المحسن السبط 392

قال : فما رأينا يوماً أكثر باكياً أو باكية من ذلك اليوم.
قال المرتضى : وقد روى هذا الكلام على هذا الوجه من طُرقٍ مختلفة ، ووجوه كثيرة ، فمن أرادها أخذها من مواضعها ، فكيف يدّعي أنّها ( عليها السلام ) كفّت راضية ، وأمسكت قانعة ، لولا البُهْت وقلّة الحياء!
قلت : ليس في هذا الخبر ما يدلّ على فساد ما ادّعاه قاضي القضاة ، لأنّه ادّعى أنّها نازعت وخاصمت ، ثمّ كفّت لما سمعت الرواية وانصرفت تاركة للنزاع ، راضية بموجب الخبر المروي.
وما ذكره المرتضى من هذا الكلام لا يدلّ إلاّ على سخطها حال حضورها ، ولا يدلّ على أنّها بعد رواية الخبر وبعد أن أقسم لها أبو بكر بالله تعالى أنّه ما روى عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ ما سمعه منه ، انصرفت ساخطة؛ ولا في الحديث المذكور والكلام المروي ما يدلّ على ذلك ، ولست أعتقد أنّها انصرفت راضية كما قال قاضي القضاة ، بل أعلم أنّها انصرفت ساخطة ، وماتت وهي على أبي بكر واجِدة ، ولكن لا من هذا الخبر ، بل من أخبار اُخر ، كان الأولى بالمرتضى أن يحتجّ بها على ما يرويه في انصرافها ساخطة ، وموتها على ذلك السخط ، وأمّا هذا الخبر وهذا الكلام فلا يدلّ على هذا المطلوب.
قال المرتضى ( رحمه الله ) : فأمّا قوله : إنّه يجوز أن يبيّن ( عليه السلام ) أنّه لا حقّ لميراثه في ورثته لغير الورثة ، ولا يمتنع أن يرد من جهة الآحاد ، لأنّه من باب العمل ، وكلّ هذا بناءً منه على أصوله الفاسدة في أنّ خبر الواحد حجّة في الشرع ، وأنّ العمل به واجب ، ودون صحة ذلك خَرْط القَتاد.
وإنّما يجوز أن يبيّن من جهة أخرى إذا تساويا في الحجة ووقوع العمل ، فأمّا مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما ، وإذا كان ورثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) متعبّدين بألاّ يرثوه ، فلابدّ من إزاحة عِلّتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم ، ويُشافِهَهم به ، ويلقيه إلى مَنْ يقيم الحجة عليهم بنقله ، وكل ذلك لم يكن.

المحسن السبط 393

فأمّا قوله : أتجوّزون صِدقَه في الرواية أم لا تجوزون ذلك؟ فالجواب : إنّا لا نجوّزه ، لأنّ كتاب الله أصدق منه ، وهو يدفع روايته ويبطلها؛ فأمّا اعتراضه على قولنا : إنّ إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال بقوله تعالى : «ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ».(1)
وقولهم : ما ورثت الأبناء من الآباء شيئاً أفضل من أدب حسن ، وقولهم : العلماء ورثة الأنبياء ، فعجيب ، لأنّ كل ما ذكر مقيّد غير مطلق ، وإنّما قلنا : إنّ مطلق لفظ الميراث من غير قرينة ولا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال ، فبعد ما ذكره وعارض به لا يخفى على متأمّل.
فأما استدلاله على أنّ سليمان ورث داود علمه دون ماله بقوله :« يَا أيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ»(2) وأنّ المراد أنّه وَرِث العلمَ والفضلَ ، وإلاّ لم يكن لهذا القول تعلّق بالأوّل ، فليس بشيء يعوّل عليه ، لأنّه لا يمتنع أن يريد به أنّه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا المعنى من الاستدلال.
فليس يجب إذا دلّت الدّلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن يقتصر بها عليه ، بل يجب أن يحملها على الحقيقة الّتي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع؛ على أن لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة ، ثمّ يقول مع ذلك إنّا : «عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ » ، ويشير ب ـ الفضل المبين إلى العِلم والمال جميعاً ، فله بالأمرين جميعاً فضلٌ على من لم يكن عليهما؛ وقوله : «وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء» يحتمل المال ، كما يحتمل العلم ، فليس بخالص ما ظنّه.

(1) فاطر : 32.
(2) النمل : 16.
المحسن السبط 394

فأمّا قوله في قصّة زكريا : إنّه خاف على العلم أن يندرس ، لأنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ، وإنّما خاف أن يضيع العلم ، فسأل الله تعالى وليّاً يقوم بالدين مقامه؛ فقد بيّنا أنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ولا يبخلون بها ، فإنّهم يجتهدون في منع المفسدين من الانتفاع بها على الفساد ، ولا يعدّ ذلك بخلاً ولا حرصاً ، بل فضلاً وديناً؛ وليس يجوز من زكريا أن يخاف على العلم الاندراس والضياع ، لأنّه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي حفظ العلم الّذي هو الحجة على العباد ، وبه تنزاح عللهم في مصالحهم ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله!
فإن قيل : فهبوا أنّ الأمر كما ذكرتم من أنّ زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس؛ أليس لابدّ أن يكون مجوزاً أن يحفظه الله تعالى بمن هو من أهله وأقاربه ، كما يجوز حفظه بغريب أجنبي! فما أنكرتم أن يكون خوفه إنّما كان من بني عمّه ألا يتعلّموا العلم ولا يقوموا فيه مقامه ، فسأل الله ولداً يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته ، ويتعدّى إلى غير قومه ، فيلحقه بذلك وصمة!
قلنا : أما إذا رتّب السؤال هذا الترتيب ، فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب ، وهو أنّ الخوف الّذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني ، وإنّما هو من ضررٍ دنياوي ، والأنبياء إنّما بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ومنازلهم في الثواب إنّما زادت على كل المنازل لهذا الوجه ، ومن كانت حاله هذه الحال ، فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولاً على مضار الدين ، لأنّها هي جهة خوفهم ، والغرض في بعثهم تحمّل ما سواها من المضارّ.
فإذا قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أنا خائف ، فلم يعلم جهة خوفه على التفصيل ، يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا ، لأنّ أحوالهم وبعثهم يقتضي ذلك ، فإذا كنّا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا وأسبابها ، والتعفّف عن منافعها ،

المحسن السبط 395

والرغبة في الآخرة ، والتفرّد بالعمل لها ، لكنّا نحمل على ما يظهر لنا من خوفه الّذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه وأليق بحاله ، ونضيفه إلى الآخرة دون الدنيا ، وإذا كان هذا واجباً فيمن ذكرناه فهو في الأنبياء ( عليهم السلام ) أوجب.
قلت : ينبغي ألا يقول المعترض فيلحقه بذلك وصمة ، فيجعل الخوف من هذه الوصمة ، بل يقول : إنّه خاف ألاّ يُفلح بنو عمّه ولا يتعلّموا العلم ، لما رأى من الأمارات الدالة على ذلك ، فالخوف على هذا الترتيب يتعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، فسأل الله تعالى أن يرزقه ولداً يرث عنه علمه ، أي يكون عالماً بالدينيات كما أنا عالم بها.
وهذا السؤال متعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، وعلى هذا يندفع ما ذكره المرتضى؛ على أنّه لا يجوز إطلاق القول بأنّ الأنبياء بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ولا القول : الغرض في بعثتهم تحمل ما سوى المضار الدينية من المضار ، فإنّهم ما بعثوا لذلك ، ولا الغرض في بعثتهم ذلك ، وإنّما بعثوا لأمرٍ آخر ، وقد تحصل المضار في أداء الشرع ضمناً وتبعاً ، لا على أنّها الغرض ، ولا داخلة في الغرض.
وعلى أنّ قول المرتضى : لا يجوز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، لأنّه محفوظ من الله ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله؛ غير مستمرّ على أصوله ، لأنّ المكلّفين الآن قد حُرموا بغيبة الإمام عنده ألطافاً كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد ، وهو وأصحابه يقولون في ذلك إن اللوم على المكلّفين؛ لأنّهم قد حرموا أنفسهم اللطف ، فهلاّ جاز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، وإفساد الأحكام الشرعية! لأنّه إنّما يجب على الله تعالى التبليغ بالرسول إلى المكلّفين ، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدّلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم ، لأنّهم هم الّذين حرموا أنفسهم اللطف.

المحسن السبط 396

واعلم أنّه قد قرئ : «وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي »(1) ؛ وقيل : إنّها قراءة زين العابدين وابنه محمّد بن عليّ الباقر ( عليهم السلام ) وعثمان بن عفّان. وفسّروه على وجهين :
أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي ، أي قلّت الموالي وعجزوا عن إقامة الدين ، تقول : قد خفّ بنو فلان ، أي قلّ عددهم ، فسأل زكريا ربّه تقويتهم ومظاهرتهم بوليٍّ يرزقه.
وثانيهما أن يكون ورائي بمعنى قدّامي ، أي خفّ الموالي وأنا حيّ ودرجوا وانقرضوا ، ولم يبق منهم من به اعتضاد ، وعلى هذه القراءة لا يبقى متعلّق بلفظة الخوف.
وقد فسر قوم قوله : «وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ» ، أي خفت الّذين يلون الأمر من بعدي ، لأنّ المولى يستعمل في الوالي ، وجمعه موالٍ ، أي خفت أن يلي بعد موتي أمراء ورؤساء يُفسدون شيئاً من الدين ، فارزقني ولداً تُنعِم عليه بالنبوّة والعلم ، كما أنعمت عليّ ، واجعل الدين محفوظاً به؛ وهذا التأويل غير منكر ، وفيه أيضاً دفع لكلام المرتضى.
قال المرتضى : وأمّا تعلّق صاحب الكتاب في أنّ الميراث محمول على العلم بقوله : « وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»(2) ؛ لأنّه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وإنّما يرث ذلك غيره ، فبعيد من الصواب؛ لأنّ ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم ، على أنّه لم يقل : يرث آل يعقوب ، بل قال : «يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » ، تنبيهاً بذلك على أنّه يرث من كان أحقّ بميراثه في القرابة. فأمّا طعنه على من تأول الخبر بأنّه ( عليه السلام ) لا يورث ما تركه للصدقة بقوله : إنّ

(1) مريم : 5.
(2) مريم : 6.
المحسن السبط 397

أحداً من الصحابة لم يتأوّله على هذا الوجه ، فهذا التأويل الّذي ذكرناه أحد ما قاله أصحابنا في هذا الخبر ، فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه! وإنّ أحداً لم يتأوّله على هذا الوجه.
فإن قال : لو كان ذلك لظهر واشتهر ، ولوقف أبو بكر عليه ، فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقه على هذا المعنى ما فيه كفاية.
قلت : لم يكن ذلك اليوم ـ أعني يوم حضور فاطمة ( عليها السلام ) ، وقولها لأبي بكر ما قالت _ يوم تقيّة وخوف ، وكيف يكون يوم تقيّة وهي تقول له وهو الخليفة : يابن أبي قُحافة ، أترث أباك ولا أرث أبي! وتقول له أيضاً : لقد جئت شيئاً فريّا! فكان ينبغي إذا لم يؤثر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يفسّر لأبي بكر معنى الخبر أن يُعلِم فاطمة ( عليها السلام ) تفسيره ، فتقول لأبي بكر : أنت غالط فيما ظننت ، إنّما قال أبي : ما تركناه صدقة فإنّه لا يورث.
واعلم أنّ هذا التأويل كاد يكون مدفوعاً بالضرورة ، لأنّ من نظر في الأحاديث الّتي ذكرناها وما جرت عليه الحال يعلم بطلانه علماً قطعيّاً.
قال المرتضى : وقوله : إنّه لا يكون إذ ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية؛ ليس بصحيح ، وقد قيل في الجواب عن هذا : إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجوز أن يريد أنّ ما ننوي فيه الصدقة ، ونفرده لها من غير أن نخرجه عن أيدينا لا تناله ورثتنا ، وهذا تخصيص للأنبياء ، ومزية ظاهرة.
قلت : هذه مخالفة لظاهر الكلام ، وإحالة للّفظ عن وضعه ، وبين قوله : ما ننوي فيه الصدقة ، وهو بعد في ملكنا ليس بموروث؛ وقوله : ما نخلّفه صدقة ليس بموروث فرق عظيم ، فلا يجوز أن يُراد أحد المعنيين باللفظ المفيد للمعنى الآخر ، لأنّه إلباسٌ وتعمية.
وأيضاً ، فإنّ العلماء ذكروا خصائص الرسول في الشرعيات عن أمته وعدّدوها ، نحو حل الزيادة في النكاح على أربع ، ونحو النكاح بلفظ الهبة على قول فرقةٍ من

المحسن السبط 398

المسلمين ، ونحو تحريم أكل البصل والثوم عليه ، وإباحة شرب دمه ، وغير ذلك ، ولم يذكروا في خصائصه أنّه إذا كان قد نوى أن يتصدّق بشيء فانّه لا يناله ورثته ، لو قدرنا أنّه يورث الأموال ، ولا الشيعة قبل المرتضى ذكرت ذلك ، ولا رأيناه في كتابٍ من كتبهم ، وهو مسبوق بإجماع طائفته عليه ، وإجماعهم عندهم حجّة.
قال المرتضى : فأمّا قوله : إنّ قوله ( عليه السلام ) : ما تركناه صدقة ، جملة من الكلام مستقلة بنفسها ، فصحيح إذا كانت لفظة ما مرفوعةً على الابتداء ، ولم تكن منصوبةً بوقوع الفعل عليها ، وكانت لفظة صدقة أيضاً مرفوعة غير منصوبة ، وفي هذا وقع النزاع؛ فكيف يدّعي أنّها جملة مستقلة بنفسها! وأقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول : الرواية جاءت بلفظ صدقةٌ بالرفع ، وعلى ما تأوّلتموه لا تكون إلاّ منصوبةً ، والجواب عن ذلك أنّا لا نسلّم الرواية بالرفع ، ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب ، والاشتباه يقع في مثله ، فمن حقّق منهم وصرّح بالرواية بالرفع يجوز أن يكون اشتبه عليه فظنّها مرفوعة ، وهي منصوبة.
قلت : وهذا أيضاً خلاف الظاهر ، وفتح الباب فيه يؤدّي إلى إفساد الاحتجاج بكثير من الأخبار.
أقول : سيأتي في الخاتمة وقفة ايضاح واستيضاح حول هذا الحديث المزعوم وروايته في الصحاح فراجع ، كما سيأتي ذكر مناظرة الشيخ المفيد مع أبي علي بن شاذان برواية الإمام أبي الوليد الباجي المالكي في كتابه المنتقى شرح الموطأ لمالك ، وهي حريّة بالمراجعة. على أن قراءة ( صدقة ) بالنصب إن لم تكن هي المتعينة ، فلا أقل من طرق الإحتمال ، وذلك يبطل على الخصم قراءة الرفع عند الاستدلال.
قال : وأمّا حكايته عن أبي عليّ أنّ أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) السيف والبغلة والعمامة على جهة الإرث؛ وقوله : كيف يجوز ذلك مع الخبر الّذي

المحسن السبط 399

رواه! وكيف خصّصه بذلك دون العم الّذي هو العصبة! فما نراه زاد على التعجّب ، ومما عجب منه عجبنا ، ولم يثبت عصمة أبي بكر فينتفي عن أفعاله التناقض.
قلت : لا يشكّ أحد في أنّ أبا بكر كان عاقلاً ، وإن شكّ قوم في ذلك ، فالعاقل في يومٍ واحد لا يدفع فاطمة ( عليها السلام ) عن الإرث ويقول : إنّ أباكِ قال لي : إنّي لا أورث ، ثمّ يورث في ذلك اليوم شخصاً آخر من مال ذلك المتوفى الّذي حكى عنه أنّه لا يورث ، وليس انتفاء هذا التناقض عن أفعاله موقوفاً على العصمة ، بل على العقل (1).
قال المرتضى : وقوله يجوز أن يكون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نَحَله إيّاه ، وتركه أبو بكر في يده ـ لِمَا في ذلك من تقوية الدين ـ وتصدّق ببدله؛ وكلّ ما ذكره جائز ، إلاّ أنّه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها ، والحجّة عليها ، ولم يظهر من ذلك شيء فنعرفه ، ومن العجائب أن تدّعي فاطمة فَدَك نحلةً ، وتستشهد على قولها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وغيره ، فلا يُصغى إلى قولها ، ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين على سبيل النَّحْلة بغير بيّنة ظهرت ، ولا شهادةٍ قامت!
قلت : لعل أبا بكر سمع الرسول ( عليه السلام ) وهو ينحل ذلك عليّاً ( عليه السلام ) ، فلذلك لم يحتج إلى البيّنة والشهادة ، فقد روي أنّه أعطاه خاتمه وسيفه في مرضه وأبو بكر حاضر ، وأما البغلة فقد كان نحله إيّاها في حجة الوداع على ما وردت به الرواية؛ وأما العمامة فسلب الميّت ، وكذلك القميص والحجزة والحذاء ، فالعادة أن يأخذ ذلك ولد الميّت؛ ولا ينازع فيه لأنّه خارج ، أو كالخارج عن التركة ، فلما

(1) من أين علم ابن أبي الحديد انّ الشريف المرتضى ( قدّس سرّه ) قال بأنّ أبا بكر دفع السيف والعمامة للإمام ( عليه السلام ) في نفس اليوم الذي منع فيه فاطمة ( عليها السلام ) ميراثها, وليس في كتاب الشافي ما يشير إلى ذلك, فما قاله اجتهاد منه على غير علم أو قلة فهم!
المحسن السبط 400

غُسِّلَ ( عليه السلام ) أخذت ابنته ثيابه الّتي مات فيها ، وهذه عادة الناس (1) ، على أنّا قد ذكرنا في الفصل الأوّل كيف دفع إليه آلة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ودابته ، والظاهر أنّه فعل ذلك اجتهاداً لمصلحةٍ رآها؛ وللإمام أن يفعل ذلك.
قال المرتضى : على أنّه كان يجب على أبي بكر أن يبيّن ذلك ، ويذكر وجهه بعينه ، لمّا نازع العباس فيه ، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.
قلت : لم ينازع العباس في أيّام أبي بكر ، لا في البغلة والعمامة ونحوها ، ولا في غير ذلك ، وإنّما نازع عليّاً في أيام عمر ، وقد ذكرنا كيفية المنازعة ، وفيماذا كانت.
قال المرتضى ( رضي الله عنه ) في البُردة والقضيب : إن كان نحلةً ، أو على الوجه الآخر ، يجري مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهور والاستشهاد ، ولسنا نرى أصحابنا _ يعني المعتزلة (2) ـ يطالبون أنفسهم في هذه المواضع بما يطالبوننا بمثله إذا ادعينا وجوهاً وأسباباً وعللاً مجوّزة ، لأنّهم لا يقنعون منّا بما يجوز ويمكن؛ بل يوجبون فيما ندّعيه الظهور والاستشهاد ، وإذا كان هذا عليهم نسُوه أو تناسوه.
قلت : أمّا القضيب فهو السيف الّذي نحله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً ( عليه السلام ) في مرضه ، وليس بذي الفقار ، بل هو سيفٌ آخر؛ وأما البُردة فإنّه وهبها كعب بن زهير ، ثمّ صار هذ السيف وهذه البردة إلى الخلفاء ، بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ (3).

(1) هذا تبرير للخطأ وليس عليه شاهد.
(2) قول الشريف ـ أصحابنا يعني المعتزلة ـ لا يدل على اعتزاله, بل من نحو قول الله تعالى : «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب» ، [الكهف : 37].
(3) وفي ذلك قال شاعر أهل البيت ( عليهم السلام ) :
ردّوا تـــراث محمّد ردّوا ليس القضيب لكم ولا البرد
المحسن السبط 401

قال المرتضى : فأما قوله : فإنّ أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إنّما طلبن الميراث لأنّهنّ لم يعرفنَ رواية أبي بكر للخبر ، وكذلك إنّما نازع عليّ ( عليه السلام ) بعد موت فاطمة ( عليها السلام ) في الميراث لهذا الوجه ، فمن أقبح ما يقال في هذا الباب ، وأبعدِه عن الصواب!
وكيف لا يعرف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) رواية أبي بكر ، وبها دُفعت زوجته عن الميراث! وهل مثل ذلك المقام الّذي قامته ، وما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد ، فضلاً عمّن هو في المدينة حاضر شاهد يراعي الأخبار ، ويُعنى بها! إنّ هذا لخروج في المكابرة عن الحدّ!
وكيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرّة بعد آخرى ، ويكون عثمان الرسول لهنّ ، والمطالب عنهنّ ، وعثمان على زعمهم أحد من شهد أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يورث؛ وقد سمعن على كل حال أنّ بنت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم تورث ماله ، ولابدّ أن يكنّ قد سألن عن السبب في دفعها ، فذكر لهنّ الخبر ، فكيف يقال : إنّهن لم يعرفنه!
قلت : الصحيح أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم ينازع بعد موت فاطمة في الميراث ، وإنّما نازع في الولاية لِفَدك وغيرها من صدقات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وجرى بينه وبين العباس في ذلك ما هو مشهور ، وأما أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فما ثبت أنهنّ نازعن في ميراثه ، ولا أنّ عثمان كان المرسل لهنّ ، والمطالب عنهنّ ، إلاّ في رواية شاذة (1).

(1) أقول : روى البخاري في صحيحه في ( باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إليهم في آية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) 5 : 90 ط بولاق بسنده عن عروة.. ان عائشة زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) تقول : أرسل أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء الله على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) فكنت أردهنّ فقلت لهنّ : ألا تتقين الله؟! ألم تعلمن أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) _ يريد بذلك نفسه ـ إنّما يأكل آل محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في هذا المال؟ فانتهى أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى ما أخبرتهنّ .... فهذه رواية البخاري في صحيحه عن عائشة ومع ذلك يصفها ابن أبي الحديد بأنّها رواية شاذة, ومن يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة.
المحسن السبط 402

والأزواج لمّا عرفن أنّ فاطمة ( عليها السلام ) قد دُفِعتْ عن الميراث أمسكن ، ولم يكنّ قد نازعن ، وإنّما اكتفين بغيرهنّ ، وحديث فَدَك وحضور فاطمة عند أبي بكركان بعد عشرة أيام من وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والصحيح أنّه لم ينطق أحدٌ بعد ذلك من الناس من ذكر أو أنثى بعد عود فاطمة ( عليها السلام ) من ذلك المجلس بكلمة واحدة في الميراث.
قال المرتضى : فإن قيل : فإذا كان أبو بكر قد حكم بالخطأ في دفع فاطمة ( عليها السلام ) عن الميراث ، واحتجّ بخبرٍ لا حجّة فيه ، فما بال الأمّة أقرته على هذا الحكم ، ولم تُنكِر عليه ، وفي رضاها وإمساكها دليلٌ على صوابه!
قلت : قد مضى أنّ ترك النّكير لا يكون دليل الرضا إلاّ في هذا الموضع الّذي لا يكون له وجه سوى الرضا ، وذكرنا في ذلك قولاً شافياً ، وقد أجاب أبو عثمان الجاحظ في كتاب ( العباسية ) عن هذا السؤال جواباً حسن المعنى واللفظ ، نحن نذكره على وجهه ، ليقابل بينه وبين كلامه في العثمانية وغيرها.
قلت : ما كنّاه المرتضى ( رحمه الله ) في غير هذا الموضع أصلاً ، بل كان ساخطاً عليه ، وكنّاه في هذا الموضع ، واستجاد قوله ، لأنّه موافق غرضه ، فسبحان الله ما أشد حبّ الناس لعقائدهم (1) !
قال : قال أبو عثمان : وقد زعم أناس أنّ الدليل على صدق خبرهما _ يعني أبا بكر وعمر _ في منع الميراث وبراءة ساحتهما ، ترك أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) النكير عليهما.
ثم قال : قد يقال لهم : لئن كان ترك النكير دليلاً على صدقهما ، ليكوننّ ترك النكير على المتظلمين والمحتجين عليهما ، والمطالبين لهما ، دليلاً على صدق دعواهم ، أو استحسان مقالتهم ، ولا سيما وقد طالت المناجاة ، وكثرت المراجعة

(1) ولنا أن نقول لابن أبي الحديد عن نفسه مثل قوله : فسبحان الله ما أشدّ حب الناس لعقائدهم ، فاستماتته في الدفاع عن شيخه أبي عليّ وعن الشيخين ما لا يحتاج إلى بيان أو إقامة برهان
المحسن السبط 403

والملاحاة ، وظهرت الشكيّة ، واشتدّت الموجدة ، وقد بلغ ذلك من فاطمة ( عليها السلام ) حتى انّها أوصت ألاّ يصلّي عليها أبو بكر.
ولقد كانت قالت له حين أتته طالبةً بحقّها ، ومحتجّة لرهطها : مَنْ يرثك يا أبا بكر إذا متّ؟ قال : أهلي وولدي؛ قالت : فما بالنا لا نرث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) !
فلمّا منعها ميراثها ، وبخسها حقّها ، واعتلّ عليها ، وجلح في أمرها ، وعاينت التهضم ، وأيست من التورع ، ووجدت نشوة الضعف وقلّة الناصر ، قالت : والله لأدعونّ الله عليك ، قال : والله لأدعونّ الله لكِ؛ قالت : والله لا أكلّمك أبداً ، قال : والله لا أهجرك أبداً.
فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلاً على صواب منعها؛ إنّ في ترك النكير على فاطمة ( عليها السلام ) دليلاً على صواب طلبها! وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت ، وتذكيرها ما نسيت ، وصرفها عن الخطأ ، ورفع قدرها عن البذاء ، وأن تقول هجراً ، أو تجوّر عادلاً ، أو تقطع واصلاً؛ فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعاً فقد تكافأت الأمور ، واستوت الأسباب ، والرجوع إلى أصل حكم الله من المواريث أولى بنا وبكم ، وأوجب علينا وعليكم.
قال : فإن قالوا : كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها! وكلّما ازدادت عليه غلظةً ازداد لها ليناً ورقّة ، حيث تقول له : والله لا أكلّمك أبداً ، فيقول : والله لا أهجركِ أبداً ، ثمّ تقول : والله لأدعونّ الله عليك ، فيقول : والله لأدعونّ الله لكِ ، ثمّ يحتمل منها هذا الكلام الغليظ ، والقول الشديد في دار الخلافة ، وبحضرة قريش والصحابة ، مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه ، وما يجب لها من الرفعة والهيبة! ثمّ لم يمنعه ذلك أن قال معتذراً متقرّباً ، كلام المعظِّم لحقّها ، المُكبر لمقامها ، والصائن لوجهها ، المتحنّن عليها : ما أجد أعزّ عليّ منك فقراً ، ولا أحب إليّ منك غنىً ، ولكنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه فهو صدقة !

المحسن السبط 404

قيل لهم : ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم ، والسلامة من الجور ، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريباً ، وللخصومة معتاداً ، أن يُظهر كلام المظلوم ، وذلّة المنتصف وحدب الوامق ، ومِقَة المحقّ.
وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ، ودلالة واضحة ، وقد زعمتم أنّ عمر قال على منبره : مُتعتان كانتا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : متعة النساء ومتعة الحج ، أنا أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما؛ فما وجدتم أحداً أنكر قوله ، ولا استشنع مخرج نهيه ، ولا خطّأه في معناه ، ولا تعجّب منه ، ولا استفهمه!
وكيف تقضون بترك النكير وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال : الأئمة من قريش ؛ ثمّ قال في شكاته : لو كان سالمٌ حيّاً ما تخالجني فيه شكّ ، حين أظهر الشكّ في استحقاق كل واحد من الستّة الّذين جعلهم شورى ، وسالمٌ عبدٌ لامرأة من الأنصار ، وهي أعتقته وحازت ميراثه ، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر ، ولا قابل إنسان بين قوله ، ولا تعجّب منه.
وإنّما يكون ترك النكير على مَنْ لا رغبة ولا رهبة عنده دليلاً على صدق قوله ، وصواب عمله ، فأمّا ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة ، والأمر والنهي ، والقتل والاستحياء ، والحبس والإطلاق ، فليس بحجة تشفي ولا دلالة تضيئ.
قال : وقال آخرون : بل الدليل على صدق قولهما ، وصواب عملهما ، إمساك الصحابة عن خلعهما ، والخروج عليهما ، وهم الّذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ، ورد النصوص؛ ولو كان كما تقولون وما تصفون ، ما كان سبيل الأمة فيهما إلاّ كسبيلهم فيه ، وعثمان كان أعزّ نفراً ، وأشرف رهطاً ، وأكثر عدداً وثروة ، وأقوى عدة.
قلنا : إنّهما لم يجحدا التنزيل ، ولم ينكرا النصوص ، ولكنّهما بعد إقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة ادّعيا رواية ، وتحدّثا بحديث لم يكن

المحسن السبط 405

مُحالاً كونه ، ولا ممتنِعاً في حجج العقول مجيئُه ، وشهد لهما عليه من علّته مثل علّتهما فيه ، ولعلّ بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذا كان عَدلاً في رهطه ، مأموناً في ظاهره ، ولم يكن قبلَ ذلك عرفه بفَجْرة ، ولا جرت عليه غَدْرة ، فيكون تصديقه له على جهة حُسن الظنّ ، وتعديل الشاهد.
ولأنّه لم يكن كثيرٌ منهم يعرف حقائقَ الحجج ، والّذي يقطع بشهادته على الغيب ، وكان ذلك شبهة على أكثرهم ، فلذلك قلّ النّكير وتواكل الناس ، فاشتبه الأمر ، فصار لا يُتخلّص الى معرفة حقّ ذلك من باطله إلاّ العالمُ المتقدّم ، أو المؤيّد المرشد ، ولأنّه لم يكن لعثمان في صدور العوام ، وقلوب السَّفِلة والطَّغام ما كان لهما من المحبّة والهيبة ، ولأنّهما كانا أقلّ استئثاراً بالفيء ، وتفضّلاً بمالِ الله منه ، ومِن شأن الناس إهمال السلطان ما وفّر عليهم أموالَهم ، ولم يستأثر بخراجهم ، ولم يعطّل ثغورَهم.
ولأنّ الّذي صنع أبو بكر من منع العِتْرة حقّها ، والعمومة ميراثَها ، قد كان موافقاً لجلّة قريش وكبراءِ العرب ، ولأنّ عثمان أيضاً كان مضعوفاً في نفسه ، مستخفّاً بقدره ، لا يمنع ضَيْماً ، ولا يَقمَع عدوّاً؛ ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف والتشنيع والنكير ، لأمور لو أتى أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترؤا على اغتيابه ، فضلاً على مبادأته والإغراء به ومواجهته ، كما أغلظ عُيَينةُ بن حِصْن له فقال له : أما إنّه لو كان عمر لقمَعَك ومَنَعك؛ فقال عُيينة : إنّ عمر كان خيراً لي منك ، أرهبني فاتّقاني.
ثم قال : والعجب أنّا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد ، يردّ كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب إسناداً ، وأصحّ رجالاً ، وأحسن اتّصالاً؛ حتّى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) نسخوا الكتاب ، وخصّوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما ردّوه ، وأكذبوا قائليه ، وذلك أنّ كلّ إنسان منهم إنّما يجري إلى هواه ، ويصدّق ما وافق رضاه. ( هذا آخر كلام الجاحظ ).

المحسن السبط 406

ثم قال المرتضى ( رضي الله عنه ) : فإن قيل : ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير ، وقوله : كما لم ينكروا على أبي بكر ، فلم ينكروا أيضاً على فاطمة ( عليها السلام ) ولا على غيرها من الطالبين بالإرث ، كالأزواج وغيرهنّ معارضة صحيحة ، وذلك أنّ نكير أبي بكر لذلك ، ودفعها والاحتجاج عليها ، يكفيهم ويغنيهم عن تكلّف نكير آخر ، ولم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره.
قلنا : أوّل ما يُبطل هذا السؤال أنّ أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد احتجاجها من التظّلم والتألّم ، والتعنيف والتبكيت ، وقولها على ما روى : والله لأدعونّ الله عليك ، ولا أكلّمك أبداً ، وما جرى هذا المجرى؛ فقد كان يجب أن ينكره غيره ، ومن المنكَر الغضب على المنصف ، وبعد ، فإن كان إنكار أبي بكر مقنعاً ومغنياً عن إنكار غيره من المسلمين ، فإنكار فاطمة حكمه ، ومقامها على التظلّم منه مغنٍ عن نكير غيرها؛ وهذا واضح.
القسم الثالث : في أنّ فدك هل صحّ كونها نِحْلَة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة ( عليها السلام ) أم لا؟!
نذكر في هذا القسم ما حكاه المرتضى عن قاضي القضاة في ( المغني ) ، وما اعترض به عليه ، ثمّ نذكر ما عندنا في ذلك.
قال المرتضى حاكياً عن قاضي القضاة : وممّا عظمت الشيعة القول في أمر فَدَك ، قالوا : وقد روى أبو سعيد الخدري أنّه لما أنزلت : «وَآتِ ذَا القُرْبى حَقَّهُ» (1) ، أعطى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة ( عليها السلام ) فَدَك ، ثمّ فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك ، فردّها على ولدها. قالوا : ولا شكّ أن أبا بكر أغضبها؛ إن لم يصحّ كل الّذي روي في هذا الباب ، وقد كان الأجمل أن يمنعهم التكرّم ممّا ارتكبوا منها فضلاً

(1) الإسراء : 26.

السابق السابق الفهرس التالي التالي