الحقايق في محاسن الأخلاق262

وقال (ع) : «إنما وضعت الزكاة اختبارا للاغنياء ومؤنة للفقراء ، ولو أن الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيرا محتاجا ، ولاستغنى بما فرض الله له ، وأن الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولاعروا إلا بذنوب الأغنياء ، وحقيق على الله أن يمنع رحمته ممن منع حق الله في ماله ، واقسم بالذي خلق الخلق وبسط الرزق أنه ما ضاع مال في بر ولا بحر إلا بترك الزكاة ، وما صيد صيد في بر ولا بحر إلا بتركه التسبيح في ذلك اليوم وأن أحب الناس إلى الله تعالى أسخاهم كفّا ، وأسخى الناس من أدى زكاة امواله ولم يبخل على المؤمنين بمـا افتـرض الله لهـم فـي مالـه»(1) .
وفي رواية قال : «إن الله حسب الأموال والمساكين فوجد ما يكفيهم من كل ألف خمسة وعشرين درهما ، ولو لم يكفهم لزادهم»(2) .
وقال (ع) : «إن الزكاة ليس يحمد بها صاحبها وإنما هو شيء ظاهر إنما حقن بها دهمه وسمي بها مسلما ولو لم يؤدّها لم يقبل له صلاة ، وإن عليكم في أموالكم غير الزكاة فقيل أصلحك الله وما علينا في أموالنا غير الزكاة ؟ فقال : سبحان الله أما تسمع الله تعالى يقول في كتابه : «في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم»(3) .
قيل : فماذا الحق المعلوم الذي علينا ؟ قال : هو والله الشيء يعلمه(4) الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر غير أنه يدوم عليه وقوله تعالى : «ويمنعون الماعون»(5) قال : هو القرض يقرضه والمعروف يصنعه ومتاع البيت تعيره فمنه الزكاة .
فقيل : إن لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا انكروه «كسروه خ» وأفسدوه فعلينا جناح إن نمنعهم ؟ فقال : لا ، ليس عليك جناح إن تمنعهم إذا كانوا كذلك .
قيل : «يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا»(6) قال : ليس من الزكاة قيل قوله تعالى : «ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّا وعلانية»(7) قال : ليس من الزكاة قيل : «ان

(1) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 4 عوالي اللئالي : ج 1 ص 370 .
(2) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 5 والمحاسن : ص 327 (باختلاف بسيط) .
(3) سورة المعارج : آية 24 / 25 .
(4) قوله «ع» يعلمه الرجل الخ الظاهر انه بتشديد اللام من علم له علامة : اي جعلها له امارة يعرفها .
(5) سورة الماعون : آية 7 .
(6) سورة الدهر : آية 8 .
(7) سورة البقرة : آية 274 .
الحقايق في محاسن الأخلاق263

تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم»(1) قال : ليس من الزكاة»(2) .
وقال (ع) : «إنما أعطاكم الله هذا الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجهها الله تعالى ولم يعطكموها لتكثروها «لتكنزوها خ ل»(3) .
وسئل (ع) : «في كم تجب الزكاة من المال ؟ فقال : أمّا الظاهرة ففي كل ألف خمسة وعشرون ؛ وأما الباطنة فلا نستأثر على أخيك بما هو أحوج منك»(4) .
الفصل الأول
في المعروف

المعروف هو الانفاق على النفس والعيال ، ثم صلة من تجب صلته ، ثم الحق المعلوم الذي يفرضه في ماله ، ثم كل صدقة على فقير أو مروّة إليه أو إلى غنى بالضيافة والهدية ولاعانة ونحوها ، جلبا للخير ودفعا للشر دينيين أو دنيويين ، سايغين شرعا أو ايصال نفع عام ببناء مسجد ونحوه أو خاص كارشاد الضال والتعليم وقربان المرأة للتعفّف والعدل ، وقضاء حاجة المؤمن وإنظار المعسر والتحليل والقرض والحمل على الدابة وطيب الكلام والخطوة إلى الصلاة والتوسيع على العيال والتبسم في وجه أخيه وإعارة المتاع وإطراق الفحل وغير ذلك .
وقد يسمّى الكل بالصدقة سوى المروّات ، وورد كل معروف صدقة ، والبر يشمل الجميع ، وربّما يخص بما سوى الصدقة وورد البر والصدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر ويدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة سوء ، وورد صنايع المعروف تقى مصارع(5) السوء .
وشرط الانفاق القوام قال الله تعالى : «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما»(6) .
وعن الصادق (ع) : «أنه تلا هذه الآية فأخذ قبضة من حصى فقبضها بيده وقال : هذا

(1) سورة البقرة : آية 271 .
(2) الكافي : ج 3 ص 499 .
(3) الكافي : ج 4 ص 32 ومن لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 31 .
(4) الكافي : ج 3 ص 500 ومعاني الأخبار : ص 153 .
(5) الصرع الطرح على الارض وبالكسر قوة الحبل جمع صروع والمصارع ق .
(6) سورة الفرقان : آية 67 .
الحقايق في محاسن الأخلاق264

الاقتار الذي ذكره الله في كتابه ، ثم أخذ قبضة اخرى فارخى كفه كلها قال : هذا الاسراف ، ثم أخذ قبضة اخرى فارخى بعضها وأمسك بعضهـا وقـال : هـذا القـوام»(1) .
ولا بأس بالرجل إذا أمسك ماله مراقبا لمواقيت الحاجات ومراسم الخيرات ، فيكون قصده في الادخار الانفاق على قدر الحاجة دون التنعم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهه .
قال النبي (ص) : «افضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى»(2) يعني ما يكون بعد الغنى والمؤنة لئلا يكون القلب متعلقا بما يأتي .
وقال : أفضل الصدقة صدقة يكون على فضل الكف ، يعني عمّا يفضل عن الكفاف قال «ولا يلوم الله على الكفاف»(3) يعني على اقتناء ما يكف به .

الفصل الثاني
السر في ايجاب الزكاة

اعلم أن السر في ايجاب الزكاة وإنفاق المال امتحان العبد وفيه ثلاثة معان :
الاول أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد وشهادة باقرار المعبود وشرط تمام الوفاء بذلك أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد فان المحبة لا تقبل الشركة ، والتوحيد باللسان قليل الجدوى وإنما يمتحن درجة الحب بمفارقة المحبوبات ، والأموال محبوبة عند الخلق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم ويفرّون من الموت مع أن فيه لقاء المحبوب ، فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم(4) ومعشوقهم ولذلك قال الله تعالى : «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة»(5) .
والمعنى الثاني التطهير من صفة البخل فانه من المهلكات قال النبي (ص) «ثلاث مهلكات شح مطاع ، وهوى متبع ، واعجاب المرء بنفسه»(6) وقال الله تعالى : «ومن يوق

(1) الكافي : ج 4 ص 54 .
(2) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 30 والكافي ج 4 ص 46 وثواب الأعمال ص 172 .
(3) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 30 .
(4) رمقه رمقا : أطال النظر إليه .
(5) سورة التوبة : آية 111 .
(6) الخصال : ج 1 ص 84 واحياء علوم الدين : ج 1 ص 191 .
الحقايق في محاسن الأخلاق265

شح نفسه فاولئك هم المفلحون»(1) وإنما تزول صفة البخل بأن يتعود بذل المال فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتيادا ، فالانفاق بهذا المعنى يطهّر صاحبه من خبث البخل المهلك ، وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه باخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى .
والمعنى الثالث شكر النعمة فان لله على عبده نعمة في نفسه وماله ، فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن ، والمالية شكر لنعمة المال وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق الرزق عليه وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدّي شكر الله تعالى في إغنائه عن السؤال .

الفصل الثالث
آداب المنفق

ينبغي للمنفق أن يغتنم الفرصة مهما ظهرت داعية الخير من الباطن ، فان ذلك لمّة الملك وقلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمان فما أسرع تقلّبه والشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر وله لمّة عقيب لمّة الملك .
وأن لا يحوج الفقير إلى السؤال فورد أنه مكافات لوجهه المبذول وثمن لما اخذ منه وليس بمعروف ، ويعين لغير الموقت وقتا فاضلا كشهر رمضان وسيّما عشر آخره وذي الحجة وسيّما عشر أوله ، والغدير ويسر في المستحب بحيث لا يدري شماله ما يعطي يمينه .
قال الصادق (ع) «الصدقة في السر افضل من الصدقة في العلانية»(2) وكان (ع) «إذا اعتم وذهب من الليل ثلثاه أخذ جروبا فيه خبز ولحم ودراهم وحمله(3) على عنقه ثم ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسمه فيهم ولا يعرفونه ، فلما مضى (ع) فقدوا ذلك فعلموا أنه كان أبا عبد الله (ع)»(4) ، ومعنى اعتم صلى العتمة ، وعن النبي (ص) : «صدقة السر تطفي غضب الرب»(5) .
وقال الصادق (ع) : «كلما فرض الله عليك فاعلانه أفضل من اسراره ، وكلما كان تطوّعا

(1) سورة الحشر : آية 9 .
(2) الكافي : ج 4 ص 8 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 38 .
(3) كذا في المطبوع وفي الوافي هكذا : وذهب من الليل شطره أخذ جرابا فيه خبز ولحم والدراهم فحمله الخ .
(4) الكافي : ج 4 ص 8 .
(5) الكافي : ج 4 ص 7 و 8 من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 38 ومكارم الاخلاق : ص 137 .
الحقايق في محاسن الأخلاق266

فاسراره أفضل من اعلانه ، فلو أن رجلا حمل زكاة ماله على عاتقه علانية كان ذلك حسنا جميلا»(1) .
وقال في قوله تعالى : «وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء خير لكم»(2) قال : هي سوى الزكاة»(3) .
وسئل النبي (ص) «أي الصدقة أفضل ؟ قال : أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفاقة ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا»(4) .
وينبغي أن يستصغر الاعطاء ليعظم عند الله تعالى وهو بذكر التوفيق والثواب قال الصادق (ع) : «رأيت المعروف لا يصلح إلا بثلاث خصال : تصغيره ، وستره ، وتعجيله فانك إذا صغرته عظمته عند من تضعه «تصنعه خ ل» إليه ، وإذا سترته تمّمته ، وإذا عجلته هنأته ، وإن كان غير ذلك محقته ونكدته(5)»(6) .
ويعطي الأجود والأحب والأبعد عن الشبهة قال الله تعالى : «ويجعلون لله ما يكرهون»(7) وقال : «لن تنالوا البر حتى تنفقوا ممّا تحبّون»(8) وقال : «انفقوا من طيبات ما كسبتم وممّا أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه»(9) اي لا تأخذونه إلا مع كراهية وحياء وهو معنى الاغماض فلا تؤثروا به ربكم ، وأن يغنيه ان قدر ، فورد إذا أعطيته فأغنه .
ويقبّل يده بعد الاعطاء لأنه يقع في يد الله أولا قال أمير المؤمنين (ع) : «إذا ناولتم السائل فليرد الذي يناوله يده إلى فيه فيقبلها فان الله تعالى يأخذها قبل ان تقع في يده فانه تعالى يأخذ الصدقات»(10) .
وقال رسول الله (ص) : «ما يقع صدقة المؤمن في يد السائل حتى تقع في يد الله ثم تلا هذه الآية «ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب

(1) الكافي : ج 3 ص 501 .
(2) سورة البقرة : آية 271 .
(3) الكافي : ج 3 ص 502 .
(4) احياء علوم الدين : ج 1 ص 201 .
(5) محق الشيء : أبطله ومحاه ، ونكد فلانا حاجته : منعه اياها أو لم يعطه الا القليل منها المنجد .
(6) الكافي : ج 4 ص 30 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 31 .
(7) سورة النحل : آية 62 .
(8) سورة آل عمران : آية 92 .
(9) سورة البقرة : آية 267 .
(10) عدة الداعي : ص 68 .
الحقايق في محاسن الأخلاق267

الرحيم»(1)»(2) .
وقال الصادق (ع) : «إن الله تعالى يقول ما من شيء إلا وقد وكلت به من بقبضه غيري إلا الصدقة فإني أتلقّفها بيدي تلقّفا(3) ، حتى أن الرجل ليتصدق أو المرأة لتتصدق بالتمرة أو بشق تمرة فاربيها له كما يربّي الرجل فلوه وفصيله(4) فيلقاني يوم القيامة وهي مثل جبل احد وأعظم من احد»(5) .
وأن يلتمس الدعاء من الآخذ لان دعاءه يستجاب فيه ،ويصرف إلى من يكثر باعطائه الأجر بكونه متقيا عالما صادقا يرى النعمة من الله تعالى ساترا للحاجة محصورا في سبيل الله محبوسا في طريق الآخرة بمرض أو عيلة أو ضيق معيشة أو إصلاح قلب أو سبب من الأسباب .
ولكن يرفع أهل العلم والايمان من الزكاة الواجبة والتصدقات لأنها أوساخ الأموال فورد : أيحب أحدكم أن يغسل يده ثم يصبه على أخيه المؤمن إن وسخ الذنوب أعظم من وسخ البدن .
فيوسع عليهم بالهدايا والصلاة ، ويبدأ بمن يعول ثم الأقرب فالأقرب والأهم فالأهم وورد : «أن أفضلها على ذي الرحم الكاشح»(6) ، يعني المبغض وكانه لمخالفة الهوى .
وورد «لا صدقة وذو رحم محتاج»(7) «الصدقة بعشرة ، والقرض بثمانية عشر ، وصلة الاخوان بعشرين ، وصلة الرحم بأربعة وعشرين»(8) .
وأن يتصدق في كل يوم ويباكر بها ليبادر بها البلاء ولا يرد السائل إلا بلطف فورد : «أكرم السائل ببذل يسير أو برد جميل»(9) «أطعموا ثلاثة وان شئتم أن تزدادوا فازدادوا وإلا فقد أتيتم حق يومكم»(10) .
وان يغتنم السائل سيّما فيما رق له القلب فهو علامة صدق السائل ويسيء الظن بنفسه عند

(1) سورة التوبة : آية 104 ,
(2) عدة الداعي : ص 68 .
(3) اتلقفها بيدي تلقفا أي اتناولها بسرعة . م . وقال (قد) في الوافي : التلقف : التلقي والحفظ .
(4) الفصيل ولد الناقة إذا فصل عن امه ، والفلو بتشديد الواو وضم اللام : المهر يفصل عن امه . قال في مجمع البحرين : وإنما ضرب المثل بالفلو لانه يريد زيادة تربيته وكذا الفصيل وقال المصنف (قد) في الوافي الفلو بالكسر وكغدو وسمو : ولد الحمار والفرس والفصيل ولد الناقة والبقرة .
(5) الكافي : ج 4 ص 47 وعدة الداعي ص 68 ـ 69 .
(6) الكافي : ج 4 ص 10 .
(7) الفقيه : ج 2 ص 38 .
(8) الكافي : ج 4 ص 10 .
(9) الكافي : ج 4 ص 10 .
(10) الكافي : ج 4 ص 17 .
الحقايق في محاسن الأخلاق268

فقده ولا يحتقر ما عنده فورد : «لا تستحي من إعطاء القليل فـان الحرمـان أقـل منـه»(1) وورد : أفضل الصدقة جهد المقل»(2) .
وأن لا يملك ما تصدق به اختيارا ، ويقسم صدقة الغير فورد أنه أحد المعطين ويجتنب المن والأذى قال الله تعالى : «لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى»(3) «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى»(4) .
والمن أن يرى نفسه محسنا ويعرف بقوة استبعاد جباية القابض بعد العطاء ؛ والمحسن هو القابض لايصاله إلى الثواب والانجاء من العقاب وكونه نائبا عنه تعالى وهو حق الله تعالى أحال عليه الفقير انجازا لما وعده من الرزق .
والأذى التعيير والتوبيخ والقول السيء والقطوب(5) والاستخدام وهتك الستر والاستخفاف ، وسببه استكثار العطاء والتكبر على القابض الناشيين من الجهل برجحان رضاء الله تعالى على خسيس فان ، ونسيان فضل الفقير .
وعن الصادق (ع) قال : «كان أمير المؤمنين (ع) يقول : «من علم أن ما صنع إنما صنع لنفسه لم يستبط الناس في شكرهم ولم يستزدهم في مودتهم ، فلا تلتمس من غيرك شكر ما اتيت إلى نفسك ووقيت به عرضك واعلم أن الطالب إليك الحاجة لم يكرم وجهه عن وجهك فاكرم وجهك عن ردّه»(6) .
وعن الباقر (ع) : «أنه قيل له : الرجل من أصحابنا من يستحي أن يأخذ من الزكاة فاعطيه من الزكاة ولا اسمي له انها من الزكاة ؟ فقال : اعطه ولا تسم له ولا تذل المؤمن»(7) .

(1) نهج البلاغة : ص 479 حكمة 67 .
(2) الكافي : ج 4 ص 18 .
(3) سورة البقرة : الآية 264 .
(4) سورة البقرة : الآية 263 .
(5) القطوب : الزاوي ما بين عينيه «المنجد» وفي الحديث فقطب أبو عبد الله (ع) أي قبض ما بين عينيه كما يفعل العبوس . م .
(6) الكافي : ج 4 ص 28 .
(7) من لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 8 .
الحقايق في محاسن الأخلاق269

الفصل الرابع
آداب الأخذ

ينبغي للآخذ ان يعلم أن الله تعالى أمر المعطي بصرفه إليه ليكفي مهمّه فيتجرد للعبادة فيشكر الله ويشكر المعطي فيدعو له ويثني عليه مع رؤية النعمة من الله تعالى .
قال النبي (ص) «من لم يشكر الناس لم يشكر الله»(1) وقال الصادق (ع) : «لعن الله قاطعي سبيل المعروف قيل : وما قاطعوا سبيل المعروف ؟ قال : الرجل يصنع إليه المعروف فيكفره فيمنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره»(2) .
وإن كان معروفا كافاه بما يستطيع ولو بالثناء والقول الجميل فعن النبي (ص) : «من اتى إليه معروف فليكاف به وإن عجز فليثن فان لم يفعل فقد كفر النعمة»(3) .
وعن الصادق (ع) قال : «كان أمير المؤمنين (ع) يقول «من صنع بمثل ما صنع إليه فانّما كافاه ، ومن أضعف(4) كان شكورا ومن شكر كان كريما»(5) .
ويستر عيوب صاحب العطاء ولا يحقره ولا يذمّه ولا يعيّره بالمنع إذا منع ويفخم(6) عند نفسه وعند الناس صنيعه بحيث لا يخرجه عن كونه واسطة لئلا يكون مشركا .
فعن الصادق (ع) في قول الله تعالى : «وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون»(7) قال : هو قول الرجل لولا فلان لهلكت ، ولولا فلان لما اصبت كذا وكذا ، ولولا فلان لضاع عيالي ألا ترى أنه جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه قيل : فيقول لولا أن الله منّ عليّ بفلان لهلكت ، قال : نعم لا بأس بهذا ونحوه»(8) .
وأن يتوقى مواقع الريبة والشبهة في أصله ومقداره فلا يأخذ ممّن لا يحل ماله ولا الزيادة

(1) احياء علوم الدين : ج 1 ص 198 وص 203 .
(2) الكافي : ج 4 ص 33 والاختصاص : ص 241 ومن لا يحضره الفقيه : ج 2 ص 31 .
(3) احياء علوم الدين : ج 1 ص 203 «باختلاف بسيط» .
(4) هكذا في النسخة المطبوعة وفي المخطوطة : فان ضعف وفي جامع السعادات : فمن ضعفه الخ .
(5) الكافي : ج 4 ص 28 .
(6) الفخم : العظيم القدر فخمه : عظمه وأجله المنجد .
(7) سورة يوسف : آية 106 .
(8) عدة الداعي : ص 99 .
الحقايق في محاسن الأخلاق270

على قدر الحاجة ولا يسأل على رؤوس الملأ ممن يستحي الرد .
ويتورع العالم من أخذ الزكاة ما لم يضطر إليه تنزيها لنفسه عن الأوساخ ، وأن يستر الاخذ بنية أنه أبقى لستر المروة وكشف الحاجة والتعفف وأسلم لقلوب الناس وألسنتهم من الحسد وسوء الظن والغيبة وإعانة المعطي على الاسرار ، وأصون لنفسه عن الاذلال وعن شبهة الشركة فان الحضار شركاؤه فيها أو يظهر بنية الاخلاص والصدق والسلامة عن تلبيس الحال وإٍسقاط الجاه والمنزلة وإظهار العبودية والمسكنة والتبرّي عن الكبر وإقامة سنة الشكر وغير ذلك ، فانه يختلف باختلاف النيات والأحوال والأشخاص ، فليراقب ذلك فانه موضع الغرور .

الفصل الخامس
عدم السؤال من غير حاجة

ينبغي للمؤمن أن لا يسأل الناس من غير حاجة اضطره إليه ، بل يستعفف عن السؤال ما استطاع فانه ذل في الدنيا وفقر معجّل وحساب طويل يوم القيامة .
قال النبي (ص) «يوما لأصحابه «ألا تبايعون ؟ فقالوا : قد بايعناك يا رسول الله قال : تبايعون على أن لا تسألوا الناس شيئا ، فكان بعد ذلك يقع المخصرة(1) من يد أحدهم فينزل لها ولا يقول لأحد ناولنيها»(2) .
وقال (ص) : «لو أن أحدكم يأخذ حبلا فيأتي بحزمة(3) حطب على ظهره فيبيعها فيكفّ بها وجهه خير له من أين يسأل»(4) وقال : «من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله»(5) .
وقال السجاد (ع) : «ضمنت على ربي أن لا يسأل أحد أحدا من غير حاجة إلا اضطرته حاجة المسألة يوما إلى أن يسأل من حاجة»(6) .
ونظر (ع) يوم عرفة إلى رجال يسألون فقال : «هؤلاء شرار من خلق الله ، الناس مقبلون

(1) المخصرة بكسر الميم وسكون المعجمة كالسوط او كل ما امسكه الانسان بيده من عصا ونحوه . م .
(2) عدة الداعي : ص 99 وإحياء علوم الدين : ج 3 ص 224 .
(3) الحزمة ما حزم من الحطب وغيره ، وحزم حزما : ضبط أمره واحكمه واخذ فيه بالثقة وفي الحديث : الحزم بضاعة ، والتواني اضاعة .
(4) عدة الداعي : ص
(5) الكافي : ج 2 ص 138 وعدة الداعي : ص 90 .
(6) الكافي : ج 4 ص 19 وعدة الداعي 99 .
الحقايق في محاسن الأخلاق271

على الله وهم مقبلون على الناس»(1) .
وقال الباقر (ع) : «أقسم بالله وهو حق ما فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر»(2) .
وقال (ع) : «طلب الحوائج إلى الناس استلاب(3) للعز ومذهبة للحياء ، واليأس ممّا في أيدي الناس عز المؤمن ، والطمع هو الفقر الحاضر»(4) .
وقال الصادق (ع) : «شيعتنا من لا يسأل الناس شيئا ولو مات جوعا»(5) وقال (ع) : «لو يعلم السائل ما عليه من الوزر ما سأل أحد أحدا ، ولو يعلم المسؤول ما عليه إذا منع ما منع أحدا أحدا»(6) .
وقال : «من سأل من غير حاجة فكأنما يأكل الخمر»(7) وسأل رجل النبي (ص) فقال أسألك بوجه الله فأمر النبي (ص) بضرب خمسة أسواط ، ثم قال : «سل بوجهك اللئيم ولا تسأل بوجه الله الكريم»(8) .

الفصل السادس
للجسد زكاة

اعلم أن للجسد زكاة كما أن في المال زكاة ، وهو نقصه لمزيد الخير والبركة إما اضطرارا بان يصاب بآفة، أو اختيارا بأن يصرف في الطاعة ويمنع عن المعصية .
فعن الصادق (ع) قال : قال النبي (ص) يوما لأصحابه : «ملعون كل مال لا يزكى ، ملعون كل جسد لا يزكى ، ولو في كل أربعين يوما مرة قيل له : يا رسول الله أما زكاة المال فقد عرفناها ، فما زكاة الاجساد ؟ قال لهم : أن تصاب بآفة قال : فتغيرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه ، قال فلما رآهم قد تغيّرت ألوانهم قال : هل تدرون ما عنيت بقولي ؟ قالوا : لا يا

(1) عدة الداعي : ص 99 .
(2) الكافي : ج 4 ص 19 .
(3) الاستلاب : الاختلاس . م .
(4) عدة الداعي : ص 100 .
(5) عدة الداعي ض : ص 99 .
(6) عدة الداعي : ص 99 .
(7) عدة الداعي : ص 99 .
(8) عدة الداعي : ص 101 .

السابق السابق الفهرس التالي التالي