ادب الطف ـ الجزء الاول 256


وكان يحمل الجراب ليلا على ظهره فيتصدق ويقول: ان صدقة السر تظفىء غضب الرب. وعن ابي جعفر الباقر أيضا قال: إنه يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره فيأتي بابا بابا فيقرعه ثم يناول من يخرج اليه ويغطي وجهه إذا ناول فقيرا لئلا يعرفه، فلما مات وجدوه يعول بمائة بيت من أهل المدينة وكثيرا ما كانوا قياما على أبوابهم ينتظرونه فاذا رأوه تباشروا به وقالوا: جاء صاحب الجراب.
وكانت له جارية تصب الماء على يده فوقع الإبريق عليه فشجه،فرفع اليها رأسه فقالت: و الكاظمين الغيظ. قال: كظمت غيظي. قالت: والعافين عن الناس. قال: عفوت عنك. قالت: والله يحب المحسنين. قال لها: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى. وأمر لها بمال تستعين به على حياة الحرية. روى ذلك علي بن عيسى الاربلي في كشف الغمة.
وان رجلا من أهل المدينة وقف عليه و شتمه، فأراد الوقيعة به غلمانه، قال لهم دعوه ثم دفع له ثوبه وفيه الف درهم، فصاح الرجل: أنت ابن رسول الله حقا (1).
ولقيه رجل فسبه فقال: يا هذا بيني و بين جهنم عقبة، إن أنا جزتها فما أُبالي بما قلت، وإن لم أجزها فأنا أكثر مما تقول، و ألقى إلين أموالاً فانصرف خجلا (2)
قال ابن حجر في الصواعق: زين العابدين علي بن الحسين هو الذي خلف أباه علما وزهدا و عبادة، و كان إذا توضأ للصلاة اصفر لونه ، و قيل له في ذلك قال: ألا تدرون بين يدي من أقف.

(1) روى ذلك الامام الغزالي في كتابه(التبر المسبوك)
ادب الطف ـ الجزء الاول 257


وروى انه حج على ناقته عشرين حجة فما فزعها بسوط، وفي رواية اثنتين و عشرين حجة، ولقد سئلت عنه مولاة له فقالت: أأطنب أم أختصر؟ فقيل لها بل اختصري : فقالت: ما أتيته بطعام في نهار قط و ما فرشت له فراشا بليل قط. و جرى ذكره في مجالس عمر بن عبد العزيز فقال: ذهب سراج الدنيا و جمال الاسلام زين العابدين، وكان عليه السلام لا يضرب مملوكا له، بل يكتب ذنبه عنده حتى اذا كان شهر رمضان جمعهم و قررهم بذنوبهم وطلب منهم أن يستغفروا الله كما غفر لهم ثم يعتقهم و يجيزهم بجوائز، اي يقض عليهم الهبات والصلاة، وما استخدم خادما فوق حول.
وفي العقد الفريد لابن عبد ربه قال: ووفد الناس عليه في المسجد يلمسون يده محبة للخير وتفاؤلا، فكأن الرجل يدخل إلى مسجد رسول الله فيراه ، فيذهب اليه من فوره او بعد صلاته يقبل يده ويضعها على عينيه يتفاءلون و يرجون الخير.
وكان إذا انقضى الشتاء تصدق بكسوته. و كان لا يأكل طعاما حتى يبدأ فيتصدق بمثله. وأراد الحج فاتخذت له اخته سكينة طعاما بألف درهم فلما صار بظهر (الحرّة) تصدق به على المساكين.
ولما كانت وقعة الحرة أراد مروان ان يستودع أهله فلم يأموهم احد و تنكر الناس له - ومروان من يعرف التأريخ كرهه لأهل البيت - إلا الإمام زين العابدين فانه جعل أهل مروان مع عياله، وجمع اربعمائة ضائنة (1)بحشمهن فضمهن الى بيته، حتى قالت واحدة: والله ما عشت بين أبوي كما عشت في كنف ذلك الشريف. وحكى عن ربيع

(1) الضائنة: هي المرأة الضعيفة.
ادب الطف ـ الجزء الاول 258


الابرار للزمخشري: انه لما وجه يزيد بن معاوية قائده مسلم بن عقبة لاستباحة المدينة المنورة، ضم علي بن الحسين عليه السلام إلى نفسه أربعمائة ضائنة بحشمهن يعولهن إلى ان تقوض جيش الشام فقالت إمرأة منهن: ماعشت والله بين أبوي بمثل ذلك الشريف.
وروى الحر العاملي في(الوسائل) عن عدة الداعي قال: كان زين العابدين (ع) يقبل يده عند الصدقة، فقيل له في ذلك فقال: إنها تقع في يد الله قبل ان تقع في يد السائل. قال و قال رسول الله: ما تقع صدقة المؤمن في يد السائل حتى تقع في يد الله ، ثم تلا هذه الآية « ألم تعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده و يأخذ الصدقات ». وكان عليه السلام من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يستمعون قراءته.
قال عمر بن عبد العزيز يوما - و قد قام من عنده علي بن الحسين - : من أشرف الناس، قالوا: انتم. فقال: كلا، إن أشرف الناس هذا القائم من عندي آنفا، من أحب الناس أن يكونوا منه، و لم يحب أن يكون من أحد. واليه يشير أبو الاسود الدؤلي بقوله:
وإن وليدا بين كسرى و هاشم لأكرم من نيطت عليه التمائم
قال صاحب ربيع الأبرار: كان زين العابدين يقول: أنا ابن الخيرتين فان جده رسول الله، و امه ابنة ملك الفرس. لأن رسول الله(ص) قال: لله من عباده خيرتان: فخيرته من العرب قريش، و من العجم فارس أقول و من المناسب قول الشاعر الفحل المهيار الديلمي الذي يفتخر فيه بنفسه و حسبه:
اعجبت بي بين نادى قومها أُم سعد فمضت تسأل بي


ادب الطف ـ الجزء الاول 259


سرها ما عـلمت من خـلقي فارادت علمها ما حـسـبي
لا تـخالي نـسبا يخفضنـي أنا من يرضيك عند النـسب
قومي استولوا على الدهر فتى وبنوا فـوق رؤس الحـقب
عمموا بالـشمي هامـاتـهم وبـنوا أبـياتـهم بالشـهب
وأبـي كسـرى علـى إيوانه أين في النـاس أب مثل أبي
سورة الـملك القدامـى وعلى شرف الإسـلام لي و الادب
قد قبست المجد من خيـر أب وقبـس الـدين من خير نبي
وضمـمت الفخـر من اطرافه سودد الفرس و دين العـرب

وسئل الإمام علي بن الحسين عليه السلام عن العصبية فقال: العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية ان يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية ان يعين قومه على الظلم.

بين الانسانية و الروحانية:


رابع الأئمة الأمجاد علي بن الحسين السجاد هو الإمام بعد أبيه وثبتت إمامته بوجوه الاول أنه افضل الخلق بعد ابيه علما و عملا و الامامة للافضل دون المفضول، الثاني ثبوت الإمامة في العترة خاصة بالنظر والخبر عن النبي(ص) وفساد قول من ادعاها لمحمد بن الحنفية لعدم النص عليه فيثبت انها في علي بن الحسين(ع) ، الثالث وورد النص عليه من رسول الله(ص) ومن جده أمير المؤمنين في حياة أبيه و من وصية ابيه.

ادب الطف ـ الجزء الاول 260


اتفق المخالف و المؤالف على فضل هذا الإمام، وفي كتب مناقب أهل البيت التي الّفها علماء الفريقين الشيء الكثير من فضائله ، و لقد قال سعيد ابن المسيب من التابعين في جواب قرشي سأله عن حين دخل عليه: هذا الذي لا يسع مسلما أن يجهله هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وقال الزهري: مارأيت قرشيا افضل منه. وقال ابن خلكان: وهو احد الأئمة الاثنى عشر ومن سادات التابعين، و كان يصلي في اليوم والليلة الف ركعة، و هذا مبلغ اجتهاده في العبادة. وأما مقاماته. في الزهد و العزوف عن الدنيا و الحلم و العلم و البلاغة و حسبه ما أثر عنه فيها من صحيفته التي هي فرقان العابدين و المعجزة الخالدة من معجزات البيان وهي تتلى في المحاريب و ماطن الذكر و الفكر كما تتلى آيات القرآن فهي مقامات لم يضارعه بها احد من أهل عصره وما كان محله منها إلا كمحل آبائه المعصومين وسبيله سبيلهم ولا غرو فانه فرع من تلك الشجرة التي أصلها ثابت و فرعها في السماء.
واما جلالة قدره و مبلغ هيبته في النفوس فينبئلك عنها ما رواه غيره واحد من رواة السنة والشيعة متواترا و اليك حديثه و هو ان هشام بن عبد الملك بن مروان لما حج و طاف بالبيت أراد ان يستلم الحجر فلم يقدر لكثرة ازدحام الناس عليه فنصب له منبر وجلس عليه، وكان معه رؤساء أهل الشام وبينما هو ينظر إلى الناس وإذا بعلي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب سلام الله عليه قد اقبل وهو احسن الناس و جها، واطيبهم ارجا، والطفهم شمائلا فطاف بالبيت فلما انتهى الى الحجر تنحى له الناس حتى استلم فقال رجل من اهل الشام من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة، فقال هشام وقد اغتاظ من إجلال الشعب غيره لا اعرفه فقام الفرزدق - (1) وقال لكني اعرفه:

(1) الفرزدق من أفخر شعراء عصره واجزلهم لفظا، و امتنهم مدحا =
ادب الطف ـ الجزء الاول 261


هذا الذي تعرف البطحاء وطأتـه والبيت يعرفه والحل والحــرم
هذا الـذي احمد المختـار والـده صلـى الإله عليه ماجري القـلم

= ولد في البصرة عام 19 هـ و كانت يومئذٍ حاظرة الأدب و البيان وبعد أن نشأ بها و ترعرع أخذ والده يوحي اليه آيات القريض و يلقنه ما يستحسنه من ديوان العرب، وهكذا ظل يغذيه حتى انفجرت قريحته وفاضت طلاقة لسانه واتسم بطابع النبوغ و العبقرية، فقدمه أبوه بعد واقعة الجمل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قائلا: إن ابني هذا يوشك أن يكون شاعرا مجيدا فقال الإمام عليه السلام: احفظه القرآن فهو خير له، فرسخت هذه النصيحة الغالية في ذهن الفرزدق فقيد رجله وحلف أن لا يفك قيده حتى يحفظ القرآن .
وكان الفرزدق عريقا في المجد و السؤدد كريم المنبت والعنصر ولآبائه و أجداده خصال مشهورة تدل على رفعة قدرهم و علو منزلتهم و ابوه غالب المشهور بالسخاء وجده صعصعة الذي فدى المؤدات ونهى عن قتلهن، وقيل أنه أحى الف مؤدة، والصحيح ما بيّنه الفرزدق بقوله أحيا جدي إثنين و تسعين مؤدة وفي جده هذا يقول مفتخرا في إحدى قصائده المشهورة.
ومنا الذي احيى الوئيد و غالب وعمرو ومنا حاجب والأقارع
أولئك آبائي فجئنـي بـمثلهم اذا جمعتنا ياجـرير المـجامع

قال السيد المرتضى في أماليه: ان الفرزدق مع تقدمه في الشعر و بلوغه فيه الذروة العليا والغاية القصوى شريف الاباء كريم المنبت و لآبائه مآثر لا تدفع. اقول: و قصته مع سليمان بن عبد الملك تعرفنا قيمته و قد ذكرها ابن ابي الحديد في شرح النهج، عن أبي عبيدة قال: كان الفرزدق لا =
ادب الطف ـ الجزء الاول 262


هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبيــاء الله قد خُتموا
إذا رأته قريش قال قــائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكـرم


= ينشد بين يدي الخلفاء و الولاة إلا قاعدا، فدخل على سليمان بن عبد الملك يوما فأنشده شعرا فخر فيه بآبائه منه قوله:
تالله ما حملت من ناقة رجلا مثلي إذا الريح لفتني على الكور
فقال سليمان هذا المدح لي أم لك؟ قال: لي ولك يا أمير المؤمنين. فغضب سليمان: وقال: قم فأتمم ولا تنشد بعدها إلا قائما، فقال الفرزدق لا والله لا افعل او يسقط اكثر شعري الى الارض، فغضب سليمان وارتفع صوته فسمع الضوضاء بالباب فسأل عنها فقيل له: بنو تميم يقولون لا ينشد الفرزدق قائما وأيدينا في مقابض سيوفنا. قال: فلينشد قاعدا. وعند ذلك انصرف بنو تميم عن باب سليمان.
ومن المشهور ان الفرزدق صادف الحسين عليه السلام في طريقه الى العراق فسلم عليه و سأله الحسين. والرواية تقول: لقيت الحسين عليه السلام خارجا من مكة و معه أسيافة و تراسه، قال فقلت: لمن هذا القطار، فقيل للحسين بن علي فاتيته فسلمت عليه وقلت له: اعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب ، بأبي انت و امي يابن رسول الله ما اعجلك على الحج، فقال لو لم اعجل لأخذت ، ثم قال لي: من انت ، قرت امرؤ من العرب ، فلا و الله ما فتشني عن اكثر من ذلك ، ثم قال لي اخبرني عن الناس خلفك، فقلت: الخبير سألت، قلوب الناس معك و أسيافهم عليك، و القضاء ينزل من السماء و الله يفعل ما يشاء فقال صدقت لله الامر كل يوم هو في شأن إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله علي نعمائه و هو المستعان على أداء الشكر وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد من كان الحق نيته و التقوى سيرته، فقلت له: أجل بلغك الله ما تحب، =
ادب الطف ـ الجزء الاول 263


ينمـي الى ذروة العزّ التي قصُرتْ عن نيلها عرب الاسـلام والـعـجم
يكـاد يمـسكـه عرفان راحـتـه ركن الحـطيم إذا مـاجـاء يـستلم
لو يـعلم الركن من قد جاء يلثـمه لخر يلــثم امـنـه ماوطا القــدم
في كـفـه خـيزران ريحه عـبق من كف أروع في عرنينـه شــمم
يغضي حـياء و يغضي من مهابته فما يــكلم إلا حيــن يبـتـسـم
مـن جـده دان فـضل الانبياء له وفـضل أمـته دانت له الامـــم
ينـشق نور الضحى عن نور غرته كالشمس ينجاب عن اشراقها الـظلم
مشـتقة من رسـول الله نبـعتـه طابت عناصره و الخيم (1) والشيـم
اللـه شـرفـه قــدما و فضـله جـرى بذلك له في لوحـه الـقلـم
وليس قــولك من هذا بـضـائره العرب تعرف من انـكرت والعـجم
كلـتا يديـه غــياث عم نفـعهما تسـتو كفـان ولا يـعروهما الـعدم
سهل الخليقـة لا تـخشـى بوادره يزينه اثنان حـسن الخـلق والـكرم
لا يخـلف الوعد ميـمون نقيبتـه رحب الفناء أريب (2) حيـن يعـتزم

= وكفاك ما تحذر، و سألته عن اشياء من نذور و مناسك فاخبرني بها وحرك راحلته وقال: السلام عليك. ثم افترقنا ووقف الفرزدق وهو شيخ في ظل الكعبة فتعلق باستارها وعاهد الله ان لا يكذب ولا يشتم . و من شعره في ذلك.
ألم ترني عاهدت ربي وأننـي لبين رثـاج قائمـا ومقــام
على حلفة لا اشتم الدهر مسلما ولا خارجا من فيّ زور كلام
رجعت الى ربي و ايقنت أنني ملاق لأيام المنـون حمامـي
(1) الخيم بالكسر: السجية و الطبيعة، بلا واحد.
(2) الاريب: العاقل.
ادب الطف ـ الجزء الاول 264


ماقـال لا قـط إلا فـي تـشهده لو لا التـشـهـد كانت لاءه نــعم
عم البرية بـالاحـسان فانـقلعت عنهـا الغوايـة و الامـلاق والعُـدُم
من معشر حـبهم دين و بغـضهم كفـر وقربـهـم ملجـى و معتـصم
ان عد أهل التقى كانـوا أئمـتهم او قيل من خير أهل الارض قيل: هم
لا يستـطيع جواد بعـد غايتهـم ولا يـدانـيـهـم قـوم وإن كرمـوا
هم الغيـوث اذا ما ازمة أزمـت والاسد اسد الشرى و البـاس محتـدم
لا ينقص العسر بسـطا من اكفهم سـيان ذلك ان اثروا و ان عـدمـوا
يستدفع السوء و الـبلوى بـحبهم ويسـتزاد به الاحــسـان والـنعم
مقدم بعـد ذكــر الله ذكـرهـم في كـل بدء و مخـتـوم بـه الكلم
من يعرف الـله يـعرف أولية ذا فـالدين من بـيت هذا نـاله الامـم
فتكدر هشام و شق عليه سماع هذه القصيدة، و قال له: ألا قلت فينا مثلها، قال: هات جدا كجده وأبا كأبيه، و اما كأمه حتى اقول مثلها. فأمر بحبس الفرزدق بعسفان - بين مكة و المدينة - فبلغ الامام خبره فبعه اليه باثنى عشر الف درهم ، فردها الفرزدق وقال: انا مدحته لله تعالى لا للعطاء. فبعث بها الامام ثانية واقسم عليه في قبولها وقال له: قد رأى الله مكانك، وعلم نيتك و شكر لك . و نحن اهل البيت اذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه، فقبلها امتثالا لأمر امامه, وظل يهجو هشام وهو في الحبس. ومما هجاه به قوله:
أيحبـسني بين المدينة والتي اليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد وعيـنا له حولاء باد عيوبهـا
فبلغ شعره هشاما فاطلقه.
قال شيخ الحرمين ابو عبد الله القرطبي: لو لم يكن لأبي فراس عند

ادب الطف ـ الجزء الاول 265


الله عمل إلا هذا دخل به الجنة لأنها كلمة حق عند سلطان جائر.
أقول و مما روى هذه القصيدة و نص على أنها قيلت في الامام زين العابدين جماعة من أبناء السنة و الجماعة منهم: الشبلنجي في نور الابصار و حصري في زهر الآداب، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص، و السيوطي في شرح شواهد المغني، و ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة وابن حجر في الصواعق، والحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، و أبو نعيم في حلية الأولياء.

اقواله وحكمه :


كان زين العابدين الى جانب ما اشتهر به من الزهد و التقوى و الكرم نسيج وحده في عصره وان الباحث متى راح يبحث في نواحي عظمة هذا الامام ارتفع الى عالم الروحانيات و هذه الصحيفة السجادية التي تجمع أدعية الامام و ابتهالاته و هي الواح خالدة من البلاغة و الحكمة و الفلسفة و معرفة الله يقول عليه السلام في حمده لله و تمجيده: الحمد لله الأول بلا أول كان قبله، و الآخر بلا آخر يكون بعده، الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين، و عجزت عن نعته أوهام الواصفين، ابتدع بقدرته الخلق ابتداعا، و اخترعهم على مشيئته اختراعا، ثم سلك بهم طريق إرادته وبعثهم في سبيل محبته، لا يملكون تأخيرا عما قدمهم اليه ولا يستطيعون تقدما إلى ما اخرهم عنه و جعل لكل روح منهم قوتا معلوما مقسوما من رزقه، لا ينقص من زاده ناقص، ولا يزيد من نقص منهم زائد، ثم ضرب له في الحياة اجلا موقتا، و نصب له أمدا محدودا، يتخطا اليه بايام عمره، و يرهقه باعوام دهره حتى إذا بلغ اقصى أثره و استوعب حساب عمره قبضه إلى ما ندبه اليه من موفور

ادب الطف ـ الجزء الاول 266


ثوابه أو محذور عقابه ليجزي الذين أساؤا بما عملوا او يجزي الذين أحسنوا بالحسنى عدلا منه تقدست اسماؤه و تظاهرت آلؤه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون و الحمد لله الذي لو حبس عن عباده معرفة حمده على ما أبلاهم من مننه المتتابعة واسبغ عليهم من نعمه المتظاهرة، لتصرفوا في مننه فلم يحمدوه، و توسعوا في رزقه فلم يشكروه، و لو كانوا كذلك لخرجوا من حدود الانسانية الى حدود البهيمية، فكانوا كما وصف في محكم كتابه«ان هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا».
ومن دعائه في مكارم الاخلاق قوله.
اللهم صل على محمد و آله وحلني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتقين، في بسط العدل و كظم الغيظ، وإطفاء النائرة، و ضم أهل الفرقة و أصلاح ذات البين، و لين العريكة، و خفض الجناح و حسن السيرة و السبق الى الفضيلة، والقول بالحق و ان عز، واستقلال الخير و ان كثر من قولي و فعلي، واستكثار الشر و ان قل من قولي و فعلي و لا ترفعني في الناس درجة الا حططتني عند نفس مثلها، ولا تحدث لي عزا ظاهرا إلا احدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها.
اللهم ان رفعتني فمن ذا الذي يضعني، و ان وضعتني فمن ذا الذي يرفعني، وان اكرمتني فمن ذا الذي يهينني، و ان اهتني فمن ذا الذي يكرمني و ان عذبتني فمن ذا الذي يرحمني.
اللهم ألبس قلبي الوحشةمن شرار خلقك، و هب لي الانس بك و باوليائك و أهل طاعتك.
وهكذا ناجى الامام زين العابدين ربه بأدعية جمعت في كتاب اسمه (الصحيفة السجادية) واسلوبها اشبه باسلوب نهج البلاغة لجده أمير المؤمنين وتسمى أيضا بزبور آل محمد و انجيل اهل البيت وقد اشتملت على

ادب الطف ـ الجزء الاول 267


أفانين من التضرع والابتهال. و تبدو هذه الادعية لأول وهلة، انها روحية محضة لاتمت الى المادة بسبب و لكن بالتأمل تظهر صلتها الوثيقة بالعيش والاسرة وبالمجتمع وتراها دروسا قيمة منتزعة من صميم المجتمع. ان ظروف الإمام السجاد عليه السلام - وهو في عهد المروانيين - لم تسمح له أن يرتقى منبر الارشاد بأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، لكنه مع حراجة موقفه استطاع أن يداوي المجتمع ويهديه الى سبيل الخير عن طريق الدعاء، فقد ضمن هذه الصحيفة السجادية دعوته الأصلاحية، وأهدافه العالية و آرائه الصائبة التي تهدف إلى المثل العليا.
ان الصحيفة تحتوي على 54 دعاء وهي: التحميد لله عز وجل، والصلاة على محمد و آله ، الصلاة على حملة العرش، الصلاة على مصدقي الرسل، دعاؤه لنفسه وخاصته، دعاؤه عند الصباح و المساء،دعاؤه في المهمات،دعاؤه في الاستعاذة، دعاؤه في الاشتياق، دعاؤه في اللجاء الى الله، دعاؤه بخواتم الخير، دعاؤه في الاعتراف، دعاؤه في طلب الحوائج، دعاؤه في الظلامات، دعاؤه عند المرض، دعاؤه في الاستقالة، دعاؤه على الشيطان، دعاؤه في المحذورات، دعاؤه في الاستسقاء، دعاؤه في مكارم الأخلاق، دعاؤه اذا احزنه امر، دعاؤه عند الشدة، دعاؤه بالعافية، دعاؤه لأبويه، دعاؤه لولده، دعاؤه لجيرانه، دعاؤه لأهل الثغور، دعاؤه في التفرغ، دعاؤه اذا قتر عليه، دعاؤه في المعونة على قضاء الدين، دعاؤه بالتوبة، دعاؤه في صلاة الليل، دعاؤه في الاستخارة، دعاؤه اذا ابتلى ورأى مبتلى بفضيحة بذنب، دعاؤه في الرضا بقضاء الله، دعاؤه في عند سماع الرعد، دعاؤه في الشكر، دعاؤه في الاعتذار، دعاؤه في طلب العفو، دعاؤه في عند ذكر الموت، دعاؤه في طلب الستر والوقاية، دعاؤه عند ختمه القرآن، دعاؤه اذا نظر الى الهلال، دعاؤه لدخول شهر رمضان، دعاؤه لوداع شهر

ادب الطف ـ الجزء الاول 268


رمضان، دعاؤه للعيدين والجمعة، دعاؤه لعرفة، دعاؤه للأضحى والجمعة، دعاؤه في دفع كيد الأعداء، دعاؤه في الرهبة، دعاؤه في التضرع والاستكانة، دعاؤه في الالحاح، دعاؤه في التذلل، دعاؤه في استكشاف الهموم.
وهي في الغاية من الاعجاز قد تكفلت ببيان كل ما يعترض المسلم المؤمن من مشاكل في الدين والعلم والاجتماع، بل و هي الطب النفسي والعلاج الروحي.
ان للانسان حالات كثيرة من حزن و فرح، ورخاء و شدة، وسعة وتقتير، و صحة و مرض،ومودة و عداوة، وطاعة و معصية، الى غير ذلك من الامور. وانك لترى في الصحيفة استقصاء لهذه الحالات وعلاجا لادوائها وحلا لمشكلاتها. وإنما سميت بالصحيفة الكاملة لكمالها فيما أُلفت له أو لكمال مؤلفها، فمن بين ملايين اكتب في المكتبة البشرية الواسعة ليست اعظم من الكتب الثلاث:
1- القرآن الكريم. وهو اولها وسيدها.
2- نهج البلاغة. للامام أمير المؤمنين علي عليه السلام.
3- الصحيفة السجادية،وهما مستمدان من القرآن داعيان له.
إن أدعية الصحيفة يحسن بلاغتها وكمال فصاحتها احتوت على لباب العلوم الالهية والمعارف اليقينية حتى قال بعض العرفاء: أنها تجري مجرى التنزيلات السماوية و تسير مسير الصحف اللوحية.
قال ابن الجوزي في خصائص الأئمة: لو لا امير المؤمنين على عليه السلام لما كمل توحيد المسلمين وعقائدهم إذ أن النبي(ص) وضع اصولا

ادب الطف ـ الجزء الاول 269


لهذه العقائد اما الدقائق من كون الصفات ذاتيه و فعليه وان ايها عين ذاته تعالى و ايها ليست بعينه - الى ان قال في حق الامام زين العابدين عليه السلام: ان له حق الأملاء و التعليم والإنشاء و كيفية المكالمة والمخاطبة و عرض الحوائج الى الله تعالى، فانه لولاه لم يعرف المسلمون كيف يتكلمون و يتفوهون مع الله سبحنه في حوائجهم، فان هذا الإمام علّمهم بانه متى ما استغفرت فقل كذا، ومتى ما خفت فقل هكذا واذا كنت في شدة فقل كذا، وان عجزت عن تدبير أمر فقل كذا ، و ان كنت مظلوما فاقرأ دعاء كذا.
يقول الاستاذ عبد الهادي المختار في شرحه لرسالة(الحقوق): كنت قبل اطلاعي على رسالة الحقوق للامام زين العابدين - اعتقد ان الامام زين العابدين رجل محراب ولا هم له إلا الصلاة والعبادة والزهد والبكاء و الانصراف الى الله، و لكني علمت بعد ذلك انه رجل دولة وواضع شريعة، و منشيء قانون، وعلمت لماذا حارب علي معاوية، ولماذا صالح الحسن معاوية، او لماذا أضحى الحسين بنفسه وولده، وعلمت ان التشريح و التقنين ليس بجديد و انما أخذه غيرنا عنا، فصرنا نقلدهم في ما استفادوه منها و نستفاد ما فقدناه.
أقول وفي العهد الصفوي ذلك العهد الذي كان ازهى عصوره للعلم لا تكاد تبجد بايران - سيما اصفهان - دارا فيها القرآن الكريم إلا وجدت معه الصحيفة الكاملة و ذلك حسب ما ادبهم أئمتهم عليهم السلام و عنايتهم بهذه الثروة العلمية التي هي أثمن تراث إسلامي، و كان أهل البيت لا يفارقونها سفرا و حضرا كما ورد ان يحي بن زيد بن علي بن الحسين كان وهو في طريقه الى خراسان يخرجها و يقرأ فيها.
يقول العلامة محمد جواد مغنية: وما قرأها إنسان من اي لون كان إلا

ادب الطف ـ الجزء الاول 270


تقلبه الى اجواء يشعر معها بنشوة لا عهد لاهل الارض بمثلها، و منذ اطلعت عليها احسست بدافع قهري يسوقني الي التفكير في كلماتها والكتابة عنها، و الدعوة اليها، ونشرها بين جميع الطوائف ، فكتبت عنها فصلا في كتاب : (مع الشيعة الامامية) بعنوان: مناجاة. و آخر في كتاب (أهل البيت) بعنوان: من تسبيحات الامام زين العابدين. وثالثاً في كتاب ( الإسلام مع الحياة) بعنوان: العز الظاهر والذل الباطن. ورابعاً في كتاب( الآخرة والعقل) بعنوان الله كريم.
وأهديتها الى عدد كبير من شيخ مصر و فلسطين و لبنان، والى غبطة البطريرك الماروني بولس المعوشي، ورأيته بعد الإهداء بأيام، فشكرني على الهدية فقلت له: ما الذي استوقف نظركم فيها؟ فقال: قرأت دعاءا لإمام لابويه فترك في نفسي أثرت بالغا.
ومن الذي يقرأ قول الامام : اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف و أبرهما بر الام الرؤف، و اجعل طاعتي لوالدي وبري بهما اقر لعيني من رقدة الوسنان، و اثلج لصدري من شربة الظمآن حتى أوثر على هواي هواهما، واقدم على رضاي رضاهما، واستكثر برهما بي وان قل واستقل بري بهما وان كثر.
من الذي يقرأ هذا القول ولا يترك في نفسه أعمق الآثار، يهابهما هيبة السلطان العسوف مع مخالطته لهما ودنوه منهما و علمه برأفتهما، انها هيبة التعظيم و التوقير لاهيبة الخوف من الحساب و العقاب، هيبة الابوة التي لا يقدرها الا العارفون.
ثم اقرأ معي هذه الكلمات للإمام:
اللهم وما تعديا علي فيه من قول، أو أسرفا علي فيه من فعل،

ادب الطف ـ الجزء الاول 271


أو ضيعاه من حق، أو قصر أبي عنه من واجب فقد وهبته لهما، وجدت به عليهما ورغبت اليك في وضع تبعته عنهما فاني لا اتهمهما على نفسي، ولا استبطأهما في بر، ولا اكره ما تولياه من أمري يارب.
أقول ومن ابلغ الدروس في مراعاة حقوق الآخرين و معاونتهم وتحقيق معنى الاخوة الإسلامية قوله عليه السلام في دعائه:
اللهم اني اعتذر اليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره، ومن معروف أسدي الي فلم اشكره، و من مسيء اعتذر الي فلم اعذره، و من ذي فاقة سألني فلم أوثره، ومن حق ذي حق لزمي لمؤمن فلم أوفره، ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم أستره.
إن هذا الاعتذار من أبدع ما ينبه النفس الى ما ينبغي عمله من هذه الاخلاق الالهية العالية و المثالية التي لم يحلم بها أرقى عصره في المدنية.
حكى ابن شهر آشوب المتوفي سنة588 في كتابه مناقب آل أبي طالب: ان بعض البلغاء بالبصرة ذكرت عنده الصحيفة الكاملة فقال: خذوا عنى حتى أملي عليكم مثلها, فاخذ القلم و القرطاس وأطرق رأسه فما رفعه حتى مات.
كتب عنه كثير من العلماء والمفكرين و شروحها تزيد على الخمسين شرحا وقد كتب الدكتور حسين محفوظ مقالا عنها وقال: انها ترجمت الى الانكليزية و الارودية والفارسية وان شراحها عددهم 58 شارحا أقول ولعل اجود هذه الشروح و اغزرها ما كتبه السيد عليخان المسمى بـ( رياض السالكين) كتاب ضخم ممتع قد طبع طباعة حجرية قديمة بالقطع الكبير.

ادب الطف ـ الجزء الاول 272


وفاته :


روى ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: ان الامام علي بن الحسين مات مسموما، سمه الوليد بن عبد الملك. وقال الصدوق وابن طاووس في الاقبال: سمه الوليد بن عبد الملك. فلما توفي غسله ولده محمد الباقر و حنطه وكفنه وصلى عليه و دفنه.
قال سعيد بن المسيب: وشهد جنازته البر و الفاجر، وأثني عليه الصالح و الطالح، وانهال الناس يتبعونه حتى لم يبق احد، و دفن بالبقيع مع عمه الحسن في القبة التي فيها العباس.
توفي عليه السلام بالمدينة سنة خمس وتسعين من الهجرة في شهر المحرم الخامس والعشرون منه وله سبع وخمسون سنة من العمر، والعقب من الحسين منحصر فيه، و منه تناسل ولد الحسين عليه السلام.

ادب الطف ـ الجزء الاول 273


شاعر يرثي علي الاكبر(ع)


قال ابو الفرج في المقاتل: حدثني احمد بن سعيد عن يحيى عن عبيد الله بن حمزة عن الحجاج بن المعتمر الهلالي عن أبي عبيد ة و خلف الاحمر ان هذه الابيات قيلت في علي الاكبر:
لم تر عـين نظــرت مـثـله من محتف يمشي و من ناعل
يغـلي نهيء (1) اللحـم حتى إذا أنضج لم يغـل على الآكـل
كـان إذا شـبّـت لـه نــاره يوقدها بالـشـرف الكـامـل
كيـما يراهـا بائــس مرمـل أو فرد حـي لـيس بالآهـل
أعني ابن ليلى ذا السدى والندى (2) أعني ابن بنت الحسب الفاضل
لا يؤثر الدنيــا علـى دينــه ولا يـبيع الـحق بالـبـاطل


(1) النهي، بوزن امير: اللحم الذي لم ينضج و (نيء) مهموزاً ، هو كل شيء شانه ان يعالج بطبخ او شيء لم ينضج فيقال: لحم نيء. قال في المصباح: و الابدال والادغام عامي. ورواها السيد الامين: يغلى بنيء اللحم، وقال: و تعدية يغلي بالباء مع انها متعدية بالهمزة لانه اراد يغلي الماء والقدر بنيء اللحم، ورواها في ابصار العين(نهيء) بوزن امير و لكنها مخالف لما جاء في (المقاتل) و(السرائر) مع عدم الوثوق بصحتهما. وقوله يغلى الاولى من الغليان، والثانية من الغلاء مقابل الرخص. و جاء في ابصار العين للشيخ السماوي( يوقدها بالشرف القابل) وقال: القابل: المقبل عليك و منه عام قابل. وفي بعض النسخ: يوقدها بالشرف الطائل.
(2) (السدى) ندى اول الليل ففي مصباح المنير مادة(ندى) ان ما يسقط اول الليل من البلل يقال له:سدى. و ما يسقط اخره يقال له: ندى، ويكنى بكل منها و بهما عن الكرم.
ادب الطف ـ الجزء الاول 274


علي بن الحسين الاكبر بن علي بن أبي طالب


ولد في أوائل خلافة عثمان بن عفان، و روى الحديث عن جده علي ابن أبي طالب ثم كما حققه ابن ادريس في السرائر ونقله عن علماء التاريخ و النسب. او بعد جده عليه السلام بسنتين كما ذكره الشيخ المفيد قدس سره في الارشاد، وامه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي. عظيم القريتين والذي قالت قريش فيه«لولا انزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» وعنوا بالقريتين: مكة والطائف. فكان جد ليلى عظيم القريتين، وهو الذي ارسلته قريش للنبي يوم الحديبية فعقد معه الصلح ثم اسلم سنة تسع من الهجرة بعد رجوع النبي(ص) من الطائف، و استأذن النبي في الرجوع لأهله، فرجع ودعا قومه إلى الإسلام فرماه واحد منهم بسهم وهو يؤذن للصلاة فمات فقال رسول الله لما بلغه موته: مثل عروة مثل صاحب (يس) دعا قومه الى الله فقتلوه.
وامها ميمونه بنت أبي سفيان بن حرب بن امية، و لهذا نادى رجل من أهل الكوفة حين برز علي الأكبر للقتال: إن لك رحما بأمير المؤمنين يزيد فان شئت آمنّأك، فقال له: ويلك لقرابة رسول الله أحق أن ترعى.
وروى ابو الفرج ان معاوية قال: من أحق الناس بهذا الامر، قالوا انت قال: لا، اولى الناس بهذا الامر علي بن الحسين بن علي: جده رسول الله ، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني امية، وزهو ثقيف.
وكان يشبه بجده رسول الله(ص) في الخَلق والخُلق (1) و المنطق،

(1) الخلق بضم الخاء الطبع، و بفتحها الصورة.
ادب الطف ـ الجزء الاول 275


ويكنى ابا الحسن. ويلقب بالاكبر لأنه الأكبر من اخيه علي الأصغر.
قال السيد هبة الدين الشهرستاني: وكما شابه النبي في الجسم فقد شابه جده عليا في الاسم كما شابهه في الشجاعة وفي تعصبه للحق حتى انه يوم قال الحسين أثناء مسيره: كأني بفارس قد عن لي على فرس يقول القوم يسيرون والمنايا تسرى اليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت الينا، فقال له: يا أبت لا اراك الله سوء السنا على الحق، قال: بلى والذي اليه مرجع العباد: قال يا أبت اذا لا نبالي بالموت، فقال له: جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده.
قال ابو الفرج وغيره: وكان اول من قتل بالطف من بني هاشم بعد أنصار الحسين علي بن الحسين عليه السلام، فانه لما نظر الى وحدة أبيه تقدم اليه، و هو على فرس له يدعى ذا الجناح - فاستأذنه في البراز- وكان من أصبح الناس وجها و احسنهم خلقا، فأرخى عينيه بالدموع وأطرق، ثم قال: - وقد رفع شيبته الى السماء - اللهم اشهد على هؤلاء فانه قد برز اليهم غلام اشبه الناس خَلقا وخُلقا و منطقا برسولك وكنا اذا اشتقنا الى نبيك نظرنا اليه؛ ثم صاح: يابن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ولم تحفظني في رسول الله، فلما فهم علي الإذن من أبيه شد على القوم وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي نحن و بيت الله أولى بالنبي
والله لايحكم فينا ابن الدعي
فقاتل قتالا شديدا، ثم عاد الى ابيه و هو يقول: يا أبت العطش قد قتلني وثقل الحديد قد اجهدني. فبكى الحسين عليه السلام وقال: واغوثاه أنىّ لي بالماء فقاتل يابني قليلا واصبر فما اسرع الملتقى بجدك

ادب الطف ـ الجزء الاول 276


محمد فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا.
فكر عليهم يفعل فعل أبيه وجده، فرماه مرة بن منقذ العبدي بسهم في حلقه.
وقال أبو الفرج: قال حميد بن مسلم الأزدي: كنت واقفا و بجنبي مرة بن منقذ وعلي بن الحسين يشد على القوم يمنة و يسرة فيهزمهم، فقال مرة: عليّ اثام العرب ان مر بي هذا الغلام لاثكلن به اباه ، فقلت: لا تقل. يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه، فقال: لأفعلن، و مر بنا علي وهو يطرد كتيبة فطعنه برمحه فانقلب على قربوس فرسه فاعتنق فرسه فكر به على الأعداء فاحتوشوه بسيوفهم فقطعوه، فصاح قبل ان يفارق الدنيا: السلام عليك يا أبة هذا جدي المصطفى قد سقاني بكأسه الأوفى وهو ينتظرك الليلة، فشد الحسين عليه السلام حتى وقف عليه - وهو مقطع - فقال: قتل الله قوما قتلوك، يا بني فما أجرأهم على الله و على انتهاك حرمة الرسول، ثم استهلت عيناه بالدموع وقال: على الدنيا بعدك العفا.
وروى أبو الفرج و أبو مخنف عن حميد بن مسلم الأزدي أنه قال: وكأني أنظر الى امرأة قد خرجت من الفسطاط وهو تنادي: يا حبيباه، يابن اخياه. فسألت عنها. فقالوا هذه زينب بنت علي بن ابي طالب. فجاءت حتى انكبت عليه، فجاء الحسين اليها وأخذ بيدها الى الفسطاط ورجعت فقال لفتيانه: احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه ثم جاؤا به فوضعه بين يدي فسطاطه.
وقال السيد ابن طاوس في اللهوف: ثم شهق علي الأكبر شهقة ومات فجاء الحسين حتى وقف عليه ووضع خده على خده وقال: قتل الله قوما قتلوك الى آخر كلامه.

السابق السابق الفهرس التالي التالي