موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 169

الزوائد(1) وقال رواه الطبراني وأحمد ببعضه ورجالهما رجال الصحيح، ورواه ابن كثير في البداية والنهاية(2) نقلاً عن أحمد وقال: واسناده صحيح، والذهبي في تاريخ الإسلام(3).
وإليكم نص المحاورة برواية أبي زميل سماك الحنفي عن ابن عباس - وأبو زميل هذا كان قد هوى نجدة بن عويمر الخارجي فهو خارجي الهوى غير متهم في حديثه عن ابن عباس عند أصحابه فيما جرى بينهم -:
ج- نص المحاورة:


قال ابن عباس: «لمّا اعتزلت الخوارج الحرورية دخلوا داراً واعتزلوا في دار على حدتهم وكانوا ستة آلاف(4) وأجمعوا أن يخرجوا على عليّ بن أبي طالب وأصحاب النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم معه.
قال: وكان لا يزال يجيء إنسان فيقول: يا أمير المؤمنين إنّ القوم خارجون عليك. فيقول: دعوهم فإنّي لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفعلون. فلمّا كان ذات يوم أتيته قبل صلاة الظهر فقلت له: يا أمير المؤمنين أبردَ بالصلاة ـ بالظهر أي أخّرها حتى يبرد الوقت ـ لعليّ آتي هؤلاء القوم فأكلّمهم، قال: إنّي أخافهم عليك. قال: قلت: كلاّ.
قال: فخرجت آتيهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية وترجّلت، فأتيتهم ودخلت عليهم وهم

(1) مجمع الزوائد 6/241.
(2) البداية والنهاية 7/280 ـ 281.
(3) تاريخ الإسلام 2/183 ط القدسي بمصر سنة 1368هـ.
(4) أنظر سنن النسائي 5/105، والخصائص له أيضاً وسنن البيهقي والمعرفة والتاريخ وغيرها ذكر هذا العدد، وتاريخ الإسلام للذهبي 2/183 وهم ستة آلاف أو نحوها.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 170

مجتمعون في دار، وهم قائلون في نحر الظهيرة نصف النهار فسلّمت عليهم، فقالوا: مرحباً بك يا أبا عباس فما هذه الحلة؟ قال قلت: ما تعيبون عليّ، لقد رأيت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت « قل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ »(1).
قالوا: فما جاء بك؟
قلت: أتيتكم من عند أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصهره، لأبلّغكم ما يقولون، وتُخبرون بما يقولون، فعليهم نزل القرآن وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أنزل، وليس فيكم منهم أحد.
فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً فإنّ الله يقول « بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ »(2).
قال ابن عباس: وأتيت قوماً لم أر قوماً قط أشدَّ اجتهاداً منهم، مسهمة وجوههم من السهر كأنّ أيديهم ورُكبهم كأنّها ثفن الإبل ووجوههم معلَّمة من آثار السجود وعليهم قمص مرحضة مشمرين.
فقال اثنان أو ثلاثة: لو كلّمتهم، فانتحى لي نفر منهم قال بعضهم: لنكلمنّه ولننظرن ما يقول.
قلت: أخبروني هاتوا ما نقمتم على ابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصهره والمهاجرين والأنصار؟
قالوا: ثلاثاً، قلت: ما هنّ؟ قالوا: أمّا إحداهنّ فإنّه حكّم الرجال في أمر الله، قال الله (عزّ وجلّ): « إِنْ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ »(3) ما شان الرجال والحكم. فقلت: هذه واحدة.

(1) الأعراف /32.
(2) الزخرف /58.
(3) الأنعام /57.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 171

قالوا: وأمّا الثانية فإنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم، فلئن كان الذين قاتل كفاراً لقد حلّ سبيهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلّ سبيهم ولا قتالهم.
قلت: هذه ثنتان فما الثالثة؟
قالوا: إنّه محا اسمه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا.
فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يرد به قولكم أترضون؟ أترجعون؟.
قالوا: نعم، فقلت لهم: أمّا قولكم حكّم الرجال في أمر الله فإني اقرأ عليكم ما قد ردّ حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوه من الصيد، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه، أرأيتم قول الله تبارك وتعالى « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ »(1) وكان من حكم الله أنّه صيّره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء يحكم فيه، فجاز من حكم الرجال، فنشدتكم بالله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم؟ قالوا: بل هذا أفضل.
وقال الله (عزّ وجلّ) في المرأة وزوجها: « وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا »(2) فنشدتكم بالله حكم

(1) المائدة /95.
(2) النساء /34.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 172

الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بُضع امرأة؟ فجعل حكم الرجال سنة ماضية، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قلت: وأمّا قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم، افتسبون أمكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم، فإن قلتم إنّا نستحل منها ما نستحلّ من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم فإنّ الله تعالى يقول: « النبيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ »(1) فأنتم تدورون بين ضلالتين أيّهما صرتم اليها صرتم إلى ضلالة فاتوا منها بمخرج فاختاروا أيتهما شئتم ـ فنظر بعضهم إلى بعض ـ قلت: أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قال: قلت: وأمّا قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون أراكم قد سمعتم أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم يوم الحديبية كاتب المشركين سهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب فقال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لأمير المؤمنين اكتب يا عليّ: هذا ما أصطلح عليه محمّد رسول الله، فقال المشركون: لا والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنّك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي رسولك، أكتب يا عليّ: هذا ما أصطلح عليه محمّد بن عبد الله. فوالله لرسول الله خير من عليّ، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوّة أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قال عبد الله بن عباس: فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم فقتلوا على ضلالهم، قتلهم المهاجرون والأنصار».

(1) الأحزاب /6.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 173

أقول: لقد ذكر عبد الرزاق في المصنفهذه المحاورة(1)، ولم يذكر في أولها أنّهم كانوا ستة آلاف. وذكر في آخرها فرجع منهم عشرون ألفاً وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا، وأحسبه قد وهم في ذكر رجوع عشرين ألفاً، والصواب ما مر من رجوع الفين وبقي منهم أربعة آلاف على ضلالتهم، فصاروا جميعاً ستة آلاف، وهو ما مرّ ذكره عن سنن النسائي والخصائص له وسنن البيهقي والمعرفة والتاريخ للبسوي وغيرهم.
ولمّا كانت المحاورات متعددة ومتشابهة في النقض والإبرام كما أنّها كانت متعاقبة من الحبر ابن عباس والإمام (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهي مظنة للإيهام ومزلّة الأقلام على تعاقب الأيام.
ومن شاء الاستزادة في المقام فليراجع المصادر التالية مضافاً إلى ما مر ذكره:
1- مصباح الأنوار للشيخ الجليل هاشم بن محمّد، مخطوط.
ومن المطبوعات:
2- بحار الأنوار 8 /611 - 619 ط كمپاني.
3- درر البحار 3 /285 ط حجرية.
4- شرح نهج البلاغة للمعتزلي 1 /216 ط مصر الأولى.
5- مناقب الخوارزمي 175 - 176 ط حجرية.
6- كنز العمال 6 /79 ط حيدر آباد الأولى.
7- أحكام القرآن للجصاص 3 /494.

(1) المصنف 10/157 ـ 160 منشورات المجلس العلمي.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 174

8- كفاية الطالب للشنقيطي /81 ط الإستقامة بمصر.
9- رغبة الآمل 5 /170.
10- ترجمة الأعثم لابن اعثم /319 ط حجرية.
11- ناسخ التواريخ 3 /كتاب 3 /575 ط حجرية.
12- الفرق الإسلامية للبشبيشي ط الرحمانية بمصر.
13- مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي /152 ط حجرية.


وحان الأجل الموعود:

قال الطبري: «وقدم معن بن يزيد بن الأخنس السلّمي في استبطاء إمضاء الحكومة وقال لعليّ: إنّ معاوية قد وفى، ففِ أنت، لا يَلفتنّك عن رأيك أعاريب بكر وتميم ـ يعني الخوارج ـ.
فأمر عليّ بإمضاء الحكومة، وقد كانوا افترقوا من صفين على أن يقدم الحَكَمان في أربعمائة أربعمائة إلى دومة الجندل»(1).
وذكر أيضاً عن أبي مخنف بسنده عن زياد بن النضر الحارثي: «أنّ عليّاً بعث أربعمائة رجل، عليهم شريح بن هاني الحارثي، وبعث معهم عبد الله بن عباس وهو يصلي بهم ويلي أمورهم، وأبو موسى الأشعري معهم، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام، حتى توافوا بدُومة الجندل بأذرح»(2).
قال المسعودي في حديثه عن التقاء الحكمين بدومة الجندل: «فلمّا تدانى القوم من الموضع الّذي كان فيه الاجتماع. قال ابن عباس لأبي موسى: إنّ عليّاً لم

(1) تاريخ الطبري 5/66 ط المعارف.
(2) نفس المصدر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 175

يرض بك حَكَماً لفضل عندك، والمتقدمون عليك كثير، وإنّ الناس أبوا غيرك، وإنّي لأظن ذلك لشرّ يُراد بهم، وقد ضمّ داهية العرب معك، إن نسيت فلا تنس أنّ عليّاً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وليس فيه خصلة تباعده من الخلافة، وليس في معاوية خصلة تقرّبه من الخلافة.
قال: ووصّى معاوية عمراً حين فارقه وهو يريد الاجتماع بأبي موسى فقال: يا أبا عبد الله إن أهل العراق قد أكرهوا عليّاً على أبي موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك، وقد ضمّ إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي فأخّر الحزّ وطبّق المفصل ولا تلقه برأيك كلّه»(1).
قال الطبري في حديثه: «فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول وذهب لا يُدرى بما جاء فيه، ولا بما رجع به، ولا يسأله أهل الشام عن شيء.
وإذا جاء رسول عليّ جاؤا إلى ابن عباس فسألوه ما كتب به اليك أمير المؤمنين؟ فإن كتمهم ظنوا به الظنون فقالوا: ما نراه كتب إلاّ بكذا وكذا.
فقال ابن عباس: أما تعقلون!؟ أما ترون رسول معاوية يجيء لا يُعلم بما جاء به، ويرجع لا يُعلم ما رجع به، ولا يُسمع لهم صياح ولا لفظ -كذا والصواب لغط - أنتم عندي كلّ يوم تظنّون الظنون!»(2).
وفي حديث نصر بن مزاحم (ذكر كلام ابن عباس) فقال: «فأنّب ابن عباس أهل الكوفة بذاك وقال: إذا جاء رسول قلتم بأي شيء جاء، فإن كتمتكم قلتم فلم تكتمنا؟ جاء بكذا وكذا، فلا تزالون توقَفَون وتقاربون حتى تصيبوا فليس لكم سرّ.

(1) مروج الذهب 2/406.
(2) تاريخ الطبري 5/67.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 176

قال نصر في حديثه: ثمّ انّهم خلّوا بين الحكمين، فكان رأي عبد الله بن قيس أبو موسى في ابن عمر وكان يقول: والله أن لو استطعت لأحييّن سنة عمر»(1).
قال المسعودي وهو يذكر حديث استدراج عمرو لأبي موسى ـ إلى أن قالـ: «قال أبو موسى: قد علمت أنّ أهل العراق لا يحبّون معاوية أبداً، وأنّ أهل الشام لا يحبّون عليّاً أبداً، فهلمّ نخلعهما جميعاً ونستخلف عبد الله بن عمر ـ وكان عبد الله بن عمر على بنت أبي موسى ـ قال عمرو: أيفعل ذلك عبد الله بن عمر؟ قال أبو موسى: نعم إذا حمله الناس على ذلك فَعل، فعمد عمرو إلى كلّ ما مال إليه أبو موسى فصوّبه، وقال له: هل لك في سعد؟ قال له أبو موسى: لا فعدّد له عمرو جماعة وأبو موسى يأبى ذلك إلاّ ابن عمر، فأخذ عمرو الصحيفة وطواها وجعلها تحت قدمه بعد أن ختماها جميعاً»(2).
ولنقرأ عن موقف ابن عباس في تلك الساعة الحرجة كيف كان حاله فيها؟ ولا أظن وصفاً بالغاً صاحبُه فيه ما أراد أبلغ من وصف عمرو بن العاص له، فقد روى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه(3)، وعنه المعتزلي في شرح النهج(4): «أنّ عمرو بن العاص قال لعتبة بن أبي سفيان يوم الحكمين: أما ترى ابن عباس قد فتح عينيه ونشر أذنيه، ولو قدر أن يتكلم بهما فعل، وإنّ غفلة أصحابه لمجبورة بفطنته، وهي ساعتنا الطولى فاكفنيه.

(1) وقعة صفين /614.
(2) مروج الذهب للمسعودي 2/408.
(3) الأمالي 2/477 تح ـ هارون ط دار المعارف لمصر.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 2/107.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 177

قال عتبة: بجهدي، قال فقمت فقعدت إلى جانبه، فلمّا أخذ القوم في الكلام أقبلت عليه بالحديث، فقرع يدي وقال: ليست ساعة حديث، قال: فأظهرت غضباً وقلت: يابن عباس إنّ ثقتك بأحلامنا أسرعت بك إلى أعراضنا، وقد والله تقدم من قَبلِنا العذر، وكثر منا الصبر، ثمّ أقذعته، فجاش لي مرجله، وارتفعت أصواتنا فجاء القوم، فأخذوا بأيدينا فنحوه عني ونحونّي عنه، فجئت فقربت من عمرو بن العاص فرماني بمؤخر عينيه إني ما صنعت؟ فقلت: كفيتك التقوالة، فحمحم كما يحمحم الفرس للشعير.
قال: وفات ابن عباس أولُ الكلام فكره أن يتكلم في آخره».
وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج: «قال: وذكر محمّد بن القاسم ابن يسار الأنباري في أمإليه: قال: قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: حضرت الحكومة، فلمّا كان يوم الفصل، جاء عبد الله بن عباس فقعد إلى جنب أبي موسى، وقد نشر أذنيه حتى كاد أن ينطق بهما فعلمت أنّ الأمر لا يتم لنا ما دام هناك، وانّه سيفسد على عمرو حيلته، فأعملت المكيدة في أمره فجئت حتى قعدت عنده، وقد شرع عمرو وأبو موسى في الكلام، فكلّمت ابن عباس كلمة استطعمت جوابها فلم يجب، فكلمته أخرى فلم يجب، فكلمته ثالثة فقال: إنّي لفي شغل عن حوارك الآن، فجبهته وقلت: يا بني هاشم لا تتركون بأوكم وكبركم أبداً، أما والله لولا مكان النبوة لكان لي ولك شأن قال: فحمي وغضب واضطرب فكره ورأيه، وأسمعني كلاماً يسوء سماعه، فأعرضت عنه وقمت فقعدت إلى جانب عمرو بن العاص،

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 178

فقلت قد كفيتك التقواله، أي شغلت باله بما دار بيني وبينه فأحكم أنت أمرك، قال: فذهل والله ابن عباس عن الكلام الدائر بين الرجلين حتى قام أبو موسى فخلع عليّاً»(1).
ولمّا كانت محادثات الجلسة يلفّها الطابع السري للمفاوضات، فربّما يستشكل على تسرّب ما دار بين عمرو بن العاص وعتبة إلى الخارج، بل وحتى ما رواه الانباري في أمإليه من خبر عبد الرحمن بن خالد، ولكن ذلك لا يلزم منه أن يكون الرواة قد خبروه في تلك الجلسة، بل رووه عما حدّثا به عتبة وعبد الرحمن بن خالد بعد حين، ومهما يكن فقد كان ذلك يحكي جوّ الحال الّذي هو يصدّق المقال.
وهكذا تمّ التآمر المعادي المعاوي على ابن عباس، وهكذا كانت الخشية كلّ الخشية من حضوره لفطنته، وهكذا كان هو أيضاً الحذر الفطِن إلى تلكم المكايد والمصايد، ومع ذلك كله فلم يأل جهداً في اتخإذ الحيطة لأبي موسى الشانيء المناوئ الّذي فرضه اليمانية أن يكون حكم أهل العراق، فقد بادره ناصحاً، ومحذراً غدرة عمرو بن العاص حين تقدم أبو موسى ليتكلم بما اتفق عليه.
ولنقرأ الخبر في ذلك برواية نصر بن مزاحم من بدايته:
قال نصر: «عمر بن سعد قال حدّثني أبو جناب الكلبي، إنّ عمراً وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل، أخذ عمرو يقدّم عبد الله بن قيس في الكلام ويقول: إنّك قد صحبت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبلي، وأنت أكبر مني، فتكلّم ثمّ أتكلّم،

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 1/200 ط الأولى بمصر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 179

وكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدمه في كلّ شيء، وإنّما اغترّه بذلك ليقدّمه فيبدأ بخلع عليّ.
قال: فنظرا في أمرهما وما اجتمعا عليه. فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراده أبو موسى على عبد الله بن عمر فأبى عليه عمرو. قال: فأخبرني ما رأيك يا أبا موسى؟ قال: رأيي أن أخلع هذين الرجلين عليّاً ومعاوية ثمّ نجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من شاؤا ومن أحبّوا.
فقال له عمرو: الرأي ما رأيت... قال: فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه فقال: إنّ رأيي ورأي عمرو قد أتفق على أمر نرجو أن يُصلح الله به أمر هذه الأمة.
قال عمرو: صدق، ثمّ قال: يا أبا موسى فتكلم، فتقدم أبو موسى ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال: ويحك إنّي لأظنه قد خدعك، إن كنتما قد أتفقتما على أمر فقدّمه قبلك، فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثمّ تكلم أنت بعده، فإنّ عمراً رجل غدّار، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت به في الناس خالفك ـ وكان أبو موسى رجلاً مغفّلاً ـ فقال: إيهاً عنك إنّا قد اتفقنا.
فتقدم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال أيها الناس، إنّا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر شيئاً هو أصلح لأمرها، وألمّ لشعثها من ألاّ تتباين أمورها، وقد اجمع رأيي ورأي صاحبي عمرو على خلع عليّ ومعاوية، وأن نستقبل هذا الأمر فيكون شورى بين المسلمين، فيولّون أمورهم من أحبّوا،

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 180

وإني قد خلعت عليّاً ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولّوا من رأيتم لها أهلاً. ثمّ تنحى فقعد.
وقام عمرو بن العاص مقامه، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: ان هذا قال ما قد سمعتم وخلع صاحبَه، وأنا أخلع صاحبَه كما خلعَه، وأثبت صاحبي معاوية في الخلافة، فإنّه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه. فقال أبو موسى: ما لَك لا وفقك الله قد غدرت وفجرت، وإنّما مثلك مثل الكلب « إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ... » إلى آخر الآية(1).
قال فقال له عمرو: إنّما مثلك مثل « الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا »(2) إلى آخر الآية وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط وحمل على شريح ابنٌ لعمرو بن العاص فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم، فكان شريح يقول بعد ذلك: ما ندمت على شيء ندامتي أن لا ضربته بالسيف بدل السوط، والتمس اصحاب عليّ أبا موسى فركب ناقته فلحق بمكة»(3).
وفي رواية المسعودي: «فقال له عمرو: بل إياك يلعن الله كذبت وغدرت إنّما مثلك مثل الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، ثمّ ركز ـ ركل ـ أبا موسى فألقاه لجنبه، فلمّا رأى ذلك شريح بن هانئ قنّع عمراً بالسوط، وانخزل أبو موسى فاستوى على راحلته ولحق بمكة وهو يقول: لقد حذّرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكن اطمأننت إليه، وظننت أنّه لن يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة»(4).

(1) الأعراف /176.
(2) الجمعة /5.
(3) وقعة صفين /625.
(4) مروج الذهب 2/410 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 181

فكان ابن عباس ـ كما في رواية نصر ـ يقول: «قبّح الله أبا موسى، حذّرته وأمرته بالرأي فما عقل»(1).
وفي رواية غيره: «قبح الله أبا موسى لقد نبّهته فما انتبه، وحذّرته ما صار إليه فما انحاش، وهديته إلى الرأي فما عقل. وكثر اللوم والتقريع من الناس لأبي موسى، كما كان الندم من نصيبه حين ولات مندم»(2).
وممّن روي عنه الشعر في ذلك الموقف المخزي المحزن ما رواه المسعودي من نسبته إلى ابن عباس، ونسبه غيره إلى غيره وذلك قوله:
أبا موسى بليت وأنت شيخ قريب القعر مخزون اللسان
رمى عمرو صفاتك يا بن قيس بأمر لا ينوء به اليدان
وقد كنا نجمجم عن ظنون فصرّحت الظنون عن العيان
فأمسيتَ العشية ذا اعتذار ضعيف الركن منكوب الجنان
تعض الكف من ندم وماذا يردّ عليك عضُك بالبنان(3)

وذكر المسعودي أيضاً انّ أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي قال في فعل الحكمين:
لو كان للقوم رأي يُعصمون به عند الخطوب رموكم بابن عباس
لكن رموكم بوغد من ذوي يمنٍ لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس(4)

(1) وقعة صفين /628 ط مصر سنة 1365 تحقيق عبد السلام محمّد هارون.
(2) الأخبار الطوال للدينوري /201.
(3) مروج الذهب 2/410 تح ـ محمّد محي الدين عبد الحميد.
(4) نفس المصدر.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 182

آراء حرّة من دون تعليق:

من الخَيرة المستساغة تعريف القارئ ببعض الآراء الحرّة الّتي شجبت نتائج التحكيم من خلال إدانة الحكمين، وأصحاب تلك الآراء ليسوا من شيع الإمام (عليه السلام) حتى تمسّهم التهم، لكنهم أصحاب مشاعر وجدانية تطغى على العاطفة فتصوّر لنا مدى تأثير تلك المهزلة أو المأساة ـ كما سماها العقاد ـ في نفوسهم.
1- قال الدكتور طه حسين: «ولم يكن أبو موسى مغفلاً كما قال المؤرخون، ولو كان مغفلاً لما اختاره عمر لولاية الأمصار، ولما اختاره أهل الكوفة لولاية مصرهم حين ظهرت الفتنة واشتدت أيام عثمان، ولكنه كان رجلاً تقياً ورعاً سمح النفس رضي الخلق، يظن أنّ المسلمين ولا سيّما الذين صحبوا النبيّ منهم خاصة أرفع مكانة في أنفسهم وفي دينهم من أن ينزلوا إلى الغدر، فأخلف ظنه عمرو، ولا أكثر من ذلك ولا أقل، وهو من أجل ذلك فرّ بدينه إلى مكة فاعتزل فيها مجاوراً نادماً على أنّه لم يسمع لابن عباس»(1).
2- قال الشيخ عبد الله العلائلي: «ولقد أخطأ من ظن من المستشرقين وسواهم أنّ الّذي أظفر معاوية بهذه الحكومة هو عمرو بدهائه وغفلة أبي موسى، والحقيقة أنّ الّذي أظفر معاوية وأكسبه النجاح هو أبو موسى نفسه الّذي لم يكن ما أتاه غفلة وأفُوناً، بل سوء نية ومكر حيث اقترح إقالة عليّ وترشيح عبد الله بن عمر فقد يحتمل أن يكون غفلة لو كان يعمل لحساب عليّ كرّم الله وجهه، ولكن أمّا وهو يسعى لترشيح عبد الله بن عمر باستغلال الظرف فممّا لا يحتمل أبداً...»(2).

(1) عليّ وبنوه /111 ط دار المعارف سنة 1953 م.
(2) سمو المعنى في سمو الذات لعبد الله العلائلي /56 - 57 ط عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر سنة 1358 هـ.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 183

3- قال عبد المتعال الصعيدي المدرس بكلية اللغة العربية من كليات الجامع الأزهر: «ولا شك أنّ هذا التحكيم من الناحية القضائية لا قيمة له، لأنّ الحكمين لم يتفقا فيه على شيء يلزم المتخاصمَين ولكنه كان من الناحية السياسية فوزاً سياسياً لـ (معاوية) وشيعته، فقد أمكنه أن ينجو به من هزيمة محققة، وأن يوقع به خلافاً كبيراً في شيعة (عليّ) وان يحمل الحَكم الّذي اختاره (عليّ) على خلعه، وهذا انتصار سياسي له قيمته.
وإنّي أرى ـ بعد هذا ـ أنّ فشل الحكمين يرجع إلى عدم تعيين أمر التحكيم، لأنّ خلافة (عليّ) صارت ثابتة باختيار جمهور المسلمين له، وإنّما كان النزاع بينه وبين (معاوية) في دم (عثمان) وكان الواجب أن يقتصر أمر التحكيم على هذه المسألة، وألاّ يترك مبهماً من غير تعيين، ولو أنّه اقتصر على ذلك لأمكن اتفاق الحكمين فيه، لأنّه يرجع إلى أمر معلوم حكمه في الشرع، أمّا مسألة الخلافة فأمرها متشعب كلّ التشعب، وللسياسة إصبع ظاهرة فيها، وقلّما يتفق الناس في أمر تدخل السياسة فيه بإصبعها، على أنّ الخلافة يرجع أمرها إلى المسلمين كافة، فلا يصح أن يقضى فيها بمثل هذا التحكيم، وإنّما يجب أن يترك أمرها للمسلمين، ولكن في غير الحال الّتي اجتمع فيها الحكمان، لأنّه حال الخلافة قائمة باختيار المسلمين، فلا يملكون عزل الخليفة القائم إلاّ بسبب يوجب العزل.
كما أرى أيضاً أنّ (أبا موسى) يتحمل تبعة فشل هذا التحكيم اكثر من (عمرو) لأنّه ذهب فيه مذهباً لا يمكن تحقيقه، وإن كان له فيه عذر المجتهد الّذي يخطئ في اجتهاده، أمّا (عمرو) فقد رأى أنّه لا يمكنه مجاراة (أبي موسى)

موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 184

في مثل هذا الرأي، ولم يكن أمامه إلاّ أن يمضي في رأيه في (معاوية) لأنّهما لم يصلا إلى رأي يراه أحسن منه»(1).
4- قال عبد الكريم الخطيب في كتابه: «لم يكن ما انتهى إليه الحكمان ليحسم الفتنة الّتي كانت دعوة أصحاب المصاحف، تشير بكتاب الله ليقضي فيها بحكمه، ويقضي عليها بعدله... بل إن ما انتهى إليه الحكمان كان فتنة إلى فتنة، وبلاء إلى بلاء.
فالحكمان اللذان ارتضاهما المسلمون ليحكما بكتاب الله قد خانا عليّاً ومعاوية، فلم يضعا كلّ واحد منهما بموضعه! بل إنّهما خانا كتاب الله ولم يقضيا به، حين سوّيا بين أوّل الناس إسلاماً وآخر قريش دخولاً في الإسلام، ثمّ بين المهاجر والطليق، وبين من لم يضرب بسيفه إلاّ في سبيل الله، ومن ضرب بسيفه في وجوه المؤمنين بالله. ثمّ لم يرعيا ما لقرابة رسول الله والصهر إليه، من حقّ في ترجيح الأكفاء والنظراء، بل وأكثر من هذا... فإنّ الحكمين قد خانا أنفسهما، فلم يرع أحدهما عهد صاحبه وميثاقه الّذي واثقه به... فقال أحدهما قولاً، وقال الآخر قولاً، وكان الخلاف بين القولين في حاجة إلى من يحتكم إليه فيه!»(2).
5- وبالتالي لقد كان الحكمان والتحكيم كما قال الاستاذ عباس محمود العقاد في كتابه عبقرية الإمام: «كلب وحمار فيما حكما به على نفسيهما غاضبَين، وهما يقضيان على العالم بأسره ليرضى بما قضياه»(3).

(1) القضايا الكبرى في الإسلام /172 ط الثانية سنة 1960.
(2) عليّ بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة /513 ط الأولى سنة 1368 هـ دار الفكر العربي.
(3) العبقريات الإسلامية /748 ط دار الكتاب العربي بيروت.
موسوعة عبدالله بن عباس- الحلقة الاولى - الجزء الرابع 185

(وانتهت المأساة بهذه المهزلة، أو انتهت المهزلة بهذه المأساة).
(وبان أنّ اجتماع الحكمين لم يفض إلى اتفاق بين الحكمين، فعاد الخلاف إلى ما كان عليه... اهـ) ولنعم ما قال ونحن أيضاً ننهي عرض الآراء الحرة من دون تعليق، وحسبنا منها أنّ ألسنة الخلق أقلام الحقّ، مقولة شائعة ذائعة وهي كلمة سائغة بالغة تصدق أحياناً كثيرة، وقد تنقص قائلها الحيطة في القول فتتخلف عن الصدق حيناً ما، كما أحسب أنّ القارئ أدرك مغزى مقالة أصحاب الآراء ورأى شيئاً من هذا وضغثاً من ذاك، والحقيقة لا تخفى.
ورحم الله هشام بن الحكم فقد سأله بعض المخالفين: إنّ الحكَمين لقبولهما الحكم كانا مريدين للإصلاح بين الطائفتين.
فقال هشام: بل كانا غير مريدين للإصلاح بين الطائفتين.
فقال المخالف: من أين قلت هذا؟
قال هشام: من قول الله (عزّ وجلّ) في الحكمين حيث يقول: « إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا »(1) فلمّا اختلفا ولم يكن بينهما اتفاق على أمر واحد ولم يوفّق الله بينهما علمنا أنّهما لم يريدا إصلاحاً(2).
وصدق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يكون في هذه الأمة حكمان ضالاّن، ضال من اتبعهما...)(3).

(1) النساء /35.
(2) من لا يحضره الفقيه 3/337 ط النجف.
(3) وقد مر ذكر هذا الحديث في رقم (5) من تقسيمات آثار خدعة التحكيم السيئة.

السابق السابق الفهرس التالي التالي