2.jpg

Booklibe

حادثة نجيب باشا 1258 هـ

Post on 02 September 2015

وفي سنة ( 1258 هـ ) شق أهالي كربلاء عصا الطاعة على الدولة ، بواسطة كثرة الاوباش في كربلاء ـ وكانت آنذاك ملجأ كل مجرم هارب من العقاب حتى صار ينطبق عليها القول المأثور ( من دخلها كان آمنا ) ـ ان بلغ الامر بها الى حد أن خرج الامر من يد حاكم كربلاء ولم يطع هؤلاء أوامر والي بغداد وامتنعوا من دفع الضرائب . وكانوا يعتمدون على الزائرين والمجاورين حتى ان سكنة كربلاء لم يبق لهم المجال في السكنى بها ، وكان اليارماز ، الاسم الذي يعرف به هؤلاء الاوباش ـ يشكلون عصابات ترفع كل منها راية العصيان . ولم يتمكن علي رضا باشا والي بغداد الذي مر على حكمه في بغداد اثني عشر عاما ـ من اخماد هذه الفتنة . حتى ان نصبت الدولة العثمانية محمد نجيب باشا واليا على بغداد بعد ان كان واليا على الشام . ( في الدولة العثمانية كان والي بغداد بمثابة وزير ثاني ) وكان سفاكا غدارا معروفا بالمكر ولم يكد يستقر في مركز ولايته الجديدة حتى جهز جيشا جرارا وبعثه صوب كربلاء . وكان والي العراق نجيب باشا قد جهز جيشا بقيادة سعد الله باشا ، وسيّره الى كربلاء فحاصرها حصاراً شديدا ، وأمطر المدينة بوابل قنابله . ولم يساعده الحظ على افتتاحها لأن سورها كان منيعا جداً وقلاعها محكمة لا يمكن للقائد الدنو منها ، وضمن لهم عفو الحكومة فأدخلوا القلاع وجاؤوا طائعين ، قبض عليهم وسلط المدافع على الجهة الشرقية فهدم السور واصلى المدينة نارا حامية ، ففتحها وارتكب فيها كل فظاعة وشناعة ، وقد اجرى القتل والأسر بدرجة فظيعة . وفي 11 ذي الحجة سنة 1258 هـ أمر بالقتل العام لمدة ثلاث ساعات . ومن المحقق ان تسعة آلاف شخص قد ابيدوا عن آخرهم في تلك المدينة المقدسة ، فضلا عما نهب من الأموال والأحجار النفيسة وأثاث البيوت والكتب التي لا تعد ولا تحصى ودخل بجيشه الى الصحن العباسي ، وقتل كل من لاذ بالقبر الشريف . (هذا ما جاء في زنبيل فرهاد لميرزا الدولة عن هذه الحادثة) .
واصبحت هذه الحادثة من الحوادث الشهيرة أيضاً التي أرخت بـ ( غدير دم ) وتفصيلها . ( نشبت أوارها يوم الثلاثاء في السابع عشر من شهر ذي القعدة سنة 1258 هـ / 1842 م ضد الطاغية الوالي المشير محمد نجيب باشا ، وقد ارتاع لهولها الفرات من أدناه إلى اقصاه . ومجملها أن أهالي كربلاء كانوا يأبون الخضوع لحكام آل عثمان ، وشاء نجيب باشا أن يخضع سكان المدينة لمشيئته فأنذرهم بوجوب الخضوع لمشيئة الولاة وما يصدرون من الأحكام الجائرة وأمرهم بنزع السلاح وإطاعة أولي الأمر من العثمانيين ، وأمهلهم شهراً كاملاً ، يدرسون فيه موقفهم ويقررون مصيرهم . وانقضى الشهر الممنوح لهم ،ولم يطرأ تبدل على موقف سكان المدينة ، مما طلبه منهم نجيب باشا . فقاد عسكره واستباح المدينة لهم ، وعمل السيف في رقاب الناس الآمنين فلجأ الناس الى الضريح المقدس ، يستنجدونه ويستغيثونه فعصمتهم حرمة الضريح من القتل ، ولما رأى المشير العثماني الآنف الذكر هذه الحالة ، أمر عساكره بضرب المدينة بالمدافع ، وقد تدخل بعض الرجال المعمرين آنذاك كالسيد كاظم الرشتي وعلي شاه بن فتح علي شاه القاجاري الساكن كربلاء يومذاك ، بإسداء النصح لرؤساء البلد وهم : السيد عبد الوهاب آل طعمة والسيد ابراهيم الزعفراني وعلي كشمش وطعمة العيد والسيد صالح الداماد والسادة آل نصر الله والسيد حسين النقيب للكف عن القتال والخضوع لهذا الحاكم الجلاد ، فرفضوا الإصغاء إلى تلك النصائح واستمروا بالقتال ، وقد هاجمهم الجيش العثماني من جهة باب الخان ، حيث احدثوا ثغرة فيه واستمر القتال لمدة يومين ، وفي اليوم الثالث خرج المحاربون من أهل المدينة إلى الخارج والتحقوا للاستنجاد بعشائر آل فتلة واليسار وآل زغبة من المعدان ، وكان عددهم ثلاثة آلاف محارباً ، فاصطدم الجيش بالأهلين ثانية ، ودامت الحرب 21 يوماً حتى عيد الأضحى ، وقد بلغ عدد القتلى 18 الف قتيل كما تنص بعض المصادر علماً بأن قيادة الجيش العثماني كانت بيد سعد الله باشا ، وكان السلطان العثماني آنذاك عبد المجيد العثماني . ولابد لنا أن نلقي ضوءاً على ما كانت عليه الحالة في المدينة من تفكك اجتماعي ساعد العثمانيين على استغلال نقاط الضعف التي هيأت لهم الفرصة لإنزال ضربة قاضية واستباحة المدينة ، وهو ما استطرد اليه الدكتور عبد العزيز سليمان نوار بقوله : وكذلك أراد علي باشا أن يؤكد سيادته على كربلاء ولجأ إلى الحيلة دون القوة وتظاهر بأنه يود أن يؤدي الزيارة لقبر الحسين ، ولكن أهل المدينة رفضوا أن يسمحوا بذلك . وفضل علي رضا أن يكتفي بإسناد حكم المدينة إلى السيد وهاب وهو من إحدى الاسرات الكبيرة في المدينة التي ظلت مدة حكم علي رضا في العراق شبه مستقلة . ولكن تحت سيطرة جماعة مسلحة أطلق عليها إسم يارمز . وكانت هذه الجماعة تحتوي على عدد من الخارجين على القانون واللصوص والفارين من وجه باشوات العراق . وكانت إحدى فرق هذه الجماعة تدعى ( الغارتية ) من ( غارة ) تفرض الأتاوات على الحجاج ، وكان أشهر زعيم لهم في 1842 هو السيد ابراهيم الزعفراني وهو من أصل مختلط إيراني عربي ، وكان يليه في النفوذ أيرانيان لهما عدد كبير من الأتباع الفرس . ونظراً لانقسام ( اليارمز ) إلى فرق كان ينشب فيما بينها صراع دموي شديد ، كان يعاني منه شعب كربلاء المسالم أشد أنواع الخسائر المادية والإرهاق العصبي . وفي خضم هذه الفوضى تفوق زعماء اليارمز على هيبة كبار علماء الشيعة في المدينة وكان لهم النفود الاكبر من قبل ، ولكن وجد العلماء في انقسام اليارمز إلى طوائف فرصة لكسب أعوان لهم من بينهم فكان أن انشطر اليارمز إلى شطرين أحدهما مع الزعيم الديني الشهير السيد كاظم الرشتي والآخر مع زعيم ديني آخر يدعى السيد ابراهيم القزويني . وإذا كان علي باشا رضا قد قبل أن يترك لكربلاء أن تحكم نفسها بنفسها وتجني ثمار الفوضى القائلة فإن نجيب باشا ـ وقد هدأت أزمة الشام وتفرغ حكام العراق لتاكيد نظام الحكم المباشر فيه ـ ما كان ليسكت على ترك كربلاء هكذا دون أن تخضع له . على أن حنق نجيب باشا إشتد لدرجة كبيرة عندما أراد أن يذهب للزيارة فحدد له أولو الأمر في المدينة عدد مرافقيه بستة أشخاص فقط . هذا بالإضافة إلى أنهم رفضوا أن يلبوا رغبة نجيب في أن يمدوه بتموين لجيشه في سنة 1842 م . وفي اوكتوبر من تلك السنة كان نجيب باشا معسكراً على رأس جيشه في منطقة ( المسيب ) في طريقه لتأديب عشائر المعدان الثائرة ، فانتهز الفرصة واتصل بكبار علماء كربلاء الدينيين ومجتهديها وطلب منهم أن يعينوه على إعادة النظام إلى المدينة . وقد نجحت مفاوضاته مع كاظم الرشتي ومع ( ظل السلطان ) أحد أبناء فتح علي شاه والسيد وهاب حاكم المدينة . واتفق هؤلاء مع نجيب باشا على أن يبعث اليهم بأحد البغداديين لوضع الخطوط النهائية لما سيكون عليه أمر حكم المدينة . واستطاع المفاوض البغدادي ان يقنع الطرف الآخر بإدخال خمسمائة جندي كحامية في المدينة ، ولكن لم تلبث الإتفاقية ـ شأن كل اتفاقية تعقد مع متمردين منقسمين إلى فرق متعددة متنافرة ـ أن مزقت في أعقاب توقيعها . بينما استعد المتعصبون من ( اليارمز ) والسيد كاظم الرشتي و ( ظل السلطان ) للدفاع عن المدينة ورفعت المدافع على الأسوار واستدعى العرب من ضواحي المدينة للدفاع عنها . كان نقض هذا الإتفاق سبباً في أن يصر نجيب على أن تخضع له المدينة بمثل ما تخضع به أية مدينة عراقية أخرى . وقبل أن يضرب نجيب ضربته الأخيرة عقد مباحثات مع كبار الشخصيات الفارسية والوكيل الفارسى في كربلاء ومع القنصلين الفرنسي والبريطاني ليكونوا على علم بمدى مجهوداته السلمية ولعلهم يعينونه على تسوية الأزمة ولكن دون جدوى . وعندما قرر نجيب باشا إرسال حملة ضد كربلاء أخطرهم مقدماً بمشروع حملته لما كان يتوقعه من نشوب أزمة سياسية كبيرة بين الدولتين الفارسية والعثمانية . ولما كانت المدينة قد عبأت قواتها وجلبت الإمدادات من خارجها ، قدر نجيب خطورة الفشل في إخضاع المدينة فلم يكتف بما كان لديه من قوات مرابطة في ( المسيب ) وأتى بامدادات من بغداد واستعان بمجموعة من العشائر العربية الموالية له غاضاً الطرف عن نصيحة المبعوث الريطاني في طهران بشأن العدول عن إرسال الحملة . وبعد أن اتخذ نجيب إجراءاته الدبلوماسية والعسكرية أصدر أوامره بمهاجمة المدينة بكتيبة من الفرسان وعشرين مدفعاً وثلاث كتائب من المشاة ثم أرسل في أعقابها إلى المدينة في 19 ديسمبر 1842 القوات العشائرية وبدأ ضرب المدينة بالمدفعية . فعرض كاظم الرشتي أن يأخذ القائد عائلات زعماء اليارمز كرهينة حتى ينسحب الجيش . وفعلاً ذهب بعض زعماء اليارمز ولكن جاءت الأنباء بأن نجيب باشا رفض انسحاب الجيش فعاد الصراع بين الطرفين ثم عادت المفاوضات واشترك فيها المندوب الفارسي في بغداد وتطرف الثوار للدرجة التي رفضوا معها الشروط المعتدلة وزاد تمرد الثوار شدة عندما أشيع أن الجيش الفارسي يستعد لغزو العراق لينقذ كربلاء . ضرب الجيش الحصار بقوة على المدينة وقصفت المدفعية الأسوار ، فزادت جذوة المقاومة الشعبية ، وهب العلماء يصلحون الأسوار ويثيرون حماس المدافعين ولكنهم ما كانوا ليصمدوا أمام جيش منظم ، ودخلت القوات المدينة في 13 من يناير 1843 . وفقد الضباط سيطرتهم على الجند ووقعت حوادث نهب وقتل عديدة ثم هدأت الامور بعد دخول نجيب باشا المدينة وبدأ بتنظيم الإدارة فيها بتعيين قاض ، وخطيب ليدعو للسلطان في صلاة الجمعة ) .
وفي صحن سيدنا العباس ، ربطوا الخيل والجمال ، وقتلوا كل من لاذ بأروقة الحرم الحسيني والعباسي وكذلك فعلوا في البلدة ، سوى دار السيد كاظم الرشتي ، التي كانت دار أمان ، وكل من يتمكن من الهروب نجا ومن بقى كان نصيبه القتل ، وهدموا الالواح التي كانت تزين جدران الروضة الشريفة . وبعد القتل العام أصدر الوالي أمرا بتعيين حاكم على كربلاء . وفي يوم الرابع عشر من الشهر المذكور رجع نجيب باشا قافلا الى بغداد .
وتنص معظم الروايات على أن عدد القتلى بلغ عشرين الفاً أو زاد على ذلك كما يحدثنا صاحب كتاب ( شهداء الفضيلة ) بقوله : وأما القتل الثالث من تلك البقعة ( كربلاء ) المقدسة فقد وقع في عهد السلطان عبد المجيد في ذي الحجة سنة 1258 هـ ففي ( الروضات ) وأما القتل الثالث فقد اتفق في عصرنا هذا في أواخر سنة 1258 بقتل فظيع كاد أن يبلغ قتلاه عشرة آلاف من الرجال والولدان غير النهب والغارة الشديدتين وكان هذا القتل بعد نجيب باشا الذي ولي على بغداد وأمر بشيء سيء والسلوك بالشر مع أهل ذلك المشهد المقدس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعلاً وقد قتل في هذه الكرة أيضاً جمع كثير من العلماء والسادات وغير أولي التقصير من المجاورين والزوار . أهـ . وحكي عمن شهد الواقعة من الثقاة أنه لما أقفل العسكر أحصينا القتلى وسألنا الحفارين وتحققنا ذلك فكان ما يزيد على عشرين الفاً من رجل وامرأة وصبي وكان يوضع في القبر الأربعة والخمسة إلى العشرة فيهال عليهم التراب بلاغسل ولا كفن وتفقدنا القتلى منهم كثيراً والدور والآبار وجدنا بالسرداب الذي تحت رواق العباس عليه السلام من القتلى أكثر من ثلثمائة . وقد ذهب عباس العزاوي في روايته لهذه الحادثة إلى أقل الاحتمالات بالنسبة لعدد القتلى فقال : والذي قتل من ولاية كربلاء مقدار أربعة آلاف نفس ، ومن العسكر مقدار خمسمائة نفر ، ومن بعد فتحها أمسكوا السيد ابراهيم الزعفراني وجاءوا به إلى بغداد ، والسيد صالح من كبار البلد وكم واحد . فالسيد صالح نفوه إلى كركوك وترجاه قونصلوص الإنكليز وابن الزعفراني بقي اياماً قلائل في بغداد وتمرض بالدق ومات . وبعضهم عفا عنهم الوزير محمد نجيب باشا وجعل عليهم والياً واحداً .
ارتفعت المشكلة الى مصاف الازمات الدولية ، وأرسل كاننج Canning السفير البريطاني في الاستانة معتمداً من قبله الى كربلاء هو الكولونيل Fairen كما طلب المبعوث الروسي في الاستانة المستر بوتنييف Boutenieff ان يقوم فارن بتمثيل الجانب الروسي ايضاً ، وارسل السلطان العثماني مندوبا الى كربلاء وهو نامق باشا . وقد جاء في تقرير فارن Fairen ان القتلى لا يزيدون على خمسة آلاف قتيل منهم ثلاثة آلاف داخل المدينة معظمهم من العرب ، أما الفرس فقد فروا من المدينة قبل اقتحام القوات العثمانية لها ، وقتل ثلاثة من الهنود وواحد من الروس ، وفقد حوالي (20 ـ 30) من البنجابيين ومن أهل كشمير . أما المبعوث العثماني فقدر عدد القتلى في المدينة بحوالي (250) قتيلاً منهم (150) بينما خسر العثمانيون (400) قتيل و(200) جريح .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( كتاب بغية النبلاء في تاريخ كربلاء ـ عبد الحسين آل طعمة و كتابي تراث كربلاء وكربلاء في الذاكرة ـ سلمان هادي آل طعمة ) بتصرف