|
|
أنّي سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عنها ، فأما الثلاث التي فعلتها ووددت أنّي تركتها ، فوددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة ، وذكر كلاماً كثيراً ... ).
النص الخامس : قال : ( وقد تنوزع في بيعة علي بن أبي طالب إياه ، فمنهم من قال : بايعه بعد موت فاطمة بعشرة أيام ، وذلك بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بنيف وسبعين يوماً ، وقيل بثلاثة أشهر ، وقيل بستة ، وقيل غير ذلك ).
النص السادس : قال : ( وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخبار في هذا الكتاب طلباً للإختصار والإيجاز فيها ... وأخبار من قعد عن البيعة ومن بايع ، وما قالت بنو هاشم ، وما كان من قصة فدك ، وما قاله أصحاب النص والاختيار في الإمامة ، ومن قال بإمامة المفضول وغيره ، وما كان من فاطمة وكلامها ، وقولها متمثلة حين عدلت إلى قبر أبيها ( صلى الله عليه وآله ) من قول صفية بنت عبد المطلب :
| قد كان بعدك أنباء وهنبثة |
|
لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطب |
إلى آخر الشعر ، وغير ذلك مما تركنا ذكره من الأخبار في هذا الكتاب ، إذ كنّا قد أتينا على جميع ذلك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط ، فأغنى ذلك عن ذكره هاهنا ).
النص السابع : قال : ( كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره اياهم في الشعب ، وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته ، إذ هم أبو البيعة فيما سلف ، وهذا خبر لا يحتمل ذكره كتابنا هذا ، وقد أتينا على ذكره في كتابنا مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الأذهان ).
|
(1) المصدر نفسه 2 : 309.
(2) المصدر نفسه 2 : 310.
(3) المصدر نفسه 2 : 86.
|
أقول : هذا ما أردنا نقله عن كتاب مروج الذهب للمسعودي ، وليس فيه من جديد عما سبق سوى النص السابع ، فهذا ما اختصره ، وعقّب عليه بأنه خبر لا يحتمل ذكره في كتابه ، وأحال على كتابه ( حدائق الأذهان ) ، ومن المؤسف حقاً حتى هذا الذي اختصره المسعودي فقد لعبت فيه أقلام الخيانة ، فأسقطت منه في الطبعات المتأخرة جملة لها دلالتها في تبرير عمل ابن الزبير مع بني هاشم وتلك ( كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ، إذ هم أبو البيعة فيما سلف ... ).
ولما كانت هذه الجملة موجودة في الطبعات القديمة كما في طبعة بولاق سنة 1283 هـ ، والطبعة الأزهرية سنة 1303 هـ ، وبهامشها روضة المناظر لابن شحنة ، وطبعة مصرية ثالثة بهامش تاريخ ابن الأثير ، وطبعة العامرة البهية سنة 1346 هـ (1) ، ففي جميعها كان النص كما يلي :
( كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إياهم في الشعب ، وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته ، كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم إذ هم أبو البيعة فيما سلف ... ) لكن الطبعات الحديثة بمصر وبيروت ، فقد أسقطت جملة : ( كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ) ستراً على السلف.
راجع طبعات مصر بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد التي استخدمناها ، وهي الطبعة الثالثة وكتب عليها مزيدة ومنقحة ، فيبدوا أن التنقيح هو حذف ما فيه التجريح ، وكذلك طبعات بيروت في دار الفكر ودار الأندلس ، فجميعها حذفت الجملة المشار إليها ، وقد عمي المحققون لهذه الطبعات عما نمّ به السارق على نفسه بإثباته جملة : ( إذ هم أبوا البيعة فيما سلف ) فهي لا تتفق ولا تتسق إلاّ مع
|
|
(1) المصدر نفسه 2 : 79 طبعة بولاق, والطبعة الأزهرية 2 : 72 ، والطبعة المصرية 6 : 161.
|
الجملة المحذوفة : ( كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ) فكيف استساغوا تمرير العبارة مع وضوح الإشارة.
وكان المستشرق شارل بلا أوفى ذمة في تحقيقه مروج الذهب (1) ، فقد ذكر ذلك في الهامش عن نسخة / م ، وفات الجميع انّ ابن أبي الحديد في شرحه (2) ذكر الخبر بتمامه نقلاً عن المسعودي ، وذكر ما قاله المسعودي تعقيباً على الخبر كما مرّ في ( وقفة تحقيق لابد منها ).
|
ما ذكره الجوهري :
|
|
|
 |
السادس عشر : ماذا عند أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ( كان حياً سنة 322 حيث قرئ عليه كتابه السقيفة في ربيع الأول سنة 322 هـ ).
النص الأوّل : قال الجوهري : وأخبرني أبو بكر الباهلي ، عن إسماعيل بن مجالد ، عن الشعبي قال : قال أبو بكر : يا عمر أين خالد بن الوليد؟ قال : هو هذا ، فقال : انطلقا إليهما _ يعني علياً والزبير _ فأتياني بهما ، فانطلقا ، فدخل عمر ووقف خالد على الباب من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف؟ قال : أعددته لاُبايع علياً.
قال : وكان في البيت ناس كثير منهم : المقداد بن الأسود وجمهور الهاشميين ، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه ، وقال : يا خالد دونك هذا ، فمسكه خالد ، وكان في خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر ردءاً لهما ، ثم دخل عمر فقال لعلي : قم فبايع ، فتلكأ واحتبس ، فأخذ بيده فقال : قم ، فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير حتى أمسكهما خالد ، وساقهما عمر ومن معه سوقاً عنيفاً.
|
(1) مروج الذهب 3 : 276 ، برقم : 1943.
(2) شرح ابن أبي الحديد 20 : 147.
|
واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال ، ورأت فاطمة ما صنع عمر ، فصرخت وولولت ، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهنّ ، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت : يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله ، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله (1).
النص الثاني : وقال أبو بكر الجوهري : حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثني إبراهيم بن المنذر ، قال : حدّثنا ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود قال : غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغيرمشورة ، وغضب علي والزبير فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح.
فجاء عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير ومسلمة بن سلامة بن قريش ( وقش ) وهما من بني عبد الأشهل ، فاقتحما الدار فصاحت فاطمة وناشدتهما الله ، فأخذوا سيفيهما فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما ، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا (2).
النص الثالث : وقال أبو بكر ـ الجوهري ـ : وذكر ابن شهاب بن ثابت : أنّ قيس بن شمّاس ـ أخا بني الحارث من الخزرج ـ كان مع الجماعة الذين دخلوا بيت فاطمة (3).
النص الرابع : وقال أبو بكر ـ الجوهري ـ : وروى سعد بن إبراهيم أنّ عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ذلك اليوم ، وانّ محمد بن مسلمة كان معهم ، وأنّه هو الذي كسر سيف الزبير (4).
النص الخامس : وقال أبو بكر ـ الجوهري ـ : وحدّثني أبو زيد عمر بن شبّة عن رجاله قال : جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين ، فقال : والذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم ،
|
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 2 : 19.
(2) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 47.
(3) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.
(4) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.
|
فخرج إليه الزبير مصلتاً بالسيف ، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر ، فندر السيف من يده فضرب به عمر الحجر فكسره ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً حتى بايعوا أبا بكر (1).
النص السادس : قال أبو زيد : وروى النضر بن سهيل قال : حمل سيف الزبير لما ندر من يده إلى أبي بكر ، وهو على المنبر يخطب فقال : اضربوا به الحجر ، قال أبو عمرو بن حماس : ولقد رأيت الحجر وفيه تلك الضربة ، والناس يقولون : هذا أثر ضربة سيف الزبير (2).
النص السابع : قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا محمد بن يحيى ، قال : حدّثنا غسان بن عبد الحميد ، قال : لما أكثر في تخلّف علي عن البيعة ، واشتد أبو بكر وعمر في ذلك ، خرجت أم مسطح بن أثاثة فوقفت عند قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ونادته : يا رسول الله :
| قد كان بعدك أنباء وهينمة |
|
لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطب |
| انّا فقدناك فقد الأرض وابلها |
|
فاختلّ قومك فاشهدهم ولا تغبِ(3) |
النص الثامن : وقال أبو بكر : وحدّثني أبو الحسن علي بن سليمان النوفلي قال : سمعت أبيّاً يقول : ذكر سعد بن عبادة يوماً علياً بعد يوم السقيفة ، فذكر أمراً من أمره ـ نسيه أبو الحسن ـ يوجب ولايته ، فقال له ابنه قيس بن سعد : أنت سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب ثم تطلب الخلافة ، ويقول أصحابك منّا أمير ومنكم أمير ، لا كلمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة أبداً (4).
|
(1) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.
(2) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.
(3) المصدر نفسه 6 : 43 ، وفي لسان العرب : ( وهنبثة ) ، وهي : الاختلال في القول ، ونسبهما إلى فاطمة ( عليها السلام ) ، وقد مرّ ما يتعلق بهما.
(4) المصدر نفسه 6 : 44.
|
النص التاسع : قال أبو بكر : وحدّثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد ، قال : حدّثنا أحمد بن الحكم ، قال : حدّثنا عبد الله بن وهب ، عن ليث بن سعد قال : تخلّف علي عن بيعة أبي بكر ، فأخرج ملبّباً (1) ، يمضي به ركضاً وهو يقول : معاشر المسلمين ، علام تُضرب عنق رجل من المسلمين ، لم يتخلف لخلاف ، وإنما تخلف لحاجة ، فما مرّ بمجلس من المجالس إلاّ يقال له : انطلق فبايع (2).
النص العاشر : قال أبو بكر : وحدّثنا علي بن جرير الطائي قال : حدّثنا ابن فضل ، عن الأجلح ، عن حبيب بن ثعلبة بن يزيد قال : سمعت علياً يقول : أما ورب السماء والأرض ـ ثلاثاً ـ إنه لعهد النبي لأمّي إليّ ، لتغدرنّ بك الأمة من بعدي (3).
النص الحادي عشر : وقال أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، حدّثنا أحمد وقال : حدّثنا ابن عفير ، قال : حدّثنا أبو عوف عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي جعفر محمد بن علي ( رضي الله عنهما ) : أن علياً حمل فاطمة على حمار ، وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة ، وتسألهم فاطمة الانتصار له ، فكانوا يقولون : يابنت رسول
|
(1) يقال : لبّب فلان فلاناً أخذ بتلبيبه ، أي جمع ثيابه عند صدره ونحره ثم جرّه.
(2) المصدر نفسه 6 : 45.
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 140 ، وصححه, وكذلك الذهبي في التلخيص, وله مصادر أخرى كثيرة, ونحوه وقريباً منه ما روته عائشة قالت : رأيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) التزم علياً وقبّله ويقول : بأبي الوحيد الشهيد ، بأبي الوحيد الشهيد. وهذا أخرجه ابن عساكر في ترجمة الإمام 3 : 285 ، وله مصادر أخرى ، ولا يبعد عن جو الحديثين في نبوءته ( صلى الله عليه وآله ) بوقوع المآسي من بعده ما أخرجه ابن عساكر في ترجمة الإمام 2 : 321 قال : وذكر الحديث بعدّة أسانيد عن أبي عثمان النهدي, عن علي بن أبي طالب قال : ( كنت أمشي مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأتينا على حديقة, فقلت : يا رسول الله ما أحسن هذه الحديقة؟ فقال : ما أحسنها ولك في الجنة أحسن منها ، حتى أتينا على سبع حدائق وفي كل ذلك أنا أقول : يا رسول الله ما أحسنها؟ فيقول : لك في الجنة أحسن منها ، فلما أن خلا به الطريق اعتنقني ثم أجهش باكياً ، فقلت : يا رسول الله ما يبكيك؟ قال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ بعدي ، فقلت : في سلامة من ديني؟ قال : في سلامة من دينك ).
|
 |
|
 |
الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به ، فقال علي : أكنت أترك رسول الله ميتاً في بيته لا أجهزه ، وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه ، وقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، وصنعوا هم ما الله حسبهم عليه (1).
النص الثاني عشر : وقال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز : وحدّثنا أحمد قال : حدّثني سعيد بن كثير قال : حدّثني ابن لهيعة ، أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما مات وأبو ذر غائب وقدم ، وقد ولي أبو بكر ، فقال : أصبتم قناعه وتركتم قرابه ، لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان (2).
النص الثالث عشر : قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا أبو قبيصة محمد بن حرب قال : لما توفي النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وجرى في السقيفة ما جرى ، تمثل علي :
| وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا |
|
ويطغون لما غال زيداً غوائله(3) |
النص الرابع عشر : قال أبو بكر : وروى أبو زيد عن حبّاب بن يزيد ، عن جرير ، عن المغيرة أنّ سلمان والزبير وبعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا علياً بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فلما بويع أبو بكر قال سلمان للصحابة : أصبتم الخير ولكن أخطأتم المعدن.
قال : وفي رواية أخرى : أصبتم ذا السن منكم ولكنكم أخطأتم أهل بيت نبيكم ، أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان ولأكلتموها رغداً (4).
|
(1) شرح النهج 6 : 13.
(2) المصدر نفسه 6 : 13.
(3) المصدر نفسه 6 : 14.
(4) المصدر نفسه 6 : 43.
|
قال ابن أبي الحديد : هذا الخبر هو الذي رواه المتكلمون في باب الإمامة عن سلمان أنه قال : ( كرديد ونكرديد ) تفسره الشيعة فتقول : أراد أسلمتم وما أسلمتم ، ويفسره أصحابنا فيقولون معناه : أخطأتم وأصبتم.(1)
النص الخامس عشر : قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد عمر بن شبّة باسناد رفعه إلى ابن عباس قال : إنّي لأماشي عمر في سكة من سكك المدينة يده في يدي ، فقال : يابن عباس ما أظن صاحبك إلاّ مظلوماً ، فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها ، فقلت : يا أمير المؤمنين فاردد إليه ظلامته ، فانتزع يده من يدي ، ثم مرّ يهمهم ساعة ، ثم وقف فلحقته فقال لي : يابن عباس ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلاّ أنّهم استصغروه ، فقلت في نفسي : هذه شر من الأولى ، فقلت : والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر (2).
النص السادس عشر : قال أبو بكر : وأخبرني أبو زيد عمر بن شبّة قال : حدّثنا محمد بن حاتم ، عن رجاله ، عن ابن عباس ، قال : مرّ عمر بعلي وأنا معه بفناء داره فسلّم عليه ، فقال له علي : أين تريد؟ قال : البقيع ، قال : أفلا تصل جناحك ويقوم معك؟ قال : بلى ، فقال لي علي : قم معه ، فمشيت معه إلى جانبه فشبّك أصابعه في أصابعي ومشينا قليلاً ، حتى إذا خلّفنا البقيع قال لي : يابن عباس ، أما والله انّ صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، إلاّ انّا خفناه على اثنين ، قال ابن عباس : فجاء بكلام لم أجد بداً من مسألته عنه ، فقلت : ما هما يا أميرالمؤمنين؟ قال : خفناه على حداثة سنه ، وحبّه بني عبد المطلب.
|
(1) المصدر نفسه 6 : 43.
(2) المصدر نفسه 6 : 45 ، وللمحاورة مصادر أخرى مذكورة في ( موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ).
|
هذه ستة عشر نصاً من عشرات نصوص غيرها اقتبسناها من كتاب السقيفة للجوهري بواسطة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ، وهو أخذها من نسخة مقروءة على المؤلف في ربيع الأول سنة 322 هـ ، وقد أثنى على المؤلف ووثقه كما تقدم ، ومن خلال قراءة النصوص أمكن ترتيب الأحداث التي وردت فيها على النحو التالي :
1 ـ غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر لأنها عن غير مشورة ، كما غضب علي والزبير فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح كما في النص الثاني ، أما من هم اولئك الرجال من المهاجرين ، فهذا ما لم يفصح عنه النص ، كما أفصح عن غضب علي والزبير فسماهما ، إلا أن النص الأول جاء فيه : وكان في البيت _ بيت فاطمة ـ ناس كثير منهم المقداد بن الأسود وجمهور الهاشميين ، وهو أيضاً لم يفصح عن أسماء ( ناس كثير ) سوى المقداد ، غير أنّا عرفنا أسماء جماعة آخرين منهم : سلمان ، وأباذر ، وعمّار ، وغيرهم من مصادر أخرى كما سيأتي ذكرهم مع ذكر أسماء الداخلين في الخاتمة إن شاء الله تعالى.
2 ـ إنّ أبا بكر أرسل عمر وخالداً ليأتياه بعلي والزبير ، وأرسل جمعاً كثيراً من الناس ردءاً لهما كما في النص الأول ، فجاء عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن قريش (1) فاقتحما الدار ، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله كما في النص الثاني ، وجاء عمر في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين ، عرفنا من الأنصار قيس بن شماس وزياد بن لبيد ورجلاً آخر لم يسمه كما في النص الخامس أيضاً ، ومن المهاجرين عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن مسلمة كما في النص الرابع.
|
|
(1) كذا في المصدر, والصواب : وقش, كما في اُسد الغابة, وغيره.
|
3 ـ جاء عمر إلى بيت فاطمة ( عليها السلام ) فقال : والذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم ، فخرج إليه الزبير مصلتاً بالسيف فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر؟ فندر السيف من يده فضرب به عمر الحجر فكسره ، فأخرجه وقال : يا خالد دونك هذا ، فأمسكه خالد.
4 ـ ثم اقتحم عمر ومن معه الدار فقال لعليّ : قم فبايع ، فتلكأ واحتبس ، فأخذ بيده فحمله ودفعه كما دفع الزبير حتى أمسكهما خالد ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً حتى بايعوا أبا بكر كما في النص الخامس ، وباقي النصوص كلها تدل على نحو ذلك ، كما أنّ النص الحادي عشر دلّ على أنّ الإمام لم يترك المطالبة بحقه حتى استنصر الأنصار لكنه لم يجد معيناً ، ومرّ في النصوص اعتراف عمر لابن عباس بأنّ علياً هو ولي الأمر.
وإلحاقاً بما مرّ من النصوص التي رواها الجوهري في كتابه السقيفة ، هذا الخبر الذي رواه عن المؤمل بن جعفر قال : حدّثني محمد بن ميمون قال : حدّثني داود بن المبارك قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ونحن راجعون من الحج في جماعة ، فسألناه عن مسائل وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبي بكر وعمر ، فقال : أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن ، فإنّه سئل عنهما فقال : كانت أمّنا صديقة ابنة نبي مرسل ، وماتت وهي غضبى على قوم ، فنحن غضاب لغضبها.
قال ابن أبي الحديد بعد روايته لما تقدم : قلت : قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيين من أهل الحجاز ، أنشدنيه النقيب جلال الدين عبدالحميد بن محمد بن عبد الحميد العلوي ، قال أنشدني هذا الشاعر ـ وذهب عنّي اسمه ـ قال :
| يا أبا حفص ا لهوينا وما |
|
كنت ملياً بذاك لولا الحمامُ |
| أتموت البتول غضبى ونرضى |
|
ماكذا يصنع البنون الكرامُ |
قال ابن أبي الحديد : يخاطب عمر ويقول له : مهلاً رويداً ياعمر ، أي أرفق واتئد ولا تعنف بنا ، وما كنت مليّاً ، أي وما كنت أهلاً لأن تُخاطب بهذا وتستعطف ، ولا كنت قادراً على ولوج دار فاطمة على ذلك الوجه الذي ولجته عليها ، لولا أنّ أباها الذي كان بيتها يحترم ويصان لأجله مات ، فطمع فيها من لم يكن يطمع.
ثم قال : أتموت أمّنا وهي غضبى ونرضى نحن؟! إذن لسنا بكرام ، فإن الولد الكريم يرضى لرضى أبيه وأمّه ، ويغضب لغضبهما ، ثم قال ابن أبي الحديد : والصحيح عندي أنّها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر ، وأنّها أوصت أن لا يصليا عليها (1).
وستأتي نصوص أخرى نقلها ابن أبي الحديد أيضاً في دفاعه المستميت عن الشيخين ، فانتظر ماذا عند ابن أبي الحديد.
|
ما ذكره الطبراني :
|
|
|
 |
السابع عشر : الحافظ الطبراني ( ت 360 هـ ) ، صاحب التصانيف الكثيرة ، ومنها المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير ، نحن نختار واحداً مما جاء في الكبير منها ، وقد حققه وطبعه حمدي السلفي عن طبعته الثانية بالموصل.
ذكر في أول مسند أبي بكر وهو حديث مثلثات أبي بكر عند احتضاره في حديثه مع عبد الرحمن بن عوف ، وقد تقدم ذكره مفصلاً فلا حاجة بنا إلى إعادته ، وتقدم التعقيب عليه.
|
ما ذكره ابن عبد البر :
|
|
|
 |
الثامن عشر : ابن عبد البر المالكي ( ت 463 هـ ) صاحب الاستيعاب والاستذكار والتمهيد وغيرها ، فماذا عنده؟
|
|
(1) شرح نهج البلاغة 2 : 20.
|
النص الأول : روى في ترجمة أبي بكر في الاستيعاب بسنده عن محمد بن سيرين قال : لما بويع أبو بكر الصديق أبطأ علي عن بيعته وجلس في بيته ، فبعث إليه أبو بكر : ما أبطأ بك عنّي؟ أكرهت إمارتي؟ فقال علي : ما كرهت إمارتك ولكنّي آليت أن لا أرتدي ردائي إلا إلى صلاة حتى أجمع القرآن.
قال ابن سيرين : فبلغني أنه كتبه على تنزيله ، و لو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير.
النص الثاني : روى أيضاً في ترجمة أبي بكر بسنده عن ابن أبجر قال : لمّا بويع لأبي بكر جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي فقال : غلبكم على هذا الأمر أرذل بيت في قريش ، أما والله لأملأنّها خيلاً ورجالاً ، قال : فقال علي : ما زلت عدواً للإسلام وأهله ، فما ضرّ ذلك الإسلام وأهله شيء ، وإنا رأينا أبا بكر لها أهلاً.
ثم قال أبو عمر ابن عبد البر : وهذا الخبر ممّا رواه عبد الرزاق عن ابن المبارك.
النص الثالث : روى بسنده عن زيد بن اسلم ، عن أبيه أن علياً ( رضي الله عنه ) والزبير كانا حين بويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها ، ويتراجعون في أمرهم ، فبلغ ذلك عمر ، فدخل عليها عمر فقال : يابنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما كان أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك ، وما أحد أحب إلينا بعده منك ، وقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك ، ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ ، ثم خرج وجاؤوها فقالت لهم : انّ عمر قد جاءني وحلف لئن عدتم ليفعلنّ ، وأيم الله ليفينّ بها ، فانظروا في أمركم ولا ترجعوا إليّ ، فانصرفوا فلم يرجعوا حتى بايعوا لابي بكر.
النص الرابع : وروى بسنده عن عبد الله بن أبي بكر أنّ خالد بن سعيد لما قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تربص ببيعته شهرين ، ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عثمان وقال : يا بني عبد مناف لقد طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم ، فأما أبو بكر فلم يحفل بها ، وأما عمر فاضطغنها عليه ، فلما بعث أبو بكر خالد بن سعيد أميراً على ربع من أرباع الشام ، وكان أول من استعمل عليها ، فجعل عمر يقول :
أبو مرّة وقد قال ما قال ، فلم يزل بأبي بكر حتى عزله وولى يزيد بن أبي سفيان.
النص الخامس : وقال ابن أبي عزة القرشي الجمحي :
| شكراً لمن هو بالثناء خليق |
|
ذهب اللجاج وبويع الصديق |
| من بعد ما دحضت بسعد نعله |
|
ورجا رجاء دونه العيوق |
| جاءت به الأنصار عاصب رأسه |
|
فأتاهم الصديق والفاروق |
| وأبو عبيدة والذين اليهم |
|
نفس المؤمل للبقاء تتوق |
| كنّا نقول لها علي والرضى |
|
عمر وأولاهم بتلك عتيق |
| فدعت قريش باسمه فأجابها |
|
إنّ المنوّه باسمه الموثوق |
هذه هي النصوص التي ذكرها في ترجمة أبي بكر مما يتعلق بتوليه الخلافة ، وما في متونها الأربعة الأولى مرّ نحوه في المصادر السابقة ، فليس فيها من جديد ، وما قلناه تعقيباً عليها في مواضعها يغني عن الإعادة في التعقيب ، إلاّ أنّ النص الخامس لم يسبق لنا ذكره ، ولم أقف عليه في مصدر آخر ، وأنا أشك في صحة ما ذكره أبو عمر ابن عبد البر ، واعتقد أنّ الشعر منحول ، إذ لا يوجد في بني جمح من اسمه أبو عزة ، إلاّ أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير بن أهيب ، وهذا قتله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم أحد صبراً ، وكان قد منّ عليه يوم بدر فأطلقه ، وهذا لا عقب له .
فمن هذا ابن أبي عزة الجمحي قائل الشعر؟ ومتى ولد من رحم الغيب فأنشأ الشعر المذكور ورواه ابن عبد البر ، وقد مرّ بنا أنّ كتاب الاستيعاب تعرّض للسطو عليه بالزيادة والنقصان ، فراجع الفصل الثالث فيمن ذكر المحسن سقطاً.
|
ما ذكره الشهرستاني :
|
|
|
 |
التاسع عشر : أبو الفتح عبد الكريم الشهرستاني ( ت 549 هـ ) فماذا عنده؟
|
|
(1) راجع جمهرة النسب لابن حزم : 162.
|
النص الأول : قال في كتابه الملل والنحل (1) : وأمّا الاختلافات الواقعة في حال مرضه وبعد وفاته بين الصحابة ، فهي اختلافات اجتهادية كما قيل ، كان غرضهم فيها إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين.
فأول تنازع في مرضه عليه فيما رواه محمد بن إسماعيل البخاري باسناده عن عبد الله بن عباس قال : لما اشتد بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) مرضه الذي مات فيه قال : ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعدي ، فقال عمر : إنّ رسول الله قد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله ، وكثر اللغط ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع. قال ابن عباس : الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله.
النص الثاني : قال (2) : الخلاف الثاني في مرضه أنّه قال : جهزوا جيش أسامة لُعِنَ مَنْ تخلّف عنها ، فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره ، وأسامة قد برز من المدينة ، وقال قوم : قد اشتد مرض النبي فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحالة هذه ، فنصبر حتى نبصر أيّ شيء يكون من أمره.
ثم قال الشهرستاني : وإنّما أوردت هذين التنازعين لأنّ المخالفين ربما عدّوا ذلك من الخلافات المؤثرة في أمر الدين وهو كذلك ، وإن كان الغرض كله إقامة مراسم الشرع في حالة تزلزل القلوب ، وتسكين نائرة الفتنة المؤثرة عند تقلّب الأمور.
ثم ذكر الخلاف الثالث في اختلاف عمر وأبي بكر في موت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والخلاف الرابع في موضع دفنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ).
|
(1) الملل والنحل 1 : 13.
(2) المصدر نفسه 1 : 14.
|
|
|
النص الثالث : قال (1) : الخلاف الخامس في الإمامة ، وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان ، وقد سهّل الله تعالى ذلك في الصدر الأول.
فاختلف المهاجرون والأنصار فيها ... وقال عمر : ... فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه ـ إلى أبي بكر _ فبايعته وبايعه الناس ، وسكنت النائرة ، إلاّ أنّ بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ، فأيّما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين ، فإنّه لا يؤمر واحد منهما تغرّة أن يقتلا ....
ثم لما عاد إلى المسجد انثال الناس عليه ، وبايعوه عن رغبة سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان من بني أمية ، وأمير المؤمنين علي ـ كرّم الله وجهه ـ كان مشغولاً بما أمره النبي ( صلى الله عليه وآله ) من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة.
النص الرابع : قال (2) : الخلاف السادس في أمر فدك والتوراث عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ودعوة فاطمة ( عليها السلام ) وراثة تارةً ، وتمليكاً أخرى ، حتى دُفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة ).
فهذه النصوص التي اقتبسناها من كتاب الملل والنحل للشهرستاني ، فالأول والثاني صريحان في الخلاف على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ومع ذلك قدّم لهما الرجل بأنّها اختلافات اجتهادية كما قيل ، ويبدو أنّه لم يرتض ذلك التفسير فعقبه بقوله : ( كما قيل ) مشعراً بالتمريض ، كما انّ ما أتبعه من تفسير للغرض هو عين المرض ، لأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أراد أن يكتب لأمته ما يعصمهم من الضلال فمنعه عمر ، وقال ما لا ينبغي
|
(1) المصدر نفسه 1 : 16.
(2) المصدر نفسه 1 : 17.
|
| | | |