ادب الطف ـ الجزء الاول 211


برئـنا يا رســول الله مـمن أصابك بلأذاة وبالذحـول
ألا يالـيتني وصــلت يمينـي هناك بقائم السيف الصقيل
فجدت على السيوف بحر وجهي ولم أخذل بنيك مع الخذول
وقال ايضاً كما روى ابن قتيبة في الشعر والشعراء عن طبقات ابن معتز.
آل النــبي ومـن يـحبهم يتطامنون مخافة القتل
امنوا النصارى واليهود وهم من امة التوحيد في ازل (1)
قال : و أنشد الرشيد هذا بعد موته فقال: لقد هممت أن أنبشه ثم أحرقه.

(1) الازل: الضيق.
ادب الطف ـ الجزء الاول 212


الشاعر :



هو منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم الكبش الرخم ابن مالك النمري (1)من النمر بن قاسط من نزار، وفاته سنة 190 هجري كما ذكر الزركلي في الاعلام، وذكر غيره سنة 193 هجري .
كنيته ابو الفضل الشاعر الجزري البغدادي كان من خاصة هارون الرشيد وهو في الباطن من محيي اهل البيت عليه السلام، و لما سمع الرشيد قصيدته اللامية غضب غضباً شديداً وأمر أبا عصمة - احد قواده - أن يذهب من فوره الى الرقة ويأخذ منصور النمري ويقطع لسانه و يقتله و يبعث اليه برأسه، فلما وصل ابو عصمة الى باب الرقة رأى جنازة النمري خارجة منه فعاد الى الرشيد وأخبره برفاة النمري فقال الرشيد فألا إذ صادفته ميتاً أحرقته بالنار كذا قال ابن المتعز في ( الطبقات ) . و نجى الله النمري من عذاب الرشيد.
وروى ابن شهر آشوب: أنهم نبشوا قبره, وروى السيد المرتضى في أماليه المعروف بالغرر و الدرر بسنده عن الحافظ أنه قال: كان منصور النمري يأتي باسم هارون الرشيد في شعره و مراده به صاحب منزلة هارون عليه السلام - يعني امير المؤمنين (ع).
وقال السيد حسن الصدر في (تأسيس الشيعة) ذكره ضياء الدين في نسمة السحر في ذكر من تشيع وشعر وحكى عن جماعة من علماء السيدية أنه كان من الشيعة، وكان يورى في مدح هارون الرشيد العباسي بعلي(ع) تلميحاً منه الى الحديث المشهور: أنت مني بمنزلة هارون من موسى كقوله:

(1) النمري بفتح النون و الميم.
ادب الطف ـ الجزء الاول 213


آل الرسول خيار الناس كلهم وخير آل رسول الله هارون
وحكي في الأغاني عنه حكايات موضوعة وضعها اعداؤه كمروان بن أبي حفصة و امثاله، وان صحت فهي من باب التقية، ضرورة ان الامامة بالنص لا بالإرث باجماع الشيعة.

ادب الطف ـ الجزء الاول 214


الامام الشافعي

تأوه قـلـبي والـفـؤاد كئــيب وأرق نـومي فالسـهاد عجيب
فمن مبلـغ، عنـي الحسين رسالةً وإن كرهــتها أنفس وقلـوب
ذبيـح ، بلا جرم كـأن قمـيصه صبيغ بماء الارجوان خضيب
فللسيف إعوال ولـلرمـح رنـة وللخيل من بعد الصهيل نحيب
تـزلزلـت الدنيـا لآل مـحمـد وكادت لهم صم الجبال تذوب
وغارت نجوم واقـشعرت كواكب وهتك استار وشـق جيـوب
يصلى على المبعوث من آل هاشم ويـغزى بنوه إن ذا لعـجيب
لئن كـان ذنـبي حب آل مـحمد فذلك ذنب لـست عنه أتـوب
هم شفعائي يوم حـشري و موقفي إذ ما بدت للناظرين خـطوب (1)


(1) كذا في المناقب و في ينابيع المودة للشيخ سليمان الحنفي القندوزي قال: و قال الحافظ جمال الدين المدني في كتابه(معراج الوصول) ان الامام الشافعي انشد:
ومما نفى نومي و شيب لمتي تصاريف أيام لهن خطوب
الابيات.
ادب الطف ـ الجزء الاول 215


الشاعر :



هو محمد بن ادريس الشافعي المولود سنة 150 والمتوفي سنة 240 بمصر يوم الجمعة سلخ رجب.
نسبه : محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف فالشافعي قرشي النسب.
نشأ يتيما في حجر امه وتولت تربيته عندما خشيت عليه الضيعة فأرسلته الى مكة المكرمة وهو ابن عشر سنين، اما ولادته فكانت بغزة وقيل بعسقلان وقيل باليمن في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة سنة 150 ولقد زاد بعضهم فقال انه ولد في الليلة التي توفي فيها ابو حنيفة وجعلوا ذلك من البشائر فيه والاشارة لعظمته.
قدم الشافعي مكة المكرمة وهو يومئذ ابن عشر سنين فحفظ القرآن الكريم وتعلم الكتابة وكان حريصاً على استماع الحديث، و كان يكتب على الخزف مرة و على الجلود اخرى، واتجه لطلب الفقه وحضر على بعض علماء مكة، ثم توجه الى المدينة وحضر على مالك بن انس واتصل به ،ثم بعد ذلك قدم بغداد ثلاث مرات، وقدم الشافعي الى مصرسة 198 ونزل بالفسطاط ضيفاً كريماً على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فأكرم مثواه ووازره ، وكانت لمحمد بن عبد الله مكانة في مصر ورياسة علمية، وكان أهل مصر لا يعدلون به احداً، وتأكدت بينه وبين الشافعي مودة وإخاء وقام في معونة الشافعي و مؤازرته ونشر علمة و للشافعي شعر كثير في الحكم والنصائح.

ادب الطف ـ الجزء الاول 216


قال ابن خلكان : و من الشعر المنسوب الى الشافعي:
كلما ادبـنى الدهـر اراني نقص عقلي
واذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي

وقال الشافعي: تزوجت امرأة من قريش بمكة، وكنت امازحها فأقول:
ومن البلية أن تحبّ فلا يحبّك من تحبه

فتقول هي:
وتصد عنك بوجهه وتلح أنت فلا تغبه

وقال ابن خلكان: ومن شعله ما نقله من خط الحافظ ابي طاهر السلفي:
إن الذي رزق اليسار و لم يصب حــمداً و لا أجراً لغـير موفـق
الـجد يدنـي كـل أمر شاسـع والجـد يفـتـح كـل باب مغـلق
واذا سـمعت بأن مـجدوداً حوى عودا فاثـمر فـي يديه فـصـدق
واذا سـمعت بأن محـروماً أتى ماء ليـشربه فـغاض فـحــقق
لو كان بالـحيل الغنى لو جدتني بنجـوم أقـطـار الســما تـعلقي
لكن من رزق الحـجا حرم الغنى ضـد ان مــفترقـان أي تفـرق
ومن الدليل على القضاء و كونه بؤس اللبيب و طيب عيش الاحمق

و من قوله:
امطرى لؤلؤاً جبال سرنديب وفيضي آبار تكريت تبرا
همتي همة المـلوك ونفـسي نفس حر ترى المذلة كفرا


ادب الطف ـ الجزء الاول 217


أنا إن عشت لست اعدم قوتا وإذا مت لست أعدم قبرا

وهو القائل:
ولو الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد

كان الامام الشافعي يتظاهر بمدح أهل البيت صلوات الله عليهم ويميل اليهم فيقول:
آل النبـي ذريعـتي وهموا اليه وسـيلتي
ارجو بأن اعطي غدا بيدي اليمين صحيفتي

واشتهر عند قوله:
يا آل بيت رسول الله حبكموا فرض من الله في القرآن انزله (1)
يكفيكم من عظيم الذكر انكـموا من لم يصل عليكم لا صلاة له

ويوضح في الابيات الآتية عن سبب اتهامه بالرفض أو التشيع:
قالوا ترفـضت قلت كـلا ما الرفض ديني واعتقادي
لكن تولــيت دون شـك خير إمام و خير هـادي
إن كان حب الوصي رفضا فإنـني أرفـض العـباد
وروى شيخ الاسلام الحموي في فوائده في الباب الثاني و العشرين من طريق ابي الحسن الواحدي باسناده عن الربيع بن سلمان، قال: قال النبهاني في الشرف المؤبد لآل محمد ص99 روى السبكي في

(1) اشارة الى الآية الشريفة:«قل لا أسئلكم عليه أجراً الا المودة في القربى»
ادب الطف ـ الجزء الاول 218


طبقاته بسنده المتصل الى الربيع بن سليمان المرادي - صاحب الامام الشافعي - قال خرجنا مع الشافعي من مكة نريد منى، فلم ينزل واديا ولم يصعد شعبا إلا وهو يقول:
ياراكبا قـف بالمحصب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض
سحرا اذا فاض الحجيج الى منى فيضا كملـتطم الفرات الفائض
إن كان رفضـا حب آل محـمد فليشهد الثقلان اني رافضــي

ورواها الفخر الرازي في مناقب الشافعي ص15.
وسئل الشافعي يوما عن علي عليه السلام فقال: ما اقول في رجل اخفت أولياءه فضائله خوفا، و أخفت اعداؤه فضائله حسدا وقد شاع من بين ذين ما ملأ الخافقين. و اخذ هذا المعنى السيد تاج الدين فقال:
لقد كتمت آثـار آل مـحمد محبوهم خوفا و أعداؤهم بغضا
فشاع لهم بين الفريقين نبذة بها ملأ الله السماوات والارضا

وقال محمد بن ادريس الشافعي ايضا:
ولما رأيت الناس قد ذهـبت بهـم مـذاهبهم في أبحر الـغي والـجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجا وهم آل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمســكت حبل الله وهو ولاؤهم كـما قد أمرنا بالـتمسـك بالـحبل
اذا افترقت في الدين سبعون فرقة ونـيفا كما قد صح في محـكم النقل


ادب الطف ـ الجزء الاول 219


ولم يـك نـاج منهم غـير فرقة فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقـل
أفـي فـرق الـهلاك آل مـحمد أم الفرقة اللاتي نجـت منهم قل لي
فإن قلت في الناجين فالقول واحد وإن قلت في الهلاك حفت عن العدل
اذا كان مولى الـقوم منهم فانني رضـيت بهم ما زال في طلهم طلي
فخل علـيا لي امامـا ونسـله وانت من الباقين في سـائر الحـل
اقول: وتعجبني كلمة للدكتور يعقوب صروف صاحب مجلة (المقتطف) -وهو من اكبر الشخصيات العلمية - قال: وليس ما يفتخر به محصورا في الفوز السياسي و فتح البلدان، بل ان للاخلاق والفضائل مقاما أرفع في حياة الامم، وكل ما قرأناه في الكتب العريبة والافرنجية التي تذكر تاريخ الممالك الاسلامية رأينا ينوه بفضائل اهل البيت ولو خفف من شأنهم في السياسة.
قيل للشافعي ان قوما لا يصبرون على سماع فضيلة لاهل البيت فاذا ارادوا احد يذكرها يقولون هذا رافضي قال فأنشأ الشافعي يقول:
اذا فـي مجـلـس ذكروا علـيا وسـبطيه و فاطـمـة الزكـية
فاجرى بعضهم ذكـر ى سواهم فأيـقن انـه لـسلـقـلـقـيه
اذا ذكـروا علــيـا أو بـنيه تـشاغل بالـروايـات الدنـية
وقال تجـاوزوا ياقـوم عـنـه فـهذا من حديـث الـرافـضيه
برأت الى المهـمين من انـاس يرون الرفـض حـب الفاطميه
على آل الرسـول صـلاة ربي ولعـنته لتـلـك الـجاهـليـة
وقال- كما روى الفخر الرازي في المناقب ص51 _ ونحن اخذناه عن كتاب ( الامام الصادق والمذاهب الاربعة) ج3 ص321

ادب الطف ـ الجزء الاول 220


أنا الشيعي في ديني، و اصلي بمـكة ثم دارى عـسقلـيه
باطـيب مولد وأعز فـخرا وأحسن مذهب سموا البرية

روى الشيخ القمي في الكنى و الالقاب عن فهرست ابن النديم قال: كان الشافعي شديداً في التشيع، وذكر له رجل يوما مسألة فأجاب فيها، فقال له:خالفت على بن أبي طالب، فقال له : ثبت لي هذا عن علي بن أبي طالب حتى أضع خدي على التراب ، و اقول: قد اخطأت و أرجع عن قولي الى قوله. وحضر ذات يوما مجلسا فيه بعض الطالبيين، فقال: لا أتكلم في مجلس يحضره احدهم هو أحق بالكلام ولهم الرياسة والفضل انتهى.
ومن روائع اقواله:
واذا عجزت عن العدو فداره وامـزح له إن المـزاح وفـاق
فالماء بالنار التي هي ضده يعطي النضاج وطبعها الاحراق

وله كما في خريدة القصر:
وما خر نصل السيف إغلاق غمده إذا كان عضبا حيث انفذته برى

وله:
يقولون اسباب الفراغ ثـلاثة واربعة خلوه وهو خيارها
وقد ذكروا مالا وأمنا وصحة ولم يعلموا ان الشباب مدار

وذكر ابن خلكان في ترجمة ابي عمرو أشهب بن عبد العزيز الفقيه المالكي المصري المتوفي سنة 204 قال ابن عبد الحكم سمعت اشهب يدعو على الشافعي بالموت، فذكرت ذلك للشافعي فقال متمثلا
تمنى رجال أن اموت فـان أمت فتلك سبيل لست فيا بـأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تزود لأخرى غيرها فكأن قد


ادب الطف ـ الجزء الاول 221


قال فمات الشافعي فاشترى اشهب من تركته عبداً ،ثم مات اشهب فاشتريت انا ذلك العبد من تركته . قال المسعودي حدثني فقير ابن مسكين عن المزني _ وكان سماعنا من فقير بمدينة اسوان بصعيد مصر _ قال :قال المزني دخلت على الشافعي غداة وفاته فقلت له : كيف اصبحت يا ابا عبدالله ،قال : اصبحت من الدنيا راحلا ، ولاخواني مفارقاً وبكاس المنية شاربا ولاادري الى الجنه تصير روحي فاهنيها ام الى النار فاعزيها ،وانشا يقول :
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلماً
تعاظـمني ذنـبي فلـما قرنته بعفوك ربي كان عفوك اعظما

وللشافعي في مدح السفر :
ما في المقام لذي عقـل وذي ادب من راحة فـدع الاوطـان واغتـرب
سافر تجد عـوضا عمـن تفـارقه وانصب فان لـذيذ العيش في النصب
اني رايت وقـوف الـماء يفـسده إن سال طاب و إن لـم يجر لم يطب
الاسد لولا فراق الغاب ما افترست والسهم لولا فراق الـقوس لـم يصب
والشمس لو وقفت في الفلـك دائمة لملها الناس من عـجم ومـن عـرب
والتبر كالترب ملـقى في امـاكنه و العود في ارضـه نوع من الحطب
فان تـغرب هذا عـز مـطلـبه وان تـغــرب ذاك عز كـالـذهب

وله في المؤاخاة:
إذا الـمرء لايـرعـاك إلا تكـلفا فدعه ولا تكثر عليـه الـتأسفـا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تـهواه يهـواك قـلبه ولا خـير فـي ود يجـي تكـلفا
اذا لم يكن صفو الـوداد طبـيعة ولا كل من صافـيته لك قد صفا
ولاخير في خل يخون خـلـيلـه ويلقاه من بصر الـمودة بـالجفا


ادب الطف ـ الجزء الاول 222


وينكر عيشا قد تـقادم عهـده ويظهر سـرا كـان بالامس في خفا
سلام على الدنيا اذا لم يكن بها صديق صدوق يصدق الوعد منصفا

وله في عز النفس :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما ان عين السخط تبدي المساويا
ولسـت بـهياب لمـن لايهابني ولست ارى للـمرء ما لا يرى ليا
فان تدن مني تدن مـنك مودتي وإن تـنا عنـي تلقني عنك نائيا
كلانا غني عـن اخيـه حياتـه ونحن إذا متنـا اشـد تـغـانـيا


ادب الطف ـ الجزء الاول 223


الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن ابي طالب

قال يؤبن جده ابا الفضل العباس شهيد الطف سلام الله عليه(1):
احق الناس ان يبكي عليه فتى ابـكى الحسين بكربلاء
اخوه وابـن والـده علي ابو الفضل المضرج بالدماء
ومن واساه لا يثنيه شيء فجادله علـى عطـش بماء


(1) رواها الشيخ الاميني عن (روض الجنان في نل مشتهى الجنان )للمؤرخ الهندي اشرف علي
ادب الطف ـ الجزء الاول 224


لمحة عن حياة العباس عليه السلام :



العباس بن علي بن ابي طالب هو حامل راية الحسين يوم كربلاء وعنوان عسكره، جاء في الزيارة عن الامام عليه السلام : اشهد انك نعم الاخ المواسي لأاخيه، أعطاك الله من جنانه افسحها منزلا وافضلها غرفا ً ورفع ذكرك في عليين وحشرك مع النبيين و الصديقين والشهداء و الصالحين وحسن اولئك رفيقاً.وهو من فقهاء اهل البيت وكفاه شهادة ابيه له بقوله : ان ولدي العباس زق العلم زقا.
ويقول الامام الصادق عليه السلام: كان عمنا العباس نافذ البصيرة صلب الايمان له منزلة عند الله يغبطه(1) بها جميع الشهداء وحتى قال الشيخ محمدطه نجف في رجاله عند ذكر العباس بن امير المؤمنين: انه أجلّ من ان يذكرفي عداد سائر الرجال بل المناسب ان يذكر عند ذكر اهل البيت المعصومين.
اقول : وما كان جهاد العباس عن حميّة وعصبية أو مدفوعا ً بدافع الاخوة بل دفاعه عن الحق ولان الحسين كان مثال الايمان ورمز الحق ، علمنا العباس ذلك في رجزه يوم عاشورا مذ قال:

(1) يغبطه اي يتمنى ان يكون مثله بلا نقصان من حظه والغبطة خصلة غير مذمومة وهي تمني مثل ما للغير، كما ان المنافسة هي : تمني مثل ما للغير مع السعي في التحصيل ، وهي سبب قوي للنشاط و التقدم قال الله تعالى : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . انما المذموم الحسد، وهو كراهة نعمة الغير وحب زوالها ، اما اذا تمنى مثل حاله دون ان يريد زوال نعمته فتلك الغبطة وفي الحديد : المؤمن يغبط و المنافق يحسد.
واصل الحسد هو نظر الحاسد الى المحسود بعين الاكبار والاعظام ، فيرى نفسه حقيرا في جنب ما اوتي ذلك المحسود. ومن اجمل ما قيل :
ان يحسدوك على علاك فانما متسافل الدرجات يحسد من علا
ادب الطف ـ الجزء الاول 225


والله ان قطـعتم يميني اني احامي ابداً عن ديني
وعن امام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الامين
وتتبع ذلك مزاياه التي عددها الامام الصادق في الزيارة التي زاره بها ومنها :
اشهد لك بالصدق و الوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب و الدليل العالم و الوصي المبلغ .ومن القاب العباس :العابد و العبد الصالح كما في الزيارة : السلام عليك ايها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله ولامير المؤمنين.
اما ولادة العباس فقد كانت سنة ست وعشرين من الهجرة، وعاش مع ابيه امير المؤمنين اربع عشرة سنة.
ويلقب بقمر بني هاشم لجماله ووسامته ويكنى با ابي الفضل.وعاش مع اخيه الحسن اربعاً وعشرين سنة ، ومع اخيه الحسين اربعاً وثلاثين سنة وذلك مدة عمره.وكان أيداً(1) شجاعا فارسا وسيماً جسيماً يركب الفرس المطهم(2) ورجلاه تخطان في الارض كما انه يلقب بالسقا وبابي قربة لانه ملك المشرعة يوم عاشورا وسقى صبية الحسين وقد ابت نفسه ان يشرب الماء واخوه الحسين ظمآن فاغترف بيده غرفة من الماء ثم تذكر عطش الحسين فرمى بها وقال:
يانفس من بعد الحسين هوني وبعده لاكنت ان تكوني
هذا حـسـين وارد الـمنون وتشربين بارد المعيني

ثم عاد وقد اخد اعداؤه عليه طريقه فجعل يضربهم بسيفه وهو يقول:

(1)الايد كسيد : القوي ، والوسيم من الوسامة ، الجمال .
(2)المطهم كمحمد السمين الفاحش السمن العالي وهذه كناية عن طوله وجسامته.
ادب الطف ـ الجزء الاول 226


لا ارهب الموت اذا الموت زقا(1) حتى اوارى في المصاليت لقى
إني أنـا الـعباس اغدو بالسقا ولا اهاب المـوت يوم الملتقى

اولاد سيدنا العباس واحفاده :



اولاد سيدنا العباس واحفاده كانوا جميعاً علماء فضلاء ، ابرار اتقياء وكانوا كلهم ذوي شأن عظيم ومقام كريم من الجلالة و العظمة والعلم و الحلم و الزهد والعبادة و السخاء و الخطابة يستفيد الناس من علومهم وكمالاتهم . كان لسيدنا ابي الفضل العباس بن علي عليه السلام ولدان عبيد الله و الفضل ، وامهما لبابة بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب هي زوجة سيدنا العباس . اما عبيد الله بن العباس بن امير المؤمنين فقد كان عالماً كبيرا ومنه العقب فإن الفضل اخاه لا عقب له، وكان عبيد الله بن العباس ـ كما قال النسابة العمري في (المجدي) ـ من كبار العلماء موصوف بالجمال والكمال والمرؤة ؛ مات سنة 155هـ،تزوج من ثلاثه عقائل كريمات الحسب :1 ـ رقيه بنت الحسن بن علي 2 ـ وبنت معبد بن عبد الله بن عبد المطلب 3 ـ وبنت المسور ابن مخرمة الزبيري ـ كذا ذكر السيد البحاثة المقرم في كتابه (قمر بني هاشم )ثم قال :ولعبيد الله منزلة كبيرة عند السجاد كرامة لموقف ابيه ابي الفضل العباس عليه السلام،وكان اذا راى عبيد الله بن العباس رق واستعبر باكياً،فاذا سئل عنه قال :اني اذكر موقف ابيه يوم الطف فما املك نفسي ،

(1)زقا اي صاح ومن قول العرب : زقت هامته .
ادب الطف ـ الجزء الاول 227


ولعبيد الله بن العباس ولدان: عبد الله و الحسن ، وانحصر العقب في الحسن فان عبد الله اخاه لاعقب له ، وذرية الحسن بن عبيد الله ابن العباس لهم فضل وعلم وادب وهم خمسة كلهم اجلاء فضلاء ادباء وهم: الفضل، الحمزة ، ابراهيم، العباس، عبيد الله
قال الداودي في عمدة الطالب في انساب آل ابي طالب : كان اكبرهم العباس وكان سيداً جليلاً ، قال النجاري : ما رؤي هاشمي أعضب لساناً منه. وفي البحار عن تاريخ بغداد : انه جاء الى بغداد ايام هارون الرشيد فاكرمه واعظمه واحترمه وبعده في ايام المامون زاد المامون في اكرامه حيث كان فاضلاً شاعرا فصيحا ، ويضنه الناس انه اشعر اولاد ابي طالب . ومن شعره قوله مفتخرا:
وقالت قـريش لـنا مـفخر رفيع على الـناس لاينكر
فـقد صـدقـوا لهم فضلهم وبينهـم رتـب تـقصر
وادنـاهم رحمـا بالنـبـي اذا فخـروا فيـه المفخر
بنا الفخر منكم على غيركم فاما علينا فلا تـفخـروا
ففضل النبي علـيكم لنـا اقروا به بعد ما انكـروا
فان طرتم بسوى مـجدنا فان جـناحكم الاقصـر(1)
وقال الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) ج12ص136: العباس بن الحسن بن عبيد الله كان عالما شاعرا فصيحا من افصح رجال بني هاشم لسانا و بيانا وشعرا ،ويزعم اكثر العلوية انه اشعر ولد ابي طالب(2)

(1)عن الفصول المختارة للسيد المرتضى علم الهدى
(2)قال السيد المقرم في كتابه (قمر بني هاشم) : اولد العباس عشرة ذكور وذكر بعضهم.
ادب الطف ـ الجزء الاول 228


ومن شعره يذكره إخاه ابي طالب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعبد الله ـ والد رسول الله لابيه وامه ـ من بين اخوته :
إنا وان رسـول الله يجـمـعـنا اب وام وجـد غـير مـوصـوم
جاءت بنا ربة من بيـن اسـرته غراء من نسل عمران بن مخزوم
حزنا بها دون من يسعى ليدركها قرابة مـن حواها غيـر مسهـوم
رزقا من الله اعطانا فضـيـلته والناس مـن بين مرزوق ومحروم
قال الداودي (في عمدة الطالب ) : واما الفضل بن الحسن بن عبيدالله بن العباس فقد كان لسنا فصيحا ، شديد الدين عظيم الشجاعة محتشما عند الخلفاء ويقال له: ابن الهاشمية ، وهو الذي يؤبن جده ابا الفضل شهيد الطف بقوله:
احق الناس ان يبكي عليه فتى ابكى الحسين بكربلاء

الابيات المتقدمة .
اقول : واعقب الفضل من ثلاثة: جعفر والعباس ومحمد(1)
واما الحمزة بن الحسن بن عبيدالله بن العباس فقد كان يشبه بجده امير المؤمنين عليه السلام . خرج توقيع المأمون بخطه وفيه : يعطى الحمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن امير المؤمنين الف درهم لشبهه بجده امير المؤمنين . تزوج زينب بنت الحسين بن علي ابن عبد الله بن جعفر الطيار المعروف بالزينبي ، نسبة الى امه زينب بنت امير المؤمنين ، وكان حفيده محمد بن علي بن حمزة موجها شاعرا نزل البصرة وروى الحديث عن الرضا وغيره ، مات سنة 286هـ كذا جاء في عمدة الطالب ، وترجمة الخطيب في تاريخ بغداد ج2 ص63 وقال : كان رواية للاخبار وهو صدوق وله

(1)ستاتي تراجمهم ان شاء الله في الجزء الثاني من هذه الموسوعة
ادب الطف ـ الجزء الاول 229


الرواية عن جماعة كثيرة. وفي تهذيب التهذيب ج9 ص352وصفه بالعلوي البغدادي ونقل عن ابن ابي حاتم انه صدوق ثقة.
واما ابراهيم ويعرف بجردقة كان من الفقهاء والادباء والزهاد ، وابنه علي احد الأجواد له جاه وشرف مات سنة 264 واولد تسعة عشر ولدا ، ومن احفاده ابو الحسن علي بن ابراهيم جردقة كان خليفة ابي عبد الله بن الداعي على النقابة ببغداد كذا جاء في (العمدة)وعبد الله بن علي بن ابراهيم جردقة جاء الى بغداد ثم سكن مصر وكان يمتنع من التحدث بها ثم حدث وعنده كتب تسمى الجعفرية فيها فقه على مذهب الشيعة ، توفي في مصرفي رجب سنة ثلثمائة واثني عشر كما جاء في تاريخ بغداد ج10ص346 وكان زاهد عصره قد طاف اكثر الاقطار يكتب عن اهل البيت .
واما عبيدالله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن امير المؤمنين ففيه يقول محمد بن يوسف الجعفري : ما رايت احداً اهيب ولا اهياً ولاامرا من عبيد الله بن الحسن تولى إمارة الحرمين مكة والمدينة و القضاء بهما ايام المامون سنة204كما ذكر ذلك البغدادي في تاريخ بغداد ج10ص313 . وفي سنة 204 وسنة 206 ولاه إمارة الحاج كما ذكر الطبري في ج10ص355 . مات ببغداد في زمن المامون وكانت امه وام اخيه العباس ام ولد.

ادب الطف ـ الجزء الاول 230


النجاشي

:قال مصعب(1) بن عبد الله بن المصعب الزبيري في كتابه: نسب قريش ص41: وقال النجاشي يرثي الحسين بن علي:
ياجعـد بـكّـيه ولا تـسـأمي بـكاء حـق لـيس بـالبـاطل
على ابن بنت الطاهر المصطفى وابن ابن عم المصطفى الفاضل
لن تغلقـي باباً عـلى مـثـله في الناس من حـاف ولانـاعل


(1) ولادته سنة 156 هـ ، ووفاته 236.
ادب الطف ـ الجزء الاول 231


عبدالله بن غالب

روى ابن قولويه في ( كامل الزيارات)ص105 قال: حدثني محمد ابن جعفر عن محمد بن الحسين عن ابن ابي عمير عن عبدالله بن حسان عن ابن ابي شعبة عن عبدالله بن غالب ، قال دخلت على ابي عبد الله عليه السلام فانشدته مرثية في الحسين فلما انتهيت الى هذا الموضع:
فيا لبلية تكسو حسينا بمسقاه الثرى عفر التراب
صاحت باكية من وراء الستر: وآ ابتاه.

ادب الطف ـ الجزء الاول 232


قال الشيخ المامقاني :عبد الله بن غالب الاسدي عدَه الشيخ رحمه الله في رجاله تارة من اصحاب الباقر عليه السلام.قائلا :عبد الله بن غالب الاسدي الشاعر الذي قال له ابو عبد الله عليه السلام : ان ملكاً يلقنك الشعر واني لاعرف ذلك الملك .واخرى من اصحاب الصادق .
وقال النجاشي : عبد الله بن غالب الاسدي الشاعر الفقيه ابو علي روى عن ابي جعفروابي عبدالله وابي الحسن عليهم السلام ثقة ثقة واخوه اسحاق بن غالب له كتاب تكثر الرواة عنه منهم الحسن ابن محبوب. وكذا جاء في الخلاصة.
وقال الكشي :قال نصر بن الصباح البلخي:عبد الله بن غالب الشاعر الذي قال له ابو عبد الله ان ملكَاً يلقي عليه الشعر إني لآعرف ذلك الملك.

ادب الطف ـ الجزء الاول 233


ابو هارون المكفوف

روى ابن قولويه في (كامل الزيارت)ص105 قال: حدثني محمدبن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين عن محمد ابن اسماعيل عن صالح بن عقبة عن ابي هارون المكفوف،قال: دخلت على ابي عبد الله عليه السلام فقال لي انشدني فانشدته:
امرر على جدث الحسين وقل لاعظمه الزكية (1)
قال:فلما بكى امسكت انا ، فقال مر، فمررت ، قال زدني زدني قال فانشدته:
يا مريم قومي واندبي مولاك وعلى الحسين فاسعدي ببكاك
قال : فبكى وتهايج النساء، قال فلما ان سكتن قال لي:ياابا هارون من انشد في الحسين عليه السلام فابكى عشرة فله الجنة ، ثم جعل ينقص واحداً واحداً حتى بلغ الواحد، فقال من انشد في الحسين فابكى واحداً فله الجنة،ثم قال: من ذكره فبكى فله الجنة .
وروى ابن قولويه في الكامل ايضا قال حدثنا ابو العباس القرشي عن محمد بن الحسين بن ابي الخطاب عن محمد بن اسماعيل عن صالح ابن عقبة عن ابي هارون المكفوف قال:قال ابو عبد الله عليه السلام:

(1) هذا البيت من ابيات للسيد الحميري،وانما انشده انشادا ولم ينشاه.


السابق السابق الفهرس التالي التالي