المحسن السبط 287

النص الحادي عشر : قال ابن قتيبة (1) : ودخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنّه استخلف عمر ، فقالوا : نراك استخلفت علينا عمر وقد عرفته ، وعلمت بوائقه فينا ، وأنت بين أظهرنا فكيف إذا وليت عنّا ، وأنت لاق الله ( عزّ وجلّ ) فسائلك فما أنت قائل؟
النص الثاني عشر : قال (2) : ثم قال أبو بكر لعمر : خذ هذا الكتاب ، واخرج به إلى الناس ، وأخبرهم أنّه عهدي ، وسلهم عن سمعهم وطاعتهم ، فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم ، فقالوا : سمعاً وطاعة ، فقال له رجل : ما في الكتاب يا أبا حفص؟ قال : لا أدري ، ولكنّي أول من سمع وأطاع ، قال : لكني والله أدري ما فيه ، أمّرته عام أول وأمّرك العام.

ما ذكره البلاذري :

الثاني عشر : ماذا عند البلاذري ( ت 279 هـ ) ، في كتاب أنساب الأشراف (3) ؟
النص الأوّل : بسنده عن ابن عباس قال : خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عاصباً رأسه ، حتى جلس على المنبر ، وكان الناس قد تكلموا في أمره ـ يعني أسامة ـ حين أراد توجيههم إلى مؤتة ، فكان أشدّهم قولاً في ذلك عياش بن أبي ربيعة ، فقال : أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في إمرته ، لقد قلتم في إمرة أبيه من قبله ، ولقد كان أبوه للإمارة خليقاً ، وأنه لخليق بها ، وكان في جيش أسامة : أبو بكر وعمر ، ووجوه من المهاجرين والأنصار ، وخرج فعسكر بالجرف ، فلما قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واستخلف أبو بكر ، أتى أسامة فقال له : قد ترى موضعي من خلافة

(1) المصدر نفسه 1 : 19.
(2) المصدر نفسه 1 : 20.
(3) أنساب الأشراف 1 : 474.
المحسن السبط 288

رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنا إلى حضور عمر ورأيه محتاج ، فأنا أسألك تخليفه ، ففعل ، ومضى أسامة حتى قدم سالماً غانماً ، فسر الناس بذلك.
النص الثاني: (1)بسنده عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس ، وما يوم الخميس؟ اشتدّ فيه وجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وبكى ابن عباس طويلاً ، ثم قال : فلما اشتد وجعه قال ( صلى الله عليه وآله ) : إئتوني بالدواة والكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلون معه بعدي أبداً ، فقالوا : أتراه يهجر ، وتكلموا ولغطوا ، فغم ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأضجره ، وقال : إليكم عنّي. ولم يكتب شيئاً.
النص الثالث : (2)بسنده عن جابر انّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) دعا بصحيفة أراد أن يكتب فيها كتاباً لاُمته ، فكان في البيت لغط ، فرفضها.
النص الرابع: (3) بسنده عن ابن عباس قال : توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم الإثنين ، فترك بقية يومه ومن الغد ودفن ليلاً ، فتكلم عمر فقال : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم يمت ، وإنّما عُرج بروحه كما عُرج بروح موسى بن عمران ، والله لا يموت حتى يقطع أيدي رجال وألسنتهم ، وتكلّم حتى أزبد شدقاه ، فقام العباس فقال : يا قوم إنّ النبي قد مات فادفنوا صاحبكم ، فإنّه ليس يعزّ على الله إن كان كما يقولون أن ينحي عنه التراب ، فوالله ما مات رسول الله حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً ، أحلّ الحلال وحرّم الحرام ، ونكح وطلّق ، وحارب وسالم ، والله ما كان راعي غنم يخبط عليها العصاة بمخبطه ، ويمد رحوضها بيده بأدأب من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيكم ، ولا أتعب ....
النص الخامس: (4)بسنده عن القاسم بن محمد : لما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ... فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسّم بينهم قسماً ، فبعث إلى عجوز من بني عدي بن

(1) المصدر نفسه 1 : 562.
(2) المصدر نفسه 1 : 562.
(3) المصدر نفسه 1 : 567.
(4) المصدر نفسه 1 : 580.
المحسن السبط 289

النجار بقسمها مع زيد بن ثابت فقالت : ما هذا؟ قال : قسم قسّمه أبو بكر ، فقالت : أتراشونني عن ديني؟ قال : لا ، قالت : أتخافوني أن أدع ما أنا عليه؟ قال : لا ، قالت : فوالله لا آخذ منه شيئاً ، فرجع زيد إلى أبي بكر ، فأخبره بما قالت.
النص السادس :(1) بسنده عن ابن عباس قال : بلغني أنّ عمر بن الخطاب أراد الخطبة يوم الجمعة ، فعجلت الرواح حين صارت الشمس صكّة عُمّي ، فلما سكت المؤذنون خطب فقال : ... بلغني أنّ الزبير قال : لو قد مات عمر بايعنا علياً ، وإنما كانت بيعة أبي بكر فلتة ، فكذب والله.
النص السابع :(2) بسنده عن ابن شهاب الزهري ... : وأتي بأبي بكر المسجد فبايعوه ، وسمع العباس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال علي : ما هذا؟ فقال العباس : ما رده مثل هذا قط ، لهذا ما قلت لك الذي قلت ، قال : فخرج علي فقال : يا أبا بكر ألم تر لنا حقاً في هذا الأمر؟ قال : بلى ، ولكني خشيت الفتنة ، وقد قُلّدت أمراً عظيماً ، فقال علي : وقد علمت أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمرك بالصلاة ، وإنّك ثاني اثنين في الغار ، وكان لنا حق ولم نستشر ، والله يغفر لك ، وبايعه.
النص الثامن : (3)بسنده عن الزهري قال : لما قبض النبي ( صلى الله عليه وآله ) انحاز الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ، واعتزل علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة ، وانحاز المهاجرون إلى أبي بكر ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل ، ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في بيته لم يفرغ من أمره ....

(1) المصدر نفسه 1 : 581.
(2) المصدر نفسه 1 : 582.
(3) المصدر نفسه 1 : 583.
المحسن السبط 290

النص التاسع :(1) بسنده عن جابر بن عبد الله قال : قال العباس لعلي : ما قدمتك إلى شيء إلاّ تأخّرت عنه ، وكان قال له لما قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أخرج حتى أبايعك على أعين الناس ، فلا يختلف عليك اثنان ، فأبى وقال : أومنهم من ينكر حقنا ويستبد علينا؟ فقال العباس : سترى أنّ ذلك سيكون ، فلما بويع أبو بكر قال له العباس : ألم أقل لك يا علي؟
النص العاشر : (2)بسنده قال : إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة ، فلم يبايع ، فجاء عمر ومعه فتيلة ، فتلقته فاطمة على الباب ، فقالت فاطمة : يا ابن الخطاب أتراك محرقاً عليّ بابي؟ قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك ، وجاء علي فبايع؛ وقال : كنت عزمت أن لا أخرح من منزلي حتى أجمع القرآن.
النص الحادي عشر : (3)بسنده عن عائشة قالت : لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة أشهر ، فلمّا ماتت ضرع إلى صلح أبي بكر.
النص الثاني عشر : (4)بسنده عن ابن عباس قال : بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي ( رضي الله عنهم ) حين قعد عن بيعته وقال : إئتني به بأعنف العنف ، فلما أتاه جرى بينهما كلام ، فقال : أحلب حلباً لك شطره ، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غداً.
النص الثالث عشر : (5)بسنده عن أبي عون قال : لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى علي فقال : يابن عم إنّه لا يخرج أحد إلى هذا العدو وأنت لم

(1) المصدر نفسه 1 : 583.
(2) المصدر نفسه 1 : 586.
(3) المصدر نفسه 1 : 586.
(4) المصدر نفسه 1 : 587.
(5) المصدر نفسه 1 : 587.
المحسن السبط 291

تبايع ، فلم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر ، فقام أبو بكر إليه فاعتنقا وبكى كل واحد إلى صاحبه ، فبايعه فسرّ المسلمون وجدّ الناس في القتال ، وقطعت البعوث.
النص الرابع عشر :(1) بسنده عن محمد بن المنكدر قال : جاء أبو سفيان إلى علي فقال : أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة؟ أما والله لئن شئتم لأملأنّها عليه خيلاً ورجلاً ، فقال : لست أشاء ذلك.
النص الخامس عشر :(2) بسنده قال : إن أبا سفيان جاء إلى علي ( عليه السلام ) فقال : ياعلي بايعتم رجلاً من أذلّ قبيلة من قريش ، أما والله لئن شئت لأضرمنّها عليه من أقطارها ، ولأملأنّها عليه خيلاً ورجالاً ، فقال له علي : إنّك طال ما غششت الله ورسوله والإسلام فلم ينقصه ذلك شيئاً.
النص السادس عشر : (3)بسنده عن أبي هريرة قال : إنّ أبا سفيان كان حين قبض النبي ( صلى الله عليه وآله ) غائباً ، بعث به مصدقاً ، فلما بلغته وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : من قام بالأمر بعده؟ قيل : أبو بكر ، قال : أبو الفصيل؟ إنّي لأرى فتقاً لا يرتقه إلا الدم.
النص السابع عشر : (4)بسنده عن الزهري قال : خطب أبو بكر حين بويع واستخلف فقال : ... ألا وإنّي قد وليتكم ولست بخيركم ، ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك إنّي خشيت فتنة ....
النص الثامن عشر : (5)بسنده عن أبي عمرو الجوني قال : قال سلمان الفارسي

(1) المصدر نفسه 1 : 588.
(2) المصدر نفسه 1 : 588.
(3) المصدر نفسه 1 : 589.
(4) المصدر نفسه 1 : 590.
(5) المصدر نفسه 1 : 590.
المحسن السبط 292

حين بويع أبو بكر ( كرداد وناكر داد ) (1) ، أي عملتم وما عملتم ، لو بايعوا علياً لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
هذه جملة مقتطفات مما رواه البلاذري في كتاب أنساب الأشراف ، وفيها من التهافت في الروايات ما يلفت النظر ، لكن الذي لا شك فيه هو ما ساقه بإسناده ، وساعد عليه الاعتماد والاشتهار نحو ما يلي :
1 ـ أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ببعث أسامة ، وجعل فيه أبا بكر وعمر ووجوهاً من المهاجرين والأنصار ، وقد تخلفوا جميعاً فخالفوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حيث كان يقول : نفذوا جيش أسامة ، وقد قال الله تعالى : «لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ»(2) .
بل روى الشهرستاني في الملل والنحل (3) ، والعضد الإيجي كما في شرح المواقف للشريف الجرجاني (4) ، قوله ( صلى الله عليه وآله ) : جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلّف عنه.
2 ـ أراد ( صلى الله عليه وآله ) أن يكتب كتاباً لأمته لا يضلون بعده ، فقالوا : أتراه يهجر ، ولغطوا فغمّ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأضجره ، فطردهم وقال : إليكم عنّي.
3 ـ تصنّع عمر في بلبلة الموقف حتى يأتي أبا بكر ، وكان غائباً بالسنح ، فقال : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم يمت ، وردّ العباس على ذلك.

(1) كلام فارسي يكتب باللغة العصرية ( كرديد ونه كرديد ) وتلفظ الألف ( كرداد ) بالإمالة ، وذكر هذا الكلام الفارسي أيضاً الجاحظ في الرسالة العثمانية ( هامش المصدر ).
(2) النور : 63.
(3) الملل والنحل 1 : 23.
(4) شرح المواقف للجرجاني 8 : 408.
المحسن السبط 293

4 ـ استعمال الرشوة في تثبيت الموقف لأبي بكر على حساب الدين ، ورفض العجوز الأنصارية ومصارحتها بذلك.
5 ـ إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة باعتراف نفسه ، واعتراف عمر أيضاً بذلك ، ومثل ذلك ما قاله الزبير بن العوام في اُخريات عهد عمر ، وهذا يعني أنّ المسلمين حتى ذلك اليوم لم يكونوا جميعاً يرون صحة خلافة أبي بكر ولا شرعيتها ، وإنّما هي فلتة ، وقد سماها أحمد أمين ( غلطة ) (1).
6 ـ إنّ العباس حاول مبايعة الإمام قبل أن يتم أمر السقيفة ، إلا أنّ الإمام ( عليه السلام ) رفض ذلك العرض لاشتغاله بتجهيز النبي ( صلى الله عليه وآله ).
7 ـ إنّ أبا بكر أرسل عمر لإحضار الإمام ليبايعه وأن يجيئ به بأعنف العنف ، وانّ عمر جاء بفتيلة فتلقته فاطمة ( عليها السلام ) ، وقالت له : يابن الخطاب أتراك محرقاً عليّ بابي؟ ، قال : نعم ، وذاك أقوى فيما جاء به أبوك ، فكان هذا منه بمنتهى الفظاظة والعنجهية.
8 ـ إنّ علياً لم يبايع أبا بكر إلا بعد موت فاطمة ( عليها السلام ) وذلك بعد ستة أشهر ، فضرع للبيعة.
9 ـ وإنّه لم يضرع لو لم ير الردة قد تفشت في العرب ، ولم يخرج أحد إلى العدو ما دام هو لم يبايع ، وكلّمه عثمان في ذلك ، ومع ذلك فقد روى أنّه بايع أول يوم ، وله كلام دل على قناعته بأولوية أبي بكر مما نسجه الأفّاكون؟!
10 ـ وإنّ أبا سفيان أعلن سخطه على تولي أبي بكر الخلافة ، وأعجب كيف لم يراعي له حقاً وجميلاً سابقاً له عليه ، وذلك فيما رواه البلاذري (2) قال : كان

(1) يوم الإسلام : 53 ، قال : ولذلك قال عمر : إنّها غلطة وقى الله المسلمين شرّها. وكذلك كانت غلطة بيعة أبي بكر لعمر.
(2) أنساب الأشراف 1 : 488.
المحسن السبط 294

بلال وصهيب وسلمان جلوساً فمرّ بهم أبو سفيان بن حرب ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعدُ ، فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ ثم انطلق أبو بكر إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأخبره ، فقال : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ، قال : فأتاهم أبو بكر فقال : يا أخوتي لعلكم غضبتم؟ فقالوا : يغفر الله لك يا أبا بكر.
أقول : وليتني أدري ماذا كان يقول أبو بكر في نفسه حين يأمر بجلب علي بأعنف العنف ، وتهديد عمر باحراق باب فاطمة ، أليس ذلك مما اغضبها؟ وهل غضبها دون غضب الصحابة الثلاث؟ أوليس صح قوله ( صلى الله عليه وآله ) : فاطمة بضعة منّي ، فمن أغضبها فقد أغضبني ، ومن أغضبني فقد أغضب الله.
النص التاسع عشر : قال أيضاً البلاذري في فتوح البلدان (1) :
( فدك ) قالوا بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى أهل فدك منصرفه من خيبر ، محيصة بن مسعود الأنصاري يدعوهم إلى الإسلام ، ورئيسهم رجل منهم يقال له يوشع بن نون اليهودي ، فصالحوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على نصف الأرض بتربتها ، فقبل ذلك منهم ، فكان نصف فدك خالصاً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأنه لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، وكان يصرف ما يأتيه منها إلى أبناء السبيل.
النص العشرون : في فتوح البلدان (2) قال : وحدثنا عبد الله بن ميمون المكتب ، قال : أخبرنا الفضيل بن عياض ، عن مالك بن جعونة ، عن أبيه قال : قالت فاطمة لأبي بكر : انّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جعل لي فدك فأعطني إيّاها ، وشهد لها علي بن أبي طالب فسألها شاهداً آخر فشهدت لها أم أيمن ، فقال : قد علمت يا بنت رسول الله انّه لا تجوز إلاّ شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، فانصرفت.

(1) فتوح البلدان : 36.
(2) المصدر نفسه : 38.
المحسن السبط 295

النص الحادي والعشرون : في فتوح البلدان (1) بسنده عن أم هانئ انّ فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أتت أبا بكر ، فقالت له : من يرثك إذا مت؟ قال : ولدي وأهلي ، قالت : فما بالك ورثت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دوننا؟ قال : يا بنت رسول الله والله ما ورثت أباك ذهباً ولا فضة ولا كذا ولا كذا ، فقالت : سهمنا بخيبر وصدقتنا بفدك ، فقال : يا بنت رسول الله سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إنّما هي طعمة أطعمنيها الله في حياتي ، فإذا مت فهي بين المسلمين.
النص الثاني والعشرون : في فتوح البلدان (2) بسنده عن الكلبي انّ بني أمية اصطفوا فدك ، وغيّروا سنّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيها ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ردّها إلى ما كانت عليه.
النص الثالث والعشرون : في فتوح البلدان (3) بسنده عن أبي برقان انّ عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة خطب فقال : انّ فدك كانت ممّا أفاء الله على رسوله ، ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ، فسألته فاطمة رحمها الله تعالى فقال : ما كان لكِ أن تسأليني ، وما كان لي أن أعطيك ، فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل.
ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم ولي معاوية فقطعها مروان بن الحكم ، فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك ، فصارت لي وللوليد وسليمان ، فلما ولي الوليد سألته حصته منها فوهبها لي ، وسألت سليمان حصته فوهبها لي ، فاستجمعتها ، وما كان لي من مال أحب إليَّ منها ، فاشهدوا أنّي قد رددتها إلى ما كانت عليه.

(1) المصدر نفسه : 38.
(2) المصدر نفسه : 37.
(3) المصدر نفسه : 39.
المحسن السبط 296

ولما كانت سنة 210 أمر أمير المؤمنين المأمون عبد الله بن هارون الرشيد ، فدفعها إلى فاطمة ، وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة : أما بعد فإنّ أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والقرابة به أولى من استنّ سننه ، ونفذ أمره ، وسلّم لمن منحه منحة وتصدّق عليه بصدقة منحته وصدقته ، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته ، واليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته.
وقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أعطى فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فدك ، وتصدّق بها عليها ، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدّق عليه ، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها ، ويسلمها إليهم تقرّباً إلى الله تعالى بإقامة حقه وعدله ، وإلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بتنفيذ أمره وصدقته.
فأمر باثبات ذلك في دواوينه والكتاب إلى عمّاله ، فلأن كان ينادى في كل موسم بعد أن قبض الله نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عدته ، انّ فاطمة ( رضي الله عنها ) لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لها.
وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها ، وما فيها من الرقيق والغلاّت وغير ذلك ، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، لتولية أمير المؤمنين إياها القيام بها لأهلها.
فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين ، وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرب إليه وإلى رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأعلمه مَن قبلك وعامل محمد بن يحيى ، ومحمد بن

المحسن السبط 297

عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري ، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها إن شاء الله ، والسلام.
وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة 210.
فلما استخلف المتوكل على الله ... أمر بردها إلى ما كانت عليه قبل المأمون.

ما ذكره الطبري :

الثالث عشر : محمد بن جرير الطبري ( ت 310 هـ ) ، فماذا عنده في تاريخه من نصوص؟ مما رواه في أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة ، وهي السنة التي توفي فيها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؛ مما يعنينا نقله ، ولمّا كان جملة مما راه ينتهي بإسناده إلى محمد بن إسحاق ، فسوف لا نذكره جميعه لأنّه سبق لنا أن ذكرنا عن ابن إسحاق ما أردناه ، فلسنا بحاجة إلى الإعادة ، لكن نذكر الآن نصوصاً في ثلاث روايات ساقها الطبري بأسانيد متحدة عن ابن إسحاق ، فقال : حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق.
النص الأوّل : روى الطبري في تاريخه (1)، بسنده عن ابن إسحاق ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مليكة ، قال : لما كان يوم الإثنين خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عاصباً رأسه إلى الصبح ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تفرّج الناس فعرف أبو بكر أنّ الناس لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فنكص عن مصلاه ، فدفع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ظهره ، وقال : صل بالناس ، وجلس رسول الله إلى جنبه ، فصلى قاعداً عن يمين أبي بكر ، فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس وكلمهم رافعاً صوته ، حتى خرج صوته من باب المسجد يقول : يا أيها الناس سُعّرت النار ، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، وإنّي والله لا تمسكون عليّ شيئاً ، إني لم أحلّ إلا ما أحلّ لكم القرآن ، ولم أحرّم عليكم إلا ما حرّم عليكم القرآن.

(1) تاريخ الطبري 3 : 198.
المحسن السبط 298

فلما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من كلامه ، قال له أبو بكر : يا نبي الله إنّي أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحبّ ، واليوم يوم ابنة خارجة فأتيها ، ثم دخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخرج أبو بكر إلى أهله بالسُنح.
النص الثاني : رواه الطبري في تاريخه(1) ، بسنده السابق عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : رجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ذلك اليوم حين دخل المسجد ، فاضطجع في حجري ، فدخل علي رجل من آل أبي بكر في يده سواك أخضر ، قالت : فنظر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى يده نظراً عرفت أنّه يريده ، فأخذته فمضغته حتى ألنته ، ثم أعطيته إياه ، قالت : فاستن به كأشدّ ما رأيته يستنّ بسواك قبله ، ثم وضعه ، ووجدت رسول الله يثقل في حجري ، قالت : فذهبت أنظر في وجهه ، فإذا نظره قد شخص وهو يقول : بل الرفيق الأعلى من الجنة ، قالت : قلت : خُيّرت فاخترت والذي بعثك بالحق ، قالت : وقبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ).
النص الثالث : رواه الطبري في تاريخه (2) ، بسنده السابق عن ابن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : سمعت عائشة تقول : مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بين سحري ونحري وفي دوري ، ولم أظلم فيه أحداً ، فمن سفهي وحداثة سني أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة ، وقمت ألتدمُ مع النساء وأضرب وجهي.
هذه ثلاث روايات رواها الطبري بإسناده عن ابن إسحاق ، ورجال إسناده كما يلي :
1 ـ محمد ـ ابن حميد ـ ابن حيان التميمي الرازي ( ت 248 هـ ) ، قال ابن أبي شيبة : كثير المناكير ، وقال البخاري : في حديثه نظر ، وقال صالح بن محمد

(1) المصدر نفسه 3 : 199.
(2) تاريخ الطبري 3 : 199.
المحسن السبط 299

الأسدي : كلّ شيء كان يحدّثنا ابن حميد كنّا نتهمه فيه ، وقال أيضاً : كانت أحاديثه تزيد ، وما رأيت أحداً أجرأ على الله منه ، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض ... إلى غير ذلك من أقوال في تجريحه يراجع بشأنها تهذيب التهذيب (1).
2 ـ سلمة هو ابن الفضل الأبرش الأنصاري ( توفي بعد سنة 190 هـ ) ، قال البخاري : عنده مناكير ، وقال ابن عدي : عنده غرائب وإفراد ، وعن أبي زرعة : كان أهل الري لا يرغبون فيه لمعانٍ فيه من سوء رأيه وظلم فيه ... ، إلى غير ذلك من تجريح ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب (2).
3 ـ محمد بن إسحاق صاحب السيرة ( ت 150 هـ ) ، كان مؤرّخ دولة ، وطعنه مالك بقوله : دجّال الدجاجلة ، وقال أحمد بن حنبل : كان ابن إسحاق يدلّس ، وكذّبه سليمان التميمي ، ويحيى القطان ، ووهيب بن خالد. وقد مرّت ترجمته فيما سبق.
وحسبنا بيان حالهم ، فهو يغنينا عن النظر في حال باقي رجال الإسناد في الروايات الثلاث ، مع الغض عما في متونها من احتجان الساعات الأخيرة من الحياة النبوية ، وجعلها قصراً على أبي بكر وآل أبي بكر ، وبالطبع تكون عائشة هي سيدة الموقف فيما روته ، لولا أنّ سفهها وحداثة سنّها غلبا عليها ـ كما قالت هي عن نفسها ومرّ ذلك في ثالث الروايات ـ فظن خيراً ولا تسل عن الخبر ، هذا هو النص الذي تضمن حضور آل أبي بكر ، وتغييب بني هاشم وباقي الأزواج ، مما يحملنا على الريبة في صحته.
النص الرابع : قال أبو جعفر (3) بسنده عن الثالوث المتقدم ذكره : ابن حميد عن

(1) تهذيب التهذيب 9 : 128 ـ 131.
(2) المصدر نفسه 4 : 153 ـ 154.
(3) تاريخ الطبري 3 : 200.
المحسن السبط 300

سلمة عن ابن إسحاق ، وهو عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : لما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قام عمر بن الخطاب فقال : إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون انّ رسول الله توفي ، وإنّ رسول الله والله ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فغاب عن قومه أربعين ليلة ، ثم رجع بعد أن قيل قد مات ، والله ليرجعنّ رسول الله ، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات.
وهذا نص له خطره في تقييم الصحابة ، فإنّ عمر رمى أناساً بالنفاق لأنّهم زعموا أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد مات ، وإذا رجعنا إلى تاريخ الطبري نستقريه عن أولئكم الذين رماهم عمر بالنفاق؛ لأنّهم زعموا موت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، نجد أهل البيت جميعاً قالوا بذلك ، وجميع أمهات المؤمنين اللاتي كنّ يلتدمن ويضربن وجوههنّ بما فيهنّ عائشة التي قالت : فمن سفهي وحداثة سنّي أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبض وهو في حجري.
بل وكل الصحابة رجالاً ونساءاً ، مهاجرين وأنصاراً إلاّ عمر ، فهل يرضى العمريون بذلك؟ أو أنّها كانت منه حبكة وحنكة ليبلغ بها حاجة في نفسه ، واعتذر له العمريون عنها بأنّها من الذهول من شدة الصدمة ، وقال غيرهم : إنّها بلبلة واستغفال لعقول الناس ، وقد بلغ بها ما أراد ، ويكشف عن أنّها تضليل وتهويل ما يأتي في النص الخامس.
النص الخامس : رواه الطبري (1) عن ابن حميد ، عن جرير ، عن مغيرة ، عن أبي معشر زياد بن كليب ، عن أبي أيوب ، عن إبراهيم قال : لما قبض النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان أبو بكر غائباً فجاء بعد ثلاث ، ولم يجترئ أحد أن يكشف عن وجهه ، حتى اربدّ بطنه ، فكشف عن وجهه وقبّل بين عينيه ، ثم قال : بأبي أنت وأمي طبت حياً وطبت ميّتاً.

(1) المصدر نفسه 3 : 201.
المحسن السبط 301

ثم خرج أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : من كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت ، ومن كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات ، ثم قرأ :« وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ»(1) ، وكان عمر يقول : لم يمت ، وكان يتوعد الناس بالقتل في ذلك.
فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، فبلغ ذلك أبا بكر ، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجرّاح ، فقال : ما هذا؟ فقالوا : منّا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر : منّا الأمراء ومنكم الوزراء ، ثم قال أبو بكر : إنّي قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين : عمر أو أبا عبيدة ، إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) جاءه قوم فقالوا : إبعث معنا أميناً ، فقال : لأبعثنّ معكم أميناً حق أمين ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح ، وأنا أرضى لكم أبا عبيدة ، فقام عمر فقال : أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فبايعه عمر وبايعه الناس ، فقالت الأنصار _ أو بعض الأنصار _ : لا نبايع إلا علياً ، انتهى.
فهذا النص فيه حقائق وفيه أباطيل ، ضغث من هذا وضغث من هذا ، ولا نطيل الوقوف عنده سوى تنبيه القارئ النبيه على قراءته بتدبر وإمعان لما فيه من علائم الاستفهام :
1 ـ لماذا جاء أبو بكر بعد ثلاث؟ وهو بالسُنح في عوالي المدينة ، وخبر موت النبي ( صلى الله عليه وآله ) شاع وذاع حتى غصت المدينة بمن جاءها مسرعين مهطعين ، وصارت شبيهاً بالقيامة ، ويضرب بها المثل في ذلك اليوم ، وليس بينه وبين المدينة مسافة بعيدة ، إنّما هي ساعة للراكب وساعتين للراجل.
2 ـ ما معنى قول الراوي : لم يجترئ أحد أن يكشف عن وجهه ـ النبي ( صلى الله عليه وآله ) _؟ أكان ذلك احتراماً له ، فجاء أبو بكر فاخترق ذلك الإحترام؟ أم كان هناك رقيب

(1) آل عمران : 144.

السابق السابق الفهرس التالي التالي