|
المؤمن بجارية اعجبته ، قلعها وانبت الله مكانها ... فلا ينقص عطاء الله ، بل لا تزيده كثرة العطاء الا جودا وكرما ، اذ كل ما وجد جوع وعطش وطلب وحاجة ، يوجد هناك عطاء وجود وكرم «يساله من في السموات والارض كل يوم هو في شان» (1) .
الى ان يقول ابو بصير : قلت : جعلت فداك ، الهن كلام يكلمن به اهل الجنة ؟ قال (عليه السلام) : نعم ، كلام يتكلمن به لم يسمع الخلائق بمثله ، قلت : ما هو ؟ قال : يقلن : نحن الخالدات فلا نموت ، ونحن الناعمات فلا نبؤس ، ونحن المقيمات فلا نضعن ، ونحن الراضيات فلا نسخط ، طوبى لمن خلق لنا وطوبى لمن خلقنا له ، نحن اللواتي لو قرن احدنا علق في جو السماء لاغشى نوره الابصار» (2) .
وفي رواية ليلة المعراج ، ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : «لما اسري بي الى السماء دخلت الجنة ، فرايت فيها قيعان ورايت فيه ملائكة يبنون ، لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وربما امسكوا ، فقلت لهم : ما بالكم قد امسكتم ؟ فقالوا : حتى تجيئنا النفقة ، فقلت : وما نفقتكم ؟ قالوا : قول المؤمن : سبحانه الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ، فاذا قال بنينا ، واذا سكت امسكنا ...» (3) .
وحين استبشر اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا الخبر ،
|
(1) الرحمن : 29 .
(2) تفسير القمي ، ج 2 ص 82 .
(3) بحار الانوار ، ج 18 ص 292 .
|
وظنوا ان قصورهم في الجنة كثيرة قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «اياكم ان ترسلوا عليها نارا فتحرقوها» (1) .
كذلك الروايات التي تحدثت عن النار والامها . روى الصدوق باسناده عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم قاعدا ، اذ اتاه جبرئيل (عليه السلام) وهو كئيب حزين متغير اللون ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا جبرئيل مالي اراك كئيبا حزينا ؟
فقال : يا محمد فكيف لا اكون كذلك وانما وضعت منافيخ جهنم اليوم .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : وما منافيخ جهنم يا جبرئيل ؟
فقال : ان الله تعالى ، امر بالنار فاوقد عليها الف عام حتى احمرت ، ثم امر بها فاوقد عليها الف عام حتى ابيضت ، ثم امر فاوقد عليها الف عام حتى اسودت ، وهي سوداء مظلمة ، فلو ان حلقة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على اهل الدنيا لذابت الدنيا من حرها ، ولو ان قطرة من الزقوم والضريع قطرت في شراب اهل الدنيا ، مات اهل الدنيا من نتنها .
قال : فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبكى جبرئيل ، فبعث الله
|
| (1) امالي الصدوق : 704 /968 .
|
اليهما ملكا فقال: ان ربكما يقرئكما السلام ، ويقول : اني قد امنتكما من ان تذنبا ذنبا اعذبكما عليه» (1) .
لذا ورد عن الامام علي (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «ان ناركم هذه لجزء من سبعين جزءا من نار جهنم ، ولقد اطفيت سبعين مرة بالماء ، ولولا ذلك لما استطاع ادمى ان يطفيها اذا التهبت .. وانه لتؤتى بها يوم القيامة حتى توضع على النار ، ما يبقى من ملك مقرب ولا نبي مرسل الا جثا بركبتيه فزعا من صرختها» (2) .
لكن عند المقارنة بين الانذار والتبشير ، نجد ان القران الكريم يؤكد على الانذار ، اكثر مما يؤكد على التبشير ، حيث ورد في ايات عديدة حصر وظيفة الانبياء في الانذار ، بخلافه في التبشير ، اذ لا نجد ذلك الحصر . قال تعالى : «انما انت منذر ولكل قوم هاد» (3) ، وقال : «انما انت منذر من يخشاها» (4) ، وقال : «انما انت نذير والله على كل شيء وكيل» (5) ، وقال : «وما انت بمسمع من في القبور * ان انت الا نذير» (6) ، والسبب في ذلك ان طباع الناس مختلفة في تاثير هذين السبيلين ، «فبعضهم وهو الغالب يغلب على نفسه الخوف ، وكلما فكر فيما اوعد الله الظالمين والذين ارتكبوا
|
(1) علم اليقين في اصول الدين ، الفيض الكاشاني ، ج2 ص 1032 ، انتشارات بيدار .
(2) سنن الترمذي ، ج4 ص 709 ؛ علم اليقين ، ج2 ص 1034 .
(3) الرعد : 7 .
(4) النازعات : 45 .
(5) هود : 12 .
(6) فاطر : 23 .
|
المعاصي والذنوب من انواع العذاب الذي اعد لهم ، زاد في نفسه خوفا ولفرائصه ارتعادا ، ويساق بذلك الى عبادته تعالى خوفا من عذابه .
وبعضهم يغلب على نفسه الرجاء ، ولكلما فكر فيما وعده الله الذين امنوا وعملوا الصالحات من النعمة والكرامة وحسن العاقبة ، زاد رجاء وبالغ في التقوى والتزام الاعمال الصالحة طمعا في المغفرة والجنة» (1) .
وهذا ما نجده واضحا في كلمات امام المتقين على امير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة :
قال (عليه السلام) : «واما اهل المعصية فانزلهم شر دار ، وغل الايدي الى الاعناق ، وقرن النواصي بالاقدام ، والبسهم سرابيل القطران ، ومقطعات النيران ، في عذاب قد اشتد حره ، وباب قد اطبق على اهله ، في نار لها كلب ولجب ولهب ساطع ، وقصيف هائل ، لا يظعن مقيمها ولا يفادي اسيرها ، ولا مدة للدار فتفنى ، ولا اجل للقوم فيقضى» (2) .
وقال (عليه السلام) : «افرايتم جزع احدكم من الشوكة تصيبه ، والعثرة تدميه ، والرمضاء تحرقه ؟ فكيف اذا كان بين طابقين من نار ، ضجيع حجر وقرين شيطان ، اعلمتم ان مالكا اذا غضب على النار خطم بعضها بعضا لغضبه واذا زجرها توثبت بين ابوابها جزعا من زجراته» (3) .
|
(1) الميزان في تفسير القران ، ج 11 ص 158 .
(2) نهج البلاغة ، الخطبة ، 109 .
(3) نهج البلاغة ، الخطبة ، 183 .
|
|
|
الطريق الثاني : الحب الالهي
|
يقوم اساس هذا الطريق على حب الله تعالى ، قال سبحانه : «ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين امنوا اشد حبا لله» (1) «حيث دلت على ان الحب يتعلق بالله تعالى حقيقة ـ خلافا لمن زعم ان الحب ، وهو وصف شهواني ، لا يتعلق الا بالامور المادية ، ولا يتعلق به سبحانه حقيقة ـ وان معنى ما ورد من ان الحب له تعالى ، هو الاطاعة بالايتمار بالامر والانتهاء عن النهي تجوزا.
والاية حجة ودليل عليهم ، فان قوله تعالى : «اشد حبا لله» يدل على ان حبه يقبل الاشتداد ، وهو في المؤمنين اشد منه في المتخذين لله اندادا ، ولو كان المراد بالحب هو الطاعة مجازا ، كان المعنى : والذين امنوا اطوع لله ، ولم يستقيم معنى التفضيل ، لان طاعة الانداد ليست بطاعة عند الله سبحانه ، فالمراد بالحب معناه الحقيقي .
ويدل عليه ايضا قوله تعالى : «قل ان كان اباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله» (2) فانه ظاهر في ان الحب المتعلق بالله والحب المتعلق برسوله والحب المتعلق
|
(1) البقرة : 165 .
(2) التوبة : 25 .
|
بالاباء والابناء والاموال وغيرها ، جميعا من سنخ واحد ، لمكان قوله : «احب اليكم» وافعل التفضيل يقتضي اشتراك المفضل والمفضل عليه في اصل المعنى واختلافهما من حيث الزيادة والنقصان» (1) .
وينشا هذا الحب من المعرفة والعلم بالله تعالى واسمائه وصفاته ، وقد سمى نفسه باحسن الاسماء ووصف ذاته بكل صفة جميلة «ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها» (2) ، «الله لا اله الا هو له الاسماء الحسنى» (3) «ومن خاصة النفس الانسانية ان تنجذب الى الجميل ، فكيف بالجميل على الاطلاق ، قال تعالى : «ذلكم الله ربكم لا اله الا هو خالق كل شيء فاعبدوه» (4) ، ثم قال : «الذي احسن كل شيء خلقه» (5) ، فافاد ان الخلقة تدور مدار الحسن ، وانهما متلازمان متصادقان ، ثم ذكر سبحانه في ايات كثيرة ان ما خلقه من شيء ، اية تدل عليه و «ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب» (6) ، فليس في الوجود ما لا يدل عليه تعالى ولا يحكي شيئا من جماله وجلاله .
فالاشياء من جهة انواع خلقها وحسنها ، تدل على جماله الذي لا يتناهى ويحمده ويثني عليه حسنه الذي لا يفني ، ومن جهة ما فيها من
|
(1) الميزان في تفسير القران ، ج1 ص 406 .
(2) الاعراف : 180 .
(3) طه : 8 .
(4) الانعام : 102 .
(5) السجدة : 7 .
(6) ال عمران : 190 .
|
انواع النقص والحاجة تدل على غناه المطلق ، وتسبح وتنزه ساحة القدس والكبرياء ، كما قال تعالى : «وان من شيء الا يسبح بحمده» (1) .
فهؤلاء يسلكون في معرفة الاشياء من طريق هداهم اليه ربهم وعرفها لهم ، وهو انها ايات له وعلامات لصفات جماله وجلاله ، وليس لها من النفسية والاصالة والاستقلال الا انها كمرائي تجلي بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي ، وبفقرها وحاجتها ما احاط بها من الغنى المطلق ، وبذلتها واستكانتها ما فوقها من العزة والكبرياء ، ولا يلبث الناظر الى الكون بهذه النظرة ، دون ان تنجذب نفسه الى ساحة العزة والفطرة ، ويغشى قلبه من المحبة الالهية ما ينسيه نفسه وكل شيء ، ويمحو رسم الاهواء والاميال النفسانية عن باطنه ، ويبدل فؤاده قلبا سليما ليس فيه الا الله عز اسمه (2) . «يوم لا ينفع مال ولا بنون * الا من اتى الله بقلب سليم» (3) ، في الكافي باسناده عن سفيان بن عيينة قال : سالته عن قول الله عزوجل : «الا من اتى الله بقلب سليم» قال : السليم الذي يلقى ربه وليس فيه احد سواه» (4) .
وعلى هذا الاسان فكلما ازداد الانسان معرفة ازداد ايمانا ، وكلما ازداد ايمانا ازدادت نفسه انجذابا ، فياخذ الحب في الاشتداد «ولا يزال يشتد هذا الحب ثم يشتد حتى ينقطع اليه من كل شيء ، ولا يحب الا ربه ، ولا يخضع
|
(1) الاسراء : 44 .
(2) الميزان ، مصدر سابق ، ج11 ص 159 .
(3) الشعراء : 89 .
(4) الميزان ، مصدر سابق ، ج 15 ص 292 .
|
قلبه الا لوجهه ، فان هذا العبد لا يعثر بشيء ، ولا يقف على شيء وعنده شيء من الجمال والحسن الا وجد ان ما عنده انموذج يحكي ما عنده (تعالى) من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يحد ، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء ، وكل ما كان لغيره فهو له ، لان كل ما سواه اية له ، ليس له الا ذلك ، والاية لا نفسية لها ، وانما هي حكاية تحكي صاحبها ، وهذا العبد قد استولى سلطان الحب على قلبه ولا يزال يستولى . ولا ينظر الى شيء الا لانه اية من ايات ربه ، وبالجملة فينقطع حبه عن كل شيء الا ربه ، فلا يحب شيئا الا الله سبحانه وفي الله سبحانه .
حينئذ يتبدل ادراكه وعلمه ، فلا يرى شيئا الا ويرى الله سبحانه قبله ومعه ، وتسقط الاشياء عنده من حيز الاستقلال ، فما عنده من صور العلم والادراك غير ما عند الناس ، لانهم انما ينظرون الى كل شيء من وراء حجاب الاستقلال بخلافه ، هذا من جهة العلم .
كذلك الامر من جهة العمل ، فانه اذا كان لا يحب الا الله ، فلا يريد شيئا الا الله وابتغاء وجهه الكريم ، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف ولا يختار ولا يترك ولا يياس ولا يستوحش ولا يرضى ولا يسخط الا لله وفي الله ، فيختلف اغراضه مع ما للناس من الاغراض ، وتتبدل غاية افعاله ، فانه قد كان الى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال لانه فضيلة انسانية ، ويحذر الفعل او الخلق لانه رذيلة انسانية .
اما الان فانما يريد وجه ربه ولا هم له في فضيلة ولا رذيلة ، ولا شغل له
بثناء جميل وذكر محمود ، ولا التفات له الى دنيا او اخرة ، او جنة او نار ، وانما همه ربه ، وزاده ذل عبوديته ، ودليله حبه» (1) .
الا ان هذا كله انما هو طريق لوصول العبد السالك الى مقام يكون محبوبا لله تعالى ، ولكن ما هو الطريق لان يكون المحب محبوبا له تعالى ، كي يكون مصداقا لقوله : «فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه اذلة على المؤمنين اعزه على الكافرين» (2) ؛ وذلك لان المحب انما ينجذب الى محبوبه ليجده ويتم بالمحبوب ما للمحب من النقص ، ولا بشرى للمحب اعظم من ان يبشر ان محبوبه يحبه ، وعند ذلك يتلاقى حبان ويتعاكس دلالان .
فمثلا الانسان انما يحب الغذاء وينجذب اليه ، ليجده ويتم به ما يجده في نفسه من النقص الذي ياتيه من الجوع ، وكذا يريد لقاء الصديق ليجده ويملك لنفسه الانس ولو تاملت موارد التعلق والحب او قرات قصص العشاق والمتولهين على اختلافهم لم تشك في صدق ما ذكرناه .
وهذا ما اجابت عنه الاية المباركة : «قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم» (3) ، حيث بينت ان الطريق الى ان يصل
|
(1) الميزان ، مصدر سابق ، ج1 ص 374 .
(2) المائدة : 54 .
(3) ال عمران : 31 .
|
المحب الى بغيته ، هو اتباع النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) وذلك لان الحب الحقيقي لشيء يستلزم حب جميع ما يتعلق به «ويوجب الخضوع والتسليم لكل ما هو في جانبه . والله سبحانه هو الواحد الاحد يعتمد عليه كل شيء في جميع شؤون وجوده ، ويبتغي اليه الوسيلة ، ويصير اليه كل ما دق وجل .
فمن الواجب ان يكون حبه له بالتدين له بدين التوحيد وطريق الاسلام على قدر ما يطيقه ادراك الانسان وشعوره «ان الدين عند الله الاسلام» (1) . وهذا هو الدين الذي يندب اليه سفراءه ، ويدعو اليه انبياءه ورسله ، وخاصة دين الاسلام الذي فيه من الاخلاص ما لا اخلاص فوقه ، وهو الدين الفطري الذي يختم به الشرائع وطرق النبوة ، كما يختم بصادعه الانبياء (عليهم السلام) . وهذا الذي ذكرناه مما لا يرتاب فيه المتدبر في كلامه تعالى .
وقد عرف النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) سبيله الذي سلكه ، انه هو سبيل التوحيد وطريقة الاخلاص ، على ما امره الله سبحانه حيث قال : «قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسبحان الله وما انا من المشركين» (2) ، فذكر ان سبيله الدعوة الى الله على بصيرة ، والاخلاص لله من غير شرك ؛ اذن فالدعوة والاخلاص هو صفته (صلى الله عليه وآله)
|
(1) ال عمران : 19 .
(2) يوسف : 108 .
|
بالاصالة ، وهي موجودة فيمن اقتدى به بالتبع .
ثم ذكر الله سبحانه ان الشريعة التي شرعها للخاتم (صلى الله عليه وآله) هي الممثلة لهذا السبيل ، سبيل الدعوة الى التوحيد والاخلاص من غير شرك ، فقال : «ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها» (1) . وذكر ايضا ان ذلك السبيل انما هو اسلام وتسليم محض لله حيث قال : «فان حاجوك فقل اسلمت وجهي لله ومن اتبعني» (2) . ثم نسب هذا السبيل الى نفسه وبين انه هو الصراط المستقيم فقال : «وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه» (3) .
فتبين بذلك كله ان الاسلام ـ وهو الشريعة المشرعة للنبي (صلى الله عليه وآله) الذي هو مجموع المعارف الاصلية والخلقية والعملية وسيرته في الحياة ـ هو سبيل الاخلاص عند الله سبحانه الذي يعتمد ويبتني على الحب ، فهو دين الاخلاص وهو دين الحب .
والحاصل ان المراد من قوله تعالى : «قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» ـ والله اعلم ـ ان كنتم تريدون ان تخلصوا لله في عبوديتكم بالتاسيس على الحب حقيقة ، فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب الذي يوصل الانسان الى الاخلاص والاسلام ، وهو الصراط المستقيم الذي يسلك بسالكه اليه تعالى ، فان اتبعتموني في سبيلي وشانه هذا الشان ، احبكم الله وهو اعظم البشارة للمحب ، وعند ذلك تجدون ما
|
(1) الجاثية : 18 .
(2) ال عمران : 20 .
(3) الانعام: 153 .
|
تريدون ، وهذا هو الذي يبتغيه محب بحبه» (1) .
مما تقدم يتضح ان تقوى الله سبحانه ، تارة تكون من خلال الخوف من العذاب ، فتبعث الانسان الى التروك ، وهو الزهد في الدنيا للنجاة في الاخرة ، فالزاهد من شانه ان يتجنب المحرمات او ما في معنى الحرام وهو ترك الواجبات ، واخرى تكون من خلال الطمع في الثواب ، فتبعثه الى الافعال وهي العبادة في الدنيا بالعمل الصالح لنيل نعم الاخرة والجنة ، فالعابد من شانه ان يلتزم الواجبات او ما في معنى الواجب وهو ترك الحرام .
والطريقان معا انما يدعوان الى الاخلاص للدين لا لرب الدين ، وثالثة ، تكون من خلال محبة الله سبحانه فانها تطهر القلب من التعلق بغيره تعالى ، من معبود او مطلوب كصنم او ند او غاية دنيوية ، بل ولا مطلوب اخروي كفوز بالجنة او خلاص من النار ، وهذه المحبة تقصر القلب في التعلق به تعالى ، وبما ينسب اليه من دين او نبي او ولي وسائر ما يرجع اليه تعالى بوجه ، فان من احب شيئا احب اثاره ايضا .
وهؤلاء هم العلماء بالله «الذين لا يعبدونه خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه وانما يعبدونه لانه اهل للعبادة ، وذلك لانهم عرفوه بما يليق به من الاسماء الحسنى والصفات العليا ، فعلموا انه ربهم الذي يملكهم وارادتهم ورضاهم وكل شيء غيرهم ، ويدبر الامر وحده ، وليسوا هم الا عباد الله
|
| (1) الميزان في تفسير القران ، ج3 ص 158 ، بتصرف .
|
فحسب ، وليس للعبد الا ان يعبد ربه ، ويقدم مرضاته وارادته على مرضاته وارادته ، فهم يعبدون الله ولا يريدون في شيء من اعمالهم فعلا او تركا الا وجهه الكريم ، ولا يلتفتون فيها الى مقام يخوفهم ، ولا الى ثواب يرجيهم ، وان خافوا عذابه ورجوا رحمته .
وقد ذكر القران الكريم هذه الطرق لتحصيل التقوى ، قال تعالى : «وفي الاخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور» (1) .
«دلت الاية ان حقيقة الدنيا انها متاع الغرور ، كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ، فعليه ان لا يجعلها غاية لاعماله في الحياة ، وان يعلم ان له وراءها دارا وهي الدار الاخرة فيها ينال غاية اعماله ، وهي عذاب شديد للسيئات يجب ان يخافه و يخاف الله فيه ، ومغفرة من الله قبال اعماله الصالحة يجب ان يرجوها ويرجو الله فيها ، ورضوان من الله يجب ان يقدمه على رضا نفسه» (2) .
كذلك بين القران ان بعض المتقين انما يزهدون في الدنيا لاجل الوصول الى ماعند الله من الثواب في الدار الاخرة ، قال تعالى : «وما اوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وابقى افلا
|
(1) الحديد : 20 .
(2) الميزان ، مصدر سابق ، ج11 ص 158 .
|
تعقلون» (1) ، لكن عندما ياتي الى طبقة اخرى يقول في حقهم ، انهم يريدون ويطلبون الله تعالى ، لا ما عند الله ، قال تعالى : «والله خير وابقى» (2) .
والروايات الواردة في هذا المجال ، متعددة :
عن الامام الصادق (عليه السلام) قال : «العباد ثلاثة : قوم عبدوا الله عزوجل خوفا فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله حبا فتلك عبادة الاحرار وهي افضل العبادة» (3) .
عن الامام الصادق (عليه السلام) قال : «ان الناس يعبدون الله عزوجل على ثلاثة اوجه : فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه ، فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع ، واخرون يعبدونه فرقا من النار ، فتلك عبادة العبيد وهي رهبة ، ولكني اعبده حبا له عزوجل ، فتلك عبادة الكرام وهو الامن ، لقوله عزوجل : (وهم من فزع يومئذ امنون) (4) ، ولقوله عزوجل : «قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم» (5) . فمن احب الله عزوجل ، احبه الله ، ومن احبه الله كان من الامنين» (6) .
|
(1) القصص : 60 .
(2) طه: 73 .
(3) الاصول من الكافي ، ج 2 ص 84 ، كتاب الايمان والكفر ، باب العبادة .
(4) النمل : 89 .
(5) ال عمران : 31 .
(6) تسنيم تفسير القران الكريم : المفسر الحكيم اية الله جوادي املي ، ج1 ص 451 . (بالفارسية)
|
وفي بعض الروايات اضيف اليها «وهذا مقام مكنون لا يمسه الا المطهرون» (1).
عن الامام السجاد (عليه السلام) قال : «اني اكره ان اعبد الله ولا غرض لي الا ثوابه ، فاكون كالعبد الطمع المطمع ؛ ان طمع عمل ، والا لم يعمل ، واكره ان لا اعبده الا لخوف عقابه ، فاكون كالعبد السوء ان لم يخف لم يعمل ، قيل : فلم تعبده ؟ قال : لما هو اهله باياديه علي وانعامه» (2) .
الا ان هناك رواية عبرت بـ «شكرا» بدل «حبا». عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال : «ان قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وان قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار» (3) .
والسبب في توصيفهم (عليهم السلام) عبادة الاحرار تارة بالحب واخرى بالشكر «لكون مرجعهما واحدا ، فان الشكر وضع الشيء المنعم به في محله ، والعبادة شكرها ان تكون لله الذي يستحقها لذاته ، فيعبد الله لانه الله ، اي لانه مستجمع لجميع صفات الجمال والجلال بذاته ، فهو الجميل بذاته ، المحبوب لذاته ، فليس الحب الا الميل الى الجمال والانجذاب نحوه ، فقولنا فيه تعالى هو معبود لانه هو ، ومعبود لانه جميل محبوب ،
|
(1) الميزان في تفسير القران ، ج 1 ص 38 .
(2) تسنيم ، مصدر سابق ، ج1 ص 451 .
(3) نهج البلاغة ، الحكمة رقم : 237 .
|
ومعبود لانه منعم مشكور بالعبادة ، يرجع جميعا الى معنى واحد» (1) .
ببيان اخر : «الشاكرون هم الذين استقرت فيهم صفة الشكر على الاطلاق ، فلا يمسون نعمة الا بشكر ، اي بان يستعملوها ويتصرفوا فيها قولا او فعلا على نحو يظهرون به انها من عند ربهم المنعم عليهم ، فلا يقبلون على شيء ، اعم من انفسهم وغيرهم ، الا وهم على ذكر من ربهم ، قبل ان يمسوه ومعه وبعده ، وانه مملوك له تعالى طلقا ، ليس له من الامر شيء ، فذكرهم ربهم على هذه الوتيرة ينسيهم ذكر غيره الا بالله ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، فلو اعطي اللفظ حق معناه ، لكان الشاكرون هم المخلصين» (2) .
ولا شك ان الاخلاص لا يتحقق الا اذا لم يتعلق قلب الانسان بغيره تعالى ، ولا طريق لذلك الا من خلال المحبة الالهية التي تطهر القلب عن كل ما سواه . قال الامام الصادق (عليه السلام) في ظل هذه الاية المباركة «وسقاهم ربهم شرابا طهورا» (3) : «يطهرهم عن كل شيء سوى الله (4) .
قال الطباطبائي : «وهؤلاء هم المقربون الفائزون بقربة تعالى ، اذ لا يحول بينهم وبين ربهم مما يقع عليه الحس او يتعلق به الوهم او تهواه
|
(1) الميزان في تفسير القران ، ج1 ص 38 .
(2) الميزان ، مصدر سابق ، ج8 ص 33 .
(3) الانسان : 21 .
(4) تفسير الصافي ، الفيض الكاشاني ، ج5 ص 265 ، منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، بيروت ـ لبنان .
|
النفس او يلبسه الشيطان ، فان كل ما يتراءى لهم ليس الا اية كاشفة عن الحق المتعال ، لا حجابا ساترا ، فيفيض عليهم ربهم علم اليقين ، ويكشف له عما عنده من الحقائق المستورة عن هذه الاعين المادية العمية ، بعدما يرفع الستر فيما بينه وبينهم ، كما يشير اليه قوله تعالى : «كلا ان كتاب الابرار لفي عليين * وما ادراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون» (1) . وقوله تعالى : «كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم» (2).
وبالجملة هؤلاء في الحقيقة هم المتوكلون على الله ، المفوضون اليه ، الراضون بقضائه ، المسلمون لامرة ، اذ لا يرون الا خيرا ، ولا يشاهدون الا جميلا ، فيستقر في نفوسهم من الملكات الشريفة والاخلاق الكريمة ما يلائم هذا التوحيد ، فهم مخلصون لله في اخلاقهم ، كما كانوا مخلصين له في اعمالهم ، وهذا معنى اخلاص العبد دينه لله . قال تعالى : «الا لله الدين الخالص» (3) . وقال ايضا : «وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين» (4) ، وقال : «هو الحي لا اله الا هو فادعوه مخلصين له الدين» (5) .
|
(1) المطففين : 21 .
(2) التكاثر : 6.
(3) الزمر : 3.
(4) البينة : 5 .
(5) المؤمن : 65 .
|
وهؤلاء هم الانبياء والائمة (عليهم السلام) وقد نص القران بان الله اجتباهم اي جمعهم لنفسه واخلصهم لحضرته ، قال تعالى : «واجتبيناهم وهديناهم الى صراط مستقيم» (1) ، وقال «هو اجتباهم وما جعل عليكم في الدين من حرج» (2) .
وقد تقدم انفا ان من خاصة هؤلاء القوم انهم يعلمون من ربهم ما لا يعلمه غيرهم ، والله سبحانه يصدق ذلك بقوله : «سبحان الله عما يصفون * الا عباد الله المخلصين» (3) وان المحبة الالهية تبعثهم على ان لا يريدوا الا مايريده الله ، وينصرفوا . وهذا ما اشار اليه الامام الصادق (عليه السلام) في ظل الرواية الثانية المتقدمة حيث قال : «وهذا مقام مكنون لا يمسه الا المطرون» وقد بين القران من هم المطهرون بقوله : «انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهر كم تطهيرا» (4) . وقد اوضحنا مفصلا في كتاب «العصمة» ان هذه الاية مختصة بالنبي الاكرم وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم .
يقول الالوسي في ظلال هذه الاية : «واخبار ادخاله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وابنيهما (رض) تحت الكساء ، وقوله عليه الصلاة و السلام : (اللهم هؤلاء اهل بيتي) ودعائه لهم وعدم ادخال ام
|
(1) الانعام : 87 .
(2) الحج : 78 .
(3) الصافات : 160 .
(4) الاحزاب : 33 .
|
|
|