|
|
مع الحق والحق مع علي ـ وعلى لسانه ـ : والحق يدور حيثما دار علي كما في حديث أبي ذر الغفاري ( أصدق ذي لهجة ) كما وصفه النبي ( صلى الله عليه وآله ).
وقوله الآخر : علي مع الحق والقرآن ، والحق والقرآن مع علي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض كما في حديث أم سلمة.
وما حديث عائشة عن ذلك ببعيد ، فقد قال لها أخوها محمد بن أبي بكر يوم الجمل : أنشدك الله أتذكرين يوم حدثتني عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : الحق لن يزال مع علي ، وعلي مع الحق ، لن يختلفا ولن يفترقا ؟ فقالت : نعم.
وثالثة من أمهات المؤمنين ، وهي ميمونة بنت الحارث الهلالية ، قالت لمن أخبرها أنّه بايع علياً ، قالت : ( فالحق به فوالله ما ضل وما ضُلّ به ).
وهكذا تتوارد الأحاديث عن الرسول الكريم ، وعن الصحابة في تمييز الحق وأنّه مع علي ، حتى روي عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) قال : ( ستكون فتنة فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فإنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو يقول : هذا أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمّة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتي منه ، وهو خليفتي من بعدي .(1)
فبعد هذا فلا مبرر لمنكر أو مستنكر أن يشنع على من تولّى علياً في حياته وبعد مماته ، وتبرأ من أعدائه في حياته وبعد مماته ، ما دام هو ميزان الحق ، ولا يعدل إنسان مسلم بالحق شيئاً.
|
|
(1) راجع بشأن هذه الأحاديث وغيرها كتاب ( علي إمام البررة ) 1 : 342 ـ 352 ، ستجد المصادر جميعها من التراث السني الذي لا يسع القارئ السنيّ نبذه.
|
|
2 ـ لابد لكل سؤال من جواب :
|
|
|
 |
كم من أحداث مريرة وكثيرة مرّت في تاريخ المسلمين منذ عصر الصحابة وما تلاه ، تثير عند قراءتها تساؤلات :
لماذا الحَدَث؟
ولحساب مَن كان الحدَثَ؟
ومَن قام بالحَدَث؟
وهكذا سؤال يتبعه سؤال ، ولابدّ لكل سؤال من جواب ، وقد نقرأ بعض الأجوبة وهي غير مقنعة ، بل مقنّعة ومصطنعة ، تهدف إلى تمييع الحدث وتضييع الحق ، بين غمغمة المؤرّخ وطمطمة المحدِّث ، إما بحجة ضعف الاسناد فيها ، أو زعم نكارة المتن ، وهكذا تبقى غمامة الريب تظلل شمس الحقيقة ، ولكن سرعان ما ينجلي السحاب ويتبين وجه الحق ، ويعرف الجواب على الصواب.ولما كان أقسى حادث حدث في صدر الإسلام ، هو ما أعقب وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بدءاً من سقيفة بني ساعدة ، وما حصل فيها من تنازع نفر من المهاجرين مع جماعة الأنصار في اغتنام الخلافة ، وما تم أخيراً من استلابها لصالح النفر المهاجرين ، وما تبع ذلك من انقسام في صفوف جماعة المسلمين ، فكانت الشيع والأحزاب تعصف بالرجال من هنا وهناك ، وجاء النفر المهاجرون الذين فازوا بالخلافة على الأنصار بحجة أنّ محمداً ( صلى الله عليه وآله ) منهم ، جاؤوا إلى بيت محمد ليحرقوا بنت محمد ومن معها في البيت؛ لأنّ علياً نفس محمد ـ بنص آية المباهلة ـ
وأخا محمد ، وابن عم محمد ، وصهر محمد اعتزلهم وما يعبدون ويريدون ، وامتنع من الاعتراف بشرعيتهم.
لكن المخالفين لم يكن ليتركوه وشأنه حتى يقسروه على البيعة طوعاً أو كرهاً ، وهذا ما حدث ، فجرت خطوب أقساها هو الهجوم على بيت علي وفاطمة ( عليهما السلام ) بشراسة وعنجهيّة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المسلمين ، بل ولا قبله فكان العنف والفظاظة مع قبس من نار ، وحزمات الحطب تحملها رجال غلاظ شداد ، يتبعون عمر وبيده القبس يلتهب ناراً ، مهدداً بإحراق البيت على من فيه ، فهزّ ذلك المشهد مشاعر بعض المسلمين ممّن لم يكن يتوقع أن يحدث مثل ذلك ، فقالوا : إنّ في الدار فاطمة ، قال عمر : وإن!
يالها كلمة كبرت تخرج من أفواههم ، ولشدة الصدمة فقد أثيرت حول مجموع الحدث شكوك ، وبدت المعاذير دفعاً للمحاذير ، فالبيت لعلي وفاطمة ( عليهما السلام ) بالأمس القريب كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقف على بابه طيلة تسعة أشهر كل يوم ، ويقرأ الآية الكريمة التي نزلت فيه وفيهم : « إنَّمَا يُر ِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» .(1)
واليوم تنتهك منه الحرمة ، ويأتيه من لا يتوقع ما يأتيه ، في النفر الجفاة الجناة ، وهم معدودون في صحابته المقربين ، كيف يمكن تصديق أن يحدث مثل ذلك؟ فلا مانع من الشك ، أملاً في إسدال الحجاب على ما حدث عند الباب ، ولكن سرعان ما يتبدد ، حين يقول القائل إن لم يكن بضخامة المروي جميعاً ، فلا شك أنّه كان على نحو مّا ، لأنّه ما من دخان إلا من وراء نار ، ومن قرأ التاريخ يجد النصوص المتشابكة المتفاوتة ، وضوحاً وعتمة ، وصراحة وبهمة ، تثير التساؤلات
الآتية ، وفي معرفة الجواب عليها ستهدي القارئ إلى الحق الذي أمرنا باتباعه ، وينتشل غريق الأوهام والأحلام من بحر لجيّ في دجنة ليل الظلام ، فإلى قراءة المسائل والجواب الحاصل.
س/ 1 : هل كان هجوم على بيت فاطمة وعلي ( عليهما السلام ) ؟
ج : نعم ، كان الهجوم بكل معنى الكلمة ، كما ستأتي مصادره التاريخية في نصوص تاريخية يجب أن تقرأ بإمعان.
س/ 2 : من كان الآمر بالهجوم؟
ج : هو أبو بكر ، كما سيأتي اعترافه بذلك فلا مجال للشك.
س/ 3 : لماذا الهجوم؟
ج : لإخراج علي ومن معه من بني هاشم وغيرهم ممّن شايعوه على رفض بيعة أبي بكر.
س/ 4 : من هم الذين جاؤوا وهجموا؟
ج : هم عمر بن الخطاب وهو قائد الحملة ، وكان معه المغيرة بن شعبة ، وخالد بن الوليد ، وقنفذ ، وآخرون ستأتي أسماؤهم.
س/ 5 : هل صحّ أنّه كان معهم نار وحطب؟
ج : نعم ، كان معهم ذلك ، وسيأتي التفصيل في نصوص تاريخية يجب أن تقرأ بإمعان.
س/ 6 : من كان مع علي في البيت معتصماً؟
ج : كان معه جماعة بني هاشم ، العباس وولده ، وعقيل وآخرون من شيعته ستأتي أسماؤهم.
س/ 7 : هل كان تدافع وتمانع عند الباب؟
ج : نعم ، كان ذلك حين كانت فاطمة ( عليها السلام ) تمانعهم من الدخول ، فدفعوا
الباب ، وزحموا فاطمة وما رحموا فكانت الرفسة ، وكانت العصرة ، وكان الضرب ، وأخيراً كانت مأساة إسقاط ( السيد المحسن السقط ) من زحم قنفذ لها حتى أسقطت.
س/ 8 : هل صحيح حصل الضرب ، والرفسة ، وإسقاط الجنين؟
ج : نعم ، حصل جميع ذلك ، وستأتي مصادر ذلك.
س/ 9 : هل كان حرق للباب؟ أم كان مجرد تهديد؟
ج : نعم ، لقد روي أنّه رؤي الدخان ، ولا دخان من غير نار.
س/ 10 : هل انتهت المأساة بحرق الباب؟
ج : كلاّ ، فقد دخلت الفئة الضالّة لإخراج علي ومن معه.
س/ 11 : هل أخرج عليّ ومن معه بعنف ومهانة؟
ج : نعم ، لقد أخرجوهم يتلّونهم تلاّ ، حتى قادوا علياً كما يقاد الفحل المخشوش _ يعني الذي يجعل في أنفه الخشاش ، وهو الخشب الذي يدخل في عظم أنف البعير إذا استعصى قياده ـ.
س/ 12 : هل خرجت الزهراء ( عليها السلام ) خلفه تبكي وتولول؟
ج : نعم ، خرجت صارخة باكية وهي تقول : يا أبتاه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة.
س/ 13 : لماذا خرجت الزهراء؟ وكيف تمكنت من الخروج وهي قد أجهضت حملها؟
ج : خرجت لتخلّص ابن عمها وبعلها من أيدي القوم ، ولو لم تخرج لقتل علي ، فتحاملت على نفسها فخرجت ولم تعد حتى أعادته معها في خطوب جرت.
س/ 14 : هل انتهت الكارثة بعودتها ومعها ابن عمّها سالماً؟
ج : لم تنته الكارثة ولن تنتهي ، وما تزال آثارها تستعر الأمة بأوارها.
س/ 15 : من أين لنا ولكم التصديق بصحة ما تقدم من أجوبة مقتضبة؟
ج : من خلال ما نقرأ من نصوص تالية ، بدءاً من اعتراف أبي بكر بأصل الهجوم ، وتفتيش بيت فاطمة ، وأنّه كان عن إذنه وبأمره ، كما هو واضح من صريح حديثه مع عبد الرحمن بن عوف وذلك قبل موته بخمسة عشر يوماً ، ممّا دلّ على ندمه ولات حين مندم.
إذن لابد من قراءة الحديث أولاً ، ثم قراءة بقية النصوص التالية بعده لمعرفة صحة الأجوبة المقتضبة التي تقدمت.
|
3 ـ نصوص ثابتة يجب أن تقرأ بإمعان :
|
|
|
 |
والآن سنقرأ من النصوص الثابتة ما يدحض معاذير علماء التبرير التي ساقوها ، ايغالاً في التحوير والتزوير ، ليخفوا حقائق الأمر الواقع ، ستراً على الشخوص والرموز ، وانصياعاً مع قداسة الموروث.
وقد يكون الكثير من القرّاء خصوصاً من لا يزال تحت ضغط الرواسب ، لم يطلع عليها من قبل ، أو اطّلع عليها فشك في صحتها ، وتمادى به الشك حتى أنكرها وولّى عنها مستكبراً ، وتحامل بظلم على أصحابه فرماهم بالعظائم مما هم بريئون منه ، وأدنى ما قال فيهم أنهم من الشيعة ، أو رواتهم من الشيعة ، أو ، أو ، كما مرّ في وقفة مع المصادر ، وكأنّه لم يقرأ ولم يسمع قوله تعالى : «أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» .(1)لذلك فسوف نقرأ النصوص من مصادر موثوقة جميعها من التراث السني ، لما قدمناه أول الرسالة وكررنا ذكره ، انّ ذلك أبلغ في اقناع المنكرين ، وأدحض لحجة المستنكرين ، وأبعد من تهمة المعاندين المستكبرين ، فإذا كان كل ما سنقرأ بروايات أئمة حفاظهم من المحدّثين والمؤرّخين ، كذباً على أبي بكر وبقية رموز المشايعين والمتابعين ، فما ذنب الذين يحتجون عليهم بمروياتهم ، وهم أصحاب التراث السني الكبير الكثير؟
والآن لنقرأ حديث أبي بكر مع عبد الرحمن بن عوف في مرضه الذي مات فيه ، وما لحقه من ايهام واستبهام مما ينصب أكثر من علامة استفهام ، فليقرأه أبناء الإسلام.
|
في إعتراف أبي بكر كشف خطير :
|
|
|
 |
أخرج الطبري في تاريخه (1) ، وابن عبد ربه المالكي الأندلسي في كتابه العقد الفريد (2) ، وغيرهما كالجوهري والطبراني ممّن يمكن الرجوع إليهم لغرض المقارنة والتأكيد على صحة جوهر النص؛ لأن التفاوت في المنقول قد يوحي بالشك في صحة المنقول ، ولمّا كانت رواية الطبري وابن عبد ربه أوفى سنداً من رواية غيرهما ، فعنهما نذكر النص ، وهو كما يلي :
قال الطبري : حدّثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال : حدّثنا الليث بن سعد ... ، وقال ابن عبد ربه : قال أبو صالح : أخبرنا محمد بن وضاح ، قال : حدّثني محمد بن ... بن المهاجر التميمي ، قال حدّثني الليث بن سعد (3) قال : حدّثنا علوان ، عن صالح بن كيسان ، عن عمر (4) بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه أنّه دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه ، فأصابه مهتمّاً (5) فقال له عبد الرحمن : أصبحت والحمد لله بارئاً! فقال أبو بكر :
|
(1) تاريخ الطبري 3 : 429 ـ 431.
(2) العقد الفريد 4 : 267.
(3) من هنا يتفق سند الطبري مع سند ابن عبد ربه ، فنسوق الخبر برواية الطبري, ونشير إلى الإختلاف بين الروايتين سنداً ومتناً.
(4) كذا في الطبري وفي العقد الفريد : عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، وسيأتي ذكره في أحد اسنادين آخرين في آخر الخبر عند الطبري.
(5) في العقد : ( مفيقاً ).
|
أتراه؟ قال : نعم ، قال : ( أما إنّي على ذلك لشديد الوجع ، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد عليّ من وجعي ) .(1)إنّي وليت أمركم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم أنفه من ذلك ، يريد أن يكون الأمر له دونه ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولمّا تقبل ، وهي مقبلة ، حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج ، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذري (2) كما يألم أحدكم أن ينام على حسك ( شوك السعدان ) والله لأن يُقدّم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدّ خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا ، وأنتم أول ضالّ بالناس غداً ، فتصدونهم عن الطريق يميناً وشمالاً ، يا هادي الطريق إنّما هو الفجر أو البجر .(3)
فقلت له : خفض عليك رحمك الله ، فإنّ هذا يهيضك في أمرك ، إنّما الناس في أمرك بين رجلين : إما رجل رأى ما رأيت فهو معك ، وإما رجل خالفك فهو مشير عليك ، وصاحبك كما تحب ، ولا نعلمك أردت إلاّ خيراً ، ولم تزل صالحاً مصلحاً ، وأنّك لا تأسى على شيء من الدنيا.
قال أبو بكر : أجل ، إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنّ ، وثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلتهنّ ، وثلاث وددت أنّي سألت عنهنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ).;
فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنّ : فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء ، وإن كانوا قد غلقوه على حرب ، ووددت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة السُلمي (4) ، وانّي كنت قتلته سريحاً أو خلّيته نجيحاً (5) ، ووددت أنّي يوم سقيفة بني
|
(1) ما بين القوسين من العقد الفريد.
(2) نسبة إلى آذربيجان.
(3) البجر _ بالفتح والضم ـ الداهية والأمر العظيم.
(4) كان قد أتى أبا بكر فادعى الإسلام, وطلب إليه مشاركته في جهاد المرتدين وأن يحمله ، فحمله؛وأعطاه سلاحاً فشد غارة على كل مسلم ، ولمّا أمكنت الفرصة منه وجيىء به إلى أبي بكر أمر فأوقدوا ناراً ثم أمر به فرموه مقموطاً فيها. وقول أبي بكر : كنت قتلته سريحاً أو خليّته نجيحاً.
(5) القتل السريح : السريع ، والنجيح : الوشيك.
|
ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين ـ يريد عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً.;
وأما اللاتي تركتهنّ : فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه ، فإنّه تخيل إليّ أنّه لا يرى شراً إلاّ أعان عليه ، ووددت أنّي حين سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصة (1) ، فإن ظفر المسلمون ظفروا ، وإن هربوا كنت بصدد لقاء أو مدداً.;
ووددت أنّي كنت إذ وجّهت خالد بن الوليد إلى الشام ، كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق ، فكنت قد بسطت يديّ كلتيهما في سبيل الله ـ ومدّ يديه_ ، ووددت أنّي كنت سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لمن هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أنّي كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ ووددت أنّي كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة؟ فإنّ في نفسي منهما شيئاً.;
قال لي يونس : قال لنا يحيى : ثم قدم علينا عُلوان بعد وفاة الليث ، فسألته عن هذا الحديث فحدّثني به كما حدّثني الليث بن سعد حرفاً حرفاً ، وأخبرني أنّه هو حدّث به الليث بن سعد ، وسألته عن أبيه ، فأخبرني أنّه علوان بن داود.
|
(1) موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً ، وبه نزل أبو بكر في خلافته لما وجّه خالد بن الوليد لقتال أهل الردة ( معجم البلدان ). وقال عبد الله الليثي : ـ وكانت بنو عبد مناة من المرتدة ـ وهم بنو ذبيان ـ في ذلك الأمر بذي القصة وبذي حمى :
| أطعنـا رسول الله ما كان بيننا |
|
فيالعباد الله ما لأبي بكر |
| أيورثها بكراً إذا مات بعده |
|
وتلك لعمر الله قاصمة الظهر |
| فهلا رددتم وفدنا بزمانه |
|
وهلاً خشيتم حس راغية البكر |
| وإن التي سالوكم فمنعتم |
|
لكالتمر أو أحلى إلـيّ من التمـر |
تاريخ الطبري 340 : 246 ، وأوردها دون البيت الرابع الأصبهاني في الأغاني 3 : 157, منسوبة للحطيئة.
|
وحدّثني محمد بن إسماعيل المرادي ، قال : حدّثنا عبد الله بن صالح المصري ، قال : حدّثني الليث ، عن عُلوان ، عن صالح بن كيسان ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، أنّ أبا بكر قال : ـ ثم ذكر نحوه ، ولم يقل فيه ( عن أبيه ) _.;
إلى هنا انتهى النص ، وقد عقب عليه الطبري بإسنادين آخرين لروايته زيادة في التوثيق.;
وقد مرّت الإشارة إلى أن هذا الخبر قد رواه أحمد بن عبد العزيز الجوهري ( كان حياً سنة320 هـ ) ، في كتاب السقيفة ، وما ذكره رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (1) ، حيث انتصب قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي مدافعاً عن أبي بكر ، وما طعن به عليه من هذا الخبر ، وذكر ابن أبي الحديد ردّ الشريف المرتضى عليه في كتابه الشافي ، وسيأتي ذكر ذلك.;
كما سيأتي ذكر أكثر من عشرة آخرين رووا الخبر بتفاوت رواياتهم ، وجرى عليه من بعضهم محاولات بائسة ويائسة ، تكتماً وتلعثماً ، حتى أنّ بعضهم ذكر خبر عيادة عبد الرحمن بن عوف وتبرم أبي بكر ، لكنّه ألغى ذكر جميع المثلثات ، وآخر ذكرها دون ذكر ( كشف بيت فاطمة ) فكنّى عنه بقوله : ( كذا وكذا ).;
وثالث ذكرها وسمى البيت بيت علي ، تهرباً من ذكر بيت فاطمة التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها ، غافلاً أو متغافلاً عن أنّ بيتهما واحد ، وهما في الحرمة سيان ، وبيتهما من أفاضل تلك البيوت التي أمر الله سبحانه وتعالى بأن تصان حرمتها ويعرف قدرها ، كما في رواية أنس وبريدة ، وقد رواها الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (2) ، والسيوطي في الدر المنثور (3) في ذيل تفسير قوله تعالى : «فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ »(4) في سورة النور قال :
|
(1) شرح نهج البلاغة 2 : 45 ـ 47, وأشار إليه ثانية في17 : 14.
(2) شواهد التنزيل 1 : 41.
(3) الدر المنثور 5 : 50.
(4) النور : 36.
|
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قالا : قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هذه الآية : « فِي بُيُوت أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ» فقام إليه رجل فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال : بيوت الأنبياء ، فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها _ لبيت علي وفاطمة ـ قال : نعم ، من أفاضلها _ من أفضلها.;
وهذا فيما أحسب هو الذي حدا بجمع من المحدّثين والمؤرّخين التستر على شناعة المثلثات ، وما فيها من إدانة لأبي بكر والطعن عليه ، خصوصاً ذكر ( كشف بيت فاطمة ) فذكره يعني الاعتراف بالإساءة والمهانة ، وهو حقيق بالإدانة.;
ولئلا يظن ظان مستنكر أو متعال مستكبر أنّ ذلك منّا مجرّد تهويل؛ فلنعرض أمام القرّاء ما لحق مثلثات أبي بكر من تضليل ، فنقول :;إنّ أول من وقفت عليه مستعظماً ذكر ( كشف بيت فاطمة ) صراحة ، هو أبو عبيد القاسم ابن سلام ( ت 224 هـ ) ، في كتابه ( الأموال ) ، فقد ذكر الخبر وبادر إلى الكناية عن ( كشف بيت فاطمة ) فقال : (
أما الثلاث التي فعلتها ، ووددت أنّي لم أفعلها : فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا لخلة ذكرها لا أريد ذكرها ) ، وهذا ما جعلنا نهزأ منه حتى قلنا : إنّها لملكية فوق الملك.;
فأبو بكر نفسه يذكر الخلّة ـ كشف بيت فاطمة ـ نادماً عليها وأبو عبيد يأبى ذكرها!;
وللإنصاف أن نقول له : إنّ حميد بن زنجويه ( ت 251 هـ ) ، الذي أتى بعدك زماناً ، وهو أقل ذكراً وشأناً ، كان أفصح بياناً وأقوى جناناً ، فقد ذكر الخبر مرّتين في كتابه الأموال ، كانت الأولى في صفحة 303 ـ 305 ، فذكر الخبر بنصّه وفصّه لم يغير شيئاً مما يمس جوهر القضية ، وحتى في إسناده كان رجاله ثقاة (1).
|
|
(1) كتاب الأموال لحميد بن زنجويه 1 : 303 ـ 305.
|
لكنه في المرّة الثانية في صفحة / 347 فقد ذكر النص بسند آخر. فقال فيه : ( أما اللاتي وددت أنّي تركتهنّ ، فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا ، لشيء ذكره ... ) وهذا منه مستغرب بعد ذكره أولاً كما مرّ ، ولا أحسبه إلاّ أنّه إنهار أمام تهديد أو وعيد ، فاتقى الشر فذكره كناية.;
أما ثالث القوم الذين تلاعبوا بالنص بصورة غير ذكية ، فهو أبو العباس المبرد في كتابه الكامل (1) ، فقد ذكر الخبر مقتصراً على حديث أبي بكر مع عبد الرحمن بن عوف من دون ذكر المثلثات ، وهذا ممّا يؤاخذ عليه.;
ورابعهم كان المسعودي الشافعي ( ت 345 هـ ) ، فهو ليس بدون من تقدّمه في تعامله مع النص بغير مسوّغ ، فقد ذكره في كتابه مروج الذهب (2) ، فقال : ( ومرض أبو بكر قبل وفاته بخمسة عشر يوماً ، ولمّا احتضر قال : ما آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتها وددت أنّي تركتها ... ، فوددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة ، وذكر كلاماً كثيراً ) ، فعدم ذكره ذلك الكلام الكثير مما يؤاخذ عليه.;
وخامسهم الباقلاني ( ت 403 هـ ) ، فقد ذكر في كتابه إعجاز القرآن (3) ، عيادة عبد الرحمن بن عوف لأبي بكر ، وحديث أبي بكر وتبرّمه من أصحابه ، ولم يذكر عن المثلثات شيئاً ، فحذفها جملة وتفصيلاً ، وقد مرّ في نظرة إلى المصادر ما في طبعتي الكتاب ، وعمل المحققين فيه فراجع.;
وسادس هذا النمط المفرط في الايهام والاستبهام ، أبو نعيم الاصبهاني ( ت430 هـ ) ، فقد ذكر في كتابه حلية الأولياء (4) حديث أبي بكر مع عبد الرحمن
|
(1) الكامل 1 : 6.
(2) مروج الذهب 2 : 308.
(3) إعجاز القرآن للباقلاني210 ـ 211.
(4) حلية الأولياء 1 : 34.
|
بن عوف الا ذكر المثلثات ، فلم يأت بشيء عنها أبدا ، لماذا ذلك؟ والجواب لا يخفى على أولي الألباب.;
نعم ، ذكر نصاً يوحي بندامة أبي بكر على ما فرّط ، فقد قال : إنّ عمر دخل على أبي بكر وهو يجبذ لسانه ، فقال له عمر : مه؟ غفر الله لك ، فقال أبو بكر : إن هذا أوردني الموارد (1).;
وسابع تابع لم يتخلّف عن المسيرة ، وذلك هو الحافظ الهيثمي ( ت 807 هـ ) ، فقد ذكر الحديث في مجمع الزوائد (2) ، وقال : رواه الطبراني وفيه علوان بن داود البجلي وهو ضعيف ، وهذا الأثر مما أنكر عليه.;
وثامنهم المتقي الهندي ( ت 975 هـ ) ، ذكر الخبر في كنز العمّال (3) ، وذكر في الكنز مصادره التي روى الخبر عنها فقال : ( أبو عبيد في كتاب الأموال ، عق ، وخيثمة بن سليمان الإطرابلسي في فضائل الصحابة ، طب ، كر ، حن ) وقال : إنّه حديث حسن إلاّ أنّه ليس فيه شيء عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد أخرج ( خ ) في كتابه غير شيء من كلام الصحابة ).;
أقول : إنّ المتقي الهندي أشار إلى المصادر التالية :;
1 ـ كتاب الأموال لأبي عبيد ، وقد تقدم ذكره ، وإنّ المطبوع ليس فيه التصريح بكشف بيت فاطمة ، فراجع.
|
(1) حلية الأولياء 1 : 33 ، قال الجوهري في الصحاح : 1059 ، وفي حديث أبي بكر حيث دخل عليه عمر وهو ينصنص لسانه ، ويقول : هذا أوردني الموارد, قال أبو عبيد هو بالصاد لا غير ، قال : وفيه لغة أخرى ليست في الحديث نضنضت بالضاد, وكذا جاء في لسان العرب, وتاج العروس وغيرهما في مادتي : ( نص ) و ( نض ) , فراجع.
(2) مجمع الزوائد 5 : 202 ـ 203.
(3) كنز العمال 5 : 368.
|
2 ـ عق= يعني كتاب الضعفاء للعقيلي (1) ( ت 322 هـ ) ، وهو قد ذكر الخبر في ترجمة عُلوان بن داود بأربعة أسانيد ، ومع ذلك فقد جرح عُلوان فوصفه : بأنّه منكر الحديث.;
3 ـ خيثمة = يعني خيثمة بن سليمان الإطرابلسي ، ( ت 343 هـ ) ، له كتاب فضائل الصحابة ، والخبر فيه في ترجمة أبي بكر.;
4 ـ طب = يعني الطبراني ، ذكر الخبر في المعجم الكبير (2).;
5 ـ كر = يعني ابن عساكر في تاريخ دمشق ، والخبر فيه في ترجمة أبي بكر.;
6 ـ ص = يعني سعد بن منصور ( ت 227 هـ ) ، والخبر في سننه.;
فهذه ستة مصادر سبق ذكر الأول منها فقط ، وتضاف الخمسة الباقية إلى الأرقام الثمانية التي استعرضنا ما عند أصحابها ممّن لم يستمرؤا طعم مرارة الاعتراف ، ولم يخضعوا لقبول الحق والإنصاف ، فتحامل بعضهم على الرواة ، وأجهز بعضهم على الخبر فبتر منه ما ظن يجديه ، وما درى أن الحذف أو الاضمار ليس يغنيه ، مهما فعل حفاظاً على قداسة الموروث مما يعنيه ، فأبو بكر نفسه قال ذلك واعياً جازماً ، وآسفاً نادماً.;
وأجدى بهم لو قالوا لأتباعهم وأشياعهم إنّه قال ذلك هجراً من غلبة الوجع عليه ، كما سبق لهم أن قالوا تبعاً لعمر بن الخطاب ومن شايع وتابع ، حين قال في النبي ( صلى الله عليه وآله ) مثل ذلك ، كما في حديث الرزية كل الرزية ويرويه حبر الأمة عبد الله بن عباس ويبكي حتى يبلّ بدموعه الحصباء ، وحديثه في البخاري ومسلم وغيرهما من الصحاح والسنن والسيرة.
|
(1) الضعفاء 3 : 419 ـ 420.
(2) المعجم الكبير 1 : 62.
|
ولكنّهم تشبثوا في المقام بنسائج العنكبوت ، وأقوى من شمّر فاشتهر بحرارة الدفاع وطول الباع ، هو قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني ، إلا أنّه لم يحسن قيلاً ولم يغن فتيلاً ، ولقد انبرى لتفنيد مزاعمه وأباطيله ، وكشف تدجيله وأضاليله ، الشريف المرتضى علم الهدى ( رحمه الله ) (1) في كتابه الشافي ، وهو شافٍ وكافٍ ، وقد لخصه الشيخ الطوسي ( رحمه الله ).;
ومن الخير أن أعرض أمام القارئ ملخص ما قاله الأول ـ عبد الجبار _ وما رد الثاني ـ الشريف المرتضى ـ في خصوص المقام نقلاً عن تخليص الشافي؛ لئلا يظن بنا ظان غير الحق والصدق.;
كما ننقل ذلك برواية ابن أبي الحديد الشافعي المعتزلي في كتابه شرح نهج البلاغة ، فهو قد نقل النص عن الشافي بواسطة تلخيصه ، وإن لم يصرّح بذلك.
|
ما ذكره قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي :
|
|
|
 |
روى ابن أبي الحديد في شرح النهج (2) ، قال : قال : قاضي القضاة ... : ومما طعنوا به على أبي بكر أنه قال عند موته : ليتني كنت سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن
|
(1) أقول : وشمّر ابن أبي الحديد عن ساعديه, وانبرى ناصباً من نفسه قاضياً ، فعقّب على كلام الشريف المرتضى وناقشه في رده على قاضي القضاة ، في مسألة الشك في الإمامة, وتمني أبي بكر السؤال عنها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) , ورده على القاضي في الاستشهاد بالآية المباركة في مسألة إبراهيم ( عليه السلام ) ، وأطال في ذلك فمن أراده فليراجعه.
ويعنينا في المقام تعقيبه على تمني أبي بكر عدم كشف بيت فاطمة ( عليها السلام ) , وقد أنكره قاضي القضاة وأثبته الشريف المرتضى, قال ابن أبي الحديد : وأما حديث الهجوم على بيت فاطمة ( عليها السلام ) فقد تقدم الكلام فيه ، والظاهر عندي صحة ما يرويه المرتضى والشيعة ، ولكن لا كل ما يزعمونه ، بل كان بعض ذلك ، وحقٌ لأبي بكر أن يندم ويتأسّف على ذلك ، وهذا يدل على قوة دينه وخوفه من الله تعالى ، فهو بأن يكون منقبة له أولى من كونه طعناً عليه ....
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17 : 164.
|
| |