 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
55 |
|
 |
16 ـ وعن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من جاءني زائراً لا يهمّه إلاّ زيارتي كان حقّاً على الله أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» رواه الطبراني وصحّحه ابن السكن.
17 ـ وعن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما من أحد من أُمّتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر» رواه ابن النجار.
18 ـ وعن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من وجد سعة ولم يفد إليّ فقد جفاني» رواه ابن حبّان.
19 ـ وعن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لا عذر لمن كان له سعة من أُمتي أن لا يزورني» رواه ابن عساكر.
20 ـ وعن ابن عمر: «من حج وزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» رواه سعيد بن منصور.
21 ـ وعن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من حجّ ولم يزر قبري فقد جفاني» رواه ابن عساكر.
22 ـ وعن ابن عمر: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني» رواه ابن عدي بسند حسن.(1)
|
|
(1) محمد الفقي، التوسل والزيارة في الشريعة الاسلامية : 48و49.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
56 |
|
 |
|
زيارة النبيّ الاكرم في حديث العترة
|
|
|
 |
تضافر الحديث عن العترة الطاهرة حول زيارة قبر النبيّ الاكرم(صلى الله عليه وآله)نقتبس منه ما يلي:
1 ـ روى الحميري (م/299هـ) عن هارون، عن ابن صدقة عن الصادق عن أبيه الباقر (عليهما السلام) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «من زارني حيّاً وميّتاً، كنت له شفيعاً يوم القيامة».(1)
2 ـ روى الصدوق (م/630ـ381هـ) بسنده عن الامام عليّ (صلوات الله عليه): «أتمّوا برسول الله حجّكم، إذا خرجتم إلى بيت الله، فإنّ تركه جفاء وبذلك أُمرتم، وأتمّوا بالقبور التي ألزمكم الله زيارتها وحقّها».(2)
3 ـ روى الصدوق بسنده عن الامام الرضا (عليه السلام) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «من زارني في حياتي وبعد موتي فقد زار الله تعالى...»(3)
4 ـ روى الصدوق عن إبراهيم بن أبي حجر الاسلمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من أتى مكّة حاجّاً ولم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة، ومن جاءني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة».(4)
5 ـ روى ابن قولويه (م/963هـ) عن أبي حجر الاسلمي قال: قال رسول الله (وذكر مثل ماسبق وزاد في آخره) «ومن مات في أحد الحرمين ـ مكّة أو المدينة ـ لم يعرض إلى الحساب ومات مهاجراً إلى الله وحشر يوم القيامة مع أصحاب بدر».(5)
|
(1) الحميري، قرب الاسناد : 31 ـ والمجلسي، البحار 97 : 139.
(2) الصدوق، الخصال 2 : 406 ـ المجلسي، البحار 97 : 139.
(3) الصدوق، عيون أخبار الرضا 1 : 115 ـ المجلسي، البحار 97 : 140.
(4) الصدوق، علل الشرائع : 460 ـ المجلسي، البحار 97 : 140.
(5) ابن قولويه، كامل الزيارات : 460 ـ المجلسي، البحار 97 : 140.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
57 |
|
 |
6 ـ روى الصدوق بسنده عن المعلى بن شهاب عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: قال الحسن بن عليّ (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبتاه ما جزاء من زارك؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يابني: من زارني حياً أو ميّتاً أو زار أباك أو أخاك أو زارك كان حقّاً عليَّ أن أزوره يوم القيامة فأُخلِّصه من ذنوبه.(1)
7 ـ روى ابن قولويه بسنده عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة».(2)
8 ـ روى ابن قولويه عن ابن أبي نجران قال: قلت لابي جعفر الثاني (الامام الجواد (عليه السلام) : جعلت فداك، ما لمن زار رسول الله (صلى الله عليه وآله)متعمّداً؟ قال: «له الجنّة».(3)
9 ـ روى ابن قولويه باسناده عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من زارني بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي وكنت له شهيداً أو شافعاً يوم القيامة».(4)
10 ـ روى ابن قولويه بسنده عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إليَّ في حياتي، فإن لم تستطيعوا فابعثوا إليَّ بالسلام فإنّه يبلغني».(5)
نكتفي بهذا القدر من الروايات، وبهذا يتضح اتفاق الفريقين على استحباب زيارة قبر النبيّ الاكرم (صلى الله عليه وآله)، وقد بلغ الاتفاق إلى حدّ نرى
|
(1) الصدوق، علل الشرائع : 460 ـ المجلسي، البحار 97 : 140.
(2) ابن قولويه، كامل الزيارات : 12 ـ المجلسي، البحار 97 : 142.
(3) المصدر نفسه، وفي البحار : 143.
(4) المصدر نفسه : 13، والمصدر الثاني نفسه.
(5) المصدر نفسه: 14، والمصدر الثاني : 144.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
58 |
|
 |
وحدة المضمون بل التعبير في رواياتهم، وهناك روايات أُخرى عن العترة الطاهرة لم نذكرها روماً للاختصار.
ومن تجرّد عن الرأي المسبق أو التشكيك الذي أثاره بعض الناس، ونظر إلى كلمات أعلام المذاهب وروايات الفريقين يحصل له القطع واليقين على أنّ استحباب زيارته (صلى الله عليه وآله) من الاُمور الواضحة في الشريعة الاسلامية الغرّاء، وأنّ التشكيك فيها تشكيك في الاُمور المسلَّمة والمتَّفق عليها.
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
59 |
|
 |
|
شدّ الرحال إلى زيارة النبيّ الاكرم(صلى الله عليه وآله)
|
|
|
 |
إذا كانت زيارة النبيّ الاكرم أمراً مطلوباً وعملاً مستحبّاً كما دلّت عليه الروايات المتضافرة والسيرة القطعية يكون شدّ الرحال، الذي هو بمنزلة المقدمة أمراً مستحبّاً، بناءً على الملازمة بين استحباب الشيء واستحباب مقدمته، كما عليه أكثر الاُصوليين، وهذا له نظائر في الشريعة الاسلامية، تحكي أنّ وسيلة القربة، قربة قال سبحانه: «ومَنْ يَخْرُج مِنْ بَيتِه مُهاجراً إلى اللهِ ورَسُولهِ ثُمَّ يُدرِكْهُ المَوتُ فَقَدْ وَقعَ أجرُهُ عَلى الله»ِ)النساء/100) فهذا الانسان مأجور بخروجه هذا وإن كان مقدمة لامر مطلوب آخر.
يقول سبحانه في حقّ المجاهدين: «ذلكَ بأنَّهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ فِي سَبيلِ اللهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوّ نَيلاً إلاّ كُتِبَ لَهُم بهِ عَملٌ صالِحٌ إنَّ اللهَ لايُضِيعُ أجرَ
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
60 |
|
 |
«الُمحْسِنِينَ * ولا يُنفِقُونَ نَفقةً صَغيرةً ولا كَبيرةً ولا يَقطعُونَ وادِياً إلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجزِيَهُمُ اللهُ أحسنَ ما كانوا يَعملونَ»(التوبة/120ـ121).
وهذه الاُمور التي كتب الله لهم بها أجراً، وسيلة الجهاد، ومقدمة للقتال، وهذا يكشف عن التلازم بين الاستحبابين، أو الثوابين.
نعم، ذهب بعض الاُصوليين إلى عدم الملازمة ولكنّهم متّفقون على لزوم كون المقدمة مباحة لا محرّمة، لاستلزامه التناقض في التشريع، حيث لا يعقل البعث إلى أمر، مع المنع عمّا يوصل المكلف إليه، وعلى كل تقدير لا يصحّ تحريم السفر مع افتراض كون الزيارة أمراً راجحاً، وفعلاً مستحبّاً فلا محيص إلاّ بالقول باستحبابه، أو إباحته. ولا تجتمع حرمة المقدمة مع استحباب ذيها.
نعم، هنا فرق بين زيارة قبر النبيّ، وزيارة قبور المسلمين، فإنّ الاوّل مستحبّ بالخصوص، بخلاف الاخرين فإنّها مسنونة على وجه العموم فلو زار إنسان قبر أبيه أو أخيه، فإنّما يزورهما بما أنّ زيارتهما داخلة تحت عموم قوله (صلى الله عليه وآله): «فزوروا القبور، فإنّ زيارتها تذكّركم الاخرة»، وهذا بخلاف زيارة الرسول فإنّها ـ مضافاً إلى أنّها داخلة تحت العموم ـ مستحبة في نفسها.
وقد جرت سيرة المسلمين من عصر الصحابة إلى يومنا هذا على شدِّ الرحال إلى زيارة النبيّ الاكرم وعدّوا زيارتها قربة، والسفر إليها مثلها، ولم ينكر أحد قربية الزيارة ولا جواز السفر إلاّ ابن تيمية في أوائل القرن الثامن لشبهة طرأت له، وسنتعرض لها في فصل مستقل.
ولاجل إيقاف القارئ على اتصال السيرة إلى عصر الصحابة نذكر
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
61 |
|
 |
|
بعض مايدلّ عليه:
|
|
|
 |
1 ـ روى ابن عساكر بإسناده عن أبي الدرداء قال: لمّا فرغ عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)عن فتح بيت المقدس فصار إلى الجابية سأله بلال أن يقرَّه بالشام ففعل ذلك ـ إلى أن قال ـ: ثم إنّ بلالاً رأى في منامه رسول الله وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني يا بلال، فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه فأقبل الحسن والحسينَ (رضي الله عنهما) فجعل يضُمّهما ويقبّلهما فقالا له: نشتهي أذانَك الذي كنت تؤذِّن به لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد ففعل، فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف فيه فلمّا أن قال: الله أكبر، الله أكبر، ارتجّت المدينة، فلمّا أن قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، إزدادت رجّتها، فلمّا أن قال: أشهد أنّ محمداً رسول الله، خرجت العواتق من خدورهنّ وقالوا: بُعِثَ رسول الله. فما رؤي يوم أكبر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله من ذلك اليوم.(1)
2 ـ استفاض عن عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) أنّه كان يُبرِد البريد من الشام إلى المدينة يقول: سلِّم لي على رسول الله، روى ابن الجوزي: «وكان عمر بن عبد العزيز يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ النبيّ ثم يرجع».
|
(1) ابن عساكر، مختصر تاريخ دمشق 5 : 265 ـ الحافظ جمال الدين المزّي، تهذيب الكمال 4 : 289.
(2) ابن الجوزي، مثير الغرام الساكن.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
62 |
|
 |
وربّما كان يجتمع مع قصد الزيارة قصد أمر آخر. فكان يُشَدّ لغايتين.
3 ـ روى يزيد بن أبي سعيد، مولى المهري قال: قدمت على عمر بن عبد العزيز فلمّا ودّعته قال: إليك حاجة إذا أتيت المدينة سترى قبر النبيّ فاقرأه منّي السلام.(1)
4 ـ روى أبو الليث السمرقندي الحنفي في الفتاوي في باب الحج: قال أبو القاسم: لمّا أردت الخروج إلى مكّة قال القاسم بن غسان: إنّ لي إليك حاجة، إذا أتيت قبر النبي فاقرأه منّي السلام، فلمّا وضعت رحلي في مسجد المدينة ذكرت.
قال الفقيه: فيه دليل إن لم يقدر على الخروج يأمر غيره ليسلّم عنه فإنّه ينال فضيلة السلام.(2)
5 ـ روى الواقدي في فتوح الشام: كان أبو عبيدة منازلاً بيت المقدس فأرسل كتاباً إلى عمر مع ميسرة بن مسروق (رضي الله عنه) يستدعيه الحضور، فلما قدم ميسرة مدينة رسول الله دخلها ليلاً ودخل المسجد وسلّم على قبر رسول الله وعلى قبر أبي بكر (رضي الله عنه)... ثم إنّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الاحبار وأسلم وفرح عمر بإسلامه قال عمر (رضي الله عنه) له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي وتتمتع بزيارته، فقال لعمر يا أمير المؤمنين أنا أفعل ذلك، ولما قدم عمر
|
(1) الامام السبكي، شفاء السقام : 56.
(2) المصدر نفسه.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
63 |
|
 |
المدينة، أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله.(1)
6 ـ قال ابن بطة العكبري الحنبلي (م/387هـ) في كتاب الابانة عن شريعة الفرقة الناجية: «إنّ كل عالم من علماء المسلمين وفقيه من فقهائهم ألَّف كتاباً في المناسك ففصّله فصولاً وجعله أبواباً، يذكر في كل باب فقهه، ولكل فصل عمله وما يحتاج إليه الحاج إلى عمله والعمل به قولاً وفعلاً من الاحرام والطواف والسعي والوقوف، والنحر، والحلق، والرمي، وجميع ما لا يسع الحاج جهله، ولا غنى بهم عن عمله، حتى زيارة قبر النبي فيصف ذلك فيقول: تأتي القبر فتستقبله وتجعل القبلة وراء ظهرك وتقول: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، حتى تصف السلام والدعاء ثم يقول: وتتقدم على يمينك وتقول السلام عليك يا أبا بكر وعمر. ـ إلى أن قال ـ : ولقد أدركنا الناس ورأيناهم وبلغنا عمّن لم نره أنّ الرجل إذا أراد الحج فسلم عليه أهله وصحابته قالوا: وتقرأ على النبي وأبي بكر وعمر منّا السلام فلا ينكر ذلك أحد ولا يخالفه.(2)
|
إطباق السلف والخلف على جواز السفر
|
|
|
 |
جرت سيرة المسلمين على زيارة الرّسول ـ عند الوفود إلى الحج ـ بالمرور بالمدينة أو رجوعاً من مكة إليها، و هذا أمر ملموس وظاهر مشهود من الوافدين من كل فجّ عميق، وعلى ذلك جرت السيرة
|
(1) الواقدي، فتوح الشام 1 : 244، طبعة دار الجيل، بيروت.
(2) أبو عبد الله ابن بطة، في الابانة عن شريعة الفرق الناجية ـ كما في شفاء السقام : 60.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
64 |
|
 |
في جميع القرون، فلا يمكن لاحد إنكارها، بل هي كاشفة عن استحبابها عند الشرع، وهذا هو الامام السبكي يذكر سيرة المسلمين في أيام الحج ويقول: إنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحجَّ يتوجّهون إلى زيارته (صلى الله عليه وآله) ومنهم من يفعل ذلك قبل الحج، هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الاعصار القديمة، وذلك أمر لا يرتاب فيه، وكلّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه، وإن لم يكن في طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة وينفقون فيه الاموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة. وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الارض ومغاربها على ممرّ السنين وفيهم العلماء والصلحاء، وغيرهم يستحيل أن يكون خطأً، وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى الله عزّ وجلّ، ومن تأخّر عنه من المسلمين فإنّما يتأخّر بعجز أو تعويق المقادير، مع تأسّفه وودّه لو تيسّر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ فهو المخطئ.
ومن نازع في ذلك وقال فانّهم يقصدون من سفرهم زيارة المسجد، لا زيارة الرسول الاكرم، فلم ينصف وكابر في أمر بديهي فإنّ الناس من حين يعرجون إلى طريق المدينة، لا يخطر ببالهم غير الزيارة من القربات إلاّ قليلاً منهم، وغرضهم الاعظم هو الزيارة ولو لم يكن ربّما لم يسافروا، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه وليس الصلاة فيه بأقل ثواباً من الصلاة في مسجد النبيّ.(1)
|
|
(1) الامام السبكي، شفاء السقام : 100و101.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
65 |
|
 |
|
حديث عدم شدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة
|
|
|
 |
لقد تجلّى جواز السفر إلى زيارة النبيّ الاكرم ولم يبق في المقام سوى ما رواه أبو هريرة عن رسول الله من عدم شدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة، وهو المستمسك الوحيد اليوم لمن يحرّم السفر، وإليك توضيحه:
إنّ الرواية نقلت بصور مختلفة، والمناسب لما يرومه المستدلّ الصورة التالية:
«لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام ومسجد الاقصى».
فتحليل الحديث يتوقّف على تعيين المستثنى منه وهو لا يخلو من صورتين:
1 ـ لا تُشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد...
2 ـ لا تُشدّ الرحال إلى مكان من الامكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد...
فلو كانت الاُولى كما هو الظاهر، كان معنى الحديث النهي عن شدّ الرحال إلى أي مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، ولا يعني عدم جواز شدِّ الرحال إلى أيّ مكان من الامكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً، فالحديث يكون غير متعرض لشدّ الرحال لزيارة الانبياء والائمة الطاهرين والصالحين، لانّ موضوع الحديث إثباتاً ونفياً هو المساجد، وأمّا غير ذلك فليس داخلاً فيه، فالاستدلال به على تحريم شد الرحال إلى غير المساجد، باطل.
وأمّا الصورة الثانية: فلا يمكن الاخذ بها إذ يلزمها كون جميع السفرات محرّمة سواء كان السفر لاجل زيارة المسجد أو غيره من
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
66 |
|
 |
الامكنة، وهذا لا يلتزم به أحد من الفقهاء.
ثم إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس نهياً تحريمياً، وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في سفر كهذا، وذلك لانّ المساجد الاُخرى لاتختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلّها متساوية في الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر مع أنّهما متماثلان.
وفي هذا الصدد يقول الغزالي: «القسم الثاني، وهو أن يسافر لاجل العبادة إمّا لحجّ أو جهاد... ويدخل في جملته زيارة قبور الانبياء(عليهم السلام) وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والاولياء، وكلّ من يُتبرَّك بمشاهدته في حياته يُتبّرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله (صلى الله عليه وآله): «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام ومسجد الاقصى»، لانّ ذلك في المساجد، فانّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الانبياء والاولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند الله.(1)
يقول الدكتور عبد الملك السعدي: إنّ النهي عن شد الرحال إلى المساجد الاخرى لاجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى أو زيادة ثواب، لانّه في الثواب سواء، بخلاف الثلاثة لانّ العبادة في المسجد
|
|
(1) الغزالي، إحياء علوم الدين 2 : 247، كتاب آداب السفر، ط دار المعرفة، بيروت.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
67 |
|
 |
الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي بألف، وفي المسجد الاقصى بخمسمائة فزيادة الثواب تُحبِّب السفر إليها وهي غير موجودة في بقية المساجد.(1)
والدليل على أنّ السفر لغير هذه المساجد ليس أمراً محرّماً، ما رواه أصحاب الصحاح والسنن: «كان رسول الله يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً فيصلي فيه ركعتين».(2)
ولعلّ استمرار النبي على هذا العمل كان مقترناً لمصلحة تدفعه إلى السفر إلى قبا والصلاة فيه مع كون الصلاة فيه أقلّ ثواباً من الثواب في مسجده.
|
دراسة كلمة ابن تيمية في النهي عن شدّ الرحال
|
|
|
 |
إنّ لابن تيمية في المقام كلمة فيها مغالطة واضحة، إذ مع أنّه قدّر المستثنى منه لفظ المساجد، إلاّ أنّه استدلّ على منع شدّ الرحال لزيارة قبور الانبياء والصالحين بمدلوله أي القياس الاولوي، فقال في الفتاوى:
«فإذا كان السفر إلى بيوت الله غير الثلاثة ليس بمشروع باتفاق الائمة الاربعة بل قد نهى عنه الرسول (صلى الله عليه وآله) فكيف بالسفر إلى بيوت المخلوقين الذين تتّخذ قبورهم مساجد وأوثاناً وأعياداً ويشرك بها وتدعى من دون الله، حتى أنّ كثيراً من معظّميها يفضّل الحجّ إليها على
|
(1) الدكتور عبد الملك السعدي، البدعة : 60.
(2) مسلم، الصحيح 4 : 127 ـ البخاري، الصحيح 2 : 76 ـ النسائي، السنن 2 : 137، المطبوع مع شرح السيوطي.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
68 |
|
 |
الحج إلى بيت الله».(1)
ولو صحّ ذلك النقل عن ابن تيمية ففي كلامه أوهام شتى إليك بيانها:
1 ـ قال: «إذا كان السفر إلى بيوت الله غير الثلاثة ليس بمشروع».
يلاحظ عليه: من أين وقف على أنّ السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرّم؟! وقد عرفت أنّ النهي ليس تحريمياً مولوياً وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى، ولاجل ذلك لو ترتّبت على السفر مصلحة لجاز كما عرفت في سفر النبيّ إلى مسجد قبا مراراً.
2 ـ نسب عدم المشروعية إلى الائمة الاربعة، إلاّ أنّنا لم نجد نصّاً منهم على التحريم، ووجود الحديث في الصحاح لا يدلّ على انّهم فسّروا الحديث بنفس ما فسّر به ابن تيمية.
ولا يخفى على الائمة ظهور الحديث في الدلالة على عدم الجدوى، لا كون العمل محرّماً.
3ـ أنّ عدم جواز السفر إلى غير المساجد الثلاثة لا يكون دليلاً على عدم جوازه إلى «بُيوت أذِنَ اللهُ أنْ تُرفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُه»ُ)النور/36) إذ لا ملازمة بينهما، لانّه لا تترتب على السفر في غير مورد الثلاثة أية فائدة سوى تحمّل عناء السفر، وقد عرفت أنّ فضيلة أي جامع في بلد، نفسها في البلد الاخر، وليس اكتساب الثواب متوقّفاً على السفر، وهذا بخلاف المقام فإنّ درك فضيلة قبر النبيّ يتوقف على السفر، ولا
|
|
(1) ابن تيمية، الفتاوى ـ كما في كتاب البدعة للدكتور عبد الملك السعدي.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
69 |
|
 |
يدرك بدونه.
4 ـ يقول: «إنّ المسلمين يتّخذون قبور الانبياء أوثاناً وأعياداً ويشرك بها» «كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أفْواهِهِمْ») أفمن يشهد كلّ يوم بأنّ محمداً عبده ورسوله ويكرمه ويعظّمه لانّه سفير التوحيد ومبلّغه ـ أفهل ـ يمكن أن يتّخذ قبره وثناً؟!
5 ـ يقول: «تدعى من دون الله» إنّ عبادة الغير حرام لا مطلق دعوته، فعامة المسلمين حتى ابن تيمية يقولون في صلاتهم: «السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته». والمراد من قوله سبحانه: «ولا تَدْعوا معَ اللهِ أحداً»(الجن/18) لا تعبدوا مع الله أحداً. قال سبحانه: «ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُم إنَّ الَّذينَ يَستَكْبرونَ عَنْ عبادَتي سَيَدْخُلونَ جَهَنَّمَ داخِرين»َ(غافر/60) فسمّى سبحانه دعوته: عبادة. فإذاً الدعوة على قسمين: دعوة عبادية إذا كان معتقداً بإلوهية المدعوّ بنحو من الانحاء، ودعوة غير عبادية، إذا دعاه على أنّه عبد من عباده الصالحين، يستجاب دعاؤه عند الله، والدعوة بهذا النوع تؤكّد التوحيد.
6 ـ نَقَل: «إنّ بعض المسلمين يفضّل السفر إلى تلك الاماكن على الحجّ إلى بيت الله» لكنّها فرية بلا مرية، وليس على وجه البسيطة مسلم واع يعتقد بهذا ويعمل عليه.
7 ـ لو كان السفر إلى القبور أمراً محرّماً فلماذا شدّ النبيّ الرحال لزيارة قبر أُمّه بالابواء وهي منطقة بين مكّة والمدينة، أفصار النبيّ ـ والعياذ بالله ـ مشركاً أو أنّ الرواية التي أطبق المحدّثون على نقلها مكذوبة، والله لا هذا ولا ذاك وإنّما...
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
70 |
|
 |
8 ـ إنّ ما ذكره من أسباب المنع تتحقق للمجاور للقبر بدون شدّ الرحال، فاللازم منع ارتكاب المحرّمات عند قبره لا منع السفر إليه.
9 ـ احتمال أنّ المراد من زيارة القبور (زوروا القبور) هو زيارة جميع القبور بدون تخصيص لزيارة قبر مشخّص، احتمال ساقط وذلك لانّ «ال» (الجنسية) إذا دخلت على الجمع أبطلت جمعيته وصار المراد بالمدخول أيّ فرد يتحقق به جنس القبر ويستوي في ذلك المفرد والجمع.
10 ـ كيف يقال ذلك مع أنّ السيدة عائشة (رض) كانت تزور قبر أخيها عبد الرحمن بخصوصه(1) حتى أنّ النبيّ يخصّ بعض القبور بالزيارة وقد وضع حجرات على قبر أخيه من الرضاعة عثمان بن مظعون وقال: «لتعرف بها قبر أخي» ولا تترتب على التعرّف فائدة سوى زيارته.
|
|
(1) ابن قدامة، المغني 2 : 270.
|
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
71 |
|
 |
|
شبهات حول زيارة الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله)
|
|
|
 |
استفاضت السنّة النبوية ـ كما مر ـ على استحباب زيارة الرسول، ودلّت السيرة القطعية طوال القرون، المنتهية إلى عصر الصحابة والتابعين، على أنّها من السنن المطلوبة، وأنّ شدّ الرحال إليها، كشدّ الرحال إلى سائر الاُمور المسنونة، وأكّد أعلام المذاهب على كونها أمراً قُرْبيّاً، لذا فالتشكيك في جواز زيارة الرسول أشبه بالتشكيك في أمر بديهي، ولا غرو في التشكيك فيها، فقد شكك عدّة من فلاسفة الاغريق في أبده الاُمور وأوضحها، حتى شكّوا في كل شيء، بما في ذلك ذواتهم وأنفسِهم، وتفكيرهم وتعقّلهم، حتى في حرارة النار وبرودة الماء، ولولا قيام الحكماء الالهيين كسقراط، وبعده أفلاطون وأرسطو، في وجوه هؤلاء المنسلخين عن الانسانية لعمّت الداء العمياء وجه البسيطة.
 |
| الزيـــارة في الكتاب والسنّة |
|
72 |
|
 |
وما نذكره في المقام من الشبه والتشكيكات لم يذكره ابن تيمية في كتبه وإنّما نقلها الامام السبكي عن خطه، ويجتّرها أتباعه من دون وعي، وإليك بيانها وتحليلها.
الشبهة الاُولى: في تقسيم الزيارة إلى شرعية وبدعية
إنّ زيارة القبور على قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام على الميّت والدعاء له إن كان مؤمناً، وتذكّر الموت سواء أكان الميت مؤمناً أم كافراً. والزيارة لقبر المؤمن نبياً كان أو غير نبيّ من جنس الصلاة على جنازته، يدعى له، كما يدعى إذا صُلِّي على جنازته.
وأمّا الزيارة البدعية فمن جنس زيارة النصارى مقصودها الاشراك بالميت، مثل طلب الحوائج منه أو به أو التمسّح بقبره أو تقبيله أو السجود له ونحو ذلك. فهذا كلّه لم يأمر الله به ورسوله ولا استحبّه أحد من المسلمين، ولا كان أحد من السلف يفعله، لا عند قبر النبي ولا غيره، ولا يسألون ميتاً ولا غائباً سواء كان نبياً أو غير نبي بل كان فضلاؤهم لا يسألون غير الله شيئاً.(1)
يلاحظ عليه: بأمرين:
1 ـ حصر الزيارة في قسمين مع أنّها ذات أقسام كما سنذكر.
2 ـ إدخال الاُمور الجانبية، كالاستغاثة والسؤال به أو منه في ماهية
|
|
(1) الامام السبكي، شفاء السقام : 124-125، نقلاً عن خط ابن تيمية
|
.
|