فاستبّ علي والعباس عند عمر ، فقال عبد الرحمن : يا أمير المؤمنين ، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر.
فقال عمر : أنشدكم الله الذي تقوم بإذنه السماوات والأرض ، هل تعلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث ما تركناه صدقة يعني نفسه؟ قالوا : قد قال ذلك ، فأقبل على العباس وعلي فقال : أنشدكما الله هل تعلمان ذلك؟ قالا : نعم.
قال عمر : فإنّي أحدثكم عن هذا الأمر ، إنّ الله تبارك وتعالى خصّ رسوله ( صلى الله عليه وآله ) في هذا الفيء بشيء لم يُعطه غيره ، قال تعالى : «مَا أفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل ٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ »(1)، وكانت هذه خاصة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فما اختارها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، لقد أعطاكُمُوها وثبتها فيكم حتى بقى منها هذا المال ، وكان ينفق منه على أهله سنتهم ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله فيما يجعل مال الله ، فعل ذلك في حياته ثم توفّى ، فقال أبو بكر : أنا وليّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقبضه الله وقد عمل فيها بما عمل به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنتما حينئذٍ ـ والتفت إلى علي والعباس ـ تزعمان أنّ أبا بكر فيها ظالم فاجر فاجر ، والله يعلم إنّه فيها لصادق بارٌّ راشد ، تابع للحق.
ثم توفى الله أبا بكر ، فقلت : أنا أولى الناس بأبي بكر وبرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقبضتها سنتين ـ أو قال : سنين من إمارتي ـ أعمل فيها مثل ما عمل به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأبو بكر ، ثم قال : وأنتما _ وأقبل على العباس وعلي ـ تزعمان أنّي فيها ظالم فاجر ، والله يعلم أنّي فيها بارّ راشد تابع للحق.
ثم جئتماني وكلمتكما واحدة ، وأمركما جميع ، فجئتني ـ يعني العباس ـ تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا ـ يعني علياً ـ يسألني نصيب امرأته
(1) الحشر : 6.
المحسن السبط
363
من أبيها ، فقلت لكما : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث ، ما تركناه صدقة ، فلما بدا لي أن أدفعها إليكما قلت : أدفعها على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وابو بكر ، وبما عملتُ به فيها ، وإلاّ فلا تكلماني! فقلتُما : ادفعها إلينا بذلك ، فدفعتها إليكما بذلك ، أفتلتمسان منّي قضاء غير ذلك! والله الذي تقوم بإذنه السماوات والأرض لا أقضي بينكما بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ فأنا أكفيكماها!
قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد قال : حدّثنا إسحاق بن إدريس ، قال : حدّثنا عبد الله بن المبارك قال : حدّثني يونس ، عن الزهري قال : حدّثني مالك بن أوس بن الحدثان بنحوه؛ قال : فذكرت ذلك لعروة فقال : صدق مالك بن أوس ، أنا سمعتُ عائشة تقول : أرسل أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسأل لهنّ ميراثهنّ من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مما أفاء الله عليه حتى كنت أردهنّ عن ذلك ، فقلت : ألا تتقين الله ، ألم تعلمن أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : لا نورث ، ما تركناه صدقة ـ يريد بذلك نفسه_ إنّما يأكل آل محمد من هذا المال فانتهى أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى ما أمرتهنّ به.
قال ابن أبي الحديد : قلت : هذا مشكل ، لأنّ الحديث الأول يتضمّن أنّ عمر أقسم على جماعة فيهم عثمان فقال : نشدتكم الله ، ألستم تعلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث ما تركناه صدقة ، يعني نفسه! فقالوا : نعم ، ومن جملتهم عثمان ، فكيف يعلم بذلك فيكون مترسلاً لأزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يسأله أن يعطيهنّ الميراث! اللّهمّ إلاّ أن يكون عثمان وسعد وعبد الرحمن والزبير صدّقوا عمر على سبيل التقليد لأبي بكر فيما رواه وحُسْنِ الظنّ ، وسمّوْا ذلك عِلْماً ، لأنه قد يطلق على الظنّ اسم العلم.
فإن قال قائل : فهلاّ حسن ظنّ عثمان برواية أبي بكر في مبدأ الأمر ، فلم يكن رسولاً لزوجات النبي ( صلى الله عليه وآله ) في طلب الميراث؟ قيل له : يجوز أن يكون في مبدأ
المحسن السبط
364
الأمر شاكاً ، ثم يغلب على ظنه صِدْقه لأمارات اقتضت تصديقه ، وكل الناس يقع لهم مثل ذلك.
وهاهنا إشكال آخر ، وهو أنّ عمر ناشد علياً والعباس : هل تعلمان ذلك؟ فقالا : نعم ، فإذا كانا يعلمانه فكيف جاء العباس وفاطمة إلى أبي بكر يطلبان الميراث ، على ما ذكره في خبر سابق على هذا الخبر ، وقد أوردناه نحن! وهل يجوز أن يقال : كان العباس يعلم ذلك ثم يطلب الإرث الذي لا يستحقه؟
وهل يجوز أن يقال : إن علياً كان يعلم ذلك ويمكّن زوجته أن تطلب ما لا تستحقه؟ خرجت من دارها إلى المسجد ، ونازعت أبا بكر ، وكلّمته بما كلّمته إلاّ بقوله وإذنه ورأيه. وأيضاً فإنّه إذا كان ( صلى الله عليه وآله ) لا يورث ، فقد أشكل دفع آلته ودابته وحذائه إلى علي ( عليه السلام ) ، لأنه غير وارث في الأصل ، وإن كان أعطاه ذلك لأنّ زوجته بعرضة أن ترث لولا الخبر ، فهو أيضاً غير جائز ، لأنّ الخبر قد منع من أن يرث منه شيئاً قليلاً أو كثيراً.
فإن قال قائل : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً ، قيل : هذا الكلام يُفهم من مضمونه أنّهم لا يورثون شيئاً أصلاً ، لأنّ عادة العرب جاريةٌ بمثل ذلك ، وليس يقصدون نفي ميراث هذه الأجناس المعدودة دون غيرها ، بل يجعلون ذلك كالتصريح بنفي أن يورثوا شيئاً ما على الإطلاق.
وأيضاً فإنّه جاء في خبر الدابة والآلة والحذاء أنه روى عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا نورث ، ما تركناه صدقة ، ولم يقل : لا نورث كذا ولا كذا ، وذلك يقتضي عموم انتفاء الإرث عن كل شيء.
وأما الخبر الثاني ، وهو الذي رواه هشام بن محمد الكلبي عن أبيه ، ففيه إشكال أيضاً؛ لأنّه قال : إنّها طلبت فَدَك ، وقالت : إنّ أبي أعطانيها ، وإنّ أمّ أيمن تشهد لي بذلك ، فقال لها أبو بكر في الجواب : إنّ هذا المال لم يكن لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنّما
المحسن السبط
365
كان مالاً من أموال المسلمين ، يحمل به الرجال ، وينفقه في سبيل الله؛ فلقائل أن يقول له : أيجوز للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يملّك ابنته أو غير ابنته من أفناء الناس ضيعةً مخصوصة ، أو عقاراً مخصوصاً من مال المسلمين ، لِوَحْي أوْحَى الله تعالى إليه ، أو لاجتهاد رأيه على قول من أجاز له أن يحكم بالاجتهاد ، أو لا يجوز للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذلك؟
فإن قال : لا يجوز ، قال مالا يوافقه العقل ولا المسلمون عليه ، وإن قال : يجوز ذلك ، قيل : فإن المرأة ما اقتصرت على الدعوى ، بل قالت : أمّ أيمن تشهد لي ، فكان ينبغي أن يقول لها في الجواب : شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة؛ ولم يتضمّن هذا الخبر ذلك ، بل قال لها لمّا ادعت وذكرت من يشهد لها : هذا مالٌ من مال الله لم يكن لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؛ وهذا ليس بجواب صحيح.
وأمّا الخبر الذي رواه محمد بن زكريا عن عائشة ، ففيه من الإشكال مثل ما في هذا الخبر ، لأنّه إذا شهد لها علي ( عليه السلام ) وأمّ أيمن أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهب لها فَدَك ، لم يصح اجتماع صدقها وصدق عبد الرحمن وعمر ، ولا ما تكلّفه أبو بكر من تأويل ذلك بمستقيم ، لأنّ كونها هبة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لها يمنع من قوله : كان يأخذ منها قوتكم ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله لأنّ هذا ينافي كونها هبة لها ، لأنّ معنى كونها لها انتقالها إلى ملكيتها ، وأن تتصرّف فيها خاصّة دون كل أحد من الناس ، وما هذه صفته كيف يقسم ويحمل منه في سبيل الله!
فإن قال قائل : هو ( صلى الله عليه وآله ) أبوها ، وحكمه في مالها كحكمه في ماله وفي بيت مال المسلمين ، فلعلّه كان بحكم الأبوّة يفعل ذلك!
قيل : فإذاً كان يتصرّف فيها تصرّف الأب في مال ولده ، ولا يخرجه ذلك عن كونه مال ولده ، فإذا مات الأب لم يجز لأحد أن يتصرّف في مال ذلك الولد ، لأنّه ليس بأب له فيتصرّف في ماله تصرّف الآباء في أموال أولادهم ، على أنّ الفقهاء أو مُعظمهم لا يجيزون للأب أن يتصرف في مال الابن.
المحسن السبط
366
وهاهنا إشكالٌ آخر ، وهو قول عمر لعلي ( عليه السلام ) والعباس : وأنتما حينئذٍ تزعمان أنّ أبا بكر فيها ظالم فاجر ، ثم قال لمّا ذكر نفسه : وأنتما تزعمان أنّي فيها ظالم فاجر ، فإذا كانا يزعمان ذلك فكيف يزعم هذا الزعم مع كونهما يعلمان أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا أورث ! إنّ هذا لمن أعجب العجائب.
ولولا أنّ هذا الحديث ـ أعني حديث خصومة العباس وعلي عند عمر ـ مذكورٌ في الصحاح المجمع عليها لما أطلت العجب من مضمونه ، إذ لو كان غير مذكور في الصحاح لكان بعض ما ذكرناه يطعن في صحّته؛ وإنّما الحديث في الصحاح لا ريب في ذلك.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا ابن أبي شيبة ، قال : حدّثنا ابن عُلَيّة ، عن أيّوب ، عن عكرمة ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : جاء العباس وعلي إلى عمر ، فقال العباس : اقضِ بيني وبين هذا الكذا وكذا ، أي يشتمه ، فقال الناس : افصل بينهما ، فقال : لا أفصل بينهما ، قد علما أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث ، ما تركناه صدقة.
قلت : وهذا أيضاً مُشكل ، لأنّهما حضرا يتنازعان لا في الميراث ، بل في ولاية صدقة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أيّهما يتولاّها ولايةً لا إرثاً! وعلى هذا كانت الخصومة ، فهل يكون جواب ذلك قد علما أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نورث !
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثني يحيى بن كثير أبو غسان ، قال : حدّثنا شعبة عن عمر بن مرّة ، عن أبي البختري قال : جاء العباس وعلي إلى عمر وهما يختصمان ، فقال عمر لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد : أنشدكم الله ، أسمعتم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : كلّ مال نبيّ فهو صدقة ، إلاّ ما أطعمه أهله ، إنّا لا نورث ! فقالوا : نعم ، قال : وكان رسول الله يتصدّق به ، ويَقسِم فضله ، ثم توفّى فوليه أبو بكر سنتين يصنع فيه ما كان يصنع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنتما تقولان : إنّه كان بذلك خاطئاً ،
المحسن السبط
367
وكان بذلك ظالماً ، وما كان بذلك إلاّ راشداً ، ثم وليته بعد أبي بكر فقلت لكما : إن شئتما قبلتماه على عمل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعهده الذي عهد فيه ، فقلتما : نعم ، وجئتماني الآن تختصمان؛ يقول هذا : أريد نصيبي من ابن أخي ، ويقول هذا : أريد نصيبي من امرأتي! والله لا أقضي بينكما إلاّ بذلك.
قلت : وهذا أيضاً مشكل ، لأنّ أكثر الروايات أنّه لم يرو هذا الخبر إلاّ أبو بكر وحده ، ذكر ذلك أعظم المحدثين ، حتى انّ الفقهاء في اصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد.
وقال شيخنا أبو علي : لا تقبل في الرواية إلاّ رواية اثنين كالشهادة ، فخالفه المتكلّمون والفقهاء كلّهم ، واحتجوا عليه بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، حتى انّ بعض أصحاب أبي علي تكلّف لذلك جواباً ، فقال : قد روي أنّ أبا بكر يوم حاجّ فاطمة ( عليها السلام ) قال : أنشد الله امرءاً سمع من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في هذا شيئاً! فروى مالك بن أوس بن الحدثان؛ أنّه سمعه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهذا الحديث ينطق بأنّه استشهد عمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعداً ، فقالوا : سمعناه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأين كانت هذه الروايات أيّام أبي بكر! ما نقل أنّ أحداً من هؤلاء يوم خصومة فاطمة ( عليها السلام ) وأبي بكر روى من هذا شيئاً.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا محمد بن يحيى ، عن إبراهيم بن أبي يحيى ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أرسلن عثمان إلى أبي بكر ، فذكر الحديث ، قال عروة ، وكانت فاطمة قد سألت ميراثها من أبي بكر ممّا تركه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال لها : بأبي أنتِ وأمّي ، وبأبي أبوكِ وأمّي ونفسي ، إن كنتِ سمعتِ من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) شيئاً ، أو أمركِ بشيء لم أتّبع غير ما تقولين ، وأعطيتكِ ما تبتغين ، وإلا فإنّي أتبع ما أمرتُ به!
قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد قال : حدّثنا عمرو بن مرزوق ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرّة ، عن أبي البختري قال : قال لها أبو بكر لمّا طلبت فَدَك : بأبي أنتِ
المحسن السبط
368
وأمّي ، أنتِ عندي الصادقة الأمينة ، إن كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عَهِد إليكِ في ذلك عهداً ، أو وَعَدكِ به وعداً ، صدّقتُكِ وسلّمتُ إليك! فقالت : لم يعهد اليّ في ذلك بشيء ، ولكنّ الله تعالى يقول : « يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أوْلادِكُمْ »(1) ، فقال : أشهد لقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورث.
قلت : وفي هذا من الإشكال ما هو ظاهر ، لأنّها قد ادّعت أنّه عهد إليها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ذلك أعظم العهد ، وهو النحلة ، فكيف سكتت عن ذكر هذا لمّا سألها أبو بكر! وهذا أعجب من العجب.
قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد؛ قال : حدّثنا محمّد بن يحيى ، قال : حدّثنا عبدالعزيز بن عمران بن عبدالعزيز بن عبدالله الأنصاري ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : سمعت عمر وهو يقول للعباس وعليّ وعبدالرحمن بن عوف والزبير وطلحة : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : إنّا لا نورث ، معاشر الأنبياء ، ما تركنا صدقة ؟ قالوا : اللّهمّ نعم ، قال : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يدخل في فيئه أهله السنة من صدقاته ، ثمّ يجعل ما بقي في بيت المال! قالوا : اللّهمّ نعم.
فلمّا توفّى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبضها أبو بكر ، فجئت ياعباس تطلب ميراثك من ابن أخيك ، وجئت يا عليّ تطلب ميراث زوجتك من أبيها! وزعمتما أنّ أبا بكر كان فيها خائناً فاجراً ، والله لقد كان امرءاً مطيعاً ، تابعاً للحقّ ، ثمّ توفى أبو بكر فقبضتها ، فجئتماني تطلبان ميراثكما ، أما أنت ياعباس فتطلب ميراثك من ابن أخيك ، وأما عليّ فيطلب ميراث زوجته من أبيها ، وزعمتما أنّي فيها خائن وفاجر ، والله يعلم أنّي فيها مطيع تابع للحق؛ فأصلحا أمركما ، وإلاّ والله لم ترجع إليكما. فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة.
(1) النساء : 11.
المحسن السبط
369
قال أبو زيد : قال أبو غسّان : فحدّثنا عبد الرزاق الصنعاني ، عن معمر بن شهاب ، عن مالك بنحوه ، وقال في أخره : فغلب عليّ عباساً عليها ، فكانت بيدِ عليّ ، ثمّ كانت بيد الحسن ، ثمّ كانت بيد الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ الحسن بن الحسن ، ثمّ زيد بن الحسن.
قلت : وهذا الحديث يدل صريحاً على أنّهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية ، وهذا من المشكلات ، لأنّ أبا بكر حسم المادة أولاً ، وقرر عند العباس وعليّ وغيرهما أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يورث ، وكان عمر من المساعدين له على ذلك ، فكيف يعود العباس وعليّ بعد وفاة أبي بكر ، يحاولان أمراً قد كان فرغ منه ، ويئس من حصوله ، اللهم إلاّ أن يكونا ظنا أنّ عمر ينقض قضاء أبي بكر في هذه المسألة ، وهذا بعيد ، لأن عليّاً والعباس كانا في هذه المسألة يتهمان عمر بممالأة أبي بكر على ذلك ، ألا تراه يقول : نسبتماني ونسبتما أبا بكر إلى الظلم والخيانة ، فكيف يظنّان أنّه ينقض قضاء أبي بكر ويورثهما!
واعلم أنّ الناس يظنون أنّ نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين : في الميراث والنّحلة ، وقد وجدت في الحديث أنّها نازعت في أمر ثالث ، ومنعها أبو بكر إيّاه أيضاً ، وهو سهم ذوي القربى.
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري : أخبرني أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثني هارون بن عمير ، قال : حدّثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدّثني صدقة أبو معاوية ، عن محمّد بن عبدالله ، عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، أنّ فاطمة ( عليها السلام ) أتت أبا بكر فقالت : لقد علمت الّذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات ، وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربي! ثمّ قرأت عليه قوله تعالى :« وَاعْلَمُوا انّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبى» الآية.(1)
(1) الأنفال : 41.
المحسن السبط
370
فقال لها أبو بكر : بأبي أنت وأمي ووالدٍ وَلَدكِ! السمع والطاعة لكتاب الله ، ولحق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وحق قرابته ، وأنا أقرأ من كتاب الله الّذي تقرئين منه ، ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس يسلّم إليكم كاملاً.
قالت : أفلك هو ولأقربائك؟ قال : لا ، بل أنفق عليكم منه ، وأصرف الباقي في مصالح المسلمين ، قالت : ليس هذا حكم الله تعالى؛ قال : هذا حكم الله ، فإن كان رسول الله عهد إليك في هذا عهداً أو أوجبه لكم حقاً صدّقتكِ وسلّمته كلّه إليكِ وإلى أهلكِ؛ قالت : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم يعهد إليَّ في ذلك بشيء ، إلاّ أنّي سمعته يقول لما أنزلت هذه الآية : أبشروا آل محمّد فقد جاءكم الغنى.
قال أبو بكر : لم يبلغ علمي من هذه الآية أن أسلم إليكم هذا السهم كلّه كاملاً ، ولكن لكم الغنى الّذي يغنيكم ، ويفضل عنكم ، وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فاسأليهم عن ذلك ، وانظري هل يوافقك على ما طلبتِ أحد منهم! فانصرفت إلى عمر فقالت له مثل ما قالت لأبي بكر ، فقال لها مثل ما قاله لها أبو بكر ، فعجبت فاطمة ( عليها السلام ) من ذلك ، وتظنّت أنّهما كانا قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا هارون بن عمير ، قال : حدّثنا الوليد ، عن ابن أبي لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، قال : أرادت فاطمة أبا بكر على فَدَك وسهم ذوي القربى ، فأبى عليها ، وجعلهما في مال الله تعالى.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد ، قال : حدّثنا أحمد بن معاوية ، عن هيثم ، عن جويبر ، عن أبي الضحاك ، عن الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، أنّ أبا بكر منع فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى ، وجعله في سبيل الله في السلاح والكراع.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا حيان بن هلال ، عن محمّد بن يزيد بن ذريع ، عن محمّد بن إسحاق ، قال : سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ ( عليهما السلام ) ؛ قلت :
المحسن السبط
أرأيت عليّاً حين ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى؟ قال : سلك بهم طريق أبي بكر وعمر؛ قلت : وكيف ولِمَ وأنتم تقولون ما تقولون! قال : أما والله ما كان أهله يصدرون إلاّ عن رأيه؛ فقلت : فما منعه؟ قال : كان يكره أن يدعى عليه مخالفة أبي بكر وعمر.
قال أبو بكر : وحدّثني المؤمل بن جعفر ، قال : حدّثني محمّد بن ميمون ، عن داود بن المبارك ، قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن الحسن ونحن راجعون من الحج في جماعة ، فسألناه عن مسائل وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبي بكر وعمر فقال : سئل جدي عبد الله بن الحسن بن الحسن عن هذه المسألة فقال : كانت أمي صديقة بنت نبيّ مرسل ، فماتت وهي غضبى على إنسان ، فنحن غضاب لغضبها ، وإذا رضيت رضينا.
قال أبو بكر : وحدّثني أبو جعفر محمّد بن القاسم ، قال : حدّثني عليّ بن الصباح ، قال : أنشدنا أبو الحسن رواية المفضل للكميت :
أهوَى عليّاً أميرَ المؤمنين وَل
أرضَى بشتم أبي بكر ولا عُمرَا
ولا أقولُ وإن لم يُعطِيَا فَدَكا
بنتَ النبيّ ولا ميراثها : كَفَرَا
الله يَعلم ماذا يَحضُران به
يومَ القيامة من عذرٍ إذا اعتَذَرَا
قال ابن الصباح : فقال لي أبو الحسن : أتقول : إنّه قد أكفرهما في هذا الشعر! قلت : نعم ، قال : كذاك هو.
قال أبو بكر : حدّثنا أبو زيد ، عن هارون بن عمير ، عن الوليد بن مسلم ، عن اسماعيل بن عباس ، عن محمّد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن مولى أم هاني ، قال : دخلت فاطمة على أبي بكر بعد ما استُخلِف ، فسألته ميراثها من أبيها فمنعها ، فقالت له : لئن مت اليوم من كان يرثك؟ قال : ولدي وأهلي ، قالت : فلم ورثت أنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دون ولده وأهله؟ قال : فما فعلت يابنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قالت : بلى ، إنك
المحسن السبط
372
عمدت إلى فَدَك ، وكانت صافيةً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأخذتها ، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنّا ، فقال : يابنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم أفعل؛ حدّثني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنّ الله تعالى يُطعم النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) الطعمة ما كان حياً ، فإذا قبضه الله إليه رفعت ، فقالت : أنت ورسول الله أعلم ، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي ، ثمّ انصرفت.
قال أبو بكر : وحدّثنا محمّد بن زكريا ، قال : حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن المهلّبي ، عن عبد الله بن حمّاد بن سليمان ، عن أبيه ، عن عبد الله بن حسن بن حسن ، عن أمّه فاطمَة بنتِ الحسين ( عليهما السلام ) ، قالت : لمّا اشتدّ بفاطمةَ بنتِ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الوجع وثَقُلت في علّتها ، اجتمع عندها نساء من نساء المهاجرين والأنصار ، فقلن لها : كيف أصبحتِ ياابنةَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟
قالت : واللهِ أصبحتُ عائفةً لدُنياكم ، قالِيَةً لرجالكم ، لفظتُهم بعد أن عَجمْتُهم ، وشِنئتهم بعد أن سَبَرتهم ، فقبحاً لفُلول الحدّ ، وخَوَر القناة ، وخَطَل الرأي ، وبئسما قدّمَت لهم أنفسُهم أن سَخِط اللهُ عليهم وفي العذاب هم خالدون؛ لا جرم قد قلّدتهم رِبْقَتها ، وشنّت عليهم غارتها ، فجَدْعاً وعَقْراً ، وسُحْقاً للقوم الظالمين ، وَيْحَهم أين زحزحوها عن رَوَاسي الرّسالة ، وقواعدِ النبوّة ، ومَهبِط الرُّوح الأمين ، والطيّبين ( كذا ) بأمر الدّنيا والدّين ، ألا ذلك هو الخسران المبين.
وما الّذي نَقَموا من أبي حسن؟ نَقَموا واللهِ نكيرَ سيفه ، وشِدّة وَطْأته ، ونَكالَ وَقْعته ، وتنمّره في ذات الله ، وتالله لو تكافُّوا عن زِمام نبذَه إليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لاعتَلَقه ، ولسار إليهم سيراً سُجُحاً ، لا تكلم حشاشته ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم مَنهلاً نَميراً فضفاضاً يطفح ضفّتاه ، ولأصدرهم بِطاناً قد تحيّر بهم الرأي ، غير متحلّ بطائل ، إلاّ بغَمْر الناهل ، وردعه سورة الساغبِ ، ولفتحتْ عليهم بركات من السّماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
ألا هلمّ فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبه ، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث ، إلى أيّ لجأ استندوا ، وبأيّ عُروة تمسّكوا! لبئسَ المَولى ولبئس العَشِير ،
المحسن السبط
373
ولبئس للظالمين بدلاً! استبدلوا والله الذُّنَابَى بالقَوادم ، والعَجُز بالكاهل؛ فرغماً لمعاطس قومٍ يَحسَبون أنّهم يُحسِنون صُنْعاً : «ألا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ»(1) ، وَيْحهم! «أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلاّ أنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(2) أما لَعَمر الله لقد لقِحت فنظِرة ريْثما تنتَج ، ثمّ احتلبوها طِلاعَ العَقْب (3) دَماً عَبيطاً وذُعافاً مُمقِراً هنالك يَخسَر المُبطِلون ، ويَعرِف التالون غِبَّ ما أسّس الأوّلون ، ثمّ طِيبوا عن أنفسكم نفساً ، واطمئنّوا للفتنة جأشاً ، وأبشِروا بسيفٍ صارم ، وهرْج شامل ، واستبدادٍ من الظالمين يَدَعُ فيئكم زهيداً ، وجمعَكم حَصِيداً؛ فيا حسرةً عليكم ، وأنَّى لكم وقد عُمَّيتْ عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون! والحمد لله ربّ العالمين ، وصلاتهُ على محمّد خاتم النبيّين وسيّد المرسلين.
قلت : هذا الكلام وإن لم يكن فيه ذكرُ فَدَك والميراث ، إلاّ أنّه من تتمّة ذلك ، وفيه إيضاح لما كان عندها ، وبيانٌ لشدّة غيظها وغَضَبها ، فإنّه سيأتي فيما بعد ذكر ما يناقض به قاضي القضاة والمرتضى في أنّها هل كانت غضبى أم لا! ونحن لا ننصر مذهباً بعينه ، وإنّما نذكر ما قيل ، وإذا جرى بحثٌ نظريٌّ قلنا ما يقوى في أنفسنا منه.
واعلم أنّا إنّما نذكر في هذا الفصل ما رواه رجالُ الحديث وثقاتُهم ، وما أودعه أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه ، وهو من الثّقات الأمناء عند أصحاب الحديث ، وأمّا ما يرويه رجال الشيعة والأخباريون منهم في كتبهم من قولهم : إنّهما أهاناها وأسمعاها كلاماً غليظاً ، وإنّ أبا بكر رقّ لها حيث لم يكن عمر حاضراً ، فكتب لها بفدك كتاباً ، فلمّا خرجت به وجدها عمر ، فمدّ يده إليه ليأخذه مغالبة ،
فمنعته ، فدفع بيده في صدرها وأخذ الصحيفة فخرقها بعد أن تفل فيها فمحاها ، وإنّها دعت عليه فقالت : بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي؛ فشيء لا يرويه أصحاب الحديث ولا ينقلونه ، وقدر الصحابة يجلّ عنه ، وكان عمر أتقى لله؛ وأعرف لحقوق الله من ذلك ، وقد نظمت الشيعة بعض هذه الواقعة الّتي يذكرونها شعراً أوّله أبيات لمهيار بن مرزويه الشاعر من قصيدته الّتي أولها :
يا ابنةَ القومِ تُراكِ
بالغٌ قَتْلَي رِضاكِ
وقد ذيل عليها بعض الشيعة وأتمّها ، والأبيات :
يا ابنةَ الطّاهِرِ كَمْ تُقْـ
ـرَع بالظّلم عَصاكِ
غَضِبَ اللهُ لخَطْبٍ
ليلةَ الطَّفّ عَراكِ
ورَعَى النارَ غَداً قـ
ـط رَعى أمسِ حماكِ
مَرّ لم يعطِفه شكوَا
ه ولا استحيا بكاكِ
واقتدى الناس به بع
ـد فأرْدَى وَلَدَاكِ
يا ابنةَ الرّاقي إلى السد
رة في لوح السكاكِ
لهف نفسي وعلى مِثـ
ـلِك فلْتبكِ البَواكي
كيف لم تقطع يَدٌ مـ
ـدَّ إليك ابن صهاكِ
فَرِحوا يومَ أهانو
كِ بما ساءَ أباكِ
ولقد أخبَرَهم أنّ
رضاه في رِضاكِ
دَفعا النصّ على إر
ثكِ لمّا دَفَعاكِ
وتعرّضْتِ لقَدْرٍ
تافهٍ وانتَهَزاكِ
وادّعيت النَّحْلةَ المشـ
ـهود فيها بالصِّكاكِ
فاستشاطَا ثمّ ما إن
كذَبا إن كذّباكِ
المحسن السبط
375
فزوَى اللهُ عن الرّحْـ
ـمةِ زنديقاً ذَواكِ
ونَفَى عن بابه الوا
سع شيطاناً لَفاكِ
فانظر إلى هذه البلية الّتي صبت من هؤلاء على سادات المسلمين ، وأعلام المهاجرين! وليس ذلك بقادح في علوّ شأنهم ، وجلالة مكانهم ، كما أنّ مبغضي الأنبياء وحسدتهم ، ومصنّفي الكتب في إلحاق العيب والتهجين لشرائعهم لم تزدد لأنبيائهم إلاّ رفعة ، ولا زادت شرائعهم إلاّ انتشاراً في الأرض ، وقبولاً في النفس ، وبهجةً ونوراً عند ذوي الألباب والعقول.
وقال لي عَلَويّ من الحِلّة يُعرف بعليّ بن مهنأ ، ذكيّ ذو فضائل : ما تظنّ قصدَ أبي بكر وعمر بمنع فاطمة فَدَك؟ قلت : ما قصدا؟ قال : أرادا ألا يُظهرا لعليّ _ وقد اغتصباه الخلافة ـ رقّة وليناً وخذلاناً ، ولا يرى عندهما خوَراً ، فأتْبعا القرْح بالقرْح.
وقلت لمتكلم من متكلّمي الإمامية يُعرف بعليّ بن تقيّ من بلدة النيل : وهل كانت فَدَك إلاّ نخلاً يسيراً وعقاراً ليس بذلك الخطير! فقال لي : ليس الأمرُ كذلك ، بل كانت جليلة جدّاً ، وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل ، وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها إلاّ ألاّ يتقوّى عليّ بحاصلها وغلّتها على المنازعة في الخلافة ، ولهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعليّ وسائر بني هاشم وبني المطلب حقّهم في الخمس ، فإنّ الفقير الّذي لا مال له تضعف همّته ، ويتصاغر عند نفسه ، ويكون مشغولاً بالاحتراف والاكتساب عن طلب الملك والرياسة.
فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء ، وهو داء لا دواء له ، وما أكثر ما تزول الاخلاق والشّيم ، فأما العقائد الراسخة فلا سبيل إلى زوالها!
القسم الثاني : في النظر في أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) هل يورث أم لا ، نذكر في هذا الموضع ما حكاه المرتضى ( رحمه الله ) في الشافي عن قاضي القضاة في هذا المعنى ، وما اعترضه به ، وإن استضعفنا شيئاً من ذلك قلنا ما عندنا ، وإلاّ تركناه على حاله.
المحسن السبط
376
قال المرتضى : أوّل ما ابتدأ به قاضي القضاة حكايته عنّا استدلالنا على أنّه ( صلى الله عليه وآله ) مورّث بقوله تعالى : «يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ»(1) وهذا الخطاب عام يدخل فيه النبيّ وغيره.
ثم أجاب ـ يعني قاضي القضاة ـعن ذلك ، فقال : إنّ الخبر الّذي احتج به أبو بكر _ يعني قوله : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ـ لم يقتصر على روايته هو وحده حتى استشهد عليه عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن ، فشهدوا به ، فكان لا يحل لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثاً ، وقد خبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأنّها صدقة وليست بميراث ، وأقلّ ما في هذا الباب أن يكون الخبر من أخبار الآحاد ، فلو أنّ شاهدين شهدا في التركة أنّ فيها حقاً ، أليس كان يجب أن يصرف ذلك عن الإرث! فعلمه بما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مع شهادة غيره أقوى.
ولسنا نجعله مدّعياً لأنّه لم يدع ذلك لنفسه ، وإنّما بيّن أنّه ليس بميراث ، وأنّه صدقة ، ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك ، كما يخصّ في العبد والقاتل وغيرهما ، وليس ذلك بنقص في الأنبياء ، بل هو إجلالٌ لهم ، يرفع الله به قدرهم عن أن يورّثوا المال ، وصار ذلك من أوكد الدواعي ألاّ يتشاغلوا بجمعه ، لأن أحد الدواعي القوية إلى ذلك تركه على الأولاد والأهلين ، ولما سمعت فاطمة ( عليها السلام ) ذلك من أبي بكر كفّت عن الطلب فيما ثبت من الأخبار الصحيحة ، فلا يمتنع أن تكون غير عارفة بذلك ، فطلبت الإرث ، فلما روى لها ما روى كفّت ، فأصابت أولاً وأصابت ثانياً.
وليس لأحد أن يقول : كيف يجوز أن يبيّن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذلك للقوم ولا حقّ لهم في الإرث ، ويدع أن يبيّن ذلك لمن له حق في الإرث ، مع أنّ التكليف يتصل به؛