فإن قالت الإمامية : كان يخاف القتل لو ذكر ذلك ، قيل لهم : فهلا يخاف القتل وهو يعتلّ ويدفع ليبايع ، وهو يمتنع ، ويستصرخ تارة بقبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وتارة بعمّه حمزة وأخيه جعفر _ وهما ميّتان ـ وتارة بالأنصار ، وتارة ببني عبد مناف ، ويجمع الجموع في داره ، ويبث الرسل والدعاة ليلاً ونهاراً إلى الناس ، يذكّرهم فضله وقرابته ، ويقول للمهاجرين : خَصَمْتُم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنا أخصِمكم بما خَصَمْتُم به الأنصار ، لأنّ القرابة إن كانت هي المعتبرة ، فأنا أقرب منكم.
وهلا خاف من هذا الامتناع ، ومن هذا الاحتجاج ، ومن الخلوة في داره بأصحابه ، ومِنْ تنفير الناس عن البيعة التي عقدت حينئذٍ لمن عقدت له!
وكلّ هذا إذا تأمّله المنصِف علم أنّ الشيعة أصابت في أمرٍ ، وأخطأت في أمرٍ ، أمّا الأمرُ الذي أصابت فيه فقولها : إنه امتنع وتلكّأ ، وأراد الأمر لنفسه ، وأمّا الأمرُ الذي أخطأت فيه ، فقولها : إنّه كان منصوصاً عليه نصّاً جليّاً بالخلافة ، تعلمه الصحابة كلّها أو أكثرها ، وإنّ ذلك النص خولف طلباً للرئاسة الدنيويّة ، وإيثاراً للعاجلة ، وإنّ حال المخالفين للنصّ لا تعدو أحد أمرين : إمّا الكفر أو الفسق.
فإنّ قرائن الأحوال وأماراتها لا تدلّ على ذلك ، وإنّما تدلّ وتشهد بخلافه ، وهذا يقتضي أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان في مبدأ الأمر يظنّ أنّ العقد لغيره كان عن غير نظر في المصلحة ، وأنّه لم يقصد به إلاّ صرف الأمر عنه ، والاستئثار عليه ، فظهر منه ما ظهر من الامتناع والقعود في بيته ، إلى أن صحّ عنده ، وثبت في نفسه ، أنهم أصابوا فيما فعلوه ، وأنّهم لم يميلوا إلى هوًى ، ولا أرادوا الدنيا ، وإنما فعلوا الأصلح في ظنونهم ، لأنّه رأى من بغض الناس له ، وانحرافهم عنه ، وميلهم عليه ، وثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم ، واحتدام النيران التي كانت في قلوبهم ، وتذكروا الترات التي وترهم فيما قبل بها ، والدماء التي سفكها منهم وأراقها.
المحسن السبط
348
وتعلّل طائفة أخرى منهم للعدول عنه بصغر سنّه ، واستهجانهم تقديم الشباب على الكهول والشيوخ.
وتعلّل طائفة أخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوّة والخلافة في بيت واحد ، فيجفَخُون (1) على الناس كما قاله من قاله. واستصعاب قوم منهم شكيمته وخوفهم تعديه وشدته ، وعلمهم بأنّه لا يداجي ولا يحابي ، ولا يراقب ولا يجامل في الدين ، وأن الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه ، ويعمل بموجب استصلاحه.
وانحراف قوم آخرين عنه للحسد الذي كان عندهم له في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، لشدّة اختصاصه له ، وتعظيمه إياه ، وما قال فيه فأكثر من النصوص الدالّة على رفعة شأنه وعلوّ مكانه ، وما اختصّ به من مصاهرته وإخوّته ، ونحو ذلك من أحواله معه.
وتنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العُجب والتيه ، كما زعموا ، واحتقاره العرب ، واستصغاره الناس كما عددوه عليه ، وإن كانوا عندنا كاذبين ، ولكنّه قول قيل ، وأمر ذُكر ، وحال نُسبت إليه ، وأعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال تُوهم مثل هذا ، نحو قوله : فإنّا صنائعُ ربّنا ، والناس بعد صنائع لنا ، وما صحّ به عنده أنّ الأمر لم يكن ليستقيم له يوماً واحداً ، ولا ينتظم ولا يستمرّ ، وأنه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقاً يكون فيه استئصال شأفة الإسلام ، وهدم أركانه ، فأذعن بالبيعة ، وجنح إلى الطاعة ، وأمسك عن طلب الإمرة ، وإن كان على مضض ورَمَضَ.
وقد روي عنه ( عليه السلام ) أنّ فاطمة ( عليها السلام ) حرضته يوماً على النهوض والوثوب ، فسمع صوت المؤذّن : أشهد أنّ محمداً رسول الله فقال لها : أيسرّكِ زوال هذا النداء من الأرض! قالت : لا ، قال : فإنّه ما أقول لكِ.
(1) يجفخون : يفخرون ويتكبرون ، وهذا ما صرّح به عمر في محاورة له مع ابن عباس.
المحسن السبط
349
وهذا المذهب هو أقصد المذاهب وأصحّها ، وإليه يذهب أصحابنا المتأخّرون من البغداديين ، وبه نقول.
واعلم أنّ حال علي ( عليه السلام ) في هذا المعنى أشهر من أن يحتاج في الدلالة عليها إلى الاسهاب والإطناب ، فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بخمسٍ وعشرين سنة ، وفي دون هذه المدّة تنسى الأحقاد ، وتموت الترات ، وتبرد الأكباد الحامية ، وتسلو القلوب الواجدة ، ويعدم قرن من الناس ، ويوجد قرن ، ولا يبقى من أرباب تلك الشحناء والبغضاء إلاّ الأقل.
فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنّها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه ( صلى الله عليه وآله ) ، من إظهار ما في النفوس ، وهيجان ما في القلوب ، حتى إنّ الاخلاف من قريش ، والأحداث والفتيان اللذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم ، فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياءً لقصرت عن فعله ، وتقاعست عن بلوغ شأوِه ، فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة ، وسيفه بعد يقطر دماً من مهج العرب ، لا سيما قريش الذين بهم كان ينبغي ـ لو دهمه خطب ـ أن يعتضد ، وعليهم كان يجب أن يعتمد! إذن كانت تدرس أعلام الملة وتنعفي رسوم الشريعة ، وتعود الجاهلية الجهلاء على حالها ، ويفسد ما أصلحه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ثلاث وعشرين سنة في شهر واحد ، فكان من عناية الله تعالى بهذا الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه ، والله متمّ نوره ولو كره المشركون.
أقول : رحم الله من قال عن ابن أبي الحديد : لو أوقف خصوم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بين يدي الله للحساب ، ما استطاعوا أن يعتذروا عن أنفسهم كما اعتذر عنهم ابن أبي الحديد.
وهذا غيض من فيض مما ملأ به كتابه شرح نهج البلاغة ، وهو بحق نعم الشرح ، فهو موسوعة من خيرة الموسوعات التاريخية والأدبية بل وحتى الكلامية ،
المحسن السبط
350
والكتاب على حد قول المرحوم الشيخ كاشف الغطاء كما كتبه بخطه على نسخته الطبعة الحجرية : ( نعم المؤلَّف لولا عناد المؤلِّف ).
النص السابع : قال ابن أبي الحديد (1) ما يلي ـ وهذا النص حكى فيه ما قاله قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي ورد الشريف المرتضى ـ ( رحمه الله ) _ عليه كما ساق في أوله عدّة نصوص من كتاب السقيفة للجوهري ، ونحن نذكر جميع ما ذكره بطوله لغرض اطلاع القارئ على مدى تفانيه في الدفاع عن الشيخين بما لا فائدة معه ـ فقال في شرح كلام الإمام ( عليه السلام ) :
بَلَى! كَانَتْ في أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّماءُ ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم ٍ ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ ، وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَغَيْرِ فَدَك ، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَد جَدَثٌ ، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا ، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا ، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا ، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا ، لاََضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ ، وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الاَْكْبَرِ ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ.
واعلم أنّا نتكلّم في شرح هذه الكلمات بثلاثة أقسام :
القسم الأوّل : فيما ورد في الحديث والسّيَر من أمرِ فَدَك ، والقسم الثاني : في هل النبي ( صلى الله عليه وآله ) يورّث أم لا؟ ، والقسم الثالث : في أنّ فَدَك هل صحّ كونها نِحْلة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة أم لا؟
القسم الأول : فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم ، لا مِنْ كتب الشيعة ورجالهم ، لأنّا مشترطون على أنفسنا ألاّ نحفل بذلك ،
(1) المصدر نفسه 16 : 208 ـ 285.
المحسن السبط
351
وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفَدَك ، وما وقع من الاختلاف والاضطراب عَقِب وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؛ وأبو بكر الجوهري هذا عالم مُحدَّث كثير الأدب ، ثقة ورع ، أثنى عليه المحدّثون ورووا عنه مصنّفاته.
قال أبو بكر : حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة قال : حدّثنا حيّان بن بشر ، قال : حدّثنا يحيى بن آدم ، قال : أخبرنا ابن أبي زائدة ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري قال : بقيت بقيّة من أهل خيبر تحصّنوا ، فسألوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يحقن دماءهم ويُسيَّرهم ، ففعل ، فسمع ذلك أهل فَدَك فنزلوا على مثل ذلك ، وكانت للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خاصة ، لأنّه لم يُوجِف عليها بخيلٍ ولا رِكاب.
قال أبو بكر : وروى محمد بن إسحاق أيضاً أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لمّا فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهلِ فَدَك ، فبعثوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فصالحوه على النّصف من فَدَك ، فقَدِمتْ عليه رسلُهم بخيبر أو بالطريق ، أو بعد ما أقام بالمدينة ، فقبل ذلك منهم ، وكانت فَدَك لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خالصةً له ، لأنّه لم يوجِف عليها بخيلٍ ولا رِكاب.
قال : وقد روى أنّه صالحهم عليها كلّها ، الله أعلم أيُّ الأمرين كان.
قال : وكان مالك بن أنس يحدّث عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حَزْم أنّه صالحهم على النصف ، فلم يزل الأمر كذلك حتى أخرجهم عمر بن الخطاب وأجلاهم بعد أن عوّضهم عن النصف الذي كان لهم عوضاً من إبل وغيرها.
وقال غير مالك بن أنس : لمّا أجلاهم عمر بعث إليهم من يقوّم الأموال ، بعث أبا الهيثم بن التيهان ، وفَرْوة بن عمرو ، وحُباب بن صَخْر ، وزيد بن ثابت ، فقَوّموا أرض فَدَك ونخلَها ، فأخذها عمر ، ودفع إليهم قيمةَ النصف الذي لهم ، وكان مبلغ ذلك خمسين ألف درهم ، أعطاهم إيّاها من مالٍ أتاه من العراق ، وأجلاهم إلى الشام.
المحسن السبط
352
قال أبو بكر : فحدّثني محمد بن زكريا قال : حدّثني جعفر بن محمد بن عُمارة الكندي قال : حدّثني أبي ، عن الحسين بن صالح بن حيّ ، قال : حدّثني رجلان من بني هاشم ، عن زينب بنت علي بن أبي طالب ( عليه السلام ).
قال : وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه ، قال أبو بكر : وحدّثني عثمان بن عمران العجيفي ، عن نائل بن نجيج بن عمير بن شَمِر ، عن جابر الجُعفي ، عن أبي جعفر محمد بن علي ( عليه السلام ).
قال أبو بكر : وحدّثني أحمد بن محمد بن يزيد ، عن عبد الله بن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن عبد الله بن حسن بن الحسن ، قالوا جميعاً :
لمّا بلغ فاطمة ( عليها السلام ) إجماع أبي بكر على منعها فَدَك ، لاثتْ خِمارَها ، وأقبلت في لُمّةٍ من حَفَدَتِها ونساءِ قومها ، تطأ في ذيولها ، ما تخرم مِشْيتها مِشْية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار ، فضرب بينها وبينهم رَيْطةً بيضاء _ وقال بعضهم : قِبْطيّة ، وقالوا : قُبْطية بالكسر والضمّ _ ثم أنّت أنّةً أجْهَش لها القوم بالبكاء.
ثم أمهلتْ طويلاً حتى سكنوا من فورتهم ، ثم قالت : أبتدئُ بحمْدِ مَن هو أولى بالحمد والطَّوْل والمجد ، الحمد لله على ما أنعَم ، وله الشكر بما ألهَم. وذكر خطبة طويلة جيدة قالت في آخرها : فاتّقوا الله حقّ تُقاتِه ، وأطيعوه فيما أمرَكم به ، فإنّما يَخشَى الله مِن عباده العلماء ، واحمدوا الله الذي لعظمته ونوره من يَبتغِي في السماوات والأرض إليه الوسيلة ، ونحن وسيلتُه في خلقه ، ونحن خاصّته ، ومحلّ قدسه ، ونحن حجّته في غيبه ، ونحن ورثة أنبيائه.
ثم قالت : أنا فاطمة ابنة محمد ، أقول عَوْداً على بدء ، وما أقول ذلك سَرَفاً ولا شَطَطاً ، فاسمعوا بأسماع واعية ، وقلوبٍ راعية ، ثم قالت : « لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ»(1) فإن تَعْزُوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وأخا ابن عمّي دون رجالكم.
(1) التوبة : 128.
المحسن السبط
353
ثم ذكرت كلاماً طويلاً سنذكره فيما بعد في الفصل الثاني ، تقول في آخره : ثم أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي : « أفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْم يُوقِنُونَ »(1) إيهاً معاشرَ المسلمين ، ابتُزّ إرث أبي ، أبى الله أن تَرِث يابن أبي قُحافة أباك ولا إرِث أبي ، لقد جئت شيئاً فَرِيّاً! فدونَكَها مخطومةً مرحولةً تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يَخسَر المُبطِلون ، ولكل نباءٍ مستقرٌّ وسوف تعلمون من يأتيه عذابٌ يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم!.
ثم التفتت إلى قبر أبيها ، فتمثّلت بقول هند بنت أثاثة :
قد كان بعدك أنباءٌ وهَيْنمةٌ
لو كنتَ شاهدَها لم تَكثُرِ الخطبُ
أبدتْ رجالٌ لنا نجوى صدورِهم
لمّا قضيتَ وحالت دونَكَ الكُتُبُ
تَجَهّمتْنا رجالٌ واستُخِفّ بنا
إذ غبتَ عنّا فنحن اليومَ نُغتصَبُ
قال : ولم ير الناس أكثر باك ولا باكيةً منهم يومئذ ، ثم عدلت إلى مسجد الأنصار فقالت : يامعشر البقيّة ، وأعضاد الملّة ، وحَضَنة الإسلام ، ما هذه الفَتْرة عن نُصْرتي ، والوَنْية عن معونتي ، والغمزة في حقّي ، والسَّنة عن ظُلامَتي! أما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : المرء يُحفَظ في ولده! سرعانَ ما أحدثتم ، وعجلانَ ما أتيتم ، ألآن مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمتّم دينه! ها إنّ موته لَعمري خطبٌ جليلٌ استوسع وَهنُه ، واستبهم فتقُه ، وفُقِد راتقُه ، وأظلمت الأرض له ، وخَشَعت الجبال ، وأكْدَت الآمال ، اُضِيع بعدَه الحريم ، وهُتِكت الحرمة ، واُذيلت المصونة ، وتلك نازِلة أعلن بها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قبل وفاته ، فقال : «وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ
(1) المائدة : 50.
المحسن السبط
354
قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ»(1) .
إيهاً بني قَيْلة! اهتضم تُراث أبي ، وأنتم بمرأى ومَسمَع ، تبلغكم الدعوة ، ويشملكم الصوت ، وفيكم العُدّة والعدد ، ولكم الدار والجنَن ، وأنتم نخبة الله الّتي انتخب ، وخِيرته الّتي اختار! باديتم العَرَب ، وبادهتم الأمور ، وكافحتم البهم حتى دارت بكم رحَى الإسلام ، ودرّ حلبه ، وخبَتْ نيران الحرب ، وسكنتْ فَوْرة الشَّرك ، وهدأتْ دعوة الهَرْج ، واستوثق نظام الدين ، أفتأخّرتم بعد الإقدام ، ونَكَصْتم بعد الشّدة ، وجبُنتم بعد الشجاعة ، عن قوم « نَكَثُوا أيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْر ِ إنَّهُمْ لا أيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ».(2)
ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، ورَكَنْتم إلى الدّعة ، فجحدتم الذي وعيتم ، وسُغْتم الذي سوّغتم «وإنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْض ِجَمِيعاً فَإنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ »(3) ألا وقد قلتُ لكم ما قلت على معرفة منّي بالخذْلة التي خامرتْكم ، وخَوَر القناة ، وضعف اليقين ، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر ، ناقبة الخف ، باقية العار ، موسومة الشعار ، موصولة بنار الله الموقدة ، التي تطّلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تعملون : «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ».(4)
قال : وحدّثني محمد بن زكريا ، قال : حدّثنا محمد بن الضحّاك ، قال : حدّثنا هشام بن محمد ، عن عوانة بن الحكم قال : لمّا كلّمت فاطمة ( عليها السلام ) أبا بكر بما كلّمته به ، حَمِد أبو بكر الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثم قال : ياخَيرَة النساء ،
(1) آل عمران : 144.
(2) التوبة : 12.
(3) إبراهيم : 8.
(4) الشعراء : 227.
المحسن السبط
355
وابنة خير الآباء ، واللهِ ما عدوتُ رأيَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وما عملتُ إلاّ بأمره ، وإنّ الرائد لا يَكذِب أهلَه ، وقد قلتِ فأبلغتِ ، وأغلظتِ فأهجرتِ ، فغَفَر الله لنا ولكِ. أمّا بعد ، فقد دفعت آلةَ رسول الله ودابّته وحذاءَه إلى علي ، وأمّا ما سوى ذلك فإنّي سمعتُ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نُورِث ذهباً ولا فضّة ولا أرضاً ولا عَقاراً ولا داراً ، ولكنّا نورث الإيمان والحكمة والعِلم والسنّة فقد عملت بما أمرني ، ونصحت له وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.
قال أبو بكر : وروى هشام بن محمد ، عن ابيه قال : قالت فاطمة لأبي بكر : إنّ أمّ أيمن تشهد لي أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أعطاني فَدَك ، فقال لها : ياابنة رسول الله ، والله ما خلق الله خلقاً أحب إليّ من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أبيك ، ولوددت أنّ السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك ، والله لإن تفتقر عائشة أحبّ إليّ من أن تفتقري ، أتراني أعطي الأحمر والأبيض حقّه وأظلمكِ حقّكِ ، وأنت بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، إنّ هذا المال لم يكن للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وإنّما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال ، وينفقه في سبيل الله ، فلما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وليته كما كان يليه.
قالت : والله لا كلّمتكَ أبداً! قال : والله لا هجرتكِ أبداً؛ قالت : والله لأدعونّ الله عليكَ؛ قال : والله لأدعون الله لكِ ، فلمّا حضرتها الوفاة أوصت ألاّ يصلّي عليها ، فدفنت ليلاً ، وصلى عليها عباس بن عبد المطلب ، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها اثنتان وسبعون ليلة.
قال أبو بكر : وحدّثني محمد بن زكريا قال : حدّثنا جعفر بن محمد بن عمارة بالإسناد الأول قال : فلما سمع أبو بكر خطبتها شقّ عليه مقالتها ، فصعد المنبر وقال : أيّها الناس ، ما هذه الرّعة إلى كل قالة! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ألا مَن سمع فليقل ، ومن شهد فليتكلّم ، إنّما هو ثعالة شهيده ذنبه ، مُرِبٌّ لكلّ فتنة ، هو الذي يقول : كرّوها جذعة بعدما هرمت ، يستعينون بالضعفة ، ويستنصرون
المحسن السبط
356
بالنساء ، كأمّ طِحال أحبّ أهلها إليها البغي ، ألا إنّي لو أشاء أن أقول لقُلتُ ، ولو قلتُ لبحتُ ، إني ساكت ما تركت ، ثم التفت إلى الأنصار فقال : قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم ، وأحق من لزم عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنتم ، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم ، ألا إنّي لستُ باسطاً يداً ولا لساناً على مَنْ لم يستحقّ ذلك منّا.
ثم نزل؛ فانصرفت فاطمة ( عليها السلام ) إلى منزلها.
قا ل ابن أبي الحديد : قلت : قرأتُ هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري وقلت له : بمن يعرض؟ فقال : بل يصرّح ، قلتُ : لو صرّح لم أسألك ، فضحك وقال : بعليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، قلت : هذا الكلام كله لعليّ يقول؟! قال : نعم ، إنّه المُلك يا بنيّ.
قلت : فما مقالة الأنصار؟ قال : هتفوا بذكر عليٍّ فخاف من اضطراب الأمر عليهم فنهاهم.
قال أبو بكر : وحدّثني محمد بن زكريا ، قال : حدّثني ابن عائشة ، قال : حدّثني أبي ، عن عمّه قال : لمّا كلمت فاطمة أبا بكر بكى ثم قال : ياابنة رسول الله ، والله ما ورّث أبوك ديناراً ولا درهماً ، وإنّه قال : انّ الأنبياء لا يورّثون ، فقالت : إنّ فَدَك وهبها لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قال : فمن يشهد بذلك؟
فجاء علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فشهد ، وجاءت أمّ أيمن فشهدت أيضاً ، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف فشهدا أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يقسمها ، قال أبو بكر : صدقتِ يا ابنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وصدق علي ، وصدقت أم أيمن ، وصدق عمر ، وصدق عبد الرحمن بن عوف ، وذلك أن مالك لأبيك ، كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يأخذ من فَدَك قوتكم ، ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله ، فما تصنعين بها؟ قالت : أصنع بها كما يصنع بها أبي؛ قال : فلك عليَّ الله أن أصنع فيها كما يصنع فيها أبوك ، قالت : الله لتفعلنّ؟ قال : الله لأفعلنّ ، قالت : اللّهمّ اشهد.
المحسن السبط
357
وكان أبو بكر يأخذ غلّتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم ، ويقسم الباقي ، وكان عمر كذلك ، ثم كان عثمان كذلك ، ثم كان علي كذلك ، فلمّا ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها ، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها ، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها ، وذلك بعد موت الحسن بن علي ( عليه السلام ) ؛ فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلّها لمروان بن الحكم أيام خلافته ، فوهبها لعبد العزيز ابنه ، فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز ، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ، كانت أوّل ظُلامة ردّها دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) _ وقيل : بل دعا علي بن الحسين ( عليه السلام ) _ فردّها عليه.
وكانت بيد أولاد فاطمة ( عليها السلام ) مدّة ولاية عمر بن عبد العزيز ، فلمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم ، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها ، حتى انتقلت الخلافة عنهم ، فلمّا ولي أبو العباس السفّاح ردّها على عبد الله بن الحسن بن الحسن ، ثم قبضها أبو جعفر لمّا حدث من بني حسن ما حدث ، ثم ردّها المهدي ابنه على ولد فاطمة ( عليها السلام ) ، ثم قبضها موسى بن المهدي وهارون أخوه ، فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون ، فردّها على الفاطميين.
قال أبو بكر : حدّثني محمد بن زكريا قال : حدّثني مهدي بن سابق قال : جلس المأمون للمظالم ، فأوّل رقعة وقعت في يده نظر فيها وبكى ، وقال للذي على رأسه : ناد أين وكيل فاطمة؟ فقام شيخ عليه دُرّاعة وعمامة وخفّ تِعزّي ، فتقدّم فجعل يناظره في فدك والمأمون يحتج عليه وهو يحتج على المأمون ، ثم أمر أن يسجل لهم بها ، فكتب السجل وقرئ عليه ، فأنفذه ، فقام دِعْبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أوّلها :
أصبَحَ وجهُ الزّمان قد ضَحِكا
بردّ مأمونِ هاشم فَدَكَا
فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيام المتوكل ، فأقطعها عبد الله بن عمر البازيار ، وكان فيها إحدى عشرة نخلةً غرسها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيده ، فكان بنو فاطمة
المحسن السبط
358
يأخذون ثمرها ، فإذا قدم الحُجاج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم ، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل ، فصرم عبدالله بن عمر البازيار ذلك التمر ، وجّه رجلاً يقال له بشران بن أبي أميّة الثقفي إلى المدينة فصرمه ، ثم عاد إلى البصرة ففلج.
قال أبو بكر : أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة قال : حدّثنا سويد بن سعيد والحسن بن عثمان قالا : حدّثنا الوليد بن محمد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهي حينئذٍ تطلب ما كان لرسول الله بالمدينة وفَدَك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا نُورَث ما تركناه صدقة ، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال ، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت من ذلك على أبي بكر وهجرته فلم تكلمه حتى توفّيت ، وعاشت بعد أبيها ستة أشهر ، فلمّا توفّيت دفنها علي ( عليه السلام ) ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا إسحاق بن إدريس ، قال : حدّثنا محمد بن أحمد ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهما حينئذٍ يطلبان أرضه بفدك وسهمه بخيبر ، فقال لهما أبو بكر : إنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : لا نورث ، ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) من هذا المال ، وإنّي والله لا أغيّر أمراً رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يصنعه إلاّ صنعته ، قال : فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا عمر بن عاصم ، وموسى بن إسماعيل قال : حدّثنا حماد بن سلمة ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن أمّ هانئ ، أنّ فاطمة
المحسن السبط
359
قالت لأبي بكر : من يرثك إذا متّ؟ قال : ولدي وأهلي؛ قالت : فمالك ترث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دوننا؟ قال : يا ابنة رسول الله ، ما ورث أبوك داراً ولا مالاً ولا ذهباً ولا فضة ، قالت : بلى سهم الله الذي جعله لنا ، وصار فيئنا الذي بيدك ، فقال لها : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّما هي طعمة أطعمناها الله ، فإذا متّ كانت بين المسلمين.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدّثنا محمد بن الفضل ، عن الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : أرسلت فاطمة إلى أبي بكر : أنت ورثت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أم أهله؟ قال : بل أهله؛ قالت : فما بال سهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قال : إنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّ الله أطعم نبيّه طعمة ، ثم قبضه ، وجعله للذي يقوم بعده ، فوليت أنا بعده ، أن أرده على المسلمين ، قالت : أنت وما سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أعلم.
قلت : في هذا الحديث عجب ، لأنّها قالت له : أنت ورثت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أم أهله؟ قال : بل أهله؛ وهذا تصريح بأنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) موروث يرثه أهله ، وهو خلاف قوله : لا نورث. وأيضاً فإنّه يدل على أنّ أبا بكر استنبط من قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنّ الله أطعم نبياً طعمة أن يُجرى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عند وفاته مجرى ذلك النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، أو يكون قد فهم أنه عني بذلك النبي المنكر لفظاً نفسه ، كما فهم من قوله في خطبته : إنّ عبداً خيّره الله بين الدنيا وما عند ربه ، فاختار ما عند ربه ، فقال أبو بكر : بل نفديك بأنفسنا.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : أخبرنا القعنبي قال : حدّثنا عبد العزيز بن محمد ، عن محمد بن عمر ، عن أبي سلمة ، أنّ فاطمة طلبت فَدَك من أبي بكر ، فقال : إنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّ النبي لا يورث ، من كان النبي يعوله فأنا أعوله ، ومن كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) ينفق عليه فأنا أنفق عليه ، فقالت : يا أبا بكر ، أيرثك بناتك ولا يرث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بناته؟ فقال : هو ذاك.
المحسن السبط
360
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال : حدّثنا فضيل بن مرزوق قال : حدّثنا البحتري بن حسان قال : قلت لزيد بن علي ( عليه السلام ) وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر : إن أبا بكر انتزع فَدَك من فاطمة ( عليها السلام ) ، فقال : إنّ أبا بكر كان رجلاً رحيماً ، وكان يكره أن يغيّر شيئاً فعله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأتته فاطمة فقالت : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أعطاني فَدَك ، فقال لها : هل لك على هذا بيّنة؟ فجاءت بعلي ( عليه السلام ) ، فشهد لها ، ثم جاءت أم أيمن فقالت : ألستما تشهدان أنّي من أهل الجنة؟ قالا : بلى ـ قال أبو زيد : يعني أنّها قالت لأبي بكر وعمر _ قالت : فأنا أشهد أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أعطاها فَدَك ، فقال أبو بكر : فرجل آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضيّة ، ثم قال أبو زيد : وأيم الله لو رجع الأمر إليّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا محمد بن الصباح قال : حدّثنا يحيى بن المتوكل أبو عقيل ، عن كثير النوال قال : قلت لأبي جعفر محمد بن علي ( عليه السلام ) : جعلني الله فداك! أرأيت أبا بكر وعمر ، هل ظلماكم من حقّكم شيئاً _ أو قال : ذهبا من حقّكم بشيء؟ _ فقال : لا ، والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، ما ظلمنا من حقنا مثقال حبّة من خردل؛ قلت : جعلت فداك أفأتولاهما؟ قال : نعم ويحك ، تولّهما في الدنيا والآخرة ، وما أصابك ففي عنقي ، ثم قال : فعل الله بالمغيرة وبُنَان ، فإنّهما كذبا علينا أهل البيت.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا عبد الله بن نافع والقعنبيّ ، عن مالك ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) أردن لمّا توفي أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ _ أو قال ثمنهنّ _ قالت : فقلت لهنّ : أليس قد قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا نورث ، ما تركنا صدقة.
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد ، قال : حدّثنا عبد الله بن نافع والقعنبي وبشر بن عمر ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : قال :
المحسن السبط
361
لا يقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً ، ما تركتُ بعد نفقة نسائي ومؤونة عيالي فهو صدقة.
قلت : هذا حديث غريب ، لأنّ المشهور أنّه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلاّ أبو بكر وحده.
وقال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد ، عن الحزامي ، عن ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن الأعرج أنّه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : والذي نفسي بيده لا يقسِم ورثتي شيئاً ، ما تركت صدقة قال : وكانت هذه الصدقة بيد علي ( عليه السلام ) ، غلب عليها العباس ، وكانت فيها خصومتهما ، فأبى عمر أن يقسمها بينهما حتى أعرض عنها العباس وغلب عليها ( عليها السلام ) ، ثم كانت بيد حسن وحسين ابني علي ( عليه السلام ) ، ثم كانت بيد علي بن الحسين ( عليه السلام ) ، والحسن بن الحسن ، كلاهما يتداولانها ، ثم بيد زيد بن علي ( عليه السلام ).
قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : حدّثنا يونس ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، أنّ عمر بن الخطاب دعاه يوماً بعد ما ارتفع النهار ، قال : فدخلت عليه وهو جالس على سرير رمال ليس بينه وبين الرمال فراش ، على وسادة أدم ، فقال : يا مالك ، إنّه قد قدم من قومك أهل أبيات حضروا المدينة ، وقد أمرت لهم برضخ فاقسمه بينهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، مُرْ بذلك غيري ، قال : اقسم أيّها المرء.
قال : فبينا نحن على ذلك إذ دخل يرفأ فقال : هل لك في عثمان وسعد وعبد الرحمن والزبير يستأذنون عليك؟ قال : نعم ، فأذن لهم ، قال : ثم لبث قليلاً ، ثم جاء فقال : هل لك
في علي والعباس يستأذنان عليك؟ قال : ائذن لهما.فلما دخلا قال عباس : ياأمير المؤمنين ، اقض بيني وبين هذا ـ يعني علياً ـ وهما يختصمان في الصوافي التي أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير ، قال :