المحسن السبط 377

وذلك لأنّ التكليف في ذلك يتعلق بالإمام ، فإذا بيّن له جاز ألاّ يبيّن لغيره ويصير البيان له بياناً لغيره ، وإن لم يسمعه من الرسول ، لأنّ هذا الجنس من البيان يجب أن يكون بحسب المصلحة.
قال : ثمّ حكى عن أبي عليّ أنّه قال : أتعلمون كذِبَ أبي بكر في هذه الرواية ، أم تجوّزون أن يكون صادقاً؟ قال : وقد علم أنّه لا شيء يقطع به على كذبه ، فلابدّ من تجويز كونه صادقاً ، وإذا صحّ ذلك قيل لهم : فهل كان يحلّ له مخالفة الرسول؟
فإن قالوا : لو كان صِدقاً لظهر واشتهر ، قيل لهم : إنّ ذلك من باب العمل ، ولا يمتنع أن ينفرد بروايته جماعة يسيرة ، بل الواحد والاثنان ، مثل سائر الأحكام ومثل الشهادات ، فإن قالوا : نعلم أنّه لا يصحّ لقوله تعالى في كتابه : «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ»(1) . قيل لهم : ومن أين أنّه ورثه الأموال؛ مع تجويز أن يكون ورثه العلم والحكمة؟
فإن قالوا : إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال؛ قيل لهم : إن كتاب الله يُبطل قولَكم ، لأنّه قال : «ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا »(2) ، والكتاب ليس بمال ، ويقال في اللغة : ما ورثت الأبناء عن الآباء شيئاً أفضل من أدب حَسَن؛ وقالوا : العلماء ورثة الأنبياء ، وإنّما ورثوا منهم العلم دون المال ، على أنّ في آخر الآية ما يدلّ على ما قلناه ، وهو قوله تعالى حاكياً عنه : «وَقَالَ يَا أيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَاُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ» (3) ، فنبّه على أنّ الّذي ورث هو هذا العلم وهذا الفضل ، وإلاّ لم يكن لهذا القول تعلق بالأول.

(1) النمل : 16.
(2) فاطر : 32.
(3) النمل : 16.
المحسن السبط 378

فإن قالوا : فقد قال تعالى : «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1) ، وذلك يُبطل الخبر! قيل لهم : ليس في ذلك بيان المال أيضاً ، وفي الآية ما يدلّ على أنّ المراد النبوّة والعلم ، لأنّ زكريا خاف على العلم أن يندرس ، وقوله : «وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي» (2) يدلّ على ذلك ، لأنّ الأنبياء لا تحرص على الأموال حرصاً يتعلق خوفها بها ، وإنما أراد خوفه على العلم أن يضيع ، فسأل الله تعالى وليّاً يقوم بالدّين مقامه ، وقوله : « وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ » (3)يدلّ على أنّ المراد العلم والحكمة ، لأنّه لا يرث أموال يعقوب في الحقيقة ، وإنّما يرث ذلك غيره.
قال : فأمّا مَن يقول إنّ المراد أنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة ، أي ما جعلناه صدقة في حال حياتنا لا نورثه ، فركيك من القول ، لأنّ إجماع الصحابة يخالفه ، لأنّ أحداً لم يتأوّله على هذا الوجه ، ولأنّه لا يكون في ذلك تخصيص الأنبياء ، ولا مزية لهم ، ولأنّ قوله : ما تركناه صدقة ، جملة من الكلام مستقلّة بنفسها ، كأنّه ( عليه السلام ) مع بيانه أنّهم لا يورثون المال يبيّن أنّه صدقة ، لأنّه كان يجوز ألاّ يكون ميراثاً ، ويصرف إلى وجه آخر غير الصدقة.
قال : فأمّا خبر السيف والبغلة والعمامة وغير ذلك ، فقد قال أبو عليّ : إنّه لم يثبت أنّ أبابكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على جهة الإرث ، كيف يجوز ذلك مع الخبر الّذي رواه ، وكيف يجوز لو كان وارثاً أن يخصّه بذلك ولا إرث له مع العمّ لأنّه عصبة!
فإن كان وصل إلى فاطمة ( عليها السلام ) فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكاً في ذلك وأزواج الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ولوجب أن يكون ذلك ظاهراً مشهوراً ليُعرف أنّهم

(1) مريم : 5 ـ 6.
(2) مريم : 5.
المحسن السبط 379

أخذوا نصيبهم من ذلك أو بدله ، ولا يجب إذا لم يدفع أبو بكر ذلك إليه على جهة الإرث ألا يحصل ذلك في يده ، لأنّه قد يجوز أن يكون النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نحله ذلك ، ويجوز أيضاً أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين ، وتصدق ببدله بعد التقويم ، لأنّ الإمام له أن يفعل ذلك.
قال : وحكى عن أبي عليّ في البُرد والقضيب أنّه لم يمتنع أن يكون جعله عدة في سبيل الله وتقوية على المشركين ، فتداولته الأئمة لما فيه من التقوية ، ورأى أنّ ذلك أولى من أن يتصدق به إن ثبت أنّه ( عليه السلام ) لم يكن قد نحله غيره في حياته ، ثمّ عارض نفسه بطلب أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) الميراث ، وتنازع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والعباس بعد موت فاطمة ( عليها السلام ) ، وأجاب عن ذلك بأن قال : يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية أبي بكر وغيره للخبر.
وقد روي أنّ عائشة لمّا عرّفتهنّ الخبر أمسكن ، وقد بيّنا أنّه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الإرث ، ويعرفه من يتقلّد الأمر ، كما يعرف العلماء والحكام من أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الإرث ، وقد بيّنا أنّ رواية أبي بكر مع الجماعة أقوى من شاهدين لو شهدا أنّ بعض تركته ( عليه السلام ) دين ، وهو أقوى من رواية سلمان وابن مسعود لو رويا ذلك.
قال : ومتى تعلّقوا بعموم القرآن أريناهم جواز التخصيص بهذا الخبر ، كما أن عموم القرآن يقتضي كون الصدقات للفقراء ، وقد ثبت أنّ آل محمّد لا تحلّ لهم الصدقة.
هذا آخر ما حكاه المرتضى من كلام قاضي القضاة.
ثم قال : نحن نبيّن أوّلاً ما يدل على أنّه ( صلى الله عليه وآله ) يورث المال ، ونرتّب الكلام في ذلك الترتيب الصحيح ، ثمّ نعطف على ما أورده ، ونتكلّم عليه.

المحسن السبط 380

قال ( رضي الله عنه ) : والذي يدلّ على ما ذكرنا قوله تعالى مخبراً عن زكريا ( عليه السلام ) : «وَإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً »(1)
فخبر أنّه خاف من بني عمّه ، لأنّ الموالي هاهنا هم بنو العمّ بلا شبهة ، وإنّما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد ، لأنّه كان يعرف ذلك من خلائقهم وطرائقهم ، فسأل ربّه ولداً يكون أحق بميراثه منهم.
والذي يدل على أنّ المراد بالميراث المذكور ميراث المال دون العلم والنبوة على ما يقولون ، إنّ لفظة الميراث في اللغة والشريعة لا يفيد إطلاقها إلاّ ما يجوز أن ينتقل على الحقيقة من الموروث إلى الوارث ، كالأموال وما في معناها ، ولا يُستعمل في غير المال إلاّ تجوّزاً واتساعاً ، ولهذا لا يُفهم من قول القائل : لا وارث لفلان إلاّ فلان ، وفلان يرث مع فلان بالظاهر والإطلاق إلاّ ميراث الأموال والأعراض دون العلوم وغيرها ، وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة.
وأيضاً فإنّه تعالى خبّر عن نبيّه أنّه اشترط في وارثه أن يكون رضيّاً ، ومتى لم يُحمل الميراث في الآية على المال دون العلم والنبوة لم يكن للاشتراط معنى ، وكان لغواً وعبثاً؛ لأنّه إذا كان إنّما سأل من يقوم مقامه ، ويرث مكانه فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه وسؤاله؛ فلا مقتضى لاشتراطه ، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول : اللهم ابعث إلينا نبياً واجعله عاقلاً ، [ومكلّفاً]؛ فإذا ثبتت هذه الجملة صحّ أنّ زكريا موروث ماله ، وصحّ أيضاً لصحتها أنّ نبينا ( صلى الله عليه وآله ) ممن يورث المال ، لأنّ الإجماع واقع على أنّ حال نبينا ( صلى الله عليه وآله ) لا يخالف حال الأنبياء المتقدّمين في ميراث المال ، فمن مثبت للأمرين ونافٍ للأمرين.

(1) مريم : 5 ـ 6.
المحسن السبط 381

قلت : إنّ شيخنا أبا الحسين قال في كتاب ( الغرر ) صورة الخبر الوارد في هذا الباب ، وهو الّذي رواه أبو بكر! لا نورّث ، ولم يقل : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، فلا يلزم من كون زكريا يورث الطعن في الخبر ، وتصفّحت أنا كتب الصحاح في الحديث فوجدت صيغة الخبر كما قاله أبو الحسين ، وإن كان رسول[الله] ( صلى الله عليه وآله ) عنى نفسه خاصة بذلك فقد سقط احتجاج الشيعة بقصة زكريا وغيره من الأنبياء ، إلاّ أنّه يبعد عندي أن يكون أراد نفسه خاصة؛ لأنّه لم يَجْرِ عادته أن يخبر عن نفسه في شيء بالنون.
فإن قلت : أيصح من المرتضى أن يوافق على أنّ صورة الخبر هكذا ، ثمّ يحتجّ بقصّة زكريا بأن يقول : إذا ثبت أنّ زكريا موروث ، ثبت أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يجوز أن يكون موروثاً ، لإجماع الأمة على أن لا فرق بين الأنبياء كلّهم في هذا الحكم!
قلت : وإن ثبت له هذا الإجماع صحّ احتجاجه ، ولكن ثبوته يبعد ، لأنّ من نفى كون زكريا ( عليه السلام ) موروثاً من الأمة إنّما نفاه لاعتقاده أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : نحن معاشر الأنبياء (1) ، فإذا كان لم يقل هكذا ، لم يقل : إنّ زكريا ( عليه السلام ) غير موروث.
قال المرتضى : ومما يقوي ما قدمناه أنّ زكريا ( عليه السلام ) خاف بني عمّه ، فطلب وارثاً لأجل خوفه ، ولا يليق خوفه منهم إلاّ بالمال دون العلم والنبوّة ، لأنّه ( عليه السلام ) كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيّاً ليس بأهل للنبوّة ، أو أن يورث علمه وحكمه من ليس أهلاً لهما ، ولأنّه إنّما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس ، فلا يجوز أن يخاف من الأمر الّذي هو الغرض في البعثة.

(1) لقد ورد بلفظ : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ... ) في جملة مصار من التراث السني منها : فتح الباري لابن حجر 12 : 8 ، ط دار الفكر بيروت, وزاد المسير لابن الجوزي 5 : 209 ، ط دار الفكر بيروت, واللئالئ المصنوعة للسيوطي 2 : 235 ، ط دار الكتاب العربي بمصر, والبداية والنهاية لابن كثير 2 : 154 ، و 4 : 203 ، و 5 : 290 ، ط دار الفكر بيروت ، وتحفة الطالب لابن كثير 1 : 336 ، نشر دار حواء بمكة المكرمة سنة 1406, ومسند الربيع بن حبيب 2 : 62 ، تصوير مكتبة الثقافة وأخيراً موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 10 : 17 ، ط عالم التراث.
المحسن السبط 382

فإن قيل : هذا يرجع عليكم في الخوف عن إرث المال ، لأنّ ذلك غاية الضن والبخل ، قلنا : معاذ الله أن يستوي الحال ، لأنّ المال قد يصحّ أن يرزقه الله تعالى المؤمن والكافر والعدو والوليّ ، ولا يصحّ ذلك في النبوّة وعلومها ، وليس من الظنّ أن يأسى على بني عمّه ـ وهم من أهل الفساد ـ أن يظفروا بماله فينفقوه على المعاصي ، ويصرفوه في غير وجوهه المحبوبة ، بل ذلك غاية الحكمة وحسن التدبير في الدين ، لأنّ الدين يحظر تقوية الفسّاق وإمدادهم بما يعينهم على طرائقهم المذمومة ، وما يعدّ ذلك شحاً ولا بخلاً إلاّ من لا تأمل له.
فإن قيل : أفلا جاز أن يكون خاف من بني عمّه أن يرثوا علمه ، وهم من أهل الفساد على ما ادّعيتم فيستفسدوا به الناس ، ويموّهوا به عليهم؟ قلنا : لا يخلو هذا العلم الّذي أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه وصحف حكمته ـ لأنّ ذلك قد يسمّى علماً على طريق المجاز ـ أو يكون هو العلم الّذي يحل القلب ، وإن كان الأوّل فهو يرجع إلى معنى المال ، ويصحّ أنّ الأنبياء يورثون أموالهم وما في معناها ، وإن كان الثاني لم يخل هذا من أن يكون هو العلم الّذي بُعث النبيّ لنشره وأدائه ، أو أن يكون علماً مخصوصاً لا يتعلّق بالشريعة ، ولا يجب اطلاع جميع الأمّة عليه ، كعلم العواقب وما يجري في مستقبل الأوقات ، وما جرى مجرى ذلك.
والقسم الأوّل لا يجوز على النبيّ أن يخاف من وصوله إلى بني عمّه ، وهم من جملة أمّته الّذين بعث لاطلاعهم على ذلك ، وتأديته إليهم ، وكأنّه على هذا الوجه يخاف ممّا هو الغرض من بعثته.
والقسم الثاني فاسدٌ أيضاً ، لأنّ هذا العلم المخصوص إنّما يستفاد من جهته ، ويوقف عليه باطلاعه وإعلامه؛ وليس هو ممّا يجب نشره في جميع الناس ، فقد كان يجب إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فساداً ألاّ يلقيه إليه ، فإنّ ذلك في يده ، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك.

المحسن السبط 383

قلت : لعاكسٍ أن يَعكِس هذا على المرتضى ( رحمه الله ) حينئذٍ ، ويقول له : وقد كان يجب إذا خاف من أن يرث بنو عمّه أمواله فينفقوها في الفساد أن يتصدق بها على الفقراء والمساكين ، فإنّ ذلك في يده ، فيحصل له ثواب الصدقة ، ويحصل له غرضه من حرمان أولئك المفسدين ميراثه.
قال المرتضى ( رضي الله عنه ) : وممّا يدلّ على أنّ الأنبياء يورثون قوله تعالى : «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ»(1) ، والظاهر من إطلاق لفظة الميراث يقتضي الأموال وما في معناها على ما دللنا به من قبل.
قال : ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى : «يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ»(2) ... الآية ، وقد أجمعت الأمّة على عموم هذه اللفظة إلاّ من أخرجه الدليل ، فيجب أن يتمسّك بعمومها ، لمكان هذه الدّلالة ، ولا يخرج عن حكمها إلاّ من أخرجه دليل قاطع.
قلت : أمّا قوله تعالى : «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ» ، فظاهرها يقتضي وراثة النبوّة أو الملك أو العلم الّذي قال في أوّل الآية : « وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً »(3) ، لأنّه لا معنى لذكر ميراث سليمان المال ، فإنّ غيره من أولاد داود قد ورث أيضاً أباه داود؛ وفي كتب اليهود والنصارى أنّ بني داود كانوا تسعة عشر ، وقد قال بعض المسلمين أيضاً ذلك ، فأيّ معنىً في تخصيص سليمان بالذكر إذا كان إرث المال!
وأما : «يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أوْلادِكُمْ » ، فالبحث في تخصيص ذلك بالخبر فرع من فروع مسألة خبر الواحد؛ هل هو حجة في الشرعيات أم لا! فإن ثبت مذهب المرتضى في كونه ليس بحجة فكلامه هنا جيّد ، وإن لم يثبت فلا مانع من

(1) النمل : 16.
(2) النساء : 11.
(3) النمل : 15.
المحسن السبط 384

تخصيص العموم بالخبر ، فإنّ الصحابة قد خصّصت عمومات الكتاب بالأخبار في مواضع كثيرة.
قال المرتضى : وأمّا تعلّق صاحب الكتاب بالخبر الّذي رواه أبو بكر ، وادعاؤه أنّه استشهد عمر وعثمان وفلاناً وفلاناً ، فأوّل ما فيه أنّ الّذي ادعاه من الاستشهاد غير معروف ، والذي روي أنّ عمر استشهد هؤلاء النفر لمّا تنازع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والعباس ( رضي الله عنه ) في الميراث ، فشهدوا بالخبر المتضمّن لنفي الميراث ، وإنّما مقول مخالفينا في صحّة الخبر الّذي رواه أبو بكر عند مطالبة فاطمة ( عليها السلام ) بالإرث على إمساك الأمّة عن النكير عليه ، والرّد لقضيّته.
قلت : صدق المرتضى ( رحمه الله ) فيما قال ، أمّا عَقِيب وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ومطالبة فاطمة ( عليها السلام ) بالإرث ، فلم يروِ الخبر إلاّ أبو بكر وحده. وقيل : إنّه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان؛وأمّا المهاجرون الّذين ذكرهم قاضي القضاة فإنّما شهدوا بالخبر في خلافة عمر؛ وقد تقدّم ذكر ذلك.
قال المرتضى : ثمّ لو سلّمنا استشهاد مَنْ ذَكر على الخبر لم يكن فيه حجة ، لأنّ الخبر على كلّ حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم ، وهو في حكم أخبار الآحاد ، وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى ، لأنّ المعلوم لا يخصّ إلاّ بمعلوم ، وإذا كانت دلالة الظاهر معلومة ، لم يجز أن يخرج عنها بأمرٍ مظنون.
قال : وهذا الكلام مبنيٌّ على أنّ التخصيص للكتاب والسنّة المقطوع بها لا تقع بأخبار الآحاد ، وهو المذهب الصحيح ، وقد أشرنا إلى ما يمكن أن يعتمد في الدلالة عليه من أن الظن لا يقابل العلم ، ولا يرجع عن المعلوم بالمظنون.

المحسن السبط 385

قال : وليس لهم أن يقولوا : إنّ التخصيص بأخبار الآحاد يستند أيضاً إلى علم ، وإن كان الطريق مظنوناً ، ويشيروا إلى ما يدّعونه من الدّلالة على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة ، وأنّه حجّة ، لأنّ ذلك مبنىّ من قولهم على ما لا نسلّمه ، وقد دلّ الدليل على فساده ـ أعني قولهم : خبر الواحد حجة في الشرع ـ على أنّهم لو سلّم لهم ذلك لاحتاجوا إلى دليل مستأنف على أنّه يقبل في تخصيص القرآن؛ لأنّ ما دلّ على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع ، كما لا يتناول جواز النسخ به.
قلت : أمّا قول المرتضى لو سلّمنا أنّ هؤلاء المهاجرين الستّة رووه لما خرج عن كونه خبراً واحداً ، ولما جاز أن يرجع عن عموم الكتاب به ، لأنّه معلوم والخبر مظنون.
ولقائل أن يقول : ليته حصل في كل واحد من آيات القرآن رواية مثل هذه الستة ، حيث جمع القرآن على عهد عثمان ومن قبله من الخلفاء ، فإنّهم بدون هذا العدد كانوا يعملون في إثبات الآية في المصحف ، بل كانوا يحلفون من أتاهم بالآية (1) ، ومن نظر في كتب التواريخ عرف ذلك ، فإن كان هذا العدد إنّما يفيد الظنّ فالقول في آيات الكتاب كذلك ، وإن كانت آيات الكتاب أثبتت عن علم مستفاد من رواية هذا العدد ونحوه ، فالخبر مثل ذلك.

(1) هذا من أفظع الهذيان الذي ابتلي به المسلمون, فالقرآن إنّما ثبت بالتواتر وليس بالبيّنة, وهو كان مجموعاً ومكتوباً على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحسبنا دليلاً على ذلك قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنّي تارك ـ مخلّف ـ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ... ) وفيه دلالة على أنّه كان مكتوباً ومجموعاً, ولو لم يكن كذلك لما صحت الوصية على التمسك به, إذ لا يصح إطلاق الكتاب عليه, وهو غير مجموع ومكتوب, كأن يكون محفوظاً في الصدور أو مكتوباً متفرقاً على العُسب والأكتاف واللخاف. كما تمحل ابن حجر في تفسير الشاهدين على الآية ، كما حكاه عنه السيوطي في الاتقان. وروايات الجمع على عهد الخالفين من بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) كلها مخدوشة سنداً ودلالة, أملتها سياسة الحاكمين.
المحسن السبط 386

فأمّا مذهب المرتضى في خبر الواحد ، فإنّه قولٌ انفرد به عن سائر الشيعة ، لأنّ من قبله من فقهائهم ما عوّلوا في الفقه إلاّ على أخبار الآحاد كزرارة ، ويونس ، وأبي بصير ، وابني بابويه ، والحلبي ، وابي جعفر القمّي وغيرهم ، ثمّ من كان في عصر المرتضى منهم كأبي جعفر الطوسي وغيره ، وقد تكلّمت في ( اعتبار الذريعة ) على ما اعتمد عليه في هذه المسألة ، وأمّا تخصيص الكتاب بخبر الواحد فالظاهر أنّه إذا صحّ كون خبر الواحد حجة في الشرع ، جاز تخصيص الكتاب به ، وهذا من فنّ أصول الفقه ، فلا معنى لذكره هنا.
قال المرتضى ( رضي الله عنه ) : وهذا يسقط قول صاحب الكتاب : إنّ شاهدين لو شهدا أنّ في التركة حقاً لكان يجب أن ينصرف عن الإرث ، وذلك لأنّ الشهادة وإن كانت مظنونةً فالعمل بها يستند إلى علم ، لأنّ الشريعة قد قررت العمل بالشهادة ولم تقرر العمل بخبر الواحد ، وليس له أن يقيس خبر الواحد على الشهادة من حيث اجتمعا في غلبة الظن ، لأنّا لا نعمل على الشهادة من حيث غلبة الظنّ ، دون ما ذكرناه من تقرير الشريعة العمل بها؛ ألا ترى أنّا قد نظنّ بصدق الفاسق والمرأة والصبي وكثير ممّن لا يجوز العمل بقوله! فبان أن المعوّل في هذا على المصلحة الّتي نستفيدها على طريق الجملة من دليل الشرع.
قال : وأبو بكر في حكم المدعي لنفسه ، والجارّ إليها بخلاف ما ظنّه صاحب الكتاب ، وكذلك من شهد له إن كانت هناك شهادة ، وذلك أنّ أبا بكر وسائر المسلمين سوى أهل بيت الرسول ( صلى الله عليه وآله ) يحلّ لهم الصدقة ، ويجوز أن يصيبوا فيها ، وهذه تهمة في الحكم والشهادة.
قال : وليس له أن يقول : فهذا يقتضي ألا يقبل شهادة شاهدين في تركةٍ فيها صدقة لمثل ما ذكرتم. قال : وذلك لأنّ الشاهدين إذا شهدا في الصدقة فحظّهما منها كحظ صاحب الميراث بل سائر المسلمين ، وليس كذلك حال تركة الرسول لأنّ كونها صدقة يحرمها على ورثته ، ويبيحها لسائر المسلمين.

المحسن السبط 387

قلت : هذا فرق غير مؤثر ، اللهم إلاّ أن يعني به تهمة أبي بكر والشهود الستة في جر النفع إلى أنفسهم يكون أكثر من تهمتهم لو شهدوا على أبي هريرة مثلاً أنّ ما تركه صدقة لأن أهل أبي هريرة يشاركون في القسمة ، وأهل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يشاركون الشهود فيما يصيبهم ، إذ هم لا تحلّ لهم الصدقة ، فتكون حصّة أبي بكر والشهود ممّا تركه رسول الله أكثر من حصتهم مما يتركه أبو هريرة ، فيكون تطرّق التهمة إلى أبي بكر والشهود أكثر حسب زيادة حصتهم.
وما وقفت للمرتضى على شيء أطرف من هذا ، لأنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مات والمسلمون أكثر من خمسين ألف إنسان ، لأنّه قاد في غزاة تبوك عشرين ألفاً ، ثمّ وفدت إليه الوفود كلّها بعد ذلك ، فليت شعري كم مقدار ما يتوفر على أبي بكر وستة نفر معه ، وهم من جملة خمسين ألفاً ، بين ما إذا كان بنو هاشم وبنو المطّلب ـ وهم حينئذٍ عشرة نفر _ لا يأخذون حصة ، وبين ما إذا كانوا يأخذون! أترى أيكون المتوفّر على أبي بكر وشهوده من التركة عشر عشر درهم! ما أظنّ أنّه يبلغ ذلك ، وكم مقدار ما يقلل حصص الشهود على أبي هريرة إذا شركهم أهله في التركة ، لتكون هذه القلّة موجبةً رفع التهمة ، وتلك الزيادة والكثرة موجبة حصول التهمة! وهذا الكلام لا أرتضيه للمرتضى (1).
قال المرتضى ( رضي الله عنه ) : وأما قوله : يخصّ القرآن بالخبر كما خصصناه في العبد والقاتل ، فليس بشيء ، لأنّا إنّما خصصنا من ذكر بدليل مقطوع عليه معلوم ، وليس هذا موجوداً في الخبر الّذي ادّعاه.

(1) سفسطة كلام وجعجعة من غير طحين. فإن المرتضى ( رحمه الله ) إنّما وجّه كلامه رداً على قاضي القضاة في ان أبا بكر ومن شهد له على الخبر, إنّما هم يجرّون نفعاً بدفعهم أهل البيت ( عليهم السلام ) عن حقهم, سواء كان ذلك النفع مادياً ولو كان عشر عشر درهم ـ كما زعم ابن أبي الحديد ـ أو معنوياً وهو المطلوب لهم أولاً وبالذات ، على انّ أبا بكر أظهر وجه خصومته في زعمه ان أمر صدقات النبي ( صلى الله عليه وآله ) راجع إلى ولي الأمر بعده وأنه وليّه, وهذا مكسبٌ عظيم وإن فرض غناه لأنها فدك ، وهو وليّ أمر الصدقات يعطي من يشاء ويمنع من يشاء.
المحسن السبط 388

فأمّا قوله : وليس ذلك ينقص الأنبياء ، بل هو إجلال لهم ، فمن الّذي قال له : إنّ فيه نقصاً! وكما أنّه لا نقص فيه ، فلا إجلال فيه ولا فضيلة ، لأنّ الداعي وإن كان قد يقوّى على جميع المال ليخلف على الورثة ، فقد يقوّيه أيضاً إرادة صرفه في وجوه الخير والبرّ ، وكلا الأمرين يكون داعياً إلى تحصيل المال ، بل الداعي الّذي ذكرناه أقوى فيما يتعلّق بالدين.
قال : وأمّا قوله : إنّ فاطمة لمّا سمعت ذلك كفّت عن الطلب فأصابت أوّلاً وأصابت ثانياً؛ فلعمري إنّها كفّت عن المنازعة والمشاحّة ، لكنّها انصرفت مغضبة متظلمة متألّمة؛ والأمر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف ، فقد روى أكثر الرواة الّذين لا يتهمون بتشيّع ولا عصبيّة فيه من كلامها في تلك الحال ، وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ، ما يدلّ على ما ذكرناه من سخطها وغضبها.
أخبرنا أبو عبيد الله محمّد بن عمران المَرْزُبَاني قال : حدّثني محمّد بن أحمد الكاتب ، قال : حدّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي ، قال : حدّثني الزيادي ، قال : حدّثنا الشرقي بن القطامي ، عن محمّد بن إسحاق ، قال : حدّثنا صالح بن كيسان ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : لما بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فَدَك لاثت خمارها على رأسها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمّة من حفدتها ....
قال المرتضى : وأخبرنا المَرْزُبَاني قال : حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد المكّي قال : حدّثنا أبو العيناء بن القاسم اليمانيّ قال : حدّثنا ابن عائشة ، قال : لمّا قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أقبلت فاطمة إلى أبي بكر في لمّة من حفدتها _ ثمّ اجتمعت الروايتان من هاهنا ... _ ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشدٍ من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة ، ثمّ أنّت أنّهً أجهش لها القوم بالبكاء ، وارتجّ المجلس ، ثمّ

المحسن السبط 389

أمهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم ، افتتحت كلامها بالحمد لله ( عزّ وجلّ ) والثناء عليه ، والصلاة على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثمّ قالت : « لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عليهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عليكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (1) ، فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وأخا ابن عمّي دون رجالكم ، فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة ، مائلاً عن سنن المشركين ، ضارباً ثَبجهم ، يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، آخذاً بأكظام المشركين؛ يهشم الأصنام ، ويفلِّق الهام ، حتى انهزم الجمع وولّوا الدّبر ، وحتى تفرّى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقائق الشياطين ، وتمّت كلمة الإخلاص ، وكنتم على شفا حفرةٍ من النار ، نهزة الطامع ، ومذْقَة الشارب ، وقبْسة العجلان ، وموطأ الأقدام ، تشربون الطَّرْق ، وتقتاتون القِدّ؛ أذلة خاسئين ، يختطفكم الناس من حولكم ، حتى أنقذكم الله برسوله ( صلى الله عليه وآله ) بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مُني بهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ، و«كُلَّمَا أوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللّهُ»(2) ، أو نجم قرن الشيطان ، أو فغرت فاغرة قذف أخاه في لهواتها ، ولا ينكفي حتى يطأ صماخها باخمصه ويطفيء عادية لهبها بسيفه ـ أو قالت : يخمد لهبها بحدّه ـ مكدوداً في ذات الله ، وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون.
إلى هنا انتهى خبر أبي العيناء عن ابن عائشة ، وأما عروة عن عائشة ، فزاد بعد هذا : حتى إذا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ، ظهرت حسيكةُ النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغَ خامل الآفكين ، وهدر فنيق المُبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم ، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين ، ولقربه متلاحظين ، ثمّ استنهضكم فوجدكم خِفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ،

(1) التوبة : 128.
(2) المائدة : 64.
المحسن السبط 390

فوسمتم غير إبلكم ، ووردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل ، إنّما زعمتم ذلك خوف الفتنة : «ألا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ »(1) ، فهيهات! وأنّى بكم وأنى تؤفكون ، وكتاب الله بين أظهركم ، زواجره بيّنة ، وشواهده لائحة ، وأوامره واضحة ، أرغبةً عنه تريدون ، أم لغيره تحكمون؛ بئس للظالمين بدلاً! ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منهُ وهو في الآخرةِ من الخاسرين ، ثمّ لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها ، تُسرون حسواً في ارتغاء ، ونحن نصبر منكم على مثل حزّ المُدَى ، وأنتم الآن تزعمون ألاّ إرث لنا : «أفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْم يُوقِنُونَ» (2) يابن أبي قُحافة ، أترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئاً فريّاً! فدونكها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون! ثمّ انكفأت إلى قبر أبيها ( عليه السلام ) ، فقالت :
قد كان بعدَكَ أنباءٌ وَهنبثةٌ لو كنتَ شاهدَها لم تكثر الخُطَبُ
إنّا فقدناك فقد الأرض وابِلَها واختلّ قومُك فاشهدهم ولا تَغِبِ

وروى حرمي بن أبي العلاء مع هذين البيتين بيتاً ثالثاً :
فليتَ بعدكَ كان الموت صَادَفنا لمّا قضيت وحــالت دونَكَ الكُثُبُ

قال : فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) وقال : ياخَيْرَ النساء ، وابنة خير الآباء ، واللهِ ما عدوتُ رأيَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولا عملتُ إلاّ بإذنه ، وإنّ الرائد لا يَكذِب أهلَه ، وإنّي أشهد الله وكفى بالله شهيداً؛ أنّي سمعتُ رسول الله ( صلى الله عليه وآله )

(1) التوبة : 49.
(2) المائدة 50.
المحسن السبط 391

يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة ولا داراً ولا عَقاراً ، وإنّما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوّة.
قال : فلما وصل الأمر إلى عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) كُلّم في ردّ فَدَك ، فقال : إنّي لأستحيي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر (1).
قال المرتضى : وأخبرنا أبو عبد الله المَرْزُبَاني ، قال : حدّثني عليّ بن هارون ، قال : أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر ، عن أبيه قال : ذكرت لأبي الحسين زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) كلام فاطمة ( عليها السلام ) عند منع أبي بكر إيّاها فَدَك ، وقلت له : إنّ هؤلاء يزعمون أنّه مصنوع وأنّه من كلام أبي العيناء ، لأنّ الكلام منسوق البلاغة.
فقال لي : رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلّمونه أولادهم ، وقد حدّثني به أبي عن جدّي يَبْلغ به فاطمة ( عليها السلام ) على هذه الحكاية ، وقد رواه مشايخ الشيعة وتدارسوه قبل أن يوجد جدّ أبي العيناء ، وقد حدّث الحسين بن علوان ، عن عطية العوفي ، أنّه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام.
ثم قال أبو الحسين زيد : وكيف تنكرون هذا من كلام فاطمة ( عليها السلام ) ، وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة ( عليها السلام ) ويحقّقونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت ، ثمّ ذكر الحديث بطوله على نسقه ، وزاد في الأبيات بعد البيتين الأولين :
ضاقتْ عليّ بلادي بعد ما رحُبتْ وسِيمَ سِبْطاكَ خسفا فيه لي نَصَبُ
فليت قبلَك كان الموتُ صادَفنا قومٌ تمنّوا فأعطُوا كلّ ما طلبوا
تجهّمَتْنا رجالٌ واستُخفّ بنا مذ غبت عنّا وكلّ الإرث قـد غصبوا


(1) الشافي : 230.

السابق السابق الفهرس التالي التالي