|
|
قال : فما رأينا يوماً أكثر باكياً أو باكية من ذلك اليوم.
قال المرتضى : وقد روى هذا الكلام على هذا الوجه من طُرقٍ مختلفة ، ووجوه كثيرة ، فمن أرادها أخذها من مواضعها ، فكيف يدّعي أنّها ( عليها السلام ) كفّت راضية ، وأمسكت قانعة ، لولا البُهْت وقلّة الحياء!
قلت : ليس في هذا الخبر ما يدلّ على فساد ما ادّعاه قاضي القضاة ، لأنّه ادّعى أنّها نازعت وخاصمت ، ثمّ كفّت لما سمعت الرواية وانصرفت تاركة للنزاع ، راضية بموجب الخبر المروي.
وما ذكره المرتضى من هذا الكلام لا يدلّ إلاّ على سخطها حال حضورها ، ولا يدلّ على أنّها بعد رواية الخبر وبعد أن أقسم لها أبو بكر بالله تعالى أنّه ما روى عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ ما سمعه منه ، انصرفت ساخطة؛ ولا في الحديث المذكور والكلام المروي ما يدلّ على ذلك ، ولست أعتقد أنّها انصرفت راضية كما قال قاضي القضاة ، بل أعلم أنّها انصرفت ساخطة ، وماتت وهي على أبي بكر واجِدة ، ولكن لا من هذا الخبر ، بل من أخبار اُخر ، كان الأولى بالمرتضى أن يحتجّ بها على ما يرويه في انصرافها ساخطة ، وموتها على ذلك السخط ، وأمّا هذا الخبر وهذا الكلام فلا يدلّ على هذا المطلوب.
قال المرتضى ( رحمه الله ) : فأمّا قوله : إنّه يجوز أن يبيّن ( عليه السلام ) أنّه لا حقّ لميراثه في ورثته لغير الورثة ، ولا يمتنع أن يرد من جهة الآحاد ، لأنّه من باب العمل ، وكلّ هذا بناءً منه على أصوله الفاسدة في أنّ خبر الواحد حجّة في الشرع ، وأنّ العمل به واجب ، ودون صحة ذلك خَرْط القَتاد.
وإنّما يجوز أن يبيّن من جهة أخرى إذا تساويا في الحجة ووقوع العمل ، فأمّا مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما ، وإذا كان ورثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) متعبّدين بألاّ يرثوه ، فلابدّ من إزاحة عِلّتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم ، ويُشافِهَهم به ، ويلقيه إلى مَنْ يقيم الحجة عليهم بنقله ، وكل ذلك لم يكن.
فأمّا قوله : أتجوّزون صِدقَه في الرواية أم لا تجوزون ذلك؟ فالجواب : إنّا لا نجوّزه ، لأنّ كتاب الله أصدق منه ، وهو يدفع روايته ويبطلها؛ فأمّا اعتراضه على قولنا : إنّ إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال بقوله تعالى : «ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ».(1)
وقولهم : ما ورثت الأبناء من الآباء شيئاً أفضل من أدب حسن ، وقولهم : العلماء ورثة الأنبياء ، فعجيب ، لأنّ كل ما ذكر مقيّد غير مطلق ، وإنّما قلنا : إنّ مطلق لفظ الميراث من غير قرينة ولا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال ، فبعد ما ذكره وعارض به لا يخفى على متأمّل.
فأما استدلاله على أنّ سليمان ورث داود علمه دون ماله بقوله :« يَا أيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ»(2) وأنّ المراد أنّه وَرِث العلمَ والفضلَ ، وإلاّ لم يكن لهذا القول تعلّق بالأوّل ، فليس بشيء يعوّل عليه ، لأنّه لا يمتنع أن يريد به أنّه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا المعنى من الاستدلال.
فليس يجب إذا دلّت الدّلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن يقتصر بها عليه ، بل يجب أن يحملها على الحقيقة الّتي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع؛ على أن لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة ، ثمّ يقول مع ذلك إنّا : «عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ » ، ويشير ب ـ الفضل المبين إلى العِلم والمال جميعاً ، فله بالأمرين جميعاً فضلٌ على من لم يكن عليهما؛ وقوله : «وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء» يحتمل المال ، كما يحتمل العلم ، فليس بخالص ما ظنّه.
|
(1) فاطر : 32.
(2) النمل : 16.
|
فأمّا قوله في قصّة زكريا : إنّه خاف على العلم أن يندرس ، لأنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ، وإنّما خاف أن يضيع العلم ، فسأل الله تعالى وليّاً يقوم بالدين مقامه؛ فقد بيّنا أنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ولا يبخلون بها ، فإنّهم يجتهدون في منع المفسدين من الانتفاع بها على الفساد ، ولا يعدّ ذلك بخلاً ولا حرصاً ، بل فضلاً وديناً؛ وليس يجوز من زكريا أن يخاف على العلم الاندراس والضياع ، لأنّه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي حفظ العلم الّذي هو الحجة على العباد ، وبه تنزاح عللهم في مصالحهم ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله!
فإن قيل : فهبوا أنّ الأمر كما ذكرتم من أنّ زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس؛ أليس لابدّ أن يكون مجوزاً أن يحفظه الله تعالى بمن هو من أهله وأقاربه ، كما يجوز حفظه بغريب أجنبي! فما أنكرتم أن يكون خوفه إنّما كان من بني عمّه ألا يتعلّموا العلم ولا يقوموا فيه مقامه ، فسأل الله ولداً يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته ، ويتعدّى إلى غير قومه ، فيلحقه بذلك وصمة!
قلنا : أما إذا رتّب السؤال هذا الترتيب ، فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب ، وهو أنّ الخوف الّذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني ، وإنّما هو من ضررٍ دنياوي ، والأنبياء إنّما بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ومنازلهم في الثواب إنّما زادت على كل المنازل لهذا الوجه ، ومن كانت حاله هذه الحال ، فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولاً على مضار الدين ، لأنّها هي جهة خوفهم ، والغرض في بعثهم تحمّل ما سواها من المضارّ.
فإذا قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أنا خائف ، فلم يعلم جهة خوفه على التفصيل ، يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا ، لأنّ أحوالهم وبعثهم يقتضي ذلك ، فإذا كنّا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا وأسبابها ، والتعفّف عن منافعها ،
والرغبة في الآخرة ، والتفرّد بالعمل لها ، لكنّا نحمل على ما يظهر لنا من خوفه الّذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه وأليق بحاله ، ونضيفه إلى الآخرة دون الدنيا ، وإذا كان هذا واجباً فيمن ذكرناه فهو في الأنبياء ( عليهم السلام ) أوجب.
قلت : ينبغي ألا يقول المعترض فيلحقه بذلك وصمة ، فيجعل الخوف من هذه الوصمة ، بل يقول : إنّه خاف ألاّ يُفلح بنو عمّه ولا يتعلّموا العلم ، لما رأى من الأمارات الدالة على ذلك ، فالخوف على هذا الترتيب يتعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، فسأل الله تعالى أن يرزقه ولداً يرث عنه علمه ، أي يكون عالماً بالدينيات كما أنا عالم بها.
وهذا السؤال متعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، وعلى هذا يندفع ما ذكره المرتضى؛ على أنّه لا يجوز إطلاق القول بأنّ الأنبياء بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ولا القول : الغرض في بعثتهم تحمل ما سوى المضار الدينية من المضار ، فإنّهم ما بعثوا لذلك ، ولا الغرض في بعثتهم ذلك ، وإنّما بعثوا لأمرٍ آخر ، وقد تحصل المضار في أداء الشرع ضمناً وتبعاً ، لا على أنّها الغرض ، ولا داخلة في الغرض.
وعلى أنّ قول المرتضى : لا يجوز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، لأنّه محفوظ من الله ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله؛ غير مستمرّ على أصوله ، لأنّ المكلّفين الآن قد حُرموا بغيبة الإمام عنده ألطافاً كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد ، وهو وأصحابه يقولون في ذلك إن اللوم على المكلّفين؛ لأنّهم قد حرموا أنفسهم اللطف ، فهلاّ جاز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، وإفساد الأحكام الشرعية! لأنّه إنّما يجب على الله تعالى التبليغ بالرسول إلى المكلّفين ، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدّلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم ، لأنّهم هم الّذين حرموا أنفسهم اللطف.
واعلم أنّه قد قرئ : «وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي »(1) ؛ وقيل : إنّها قراءة زين العابدين وابنه محمّد بن عليّ الباقر ( عليهم السلام ) وعثمان بن عفّان. وفسّروه على وجهين :
أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي ، أي قلّت الموالي وعجزوا عن إقامة الدين ، تقول : قد خفّ بنو فلان ، أي قلّ عددهم ، فسأل زكريا ربّه تقويتهم ومظاهرتهم بوليٍّ يرزقه.
وثانيهما أن يكون ورائي بمعنى قدّامي ، أي خفّ الموالي وأنا حيّ ودرجوا وانقرضوا ، ولم يبق منهم من به اعتضاد ، وعلى هذه القراءة لا يبقى متعلّق بلفظة الخوف.
وقد فسر قوم قوله : «وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ» ، أي خفت الّذين يلون الأمر من بعدي ، لأنّ المولى يستعمل في الوالي ، وجمعه موالٍ ، أي خفت أن يلي بعد موتي أمراء ورؤساء يُفسدون شيئاً من الدين ، فارزقني ولداً تُنعِم عليه بالنبوّة والعلم ، كما أنعمت عليّ ، واجعل الدين محفوظاً به؛ وهذا التأويل غير منكر ، وفيه أيضاً دفع لكلام المرتضى.
قال المرتضى : وأمّا تعلّق صاحب الكتاب في أنّ الميراث محمول على العلم بقوله : « وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»(2) ؛ لأنّه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وإنّما يرث ذلك غيره ، فبعيد من الصواب؛ لأنّ ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم ، على أنّه لم يقل : يرث آل يعقوب ، بل قال : «يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » ، تنبيهاً بذلك على أنّه يرث من كان أحقّ بميراثه في القرابة.
فأمّا طعنه على من تأول الخبر بأنّه ( عليه السلام ) لا يورث ما تركه للصدقة بقوله : إنّ
|
(1) مريم : 5.
(2) مريم : 6.
|
أحداً من الصحابة لم يتأوّله على هذا الوجه ، فهذا التأويل الّذي ذكرناه أحد ما قاله أصحابنا في هذا الخبر ، فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه! وإنّ أحداً لم يتأوّله على هذا الوجه.
فإن قال : لو كان ذلك لظهر واشتهر ، ولوقف أبو بكر عليه ، فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقه على هذا المعنى ما فيه كفاية.
قلت : لم يكن ذلك اليوم ـ أعني يوم حضور فاطمة ( عليها السلام ) ، وقولها لأبي بكر ما قالت _ يوم تقيّة وخوف ، وكيف يكون يوم تقيّة وهي تقول له وهو الخليفة : يابن أبي قُحافة ، أترث أباك ولا أرث أبي! وتقول له أيضاً : لقد جئت شيئاً فريّا! فكان ينبغي إذا لم يؤثر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يفسّر لأبي بكر معنى الخبر أن يُعلِم فاطمة ( عليها السلام ) تفسيره ، فتقول لأبي بكر : أنت غالط فيما ظننت ، إنّما قال أبي : ما تركناه صدقة فإنّه لا يورث.
واعلم أنّ هذا التأويل كاد يكون مدفوعاً بالضرورة ، لأنّ من نظر في الأحاديث الّتي ذكرناها وما جرت عليه الحال يعلم بطلانه علماً قطعيّاً.
قال المرتضى : وقوله : إنّه لا يكون إذ ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية؛ ليس بصحيح ، وقد قيل في الجواب عن هذا : إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجوز أن يريد أنّ ما ننوي فيه الصدقة ، ونفرده لها من غير أن نخرجه عن أيدينا لا تناله ورثتنا ، وهذا تخصيص للأنبياء ، ومزية ظاهرة.
قلت : هذه مخالفة لظاهر الكلام ، وإحالة للّفظ عن وضعه ، وبين قوله : ما ننوي فيه الصدقة ، وهو بعد في ملكنا ليس بموروث؛ وقوله : ما نخلّفه صدقة ليس بموروث فرق عظيم ، فلا يجوز أن يُراد أحد المعنيين باللفظ المفيد للمعنى الآخر ، لأنّه إلباسٌ وتعمية.
وأيضاً ، فإنّ العلماء ذكروا خصائص الرسول في الشرعيات عن أمته وعدّدوها ، نحو حل الزيادة في النكاح على أربع ، ونحو النكاح بلفظ الهبة على قول فرقةٍ من
المسلمين ، ونحو تحريم أكل البصل والثوم عليه ، وإباحة شرب دمه ، وغير ذلك ، ولم يذكروا في خصائصه أنّه إذا كان قد نوى أن يتصدّق بشيء فانّه لا يناله ورثته ، لو قدرنا أنّه يورث الأموال ، ولا الشيعة قبل المرتضى ذكرت ذلك ، ولا رأيناه في كتابٍ من كتبهم ، وهو مسبوق بإجماع طائفته عليه ، وإجماعهم عندهم حجّة.
قال المرتضى : فأمّا قوله : إنّ قوله ( عليه السلام ) : ما تركناه صدقة ، جملة من الكلام مستقلة بنفسها ، فصحيح إذا كانت لفظة ما مرفوعةً على الابتداء ، ولم تكن منصوبةً بوقوع الفعل عليها ، وكانت لفظة صدقة أيضاً مرفوعة غير منصوبة ، وفي هذا وقع النزاع؛ فكيف يدّعي أنّها جملة مستقلة بنفسها! وأقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول : الرواية جاءت بلفظ صدقةٌ بالرفع ، وعلى ما تأوّلتموه لا تكون إلاّ منصوبةً ، والجواب عن ذلك أنّا لا نسلّم الرواية بالرفع ، ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب ، والاشتباه يقع في مثله ، فمن حقّق منهم وصرّح بالرواية بالرفع يجوز أن يكون اشتبه عليه فظنّها مرفوعة ، وهي منصوبة.
قلت : وهذا أيضاً خلاف الظاهر ، وفتح الباب فيه يؤدّي إلى إفساد الاحتجاج بكثير من الأخبار.
أقول : سيأتي في الخاتمة وقفة ايضاح واستيضاح حول هذا الحديث المزعوم وروايته في الصحاح فراجع ، كما سيأتي ذكر مناظرة الشيخ المفيد مع أبي علي بن شاذان برواية الإمام أبي الوليد الباجي المالكي في كتابه المنتقى شرح الموطأ لمالك ، وهي حريّة بالمراجعة. على أن قراءة ( صدقة ) بالنصب إن لم تكن هي المتعينة ، فلا أقل من طرق الإحتمال ، وذلك يبطل على الخصم قراءة الرفع عند الاستدلال.
قال : وأمّا حكايته عن أبي عليّ أنّ أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) السيف والبغلة والعمامة على جهة الإرث؛ وقوله : كيف يجوز ذلك مع الخبر الّذي
رواه! وكيف خصّصه بذلك دون العم الّذي هو العصبة! فما نراه زاد على التعجّب ، ومما عجب منه عجبنا ، ولم يثبت عصمة أبي بكر فينتفي عن أفعاله التناقض.
قلت : لا يشكّ أحد في أنّ أبا بكر كان عاقلاً ، وإن شكّ قوم في ذلك ، فالعاقل في يومٍ واحد لا يدفع فاطمة ( عليها السلام ) عن الإرث ويقول : إنّ أباكِ قال لي : إنّي لا أورث ، ثمّ يورث في ذلك اليوم شخصاً آخر من مال ذلك المتوفى الّذي حكى عنه أنّه لا يورث ، وليس انتفاء هذا التناقض عن أفعاله موقوفاً على العصمة ، بل على العقل (1).
قال المرتضى : وقوله يجوز أن يكون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نَحَله إيّاه ، وتركه أبو بكر في يده ـ لِمَا في ذلك من تقوية الدين ـ وتصدّق ببدله؛ وكلّ ما ذكره جائز ، إلاّ أنّه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها ، والحجّة عليها ، ولم يظهر من ذلك شيء فنعرفه ، ومن العجائب أن تدّعي فاطمة فَدَك نحلةً ، وتستشهد على قولها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وغيره ، فلا يُصغى إلى قولها ، ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين على سبيل النَّحْلة بغير بيّنة ظهرت ، ولا شهادةٍ قامت!
قلت : لعل أبا بكر سمع الرسول ( عليه السلام ) وهو ينحل ذلك عليّاً ( عليه السلام ) ، فلذلك لم يحتج إلى البيّنة والشهادة ، فقد روي أنّه أعطاه خاتمه وسيفه في مرضه وأبو بكر حاضر ، وأما البغلة فقد كان نحله إيّاها في حجة الوداع على ما وردت به الرواية؛ وأما العمامة فسلب الميّت ، وكذلك القميص والحجزة والحذاء ، فالعادة أن يأخذ ذلك ولد الميّت؛ ولا ينازع فيه لأنّه خارج ، أو كالخارج عن التركة ، فلما
|
|
(1) من أين علم ابن أبي الحديد انّ الشريف المرتضى ( قدّس سرّه ) قال بأنّ أبا بكر دفع السيف والعمامة للإمام ( عليه السلام ) في نفس اليوم الذي منع فيه فاطمة ( عليها السلام ) ميراثها, وليس في كتاب الشافي ما يشير إلى ذلك, فما قاله اجتهاد منه على غير علم أو قلة فهم!
|
غُسِّلَ ( عليه السلام ) أخذت ابنته ثيابه الّتي مات فيها ، وهذه عادة الناس (1) ، على أنّا قد ذكرنا في الفصل الأوّل كيف دفع إليه آلة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ودابته ، والظاهر أنّه فعل ذلك اجتهاداً لمصلحةٍ رآها؛ وللإمام أن يفعل ذلك.
قال المرتضى : على أنّه كان يجب على أبي بكر أن يبيّن ذلك ، ويذكر وجهه بعينه ، لمّا نازع العباس فيه ، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.
قلت : لم ينازع العباس في أيّام أبي بكر ، لا في البغلة والعمامة ونحوها ، ولا في غير ذلك ، وإنّما نازع عليّاً في أيام عمر ، وقد ذكرنا كيفية المنازعة ، وفيماذا كانت.
قال المرتضى ( رضي الله عنه ) في البُردة والقضيب : إن كان نحلةً ، أو على الوجه الآخر ، يجري مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهور والاستشهاد ، ولسنا نرى أصحابنا _ يعني المعتزلة (2) ـ يطالبون أنفسهم في هذه المواضع بما يطالبوننا بمثله إذا ادعينا وجوهاً وأسباباً وعللاً مجوّزة ، لأنّهم لا يقنعون منّا بما يجوز ويمكن؛ بل يوجبون فيما ندّعيه الظهور والاستشهاد ، وإذا كان هذا عليهم نسُوه أو تناسوه.
قلت : أمّا القضيب فهو السيف الّذي نحله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً ( عليه السلام ) في مرضه ، وليس بذي الفقار ، بل هو سيفٌ آخر؛ وأما البُردة فإنّه وهبها كعب بن زهير ، ثمّ صار هذ السيف وهذه البردة إلى الخلفاء ، بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ (3).
|
(1) هذا تبرير للخطأ وليس عليه شاهد.
(2) قول الشريف ـ أصحابنا يعني المعتزلة ـ لا يدل على اعتزاله, بل من نحو قول الله تعالى : «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب» ، [الكهف : 37].
(3) وفي ذلك قال شاعر أهل البيت ( عليهم السلام ) :
| ردّوا تـــراث محمّد ردّوا |
|
ليس القضيب لكم ولا البرد |
|
قال المرتضى : فأما قوله : فإنّ أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إنّما طلبن الميراث لأنّهنّ لم يعرفنَ رواية أبي بكر للخبر ، وكذلك إنّما نازع عليّ ( عليه السلام ) بعد موت فاطمة ( عليها السلام ) في الميراث لهذا الوجه ، فمن أقبح ما يقال في هذا الباب ، وأبعدِه عن الصواب!
وكيف لا يعرف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) رواية أبي بكر ، وبها دُفعت زوجته عن الميراث! وهل مثل ذلك المقام الّذي قامته ، وما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد ، فضلاً عمّن هو في المدينة حاضر شاهد يراعي الأخبار ، ويُعنى بها! إنّ هذا لخروج في المكابرة عن الحدّ!
وكيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرّة بعد آخرى ، ويكون عثمان الرسول لهنّ ، والمطالب عنهنّ ، وعثمان على زعمهم أحد من شهد أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يورث؛ وقد سمعن على كل حال أنّ بنت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم تورث ماله ، ولابدّ أن يكنّ قد سألن عن السبب في دفعها ، فذكر لهنّ الخبر ، فكيف يقال : إنّهن لم يعرفنه!
قلت : الصحيح أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم ينازع بعد موت فاطمة في الميراث ، وإنّما نازع في الولاية لِفَدك وغيرها من صدقات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وجرى بينه وبين العباس في ذلك ما هو مشهور ، وأما أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فما ثبت أنهنّ نازعن في ميراثه ، ولا أنّ عثمان كان المرسل لهنّ ، والمطالب عنهنّ ، إلاّ في رواية شاذة (1).
|
|
(1) أقول : روى البخاري في صحيحه في ( باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إليهم في آية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) 5 : 90 ط بولاق بسنده عن عروة.. ان عائشة زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) تقول : أرسل أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء الله على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) فكنت أردهنّ فقلت لهنّ : ألا تتقين الله؟! ألم تعلمن أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) _ يريد بذلك نفسه ـ إنّما يأكل آل محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في هذا المال؟ فانتهى أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى ما أخبرتهنّ .... فهذه رواية البخاري في صحيحه عن عائشة ومع ذلك يصفها ابن أبي الحديد بأنّها رواية شاذة, ومن يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة.
|
والأزواج لمّا عرفن أنّ فاطمة ( عليها السلام ) قد دُفِعتْ عن الميراث أمسكن ، ولم يكنّ قد نازعن ، وإنّما اكتفين بغيرهنّ ، وحديث فَدَك وحضور فاطمة عند أبي بكركان بعد عشرة أيام من وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والصحيح أنّه لم ينطق أحدٌ بعد ذلك من الناس من ذكر أو أنثى بعد عود فاطمة ( عليها السلام ) من ذلك المجلس بكلمة واحدة في الميراث.
قال المرتضى : فإن قيل : فإذا كان أبو بكر قد حكم بالخطأ في دفع فاطمة ( عليها السلام ) عن الميراث ، واحتجّ بخبرٍ لا حجّة فيه ، فما بال الأمّة أقرته على هذا الحكم ، ولم تُنكِر عليه ، وفي رضاها وإمساكها دليلٌ على صوابه!
قلت : قد مضى أنّ ترك النّكير لا يكون دليل الرضا إلاّ في هذا الموضع الّذي لا يكون له وجه سوى الرضا ، وذكرنا في ذلك قولاً شافياً ، وقد أجاب أبو عثمان الجاحظ في كتاب ( العباسية ) عن هذا السؤال جواباً حسن المعنى واللفظ ، نحن نذكره على وجهه ، ليقابل بينه وبين كلامه في العثمانية وغيرها.
قلت : ما كنّاه المرتضى ( رحمه الله ) في غير هذا الموضع أصلاً ، بل كان ساخطاً عليه ، وكنّاه في هذا الموضع ، واستجاد قوله ، لأنّه موافق غرضه ، فسبحان الله ما أشد حبّ الناس لعقائدهم (1) !
قال : قال أبو عثمان : وقد زعم أناس أنّ الدليل على صدق خبرهما _ يعني أبا بكر وعمر _ في منع الميراث وبراءة ساحتهما ، ترك أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) النكير عليهما.
ثم قال : قد يقال لهم : لئن كان ترك النكير دليلاً على صدقهما ، ليكوننّ ترك النكير على المتظلمين والمحتجين عليهما ، والمطالبين لهما ، دليلاً على صدق دعواهم ، أو استحسان مقالتهم ، ولا سيما وقد طالت المناجاة ، وكثرت المراجعة
|
|
(1) ولنا أن نقول لابن أبي الحديد عن نفسه مثل قوله : فسبحان الله ما أشدّ حب الناس لعقائدهم ، فاستماتته في الدفاع عن شيخه أبي عليّ وعن الشيخين ما لا يحتاج إلى بيان أو إقامة برهان
|
والملاحاة ، وظهرت الشكيّة ، واشتدّت الموجدة ، وقد بلغ ذلك من فاطمة ( عليها السلام ) حتى انّها أوصت ألاّ يصلّي عليها أبو بكر.
ولقد كانت قالت له حين أتته طالبةً بحقّها ، ومحتجّة لرهطها : مَنْ يرثك يا أبا بكر إذا متّ؟ قال : أهلي وولدي؛ قالت : فما بالنا لا نرث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) !
فلمّا منعها ميراثها ، وبخسها حقّها ، واعتلّ عليها ، وجلح في أمرها ، وعاينت التهضم ، وأيست من التورع ، ووجدت نشوة الضعف وقلّة الناصر ، قالت : والله لأدعونّ الله عليك ، قال : والله لأدعونّ الله لكِ؛ قالت : والله لا أكلّمك أبداً ، قال : والله لا أهجرك أبداً.
فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلاً على صواب منعها؛ إنّ في ترك النكير على فاطمة ( عليها السلام ) دليلاً على صواب طلبها! وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت ، وتذكيرها ما نسيت ، وصرفها عن الخطأ ، ورفع قدرها عن البذاء ، وأن تقول هجراً ، أو تجوّر عادلاً ، أو تقطع واصلاً؛ فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعاً فقد تكافأت الأمور ، واستوت الأسباب ، والرجوع إلى أصل حكم الله من المواريث أولى بنا وبكم ، وأوجب علينا وعليكم.
قال : فإن قالوا : كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها! وكلّما ازدادت عليه غلظةً ازداد لها ليناً ورقّة ، حيث تقول له : والله لا أكلّمك أبداً ، فيقول : والله لا أهجركِ أبداً ، ثمّ تقول : والله لأدعونّ الله عليك ، فيقول : والله لأدعونّ الله لكِ ، ثمّ يحتمل منها هذا الكلام الغليظ ، والقول الشديد في دار الخلافة ، وبحضرة قريش والصحابة ، مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه ، وما يجب لها من الرفعة والهيبة! ثمّ لم يمنعه ذلك أن قال معتذراً متقرّباً ، كلام المعظِّم لحقّها ، المُكبر لمقامها ، والصائن لوجهها ، المتحنّن عليها : ما أجد أعزّ عليّ منك فقراً ، ولا أحب إليّ منك غنىً ، ولكنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه فهو صدقة !
قيل لهم : ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم ، والسلامة من الجور ، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريباً ، وللخصومة معتاداً ، أن يُظهر كلام المظلوم ، وذلّة المنتصف وحدب الوامق ، ومِقَة المحقّ.
وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ، ودلالة واضحة ، وقد زعمتم أنّ عمر قال على منبره : مُتعتان كانتا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : متعة النساء ومتعة الحج ، أنا أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما؛ فما وجدتم أحداً أنكر قوله ، ولا استشنع مخرج نهيه ، ولا خطّأه في معناه ، ولا تعجّب منه ، ولا استفهمه!
وكيف تقضون بترك النكير وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال : الأئمة من قريش ؛ ثمّ قال في شكاته : لو كان سالمٌ حيّاً ما تخالجني فيه شكّ ، حين أظهر الشكّ في استحقاق كل واحد من الستّة الّذين جعلهم شورى ، وسالمٌ عبدٌ لامرأة من الأنصار ، وهي أعتقته وحازت ميراثه ، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر ، ولا قابل إنسان بين قوله ، ولا تعجّب منه.
وإنّما يكون ترك النكير على مَنْ لا رغبة ولا رهبة عنده دليلاً على صدق قوله ، وصواب عمله ، فأمّا ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة ، والأمر والنهي ، والقتل والاستحياء ، والحبس والإطلاق ، فليس بحجة تشفي ولا دلالة تضيئ.
قال : وقال آخرون : بل الدليل على صدق قولهما ، وصواب عملهما ، إمساك الصحابة عن خلعهما ، والخروج عليهما ، وهم الّذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ، ورد النصوص؛ ولو كان كما تقولون وما تصفون ، ما كان سبيل الأمة فيهما إلاّ كسبيلهم فيه ، وعثمان كان أعزّ نفراً ، وأشرف رهطاً ، وأكثر عدداً وثروة ، وأقوى عدة.
قلنا : إنّهما لم يجحدا التنزيل ، ولم ينكرا النصوص ، ولكنّهما بعد إقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة ادّعيا رواية ، وتحدّثا بحديث لم يكن
مُحالاً كونه ، ولا ممتنِعاً في حجج العقول مجيئُه ، وشهد لهما عليه من علّته مثل علّتهما فيه ، ولعلّ بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذا كان عَدلاً في رهطه ، مأموناً في ظاهره ، ولم يكن قبلَ ذلك عرفه بفَجْرة ، ولا جرت عليه غَدْرة ، فيكون تصديقه له على جهة حُسن الظنّ ، وتعديل الشاهد.
ولأنّه لم يكن كثيرٌ منهم يعرف حقائقَ الحجج ، والّذي يقطع بشهادته على الغيب ، وكان ذلك شبهة على أكثرهم ، فلذلك قلّ النّكير وتواكل الناس ، فاشتبه الأمر ، فصار لا يُتخلّص الى معرفة حقّ ذلك من باطله إلاّ العالمُ المتقدّم ، أو المؤيّد المرشد ، ولأنّه لم يكن لعثمان في صدور العوام ، وقلوب السَّفِلة والطَّغام ما كان لهما من المحبّة والهيبة ، ولأنّهما كانا أقلّ استئثاراً بالفيء ، وتفضّلاً بمالِ الله منه ، ومِن شأن الناس إهمال السلطان ما وفّر عليهم أموالَهم ، ولم يستأثر بخراجهم ، ولم يعطّل ثغورَهم.
ولأنّ الّذي صنع أبو بكر من منع العِتْرة حقّها ، والعمومة ميراثَها ، قد كان موافقاً لجلّة قريش وكبراءِ العرب ، ولأنّ عثمان أيضاً كان مضعوفاً في نفسه ، مستخفّاً بقدره ، لا يمنع ضَيْماً ، ولا يَقمَع عدوّاً؛ ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف والتشنيع والنكير ، لأمور لو أتى أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترؤا على اغتيابه ، فضلاً على مبادأته والإغراء به ومواجهته ، كما أغلظ عُيَينةُ بن حِصْن له فقال له : أما إنّه لو كان عمر لقمَعَك ومَنَعك؛ فقال عُيينة : إنّ عمر كان خيراً لي منك ، أرهبني فاتّقاني.
ثم قال : والعجب أنّا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد ، يردّ كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب إسناداً ، وأصحّ رجالاً ، وأحسن اتّصالاً؛ حتّى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) نسخوا الكتاب ، وخصّوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما ردّوه ، وأكذبوا قائليه ، وذلك أنّ كلّ إنسان منهم إنّما يجري إلى هواه ، ويصدّق ما وافق رضاه. ( هذا آخر كلام الجاحظ ).
ثم قال المرتضى ( رضي الله عنه ) : فإن قيل : ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير ، وقوله : كما لم ينكروا على أبي بكر ، فلم ينكروا أيضاً على فاطمة ( عليها السلام ) ولا على غيرها من الطالبين بالإرث ، كالأزواج وغيرهنّ معارضة صحيحة ، وذلك أنّ نكير أبي بكر لذلك ، ودفعها والاحتجاج عليها ، يكفيهم ويغنيهم عن تكلّف نكير آخر ، ولم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره.
قلنا : أوّل ما يُبطل هذا السؤال أنّ أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد احتجاجها من التظّلم والتألّم ، والتعنيف والتبكيت ، وقولها على ما روى : والله لأدعونّ الله عليك ، ولا أكلّمك أبداً ، وما جرى هذا المجرى؛ فقد كان يجب أن ينكره غيره ، ومن المنكَر الغضب على المنصف ، وبعد ، فإن كان إنكار أبي بكر مقنعاً ومغنياً عن إنكار غيره من المسلمين ، فإنكار فاطمة حكمه ، ومقامها على التظلّم منه مغنٍ عن نكير غيرها؛ وهذا واضح.
القسم الثالث : في أنّ فدك هل صحّ كونها نِحْلَة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة ( عليها السلام ) أم لا؟!
نذكر في هذا القسم ما حكاه المرتضى عن قاضي القضاة في ( المغني ) ، وما اعترض به عليه ، ثمّ نذكر ما عندنا في ذلك.
قال المرتضى حاكياً عن قاضي القضاة : وممّا عظمت الشيعة القول في أمر فَدَك ، قالوا : وقد روى أبو سعيد الخدري أنّه لما أنزلت : «وَآتِ ذَا القُرْبى حَقَّهُ» (1) ، أعطى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة ( عليها السلام ) فَدَك ، ثمّ فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك ، فردّها على ولدها. قالوا : ولا شكّ أن أبا بكر أغضبها؛ إن لم يصحّ كل الّذي روي في هذا الباب ، وقد كان الأجمل أن يمنعهم التكرّم ممّا ارتكبوا منها فضلاً
| |