد ، ولا تسوى النقد والرد ، وإنّما أشرت إليها لأثبت للقارئ أنّ الخبر الذي رواه ابن خزيمة لا يسوى سماعه بعرة فضلاً عن بدرة ، وما تمسك ابن كثير به إلا لنصبه ، وقد ذكره في كتابه ( السيرة النبوية (1) مع غيره من الطامات ما لا سبيل إلى قبولها بأيّ وجه.
|
|
(1) السيرة النبوية 4 : 494.
|
ولدلالة القارئ على جانب مما يكشف عن نَصبه ما ذكره تعقيباً عليه فقال : وفيه أنّ زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه ، ثم انطلقوا ، فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير علياً ، فسأل عنه ، فقام ناس من الأنصار فأتوا به.
ثم ذكر بقية الخبر وقصة بيعة الزبير بعد علي ، ثم قال : وقد رواه الإمام أحمد ... وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة ... وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب ، أما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق ( ؟! ) فإنّ علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه كما سنذكره ، وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهراً سيفه يريد قتال أهل الردة ( ؟! )
ولكن لما حصل من فاطمة ( رضي الله عنها ) عتب على الصديق ، بسبب ما كانت متوهمة من أنّها تستحق ميراث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم تعلم بما أخبرها به أبو بكر الصديق انّه قال : ( لا نورث ما تركنا فهو صدقة ) فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح ، كما سنبيّنه في موضعه ، فسألته أن ينظر علي في صدقة الأرض التي بخيبر وفَدَك ، فلم يجبها إلى ذلك ، وهو الصادق البار الراشد التابع للحق ، فحصل لها ـ وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة ( ؟! ) ـ عتب وتغضّب ولم تكلّم الصدّيق حتى ماتت ، واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء ، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها ( صلى الله عليه وآله ) رأى علي أن يجدّد البيعة مع أبي بكر مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ( ؟ ) ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه : أقول ... ثم ذكر ما مرّ عنه آنفاً في أول النص الثاني.
هذا بعض ما عند ابن كثير من زخرف القول بالباطل في بيعة أبي بكر ، ولم يستطع إخفاء نصبه مضافاً إلى كذبه إنه لم يترض عن علي ولا مرّة واحدة ، مع
تكرر ذكره في الخبر خمس مرّات ، بينما ترضّى عن صاحبه أبي بكر ثلاث مرّات ، وليس هذا بشيء إزاء شنعته الصلعاء حين نفى عصمة الصديقة الزهراء ( عليها السلام ) ، مع سوء أدب وقلة حياء ....
ولو كان ممن آتاه الله فهماً في كتابه ، لما عمي عن مدلول آية التطهير وشأن نزولها ، وتأكيد النبي ( صلى الله عليه وآله ) على تعيين أصحابها وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها (1) ، ولا عن مدلول آية المباهلة ، ولا عن آية المودة.
ولو كان لديه قلة حياء لما تعامى عن أقوال النبي ( صلى الله عليه وآله ) نحو قوله : فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني (2).
وقوله الآخر : فاطمة بضعة منّي يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما آذاها (3).
وقوله الثالث : إنّ الله يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ (4).
وقوله الرابع : فاطمة بضعة منّي يقبضني ما يقبضها ، ويبسطني ما يبسطها (5).
وقوله الخامس : قال لعلي ( عليه السلام ) : أوتيتَ ثلاثاً لم يؤتهنّ أحد ولا أنا ، أوتيت صهراً مثلي ولم أوت أنا مثله ، وأوتيتَ زوجة صديقة مثل ابنتي ولم أوت مثلها
|
(1) راجع كتاب ( علي إمام البررة ) 1 : 371 ـ 408.
(2) صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق ، باب مناقب قرابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومنقبة فاطمة ، وله عدّة مصادر اُخرى : منها خصائص النسائي : 35 ، وذكره المناوي في فيض القدير 4 : 421 ، وقال : استدل به السهيلي على أنّ من سبّها كفر ، لأنّه يغضبه ، وأنها أفضل من الشيخين.
(3) صحيح البخاري في كتاب النكاح ورواه غيره ، راجع كتاب علي إمام البررة 2 : 168 ـ230 و280.
(4) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 53 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ورواه ابن الأثير في اُسد الغابة 5 : 522 ، وابن حجر في الإصابة 8 : 159 ، وفي تهذيب التهذيب 12 : 441 ، وابن عدي في الكامل 2 : 351 في ترجمة الحسين بن زيد العلوي ، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 1 : 221, ورواه ابن عساكر في تاريخه 1 : 299, والمتقي الهندي في كنز العمّال.
(5) مسند أحمد 4 : 323 ، ومستدرك الحاكم 3 : 158.
|
زوجة ، وأوتيت الحسن والحسين من صلبك ولم أوت من صلبي مثلهما ، ولكنكم منّي وأنا منكم أخرجه أبو سعيد في شرف النبوة ، وعنه المحب الطبري في الرياض النضرة (1).
وقوله السادس : رأيت على باب الجنة مكتوباً : لا إله إلاّ الله ، محمد رسول الله ، علي حبّ الله ، والحسن والحسين صفوة الله ، فاطمة خيرة الله ، على باغضهم لعنة الله أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (2).
وقوله السابع : إنما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها أخرجه مسلم في الصحيح في كتاب فضائل الصحابة في باب فضائل فاطمة ، وذكره الفخر الرازي في تفسير آية المودّة في سورة الشورى بلفظ يؤذيني ما يؤذيها وأخرجه الترمذي بتفاوت يسير.
وقوله الثامن : إنّما فاطمة بضعة منّي ، يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها أخرجه الترمذي في صحيحه (3) ، والحاكم في مستدركه ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (4) ، وأخرجه أحمد في مسنده (5).
وقوله التاسع : إن الله ( عزّ وجلّ ) فطم ابنتي فاطمة وولدها ومن أحبهم من النار ، فلذلك سمّيت ابنتي فاطمة أخرجه الديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً ، ورواه المتقي في كنز العمّال ، ونحوه في ذخائر العقبى (6).
|
(1) الرياض النضرة 2 : 202.
(2) تاريخ بغداد 1 : 259.
(3) صحيح الترمذي 2 : 319 ، ومستدرك الحاكم 3 : 159 ، مسند أحمد 4 : 5.
(4) المستدرك 3 : 159.
(5) مسند أحمد 4 : 5.
(6) ذخائر العقبى : 26.
|
وقوله العاشر : يا بنية أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟ قالت : يا أبت فأين مريم ابنة عمران؟ قال : تلك سيدة نساء عالمها وأنتِ سيدة نساء عالمكِ ، أما والله زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة ولا يبغضه إلا منافق أخرجه أبو نعيم في الحلية ، والطحاوي في مشكل الآثار ، والمحب الطبري في ذخائر العقبى (1) ، وغيرهم.
وقوله الحادي عشر : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : يا معشر الخلائق طأطئوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة بنت محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، أخرجه الخطيب في تاريخه ، والمحب الطبري في ذخائر العقبى وقال : خرّجه ابن بشران عن عائشة (2).
هذه إحدى عشرة رواية كاملة صريحة العبارة واضحة الدلالة على فضل فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وانّها صديقة معصومة ، وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ، ومع هذا كلّه فيأبى ابن كثير الشامي أن يقرّ لها بالعصمة ، بل وتجاوز الحد في نصبه فقال : وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة.
وما أدري كيف يثبتون العصمة لغيرها مع سوء التصرف مع إمام الحق في زمانها ، ولا أقل من قبول شهادة عائشة وهي أم المؤمنين بأنّ فاطمة ( عليها السلام ) أصدق الناس حديثاً ما عدا والدها ، فقد أخرج الحاكم في المستدرك (3) ، بسنده عن عائشة أنّها كانت إذا ذكرت فاطمة ( سلام الله عليها ) بنت النبي ( صلى الله عليه وآله ) قالت : ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها. وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
|
(1) حلية الأولياء 2 : 42 ، مشكل الآثار 1 : 50 ، ذخائر العقبى : 43.
(2) الخطيب في تاريخه 8 : 141 ، ذخائر العقبى : 48.
(3) المستدرك 3 : 160.
|
وقد روى الخبر أيضاً أبو عمر في الاستيعاب (1) ، وفي لفظ أبي نعيم في الحلية (2) قالت عائشة : ما رأيت أحداً قط أصدق من فاطمة غير أبيها.
فهي في دعواها صادقة ، ولم يكن أبو بكر أصدق منها في زعمه سماعه الحديث ( إنا لا نورث ) شهادة ابنته عائشة كما مرّ ، ومع هذا يقول ابن كثير أنّها متوهمة ، وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة!!
ولنا أن نسأل منه ما رأيه في روايات البخاري في صحيحه التي تثبت غضبها على أبي بكر ، وليس كما يقول هو فحصل لها ... عتب وتغضب ، بل حصل غضب وشديد أيضاً فلنقرأ :
ففي صحيح البخاري (3) أنّ فاطمة ( عليها السلام ) ابنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سألت أبا بكر ... أن يقسم لها ميراثها ... فغضبت فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، والحديث عن عائشة.
وفيه أيضاً (4) ... فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت ... والحديث عن عائشة ، وفيه أيضاً (5) ... فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت ... والحديث عن عائشة.
وهذا ما رواه مسلم (6) ، ورواه أحمد في مسنده (7) ، ورواه البيهقي في سننه (8).
وروى الترمذي في صحيحه في باب ما جاء في تركة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنّ فاطمة قالت لأبي بكر وعمر : والله لا اُكلمكما أبداً ، فماتت ولا تكلّمهما.
|
(1) الاستيعاب 2 : 751.
(2) حلية الأولياء 2 : 41.
(3) صحيح البخاري 4 : 79, كتاب الخمس.
(4) المصدر نفسه 5 : 139 ، باب غزوة خيبر.
(5) المصدر نفسه 8 : 149 ، كتاب الفرائض.
(6) صحيح مسلم 5 : 153 ، كتاب الجهاد.
(7) مسند أحمد 1 : 9.
(8) سنن البيهقي 6 : 300.
|
وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة (1) : فقالت _ فاطمة ( عليها السلام ) _ لأبي بكر وعمر : أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تعرفانه وتفعلان به؟ قالا : نعم ، فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : رضى فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟
قالا : نعم ، سمعناها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قالت : فإنّي أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأشكونكما إليه ، فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها ، ثم خرج فاجتمع الناس فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي.
هذا ما رواه شيوخ الحديث من أصحاب ابن كثير ، وهو مع ذلك يقول بكل صلف عن فاطمة ( عليها السلام ) ما قال ، ونحن لا نزيد على قول الله تعالى في محكم كتابه : «إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ »(2).
ولم يخف ابن كثير نُصبه وايذاءه لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته بكل سبيل ، حتى حاول صرف بيعة الغدير عن مغزاها وتفريغها عن محتواها ، فقال :
( فصل في إيراد الحديث الدال على أنه ( عليه السلام ) خطب بمكان بين مكة والمدينة ، مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة ـ يقال له غدير خم ـ فبيّن فيها فضل علي بن أبي طالب ، وبراءة عِرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن ، بسبب ما كان صدر منه اليهم من العدالة التي ظنّها بعضهم جوراً
|
(1) الإمامة والسياسة : 14 ، في بيعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ).
(2) الأحزاب : 57.
|
وتضييقاً وبخلاً ، والصواب كان معه في ذلك ، ولهذا لما تفرّغ ( عليه السلام ) من بيان المناسك ، ورجع إلى المدينة بيّن ذلك في أثناء الطريق ، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذٍ ، وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك ، فبيّن فيها أشياء ( ؟! ) وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه.
ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك ، ونبيّن ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه.
وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ ، فجمع فيه مجلّدين أورد فيهما طرقه وألفاظه ، وساق الغثّ والسمين ، والصحيح والسقيم ، على ما جرت به عادة كثير من المحدّثين ، يوردون ما وقع لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه ، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة ، ونحن نورد عيون ما روي في ذلك ، مع إعلامنا أنه لاحظّ للشيعة فيه ، ولا تمسّك لهم ولا دليل ، لما سنبيّنه وننبه عليه ).
ثم ساق عن ابن إسحاق وأحمد والنسائي حديث بريدة وغيره مما جرى لهم في اليمن ، وقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لا تشكوا علياً ، فوالله إنّه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله وهذا كان بمكة و ليس في غدير خم.
ثم ذكر من النسائي في سننه بسنده عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم قال : لما رجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من حجة الوداع ونزل غدير خم ، أمر بدوحاتٍ فقممن ثم قال : كأنّي قد دعيتُ فاُجبتُ ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. ثم قال : الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال : من كنت مولاه فهذا وليّه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه.
فقلت ـ والقائل أبو الطفيل ـ لزيد : سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ فقال : ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه. تفرّد به النسائي من هذا الوجه ، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي : وهذا حديث صحيح.
ثم ساق روايات الصحابة كالبراء بن عازب وحديثه عند ابن ماجة ، وعبد الرزاق ، والحافظ أبي يعلى الموصلي ، وفي حديثه قول عمر لعلي في ذلك : هنيئاً لك ، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. ورواه ابن جرير عن أبي زرعة ....
ثم ساق خبر مناشدة الإمام ( عليه السلام ) بالرحبة من شهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم غدير خم وهو يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه فقام اثنا عشر رجلاً فشهدوا أنّهم سمعوا ذلك ، وفي حديث عبد الله بن أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : فقام اثنا عشر رجلاً بدرياً ، وفي سند آخر عنه أيضاً : فقالوا : قد رأينا وسمعنا حيث أخذ بيده يقول : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله فقام إلا ثلاثة لم يقوموا ، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته. وفي خبر لأبي الطفيل : فقام ناس كثير فشهدوا.
وهكذا سرد روايات أحمد ، وابن جرير ، والترمذي ، وأبي يعلى الموصلي وغيرهم ، ولم يكن ابن كثير أميناً في نقل جملة من ذلك ، فقد روى عن ابن جرير وأبي يعلى الموصلي باسنادهما قال : دخل أبو هريرة المسجد ـ مسجد الكوفة ـ فاجتمع الناس إليه ، فقام إليه شاب فقال : أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ؟ قال : نعم.
ولهذا الخبر تتمة غص بها ابن كثير فلم يذكرها ، وهي قول الشاب : فأشهد بالله لقد واليت عدوه ، وعاديت وليّه ثم قام عنه (1).
|
|
(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 : 68 ، نقلاً عن كتاب المعارف لابن قتيبة ، وقال : ( وقوله فيه حجة؛لأنه غير متهم عليه ) ولكن حتى هذا امتدت إليه يد الخيانة فطالت كتاب المعارف في جملة موارد كان هذا منها ، كما سيأتي في الملحق الثاني آخر الكتاب.
|
ولئن غص ابن كثير بذكر ما قاله ذلك الشاب ، فله نظراء مثله ، راجع مجمع الزوائد (1) نقلاً عن أبي يعلى الموصلي ، والبراء ، والطبراني في الأوسط ، فقد ذكروا الخبر من دون قول الشاب (2).
ولابن كثير في تفسير القرآن العظيم شطحات تفوق حق المليم ، ومنها ما يتعلق بالمقام.
النص الثالث : ما ذكره (3) في تفسير قوله تعالى : «وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ»(4) .
قال الحافظ أبو بكر البزار : حدّثنا عبّاد بن يعقوب ، حدّثنا أبو يحيى التميمي ، حدّثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : لما نزلت : « وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ » دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة فأعطاها فَدَك.
ثم قال : لا نعلم حدّث به عن فضيل بن مرزوق إلاّ أبو يحيى التميمي وحميد بن حماد بن أبي الجوزاء. وهذا الحديث مشكل لو صح اسناده ، لأنّ الآية مكية وفَدَك إنّما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة ، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذاً حديث منكر والأشبه أنّه من وضع الرافضة ، والله أعلم.
|
(1) مجمع الزوائد 9 : 105.
(2) ولقد جرى لأبي هريرة نحو هذا من تأنيب من الأصبغ بن نباتة ، وذلك في مجلس معاوية وبمحضر من جلسائه ، حيث سأله الأصبغ عن سماعه حديث يوم الغدير فقال : أي والله لقد سمعته ... فقال : فإذن أنت يا أبا هريرة واليت عدوه وعاديت وليه ، فتنفس أبو هريرة وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فتغيّر ( فتمعّر ) وجه معاوية ... راجع الخبر مفصلاً في تذكرة خواص الأئمة لسبط ابن الجوزي : 48 ، ومناقب الخوارزمي الحنفي : 130.
(3) تفسير ابن كثير 3 : 36.
(4) الإسراء : 26.
|
أقول : وهذا من ابن كثير تدجيل وتضليل ، حيث ذكر قول البزار في رواية الحديث عن فضيل لأبي يحيى وحميد بن حماد بن أبي الجوزاء ، وإلى هنا انتهى كلام البزار ، فأضاف منه قوله : وهذا الحديث مشكل ... ولم يشعر القارئ بالفصل بين القولين ، فهذا هو التدجيل والتضليل ، وله نحو هذا كثير.
وأما قوله : وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده لأنّ الآية مكية ... فنقول له ولأتباعه ممن يهوى هواه : انّ الحديث غير مشكل ، والسند صحيح ، والى القارئ بيان حال رجال ذلك السند :
1 ـ البزار : هو أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق ( ت 292 هـ ) ، ذكره الدارقطني فأثنى عليه وقال : ثقة يخطئ ويتكل على حفظه.
2 ـ عباد بن يعقوب : هو الرواجني ( ت 250 هـ ) قال الحاكم : كان ابن خزيمة يقول : حدّثنا الثقة في روايته ، المتهم في دينه عباد بن يعقوب ، وقال أبو حاتم : شيخ ثقة ، وقال الدارقطني : شيعي صدوق ، وفي تهذيب التهذيب رمز له بتخريج حديثه في البخاري والترمذي وابن ماجة.
3 ـ أبو يحيى التميمي ( الصحيح التيمي ) : هو إسماعيل بن إبراهيم الأحول ، كوفي ، ضعفه ابن نمير ، وقال ابن عدي : ولأبي يحيى التيمي هذا أحاديث حسان ، وليس فيما يرويه حديث منكر المتن ، ويكتب حديثه (1).
4 ـ فضيل بن مرزوق : سئل الدوري عنه فقال : ثقة ، وعن ابن معين : صالح الحديث إلاّ أنّه شديد التشيع ، وقد أخرج له مسلم في الصحيح ، وقال العجلي : جائز الحديث صدوق ، وكان فيه تشيع ، وقال أحمد : لا أعلم إلا خيراً ، لا يكاد يحدث عن غير عطية ، وأخرج له البخاري في رفع اليدين ومسلم ، وبقية الأربعة أصحاب السنن ، كما في رموز ( تهذيب التهذيب ).
5 ـ عطية : هو العوفي ، قال الدوري : عن ابن معين : صالح ، قال ابن عدي في الكامل (1) : ولعطية عن أبي سعيد الخدري أحاديث عداد ، وعن غير أبي سعيد ، وهو مع ضعفه يكتب حديثه ، وكان يعد من شيعة الكوفة.
أقول : وهذا أخرج حديثه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، كما في تهذيب التهذيب في رموز أوّل الترجمة.
ونزيد على صحة السند هذا ، أنّ ابن عدي روى الحديث في الكامل (2) بسنده فقال : أخبرنا القاسم بن زكريا ، ثنا عباد بن يعقوب ، ثنا علي بن عابس ، عن فضيل ـ يعني ابن مرزوق ـ عن عطية ، عن أبي سعيد قال : لما نزلت : «وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ»(3) دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة فأعطاها فَدَك.
ثم قال ابن عدي : ولعلي بن عابس أحاديث حسان ، ويروي عن أبان بن تغلب وعن غيره أحاديث غرائب ، وهو مع ضعفه يكتب حديثه.
أقول : وروى الحديث الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (4) بسبعة أسانيد ، كما ستأتي الإشارة إليها.
وأما زعمه أنّ الآية مكية ، فهو تدجيل ثان وتضليل آخر ، فإنّ الآية مدنية مع آيات اُخر وضعت في سورة مكية ، ولا نطيل البحث في مسألة المكي والمدني في القرآن ، ومن راجع الموضوع في كتب علوم القرآن كأسباب النزول والاتقان للسيوطي مثلاً ، يجد التصريح بأنّ السورة المكية وفيها آيات مدنية ، وبالعكس أيضاً.
|
(1) المصدر نفسه 5 : 370.
(2) المصدر نفسه 1 : 190.
(3) الإسراء : 26.
(4) شواهد التنزيل 1 : 338 ـ 341.
|
وسورة الإسراء وإن كانت هي مكية ، إلا أنّه اُستثني فيها آيات مدنية ، فقال السيوطي في الاتقان (1) : ( الإسراء ) استثني منها : «وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ»(2) الآية ، لما أخرج البخاري عن ابن مسعود أنّها نزلت بالمدينة ... ، واستثني منها أيضاً :« وَإنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ» إلى قوله : « إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً»(3) وقوله : « لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ وَالجِنُّ»(4) الآية ، وقوله : «وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا »(5) الآية ، وقوله : «إنَّ الَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ»(6) لما أخرجناه في أسباب النزول.
ومما ذكره في أسباب النزول بهامش تنوير المقباس من تفسير ابن عباس(7) قال : وأخرج الطبراني وغيره عن أبي سعيد الخدري قال : لما أنزلت : « وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ» (8) دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة فأعطاها فَدَك. قال ابن كثير : وهذا مشكل فإنّه يشعر بأنّ الآية مدنية ، والمشهور خلافه. وروى ابن مردويه عن ابن عباس مثله.
ثم انّ بعض المفسرين كالفيروزآبادي ذكر في أول سورة الإسراء كونها مكية غير آيات ، منها خبر وفد ثقيف ، وخبر ما قالت له اليهود : ليست هذه بأرض الأنبياء ، فنزل : « وَإنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ» إلى قوله : « أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ» ...(9) إلى آخر الآية ، فهؤلاء الآيات مدنية ... (10).
|
(1) الإتقان 1 : 16.
(2) الإسراء : 83.
(3) الإسراء : 73 ـ 81.
(4) الإسراء : 88.
(5) الإسراء : 60.
(6) الإسراء : 107.
(7) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس : 174.
(8) الإسراء : 26.
(8) الإسراء : 76 ـ 80.
(10) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس : 176.
|
فمسألة وقوع آيات مدنية في سورة مكية وبالعكس معلوم ومنصوص عليه كما قلناه ، بل هو مذكور حتى في أوائل السور في بعض المصاحف المطبوعة سابقاً بالرسم العثماني في تركيا ومصر والشام والعراق ، وفي خصوص المقام فقد ورد فيه : ( سورة الإسراء مكية إلا الآيات : 26 ، 32 ، 33 ، 57 ومن آية : 73 إلى آية : 80 فمدنية ... ).
فتبيّن تدجيل ابن كثير وتضليله في قوله : وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده ، لأنّ الآية مكية وفَدَك انّما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة ، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذاً حديث منكر ، والأشبه أنّه من وضع الرافضة ، والله أعلم.
أقول : وبقيت مسألة فَدَك ، ومطالبة الزهراء ( عليها السلام ) تشك عيون النواصب ، فتبع ابن كثير نفر على رأيه ، وهم عن الحق معرضون ، فأبو الثناء الآلوسي ( ت 1270 هـ ) قال في تفسيره روح المعاني (1) :
وما أخرجه البزار ، وأبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري من أنّه لما نزلت هذه الآية ـ يعني : «وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ » دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة فأعطاها فدكاً ، لا يدل على تخصيص الخطاب به عليه الصلاة والسلام ، على أنه في القلب من صحة الخبر شيء ، بناء على أنّ السورة مكية ، وليست هذه الآية من المستثنيات ، وفَدَك لم تكن إذ ذاك تحت تصرّف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، بل طلبها رضي الله تعالى عنها ذلك إرثاً بعد وفاته عليه الصلاة والسلام كما هو المشهور ، يأبى القول بالصحة كما لا يخفى.
|
|
(1) روح المعاني 15 : 58 ـ 59.
|
| |