الحقايق في محاسن الأخلاق130

بنقصان في نفسه .
والسبب الثاني أن المدح يدل على أن قلب المادح ملك الممدوح وأنه مريد له ومعتقد فيه ومسخّر تحت مشيته ، وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ وبهذه العلة تعظم اللذة مهما صدر ممّن يتّسع قدرته وينتفع باقتناص قلبه ، كالملوك والأكابر ، ولهذه العلة أيضا يكره الذم ويتألم به .
والسبب الثالث أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه لا سيّما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ويعتقد بثنائه وهذا يختص بثناء يقع على الملأ .
والسبب الرابع أن المدح يدل على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلى اطلاق اللسان بالثناء عليه إما عن طوع وإما عن قهر ، فان الحشمة أيضا لذيذة لما فيها من القهر والقدرة .
وهذه الأسباب قد تجتمع في مدح مادح واحد فيعظم به الالتذاذ ويندفع استشعار الكمال بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في مدحه فان كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله بطلت اللذة الثانية وهي استيلاؤه على قلبه وبقيت لذة الاستيلاء بالحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق بالثناء .
الفصل الرابع
في حب الجاه والمدح والثناء

اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصورا لهم على مراعاة الخلق ، مشغوفا بالتودّد إليهم والمراياة لأجلهم ، ولا يزال في اقواله وافعاله ملتفتا إلى ما عظم منزلته عندهم ، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد ، ويجر ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراياة بها وإلى اقتحام المحظورات للتوصّل بها إلى اقتناص القلوب .
ولذلك شبه رسول الله (ص) «حب الشرف والمال ، وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين(1) ، وقال (ص) : «إنه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل»(2) إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول والفعل ، وكل من طلب المنزلة في قلوب الناس فيضطر إلى النفاق معهم وإلى

(1) الذئب الضاري الذي اعتاد اكل لحوم الناس وقد مر الحديث بلفظه عن قريب .
(2) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 256 .
الحقايق في محاسن الأخلاق131

التظاهر بخصال حميدة وهو خال عنها ؛ وذلك عين النفاق .
وعلاجه العلمي أن يعلم أن السبب الذي لاجله أحب الجاه وهوكمال القدرة على أشخاص الناس وعلى قلوبهم إن صفى وسلم فآخره الموت ، فليست من الباقيات الصالحات بل لو سجد له كل من على وجه الأرض وإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ، ويكون حاله كحال من مات قبله من ذوي الجاه مع المتواضعين له فهذا ينبغي أن يترك به الدين الذي هوالحياة الابدية التي لا انقطاع لها ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي كما سبق صغر الجاه في عنيه إلا أن ذلك انما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ، ويكون الموت كالحاصل عنده .
وأبصار أكثرالخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهد العواقب كما قال الله تعالى : «بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى»(1) وقال : «كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة»(2) إلى غيرها من الآيات .
فمن هذا حده فينبغي أن يعالج قلبه في حب الجاه بالعلم بالآفات العاجلة ، وهو أن يتفكر في الأخطار التي يستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا ، فان كل ذي جاه محسود مقصود بالايذاء وخائف على الدوام على جاهه ومحترز من أن يتغير منزلته في القلوب والقلوب أشد تغيّرا من القدر في غليانه ، وهي مردّدة بين الاقبال والاعراض ، فكل ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على امواج البحر ، فانّه لا ثبات له .
والاشتغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الاعداء اشتغال عن الله وتعرض لمقته في العاجل والآجل كل ذلك غموم عاجلة مكدّرة للذة الجاه فلا يفي في الدنيا أيضا مرجوها بمخوفها فضلا عمّا يفوت في الآخرة فهذا ينبغي أن يعالج البصيرة الضعيفة ، وأما من نفذت بصيرته وقوي ايمانه فلم يلتفت إلى الدنيا ، فهذا هو العلاج من حيث العلم .
وأما من حيث العمل فاسقاط الجاه عن قلوب الخلق بالانس والخمول(3) والقناعة بالقبول من الخلق والاعتزال عن الناس والهجرة إلى مواضع الخمول ، فان المعتزل في بيته في البلدة التي هو بها مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته ، فربّما يظن

(1) سورة الاعلى : آية 16 و 17 .
(2) سورة القيامة : آية 20 و 21 .
(3) الخمل الاستتار ومنه رجل خمول .
الحقايق في محاسن الأخلاق132

أنه ليس محبّا لذلك الجاه وهو مغرور وإنما سكنت نفسه لأنها ظفرت بمقصودها .
ولو تغير الناس عما اعتقدوا فيه وذموه او نسبوه إلى أمر غير لايق به جزعت نفسه وتألمت وربما توصلت إلى الاعتذار من ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم وربّما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به وبه يتبين أنه بعد محب للجاه والمنزلة .
ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس ، ولا يقطع الطمع عن الناس إلا بالقناعة فمن قنع استغنى عن الناس وإذا استغنى لم يشتغل قلبه بالناس ولم يكن لقيام منزلته بالقلوب عنده وزن ويستعين على جميع ذلك بالاخبار الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول مثل قولهم المؤمن لا يخلو من ذلة أو علّة أو قلة إلى غير ذلك .
وحب المدح كحب الجاه حرمة وإباحة ونفعا وضرا ، وعلاجه علاج حب الجاه وعلمه بأن الصفة الممدوح بها إن فقدت فاستهزاء وإن وجدت فالدنيوية كمال وهمي والدينية موقوفة على الخاتمة .
وعلاج كراهة الذم العلم بان الصفة المذموم بها إن وجدت فتبصير للعيوب وفيه الفرح والشغل بالازالة وإن فقدت فكفارة للذنوب وفيه الشكر لله والترحم عليه حيث اهلك نفسه كما قال النبي (ص) : «اللهم اهد قومي فانّهم لا يعلمون»(1) لما ان كسروا رباعيّته(2) .
والانسان يفرح بما يذم عدوّه وهو شخص عدوّه نفسه فينبغي أن يفرح إذا سمع ذمّها ويشكر الذام عليها ويعتقد فطنته وذكائه لما وقف على عيوبها ، فيكون ذلك كالتشفي له من نفسه ويكون غنيمة عنده إذ صار بالمذمة أوضع في أعين الناس حتى لا يبتلى بفتنة الجاه وإذا سبقت «سيقت خ» إليه حسنات لم ينصب فيها فعساه يكون جبرا لعيوبه التي هو عاجز عن اماطتها ، ولو جاهد نفسه طول عمره في هذه الخصلة الواحدة وهي أن يستوي عنده ذامّه ومادحه ، لكان له شغل شاغل فيه لا يتفرغ معه لغيره ، وبينه وبين السعادة عقبات كثيرة هذه إحدى تلك العقبات ولا يقطع شيء منها إلا بالمجاهدة الشديدة في العمر الطويل .

(1) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة والحديث في الصحيح انه صلى الله عليه وآله قال حكاية عن نبي من الأنبياء حين ضربه قومه (المعنى) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 99 وفيه : «اللهم اغفر لقومي ...» .
(2) الرباعيية بالفتح السن التي بين الثنية والناب من كل جانب والجمع الرباعيات . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق

الباب الخامس
في ذم الغرور

في ذم الغرور ، وهو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان ، فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور قال الله تعالى : «لا تغرنّكم حياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور»(1) وقال عز وجل : «ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرّتكم الاماني حتى جاء أمر الله وغرّكم بالله الغرور»(2) .
وقال النبي (ص) : «حبّذا نوم الاكياس وفطرهم كيف يغبنون «يغنون خ» سهر الحمقى واجتهادهم ، ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين أفضل من ملاء الأرض من المغترّين»(3) .
وقال (ص) : «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والاحمق من اتبع نفسه هواه وتمنّى على الله الاماني»(4) .
ولنمثل للغرور مثلا للايضاح ، أما الغرور بالحياة الدنيا فمثاله ما قال بعض الكفار والعصاة : النقد خير من النسية ، والدنيا نقد والآخرة نسية فاذن هي خير فلا بد من ايثارها ، وقالوا : اليقين خير من الشك ولذات الدنيا يقين ولذات الآخرة شك فلا تترك اليقين بالشك فهذه أقيسة فاسدة تشبه قياس إبليس حيث قال : «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين»(5) وإلى هؤلاء الاشارة بقوله تعالى : «اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون»(6) .
وعلاج هذه الغرور إما بتصديق الايمان بان يصدقوا الله في قوله : «ما عندكم ينفد وما عند الله باق»(7) وقوله : «والآخرة خير وأبقى»(8) وقوله : «وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور»(9) .
وإما البرهان وهو أن يعرفوا فساد هذا القياس الذي نظمه في قلوبهم الشيطان فان فيه

(1) سورة لقمان : آية 33 .
(2) سورة الحديد : آية 14 .
(3) احياء علوم الدين : ج 3 ص 354 .
(4) احياء علوم الدين : ج 3 ص 354 وامالي الطوسي ص 541 .
(5) سورة ص : آية 76 .
(6) سورة البقرة : آية 86 .
(7) سورة النحل : آية 96 .
(8) سورة الاعلى : آية 17 .
(9) سورة آل عمران : آية 185 .
الحقايق في محاسن الأخلاق134

أصلين أحدهما ان الدنيا نقد والآخرة نسية وهذا صحيح والآخر أن النقد خير من النسية وهذا محل تلبيس ، فليس الامر كذلك ، بل إن كان النقد مثل النسية في المقدار والمقصود فهو خير ، وإن كان أقل منه فالنسية خير ، فان هذا المغرور يبذل في تجارته درهما ليأخذ عشرة نسية ولا يقول : النقد خير من النسية فلا أتركه وإذا حذّره الطبيب الفواكه ولذايذ الأطعمة تركها في الحال خوفا من ألم المرض في المستقبل ، وقد ترك النقد ورضي بالنسية ، والتجار كلهم يركبون البحار ويتعبون في الاسفار نقدا لاجل الراحة والربح نسية ، فان كان عشرة في ثاني الحال خيرا من واحد في الحال فانسب لذة الدنيا من حيث مدّتها إلى مدّة الآخرة .
وأما قولهم إن اليقين خير من الشك والدنيا يقين والآخرة شك فهو أكثر فسادا من الأول لان كلي أصليه باطل .
إذ اليقين خير من الشك إذا كان مثله وإلا فالتاجر في سعيه على يقين وفي ربحه على شك والمتفقة في اجتهاده على يقين وفي إدراكه رتبة العلم على شك والصيّاد في تردّده في المقتنص على يقين وفي اقتناصه الظفر بالصيد على شك ، والمريض من مرارة الدواء على يقين ومن الشفاء على شك ، وكذلك الحزم(1) داب العقلاء فمن شك في الآخرة فيجب عليه بحكم الحزم أن يقول الصبر أياما قلائل وهو منهى العمر قليل بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة ، فان كان ما قيل فيه كذبا فما يفوتني إلا التنعم أيّام حياتي ، وإن كان صدقا فأبقى في النار أبد الاباد وهذا لا يطاق .
وأما الاصل الثاني وهو أن الآخرة شك فهو أيضا خطاء بل ذلك يقين عند المؤمنين وليقينه مدركان أحدهما الايمان والتصديق للأنبياء والعلماء والثاني الوحي والالهام للأنبياء والأولياء إذ كشف لهم حقيقة الاشياء كما هي عليها وشاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد أنت المحسوسات بالبصيرة الظاهرة فيخبرون عن مشاهدة لا عن سماع وتقليد .
وأما الغرور بالله فمثاله قول بعضهم في أنفسهم وبألسنتهم انه إن كان لله معاد فنحن أحق به من غيرنا ونحن أوفر حظا وفيه أسعد حالا كما أخبر الله من قول الرجلين المتحاورين إذ قال «وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا»(2) .

(1) حزم فلان رأيه حزما أتقنه .
(2) اي كما أعطاني هذه في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منها لكرامتي عليه ، ظن الجاهل انه اوتي ما اوتي لكرامته على الله تعالى وهذا معنى الغرور بالله ، والقصة مذكورة تفصيلا في سورة الكهف آية 36 فليراجع .
الحقايق في محاسن الأخلاق135

وهذا قياس من أقيسة ابليس ، وذلك لانهم ينظرون مرّة إلى نعم الله عليهم في الدنيا فيقيسون عليها نعمة الآخرة وينظرون إلى تأخير الله العذاب عنهم فيقيسون عليه عذاب الآخرة كما قال تعالى : «ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما يقول» ومرّة ينظرون إلى المؤمنين وهم فقراء شعث غبر(1) فيزدرون بهم ويستحقرونهم فيقولون : «أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا»(2) ويقولون : «لو كان خيرا ما سبقونا إليه»(3) وقياسهم أنه قد أحسن الله إلينا بنعيم الدنيا وكل محسن فهو محب وكل محب فانّه يحسن في المستقبل أيضا والتلبيس تحت ظنه إن كل محسن محب بل تحت ظنه ان انعامه عليه في الدنيا إحسان ، فقد اغتر بالله إذ يظن أنه كريم عنده بدليل لا يدل على الكرامة بل عند ذوي البصاير يدل على الهوان ، فان نعيم الدنيا ولذاتها مهلكات مبعدات من الله تعالى، وأن الله يحمي(4) عبده الدنيا وهو يحبّه كما يحمي أحدكم مريضه الطعام والشراب وهو يحبه كما ورد في الخبر .
وهذا المغرور علاجه معرفة دلايل الكرامة والهوان إما بالبصيرة وإما بالتقليد قال الله تعالى : «أيحسبون أنما نمدّهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون»(5) وقال : «سنستدرجهم من حيث لا يعلمون»(6) وقال : «فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون»(7) .
ومنشأ هذا الغرور الجهل بالله وبصفاته فان من عرفه لا يأمن مكره ولا يفتر بامثال هذه الخيالات وينظر إلى فرعون وقارون وإلى ملوك الأرض وكيف أحسن الله إليهم ابتداء ثم دمّرهم تدميرا ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .

الفصل الاول
في فرق المغترين

إعلم ان فرق المغترين كثيرة وجهات غرورهم مختلفة .
فمنهم من رأى المنكر معروفا كالذي يتخذ المساجد ويزخرفها من المال الحرام ومنهم من لم يميز بين ما يسعى فيه لنفسه وما يسعى فيه لله كالواعظ الذي غرضه القبول والجاه ومنهم من

(1) شعث الشعر شعثا فهوشعث من باب تعب تغير وتلبد . والغبرة لون الأغبر الشبيه بالغبار .
(2) سورة الأنعام : آية 53 .
(3) سورة الاحقاف : آية 11 .
(4) أي يمنع .
(5) سورة المؤمنون : آية 55 .
(6) سورة الأعراف : آية 182 .
(7) سورة الانعام : آية 44 .
الحقايق في محاسن الأخلاق136

يترك الاهم ويشتغل بغيره كالذي يترك الفرض ويشتغل بالنافلة ومنهم من يترك اللباب ويشتغل بالقشر كالذي تكون همّته في الصلاة مقصورة على الوسواس في النية أو تصحيح مخارج الحروف حتى تفوته الجماعة وتخرج الصلاة عن الوقت ثم لا يحضر قلبه في صلاته ويزعم أنه إذا أتعب نفسه في تصحيح النية أو الحروف تميّز عن العامة بهذا الجهد .
ومنهم من اغتر بقراءة القرآن فيهذّه هذا(1) وربّما يختم في اليوم والليلة مرّة ولسانه يجري به وقلبه متردّد في اودية الاماني ومنهم من اغتر بالصوم وربما صام الدهر ولا يحفظ لسانه عن الغيبة ولا بطنه عن الحرام عند الافطار ثم يظن بنفسه الخير .
ومنهم من اغتر بالحج فيخرج إلى الحج من غير خروج من المظالم وقضاء الديون وطلب الزاد الحلال ويضيع في الطريق الصلاة ويعجز عن طهارة الثوب والبدن ويتعرّض لمكس الظلمة وذلك بعد سقوط حجة الاسلام .
ومنهم من يتقلّد امامة مسجد الجمعة أو أذانه ويظن انّه على خير ولو أم غيره أو أذّن في وقت غيبته قامت عليه القيامة ولو كان أورع منه وأعلم .
ومنهم من يأمر بالخير وينسى نفسه فإذا أمر عنف وطلب الرياسة والعز وإذا رد عليه إذا باشر منكرا غضب وقال : أنا المحتسب فكيف تنكر عليّ وإنما غرضه الرياسة .
ومنهم من أحكم العلوم الشرعية وتعمّق فيها واشتغل بها وأهمل تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات وأهمل تفقد قلبه ليمحو عنه الصفات المذمومة والاخلاق الردية واغتر بعلمه وظن أنه عند الله بمكان وأنه قد بلغ من العلم مبلغا لا يعذب الله مثله بل يقبل في الخلق شفاعته وأنه لا يطالبه بذنوبه لكرامته على الله .
ومنهم من يعجب بنفسه ويظن أنه منفك عن الأخلاق المذمومة وأنه أرفع عند الله من أن يبتليه بها وإنما يبتلى بها العوام .
ثم إذا ظهر عليه مخائل الكبر والرياسة وطلب العلو والشرف قال : ما هذا كبر وإنما هذا

(1) في الحديث : لا تهذوا القرآن هذ الشعر ولا تنثروه نثرالرمل ، الهذ بالذال المعجمة المشددة سرعة القطع ، ثم استعير لسرعة القراءة يقال . هو بهذا القرآن من باب قتل اي يسرده ويسرع به والمعنى : لا تسرعوا بقراءة القرآن كما تسرعون في قراءة الشعر ولا تفرقوا بعضه عن بعض وتنثروه كنثر الرمل ، ولكن بينوه ورتلوه ترتيلا كما امر به في قوله تعالى : « ورتل القرآن ترتيلا » . م .
الحقايق في محاسن الأخلاق137

طلب عز الدين وإظهار شرف العلم ونصرة دين الله وإرغام أنف المخالفين ، ومهما اطلق اللسان بالحسد في أقرانه أو فيمن رد عليه شيئا من كلامه لم يظن بنفسه أن ذلك حسد ولكن قال ذلك إنما هذا غضب للحق ورد على المبطل في عداوته وظلمه ، ثم لو طعن في غيره من أهل العلم لم يكن غضبه مثل غضبه الآن ، بل ربّما يفرح به .
وإذا خطر له خاطر الرياء قال : هيهات إنما غرضي من إظهار العلم والعمل اقتداء الخلق بي ليهتدوا إلى دين الله ويتخلصوا من عقاب الله ، ولا يتأمل الغرور أنه ليس يفرح باقتداء الناس بغيره كما يفرح باقتدائهم به ، فلو كان غرضه صلاح الخلق لفرح بصلاحهم على يد اي من كان ، وربما يذكر هذا فلا يخليه الشيطان ايضا بل يقول : إنما ذلك لأنهم إذا اهتدوا بي كان الأجر والثواب لي فانما فرحي بثواب الله لا بقول الخلق ، هذا ما يظنه بنفسه والله مطلع على سريرته .
ومنهم من اشتغل بعلم الكلام والمجادلة في الأهواء والرد على المخالفين واعتقد أنه لا يكون للعبد عملا إلا بالايمان ولا يصلح إيمان إلا بأن يتعلم جدلهم وما يسمّونه أدلة عقايدهم وظن أنه لا أحد أعرف بالله وصفاته منهم ، وأنه لا ايمان لمن لم يعتقد مذهبهم ولم يتعلم علمهم ، ودعا كل فرقة منهم إلى نفسه وفي الحديث النبوي (ص) : «ما ضل قوم قط بعد هدى إلا أتوا الجدل وحرموا العمل»(1) .
ومنهم من اشتغل بالوعظ وأعلاهم رتبة من يتكلم في أخلاق النفس وصفات القلب من الخوف والرجاء والصبر والشكر ونظائرها ويظن بنفسه أنه إذا تكلم بهذه الصفات ودعى الخلق إليها صار موصوفا بها وهو منفك عنها عند الله إلا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين ، والاكياس يمتحنون أنفسهم في هذه الصفات ويطالبونها بالحقيقة ولا يقنعون منها بالتزويق(2) .
ومنهم من ظن أنه حكم العبد بينه وبين الله تعالى يتبع حكمه في مجلس القضاء فوضعوا الحيل في دفع الحقوق وأساءوا تأويل الألفاظ واغتروا بالظواهر وأخطأوا فيها وذلك مثل فتواهم بأن المرأة مهما أبرأت الزوج من الصداق برء الزوج بينه وبين الله ، وذلك خطاء بل الزوج قد يسيء إلى الزوجة بحيث يضيق عليها الأمور بسوء الخلق فتضطر إلى طلب الخلاص فتبرئ

(1) احياء علوم الدين ج 3 ص 368 واخرجه ابن ماجة رقم 8 .
(2) زورق الكلام : حسنه وزينه . البيت : نقشه . المنجد .
الحقايق في محاسن الأخلاق138

الزوج لتتخلص منه وهو ابراء من غير طيبة نفس وقال الله تعالى : «فان طبن لكم عن شيء منه نفسا»(1) وطيبة النفس غير طيبة القلب ، فالقلب قد تريد مالا تطيب به النفس كالانسان يريد الحجامة بقلبه ولكن تكره بها نفسه فانما طيبة النفس أن تسمح بالابراء لا عن ضرورة تقابله .
وكذلك لو طلب من إنسان مالا على ملاء من الناس فاستحيى من الناس أن لا يعطيه وكان يودّ أن تكون سؤاله في خلوة حتى لا يعطيه ولكن خاف مذمّة الناس ، والسؤال في مظنة الحياء والرياء ضرب للقلب بالسوط ، ولا فرق بين ضرب الباطن وضرب الظاهر عند الله فان الباطن عند الله ظاهر ، وكذلك من يعطى اتقاء لشر لسانه أو لشر سعايته ، فهو حرام عليه .

الفصل الثاني(2)
من المغترين أهل الذكر والتصوف

ومن المغترين قوم يسمّون بأهل الذكر والتصوّف ، يدعون البراءة من التصنع والتكلف ، يلبسون خرقا ويجلسون حلقا ، يخترعون الاذكار ويتغنون بالأشعار ؛ يعلنون بالتهليل وليس لهم الى العلم والمعرفة سبيل ، إبتدعوا شهيقا ونهيقا(3) واخترعوا رقصا وتصفيقا ، قد خاضوا الفتن

(1) سورة النساء : آية 4 .
(2) وللمصنف قدس الله روحه كلمات لطيفة يعجبني نقلها في المقام قال «ره» في كلماته الطريقة على ما حكاه المحدث القمي «ره» في سفينة البحار :
تقبيح ومن الناس من زعم أنه بلغ من التصوف والتأله حدا يقدر معه ان يفعل ما يريد بالتوجه ، وانه يسمع دعاؤه في الملكوت ويستجاب نداؤه في الجبروت ، تسمى بالشيخ والدرويش وأوقع الناس بذلك في التشويش ، فيفرطون فيه أو يفرطون فمنهم من يتجاوز به حد البشر ، وآخر يقع فيه بالسوء والشر ، يحكي من وقايعه ومناماته ما يوقع الناس في الريب ويأتي في اخباره بما ينزل منزلة الغيب ، ربما تسمعه يقول : قتلت البارحة ملك الروم ، ونصرت فئة العراق أو هزمت سلطان الهند ، وقلبت عسكر النفاق أو ضرعت فلانا يعني به شيخا آخر نظيره أو افنيت بهمانا يريد به من لا يعتقد فيه انه لكبير .
وربما تراه يقعد في بيت مظلم يسرج فيه أربعين يوما يزعم أنه يصوم صوما ولا يأكل فيه حيوانا ولا ينام نوما ، وقد يلازم مقاما يردد فيه تلاوة سورة أياما ، يحسب أنه يؤدي بذلك دين احد من معتقديه أو يقضي حاجة من حوائج أخيه ، وربما يدعي انه سخر طائفة من الجنة ووقى نفسه بهذه الجنة «افترى على الله كذبا أم به جنة» .
تبديع ومنهم قوم تسموا بأهل الذكر والتصوف أقول : ويسوق كما في المتن الى قوله : وصاحوا الصيحة الشنعاء : ثم يقول : أمن الضرب تتألمون ؟ أم من الرب تتظلمون ؟ أم مع اكفائكم تتكلمون ؟ ان الله لا يسمع بالصماخ فاقصروا من الصراخ ، أتنادون باعدا ؟ أم توقظون راقدا ؟ تعالى الله لا تأخذه السنة ولا تغلطه الألسنة ، سبحوا تسبيح الحيتان في النهر ، وادعوا ربكم تضرعا وخفية دون الجهر انه ليس منكم ببعيد ، بل هو أقرب إليكم من حبل الوريد الخ . =
الحقايق في محاسن الأخلاق139

واخذوا بالبدع دون السنن ، رفعوا أصواتهم بالنداء وصاحوا الصيحة الشنعاء .
ومنهم من يدعي علم المعرفة ومشاهدة المعبود ومجاورة المقام المحمود والملازمة في عين الشهود ، ولا يعرف من هذه الامور إلا الاسماء ولكنه تلقف من الطامات كلمات ترددها لدى الاغبياء كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن السماء وينظر إلى أصناف العباد والعلماء بعين الازدراء يقول في العباد : إنهم اجراء متعبون وفي العلماء إنهم بالحديث عن الله لمحجوبون ، ويدعي لنفسه من الكرامات ما لا يدّعيه نبي مقرّب ، لا علما أحكم ولا عملا هذب ، يأتي إليه الرعاع الهمج من كل فج أكثر من اتيانهم مكة للحج ، يزدحم عليه الجمع ويلقون إليه السمع .
وربما يخرون له سجودا كأنهم اتخذوه معبودا ، يقبّلون يديه ويتهافتون على قدميه ، يأذن لهم بالشهوات ويرخّص لهم بالشبهات ، يأكل ويأكلون كما تأكل الأنعام ، ولا يبالون من حلال أصابوا أم من حرام ، وهو لحلوائهم هاضم ولدينهم وأديانهم حاطم .
ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلّونهم بغير علم ، ألا ساء ما يزرون .

= والروايات الواردة في التشنيع على هذه الفرقة الهالكة كثيرة .
منها ما في السفينة أيضا عن الامام الحسن العسكري (ع) انه قال لابي هاشم الجعفري : يا ابا هاشم سيأتي زمان على الناس وجوههم ضاحكة مستبشرة ، وقلوبهم مظلمة منكدرة ، السنة فيهم بدعة ؛ والبدعة فيهم سنة المؤمن بينهم محقر ، والفاسق بينهم موقر ، امراؤهم جائرون ، وعلماؤهم في أبواب الظلمة سائرون ، أغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء ، وأصاغرهم يتقدمون على الكبراء ، كل جاهل عندهم خبير ، وكل محيل عندهم فقير ، لا يميزون بين المخلص والمرتأب ، ولا يعرفون الضان من الذئاب .
علماؤهم شرار خلق الله على وجه الأرض ، لأنهم يميلون إلى الفلسفة والتصوف وأيم الله انهم من أهل العدوان والتحرف ، يبالغون في حب مخالفينا ، ويضلون شيعتنا وموالينا ، فان نالوا منصبا لم يشبعوا عن الرشا ، وان خذلوا عبدوا الله على الريا ، إلا انهم قطاع طريق المؤمنين «الدين خ» والدعاة إلى نحلة الملحدين ، فمن أدركهم فليحذرهم وليصن دينه وإيمانه .
ثم قال : يا أبا هاشم هذا ما حدثني أبي عن آبائه عن جعفر بن محمد (عليهم السلام) وهو من اسرارنا فاكتمه إلا عن أهله . ومنها ما فيه أيضا عن النبي (ص) انه قال : لا تقوم الساعة على امتي حتى يقوم قوم من امتي اسمهم الصوفية ليسوا مني ، وانهم يحلقون للذكر ويرفعون أصواتهم يظنون انهم على طريقتي بل هم اضل من الكفار ، وهم اهل النار لهم شهيق الحمار الخ .
(1) شهيق الحمار آخر صوته وشهق الرجل ردد نفسه مع سماع صوته من حلقه . ونهاق الحمار صوته وقد نهق ينهق نهيقا ونهاقا إذا صوت .

السابق السابق الفهرس التالي التالي