9.jpg

احداث مهمة

حادثة المناخور 1241 هـ

Post on 21 June 2016

حادثة المناخور

كانت كربلاء تشع منها روح معادية للمماليك وللأتراك على وجه العموم ، ووصف المدينة بأنها «بعيدة عن حكم الحكومة التركية تقريباً فقد ثارت كربلاء ثورة عنيفة في عام 1820 ـ 1823 وكان داود باشا قد عين فتح الله خان حاكماً لقصبة كربلاء ووضع في المدينة حامية مؤلفة من (500) شخص ، وتشير المصادر المحلية الى حدوث تمرد ضد الحاكم بسبب سوء سلوكه وعدم احترامه لقدسية المدينة واستخدامه القسوة في جباية الضرائب الامر الذي دفع الكربلائيين الى التآمر على الحاكم وقتله . وعين داود باشا بدلاً عنه علي أفندي لكنه لم يستطع اعادة النظام وتطبيق سياسة الشدة التي عزم داود باشا على تطبيقها ، فأبدل بسليمان أغا الذي أدت سياسته الى حدوث الخلاف بينه وبين السيد حسين نقيب كربلاء ، فعزل أيضاً وعين بدله السيد عبد الوهاب محمد علي آل طعمة ، ولكن الامور لم تستقر في المدينة ، فقرر داود باشا ارسال قوة عسكرية لأعادة النظام واستحصال أموال الخزينة وحل التشكيلات العسكرية المحلية فحاصر المدينة عام 1824 . كل ذلك أدى الى انبثاق أشهر الحوادث التي مرت على كربلاء بعد حادثة الوهابيين في سنة 1241 هـ وعرفت بحادثة المناخور ـ والمناخور كلمة فارسية مخففة عن ( ميرأخور ) يراد بها أمير الاصطبل أو رئيس الخيلية ـ وذلك في عهد الوالي داود باشا عام 1241 هـ / 1825 م واستمر حصارها حتى عام 1244 هـ / 1828 م . وسببها هو أن الوالي داود باشا لما شاهد ضعف الدولة العثمانية واستقلال كثير من الولاة بولايتهم أمثال محمد علي باشا في مصر واستقلال علي باشا ذلتلي تبه في ألبانيا ، طمع هذا الوالي باستقلاله في العراق فأخذ يشيد البنايات والتكايا والجوامع ، ويقرب العلماء ويبالغ في اكرامهم . وذلك ان الدولة العثمانية كانت في ذلك الزمن ضعيفة لاحتلال الجيش الانكشاري واستقلال البلاد القاصية واشغالها بمحاربة العصاة في البلقان وطموح محمد علي والي مصر الى الاستقلال واستقلال علي باشا ذلتلي تبه في ألبانيا . وكان واليا علي العراق آن ذاك داود باشا وكان تقيا عادلا ورعا ، مشهورا بالدهاء وفرط الذكاء . الا انه كان شديد الحرص على الانسلاخ من جسم الدولة ، والاستقلال بالعراق اسوة بمن تقدمه . فسعى بادىء ذي بدىء الى جلب قلوب الاهالي بما انشأ من العمارات والبنايات والجوامع والتكايا . وقرب علماء العراق وبالغ في اكرامهم ونظم جيشا كبيرا وسلحه على الطراز الحديث . حينئذ فقام بعد ذلك يدعوا الناس الى بيعته . ولكثرة ما كان لديه من الاعوان بايعته اكثر مدن العراق العربي الا ـ ( كربلاء ) والحلة . اذ رفعا راية العصيان . وحاول اقناعها فلم يستطع . وعند ذلك جهز جيشاً ضخماً بقيادة أمير اصطبله وكانت عشيرة عقيل تعضده فأخضع القائد الحلة واستباح حماها هم جاء كربلا فحاصرها ثمانية عشر شهرا ولم يقو على افتتاحها لحصانة سورها ومناعة معاقلها ولما رأى ذلك أقلع عنها ثم كر عليها ثانيا وثالثا فلم يفز بأمنيته الا بعد حصار طالت مدته أربع سنوات من سنة 1241 الى سنة 1245 كان قبلها قد استنجد بعرب عقيل القصيم والاحساء ، الذين عسكروا على صدر ( الحسينية ) وامر داود باشا بقطع الماء عن كربلا وأمر أيضا اعراب الشامية أن يقطعوا طريق كربلاء وينهبوا السابلة فيها ، وقد ضيقوا الحصار على المدينة وقطعوا الاتصال الخارجي بها ، فعند ذلك لم ير الاهالي بداً غير الصلح مع داود باشا ، فدخل الاخير كربلاء ظافرا . وكانت نتيجة كل ذلك أن أسر نقيب كربلاء ( السيد حسين بن مرتضى آل دراج ) وأرسل إلى بغداد حيث سجنه داود باشا هناك .

وجاء في كتاب ( نزهة الاخوان في وقعة بلد القتيل العطشان ـ مخطوط ، تفضل به السيد حسن الكليدار ـ ) : لقد احصي تسع وقائع وقعت بين الفريقين . كان الفوز بها من نصيب الكربلائيين وانهزام جند داود باشا . نذكر تفصيلها بالتسلسل .

فالواقعة الاولى هي واقعة ـ القنطرة ـ قتل فيها من الجند ثمانية عشررجلا ومن الاهلين رجلان .

الواقعة الثانية : واقعة ( المشمش ) وقد سميت بذلك لن الجند قصدوا ان ينهبوا ، كما افسدوا الزرع من قبل . وخرج الاهلون على عادتهم الى الجناة فاقتتلوا في أرض الجويبه ، وظهر البلديون على الجنود وهزموهم بعد ان قتل وجرح منهم الخلق الكثير .

والثالثة : واقعة الهيابي ، وهي من أعظم الوقائع وأشدها هولا . غطيت على أثرها أرض الجويبه وما يليها من أرض الحر والهيابي بجثث القتلى . وقد استمرت المعركة من الصبح الى الظهر . وانهزم الجند بعد أن قتل وجرح منهم جمع غفير . ومن جملة الجرحى القائد الشهير صفوق ـ وهو قائد الحملة ـ ... ولما تحقق داود باشا من انكسار حملته بقيادة صفوق . عندئذ عقد لواء الحملة الى ـ المناخور ـ وكان هذا بصيرا بالحرب ، مشهورا بالضرب والطعن . سبق له فتح الحلة وماردين . فخرج من بغداد 1500 فارس مزود المدافع والقنابل ، وانفذ داوود على أثره من أصناف جنوده ، الى طلبه ، والداوديه ، والارسيه ، والتركية ، واليوسفية . ونقل الجند معسكرهم الى جهة الحر . ووصل المناخور الى كربلا فسد عنها الماء ليومه . وفيه تقدم الى المدينة فأطلقت قنابله عليها فهاجمه الكربلائيون ففر اصحابه واغتنمت ميرتهم . وهذه الواقعة هي الرابعة .

والواقعة الخامسة : واقعة ( الاطواب ) نسبة الى المدافع . وتسمى أيضا بوقعة باخيه . وهي واقعة عظيمة دامت ست ساعات . اطلقت فيها ( 46 ) قذيفة مدفع . وقيل اكثر من ذلك . ولم تصب أحدا بل كانت تقابل من جانب الاهلين بالهزء والسخرية . وقد جرح فيها الكثير من أفراد العشائر . وقد أغارت خيل المناخور على المدينة مرات عديدة وباءت كلها بالفشل . وقد خرج الاهلون فأصابوا من أعدائهم وعادوا ولم يقتل منهم الا شخص واحد ، وجرح أربعة أشخاص . وقد كف الجند عن القتال .

الواقعة السادسة : واقعة ( المخيم ) وهي واقعة عظيمة أيضا . تبادل فيها الفريقان اطلاق القذائف المدفعية . دمر على اثرها احدى مدافع العدو وقد ابتدات المعركة منذ الفجر . ولم تمض ساعة انهزم العدو ثم عاودوا القتال بعد ساعة , فكثر القتلى والجرحى منهم ففر الجند أيضا . وقد أصيب في هذه المعركة أربعت قتلى من الاهلين .

الواقعة السابعة : واقعة ( الراية ) اقتتل فيها الفريقان خارج البلدة انتصر فيها الاهلون واستولوا على خيولهم ومدافعهم وبنادقهم .

الواقعة الثامنة : واقعة ( بني حسن ) وهي عظيمة أيضا وذلك ان المناخور أحس بعجز جيشه وتخاذلهم . فعدل الى الاستنجاد بالعشائر واجابه فيمن اجاب : بنو حسن ـ ناكثين عهدهم مع أهل كربلاء ضامنين للمناخور فتح المدينة ، حتى تقدموا أمامه بعد عشاء الآخرة . من جهة المخيم وتمكنوا من عبور الانهار وتسلق الجدران . ونشبت الحرب بينهم وبين الاهلين . وحمل فرسانهم ، وحمل الجند ثلاث مرات . فأخفق الجميع وجرح منهم جماعة .

الوقعة التاسعة : واقعة ( الامان ) لان المناخور أوقعها بعد صدور العفو والامان من داود باشا . طمعا بفتح المدينة . فقد تقدم في منتصف ليلة ذي القعدة سنة 1241 ـ قد اطال المؤلف في سرد تفاصيل هذه الواقعة واليك مجملها :

وذكر النسابة الشيخ حمود الساعدي : في سنة 1244 هجرية حول الحادثة موجزا قال فيه : حوصر أهل بلد الحسين حاصرهم سليمان بعسكره وقطع نخيلهم وأغار مياههم تسعة أشهر وقتل منهم قتلة عظيمة من الجانبين حتى آل أمرهم إلى أن أكلوا حب القطب ولم يسلموا وكانوا يخرجون الى العسكر فيقاتلون الى ان ضايقهم (صفوق) شيخ شمر وتوجهوا عليه بعدما أعطى الأمان والقرآن لنقيب الاشراف فخرج هو وأصحابه 25 فأمروا بقتلهم عن أخرهم دفعة ثم أمروا بحبس النقيب وكان جليلاً نبيلاً شهماً من الاشراف وحمل إلى داود وأطالوا حبسه في بلدة بغداد .

وجاء في كتاب ( تاريخ العراق الحديث ) ما نحن بصدده : ولقد حاصرت قوات داود باشا كربلاء في السنوات الأخيرة من حكمه زهاء أحد عشر شهراً دون أن ينال من وراء ذلك سوى وعد بدفع الضرائب السنوية المربوطة عليها . وكذلك أراد علي باشا ان يؤكد سيادته على كربلاء ولجأ إلى الحيلة دون القوة وتظاهر بأنه يود أن يؤدي الزيارة لقبر الحسين ولكن أهل المدينة رفضوا أن يسمحوا له بذلك . وفضل علي رضا أن يكتفي باسناد حكم المدينة إلى سيد وهاب وهو من إحدى الاسرات الكبيرة في المدينة التي ظلت مدة حكم علي رضا في العراق شبه مستقلة . ولكن تحت سيطرة جماعة مسلحة أطلق عليها اسم يارمز . وكانت هذه الجماعة تحتوي على عدد من الخارجين على القانون واللصوص والفارين من وجه باشوات العراق . وكانت احدى فرق هذه الجماعة تدعى (الغارتية) من (غارة) تفرض الاتاوات على الحجاج . وكان أشهر زعيم لهم في 1248 هـ هو السيد ابراهيم الزعفراني وهو من أصل مختلط أيراني عربي ، وكان يليه في النفوذ إيرانيان لهما عدد كبير من الاتباع الفرس . ونظراً لانقسام (اليارمز) الى فرق كان ينشب فيما بينها صراع دموي شديد ، كان يعاني منه شعب كربلاء المسالم أشد أنواع الخسائر المادية والارهاق العصبي . وفي خضم هذه الفوضى تفوق زعماء أليارمز على هيبة كبار علماء الشيعة في المدينة وكان لهم النفوذ الأكبر من قبل ، ولكن وجد العلماء في انقسام أليارمز إلى طوائف فرصة لكسب أعوان لهم من بينهم فكان أن انشطر أليارمز إلى شطرين أحدهما مع الزعيم الديني الشهير كاظم الرشتي ، والآخر مع زعيم ديني آخر يدعى سيد ابراهيم القزويني .

وذكر عن قوة أهل المدينة ما نصه « كان الكربلائيون يملكون أربعة آلاف بندقية جيدة صالحة للاستعمال وثلاثين ألف بندقية رديئة غير صالحة للاستعمال .. وكان لديهم خمسة عشر طوب (مدفع) » .

المزيد من احداث القرن الثالث عشر الهجري ( كتاب بغية النبلاء في تاريخ كربلاء ـ عبد الحسين آل طعمة و كتابي تراث كربلاء وكربلاء في الذاكرة ـ سلمان هادي آل طعمة ) بتصرف