8.jpg

احداث مهمة

هجوم الوهابيين 1223 هـ

Post on 21 June 2016

حادثة الوهابيين

وتعرف بحادثة الطف الثانية ، لأنها من أهم الحوادث التي أثارت الاستنكار البغيض في نفس كل إنسان ، وتركت في العالم الإسلامي الألم الممض ، وكانت موضع دراسة الكثير من المؤرخين .

جاء في كتاب (الدر المنثور) المخطوط ما هذا نصه : ان في سنة 1216 هـ كان فيها مجيء سعود الوهابي إلى العراق وأخذ بلد الحسين عليه السلام وكان دخوله إلى كربلاء ليلة 18 ذي الحجة ليلة الغدير وأباد أهلها قتلاً وسبياً ، وكان عدد من قتل من أهل كربلاء ( 4500 ) رجل وانتهبت جميع ما فيها وكسر شباك قبر الحسين عليه السلام وكذا قبور الشهداء . ولم يكن استيلاؤه على جميع ما فيها بل كان استيلاؤه على ما كان دور قبر الحسين عليه السلام والنهب والقتل كان في تلك الأمكنة ولم يبلغ جيشه إلى ناحية قبر العباس عليه السلام وارتحل منها وكان أكثر أهلها في النجف .

ونقل عن السيد جواد العاملي في كتابه ( مفتاح الكرامة ) : في سنة 1223 هـ جاء الخارجي سعود في جمادى الأخره فأتانا ليلاً فرآنا على حذر قد أحطنا بالسور ثم قضى إلى مشهد الحسين على حين غفلة نهاراً فحاصرهم حصاراً شديداً فثبتوا له خلف السور وقتل منهم وقتلوا منه ورجع خائباً .

وقد نظر المستر لونكريك إلى هذه الحادثة الخطيرة فاستفزت عاطفته بتجربة حادة فقال :

إذ انتشر خبر اقتراب الوهابيين من كربلاء في عشية اليوم الثاني من نيسان عندما كان معظم سكان البلدة في النجف يقومون بالزيارة فسارع من بقي في المدينة لاغلاق الأبواب ، غير أن الوهابيين وقد قدروا بستمائة هجان وأربعمائة فارس نزلوا فنصبوا خيامهم وقسموا قوتهم إلى ثلاثة أقسام ، ومن ظل أحد الخانات هاجموا أقرب باب من أبواب البلد فتمكنوا من فتحه عسفاً ، ودخلوا البلدة فدهش السكان وأصبحوا يفرون على غير هدى بل كيفما شاء خوفهم . اما الوهابيون الخشن فقد شقوا طريقهم إلى الأضرحة المقدسة وأخذوا يخربونها فاقتلعت القضب المعدنية والسياج ثم المرايا الجسيمة ونهبت النفائس والحاجات الثمينة من هدايا الباشوات وأمراء وملوك الفرس ، وكذلك سلبت زخارف الجدران وقلع ذهب السقوف وأخذت الشمعدانات والسجاد الفاخر والمعلقات الثمينة والأبواب المرصعة وقتل زيادة على هذه الأفاعيل قرابة خمسين شخصاً بالقرب من الضريح وخمسمائة أيضاً خارج الضريح من الصحن . أما البلدة نفسها فقد عاث الغزاة المتوحشون فيها فساداً وتخريباً وقتلوا من دون رحمة جميع من صادفوه كما سرقوا كل دار ، ولم يرحموا الشيخ ولا الطفل لم يحترموا النساء ولا الرجال فلم يسلم الكل من وحشيتهم ولا من أسرهم ، ولقد قدر بعظهم عدد القتلى بألف نسمة ، وقدر الآخرون خمسة أضعاف ذلك .

وذكر ابن بشر الحنبلي تفاصيل هذا الحادث المؤلم فقال: ان سعود قصد أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين في ذي القعدة 1216 هـ فحشد عليها قومه تسوروا جدرانها ودخلوها عنوة وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين واخذوا ما في القبة وما حولها واخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر . ولم يلبثوا فيها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال وقتل من أهلها نحو ألفي رجل . ثم ان سعود أرتحل منها على الماء المعروف بالأبيض فجمع الغنائم وعزل أخماسها وقسم باقيها بين جيشه غنيمة للراجل سهم وللفارس سهمان ثم ارتحل قافلاً إلى وطنه .. الخ .

وذكر في كتابه آنف الذكر ما نصه : في سنة 1218 هـ قتل عبد العزيز بن محمد السعود في مسجد الطريق ( المعروف في الدرعية ) وهو ساجد في أثناء صلاة العصر مضى عليه رجل قيل أنه كردي من أهل العمادية ( قرب الموصل ) اسمه عثمان على هيئة درويش وقيل إنه رافضي خبيث من اهل بلد الحسين ( كربلاء ) خرج من وطنه لهذا القصد والله العالم .

غير ان تلك الحادثة ألمت بحياة الشيخ سليمان باشا الكبير والي بغداد ـ آنذاك ـ ورجع وحوش نجد إلى مواطنهم مثقلين بالأموال النفيسة التي لا تثمن ويجمل بنا ونحن نستعرض في الحديث عن هذه الغارة الشنعاء أن ننقل رأياً آخر يعكس أعمال الوهابيين البربرية ، فيقول الحلواني : وفيها غزا سعود بن عبد العزيز الوهابي العراق وحاصر كربلاء وأخذها بالسيف عنوة وغنم جميع ما كان في مشهد الحسين من الذهب والجواهر التي أهدتها الملوك والشيعة إلى ذلك المقام المقدس وقتل أهلها قتلاً ذريعاً وإستباحها ونهب من المال والذهب والفضة ما لا يتصوره العقل ، وبه تقوى واستعد لملك الحرمين ثم رجع إلى عارضه متبجحاً بما صدر من عسكره ويقول : لو لم نكن على الحق لما انتصرنا ، وما علم ان ذلك استدراج وانه على الباغي تدور الدوائر ، وانه من قال : ( لا إله إلا الله ) فقد حقن دمه وماله ، ولكن الهوى إذا استولى أعمى البصائر وبأموال كربلاء استفحل أمر ابن سعود وطمع في ملك الحرمين وشرع في محاصرة المدينة المنـورة فصـار في أمره مـا سيأتيك بيانـه .

وعقب على ذلك أيضاً بقوله : فأمر الوزير ما صنع في كربلاء أمر الكنخدا علي بك أن يخرج بعسكره ويتبعه إلى مقر ملكه العارضي فما وصل النهدية حتى نجا سعود على المهرية القود والتحق بالقفار والصحاري ، فجبن الكنخدا ولم يمكنه أن يلحقه .

وكانت هذه الفاجعة العظيمة موضع اهتمام كثير من الباحثين والمؤرخين قال السيد عبد الحسين الكيدار : ولم تزل كربلاء بين صعود وهبوط ورقي وانحطاط تارة تنحط فتخضع لدول الطوائف وطوراً تعمر متقدمة بعض التقدم إلى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانية سنة 914 هـ وأخذت تتنفس الصعداء مما أصابها من نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها وبقيت وهي مطمئنة البال مدة طويلة تزيد على ثلاثة قرون ، ولم ترَ في خلالها ما يكدر صفو سكانها حتى إذا جاءت سنة 1216 هجرية ، جهز الأمير سعود الوهابي جيشاً عرمرماً مؤلفاً من عشرين ألف مقاتل وهجم بهم على مدينة كربلاء ، وكانت على غاية من الشهرة والفخامة ينتابها زوار الفرس والترك والعرب ، فدخل سعود المدينة بعد أن ضيق عليها ، وقاتل حاميتها وسكانها قتالاً شديداً ، وكان سور المدينة مركباً من أفلاك نخيل مرصوصة خلف حائط من طين ، وقد ارتكبت الجيوش فيها من الفضائع ما لا يوصف حتى قيل انه قتل في ليلة واحدة 20 ألف نسمة ، وبعد أن أتم الأمير سعود مهمته الحربية التفت نحو خزائن القبر وكانت مشحونة بالأموال الوفيرة وكل شيء نفيس ، فأخذ كل ما وجد فيها وقيل أنه فتح كنزاً كان فيه جمة جمعت من الزوار ، وكان من جملة ما أخذه لؤلؤة كبيرة وعشرين سيفاً محلاة جميعها بالذهب مرصعة بالأحجار الكريمة وأوان ذهبية وفضية وفيروز وألماس وغيرها من الذخائر النفيسة الجليلة القدر وقيل من جملة ما نهبه سعود آثاث الروضة وفرشها منها 4000 شال كشميري و 2000 سيف من الفضة وكثير من البنادق . وقد صارت كربلاء بعد هذه الوقعة في حال يرثى لها وقد عاد إليها بعد هذه الحادثة من نجى بنفسه فاصلح بعض خرابها وأعاد إليها العمران رويداً رويداً ، وقد زارها في أوائل القرن التاسع عشر أحد ملوك الهند فاشفق على حالتها ، وبنى فيها أسواقاً حسنة وبيوتاً قوراء ، أسكنها بعض من نكبوا وبنى للبلدة سوراً حصيناً لصد هجمات الأعداء وأقام حوله الأبراج والمعاقل ونصب له آلات الدفاع على الطرز القديم وصارت على من يهاجمها أمنع من عقاب الجو ، فامنت على نفسها وعاد إليها بعض الرقي والتقدم .

ومن طريف القول ان أبا طالب خان يذكر في رحلته إلى العراق ومروره بكربلاء أنه لقي عمته المسماة ( كربلاي بيكم ) وعدة نساء من توابعها ، وقد جئن يقضين أيامهن الباقية من اعتزلهن العالم في الأرض المقدسة ويقول : ان الوهابيين كانوا قد سلبوا منهن ما يملكن وقد أعنتهن بجميع ما أستطيعه إذ ذاك من العون المالي .. الخ .

وهناك مراجع كثيرة وصفت فضاعة الوهابيين المنكرة بأدق وصف وأسهبت فيها ، وأوضحت غزوهم لهذه المدينة الأمنة وهدمهم للضريح المقدس ونهب الأموال وقتل الأنفس ، أخص بالذكر منها : أعيان الشيعة ج 4 ص 307 وكتاب تحفة العالم ج 10 ص 289 وكتاب روضات الجنات ج 1 ص 265 وص 353 وشهداء الفضيلة ص 288 ودائرة المعارف الإسلامية المجلد الأول ص 192 و 193 وتاريخ كربلاء وحائر الحسين ص 223 وغيرها .

ففي مسير طالبي لأبي طالب بن محمد الأصفهاني . ط الهند سنة 1227 هـ .

« في الثامن عشر من ذي الحجة يوم غدير خم ( حيث كان معظم سكان كربلاء قد ذهبوا لزيارة النجف الاشرف بقصد الزيارة المخصوصة ) . اذ داهم كربلاء خمسة وعشرون ألف من الفرسان وقد امتطول الجياد العربية الأصيلة ـ وكانوا قبل ذلك قد بعثوا جماعة منهم الى ضواحي كربلاء وقد ارتدوا زي الزوار وجرى بينهم وبين عمر أغا والي كربلاء اتفاقا وكان هذا الوالي سنيا متعصبا ـ وعند دخولهم المدينة تعالت أصواتهم ( اقتلوا المشركين ) .

وكان من البديهي أن عوقب عمر أغا آخر الامر بأمر من سليمان باشا والي بغداد ـ بعد القتل العام أرادوا أن يخلعوا صفائح الذهب الابريز من جدران المشهد الحسيني ولكن لاستحكامها ومتانة وضعها لم يستطيعوا ذلك . فقط خربوا قسما من الضريح الذي تحت القبة . وفي الغروب فجأة وبدون سبب ظاهر غادروا كربلاء متجهين الى الحجاز وقد قتل في هذه الحادثة أكثر من خمسة آلاف شخص . أما الجرحى فلا يحصون لكثرتهم . وكان من جملة القتلى ميرزا حسن شاهزاده الايراني . وميرزا محمد طبيب اللكنهوري . وعلي نقي خان اللاهوري مع أخيه ميرزا قمر علي مع غلامه وخادمه » .

وقد جاء في ( زنبيل فرهاد ) لمعتمد الدولة ص 348 ( . . . ولده الاكبر سعود مع 1200 فارس غدار فداهموا كربلاء يوم الغدير سنة 1216 هجـ بصورة فجائية فعملوا في أهلها السيف فقتلوا ونهبوا وأسروا ما استطاعوا . فاستشهد في هذه الواقعة كثير من العلماء ومن جملتهم جناب الشيخ ملا عبد الصمد الهمداني ففاضت روحه الطاهرة . ودقوا القهوة في الرواق الحسيني الشريف .

ولم تمض ستة أو سبع ساعات حتى كان عدد المستشهدين الذين فاضت أرواحهم الطاهرة يربوا على ستة آلاف شخص . وكان أكثر أهالي كربلاء قد ذهبوا الى زيارة النجف الاشرف لزيارة الغدير المخصوصة . وفي عصر ذلك اليوم المشؤوم غادر سعود كربلاء الى دياره » .

وجاء أيضاً في مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ لسبهر ص 63 : « أسرع سعود مع أتباعه صوب النجف الاشرف . وحاصر قلعة النجف وهاجمها عدة مرات ولكن لم يتمكن منها . فرجع الى كربلاء وبـ 12000 فارس من أبطال الرجال . فغافل كربلاء وداهمها ـ وصادفت هذه الحادثة يوم عيد الغدير . وبدأ القتل والتذبيح بسكنة هذه المدينة حتى قتل منها خمسة آلاف رجل وامرأة . وكسروا الضريح المبارك وسرقوا الجواهر والثريات والمفروشات واللألئ التي كانت حصيلة قرون عديدة من الهدايا الثمينة من الخلفاء والامراء . ونهبت الخزينة والقناديل الثمينة . وبعد ستة ساعات من هذه الاعمال البرية غادروا كربلاء » . لزيادة التعريف بهذه الحادثة راجع : تأريخ نجد لعبد الله فيلبي ص ـ وتأريخ العراق بين احتلالين لعباس العزاوي ج 6 ص 144 . وأربعة قرون من تأريخ العراق الحديث للونكريك . ومطالع السعود في أخبار الوالي داوود ص 168 .

1801 هجم الوهابيون على كربلاء ، وكانت في هذه الفترة عبارة عن قصبة صغيرة مؤلفة من ثلاثة اطراف يعرف الأول ـ محلة آل فائز ، والثاني آل زحيك ، والثالث آل عيسى ، وكانت مسورة بسور بسيط من اللبن وسعف النخيل وجذوعه والطين . ويذكر لونكريك في استعراضه للهجوم الوهابي بأن والي العراق المملوكي ، سليمان باشا كان في الخالص مبتعداً عن الطاعون الذي انتشر في بغداد عندما وصله خبر تحرك القوات الوهابية نحو العراق للغزو الربيعي المعتاد فأصدر أوامره الى نائبه (الكهية) علي باشا بالتحرك نحو كربلاء لصد الغارات الوهابية وبينما كان القائد العثماني يجمع جيشه في الدوره قرب بغداد ، هاجم الوهابيون ، وكان معظم سكانها في زيارة للنجف فسارع من كان فيها لأغلاق أبواب السور لكن المهاجمين تمكنوا من فتحه عنوة ، اما حاكم المدينة العثمانية عمر أغا فلم يستطع اتخاذ الاجراءات الفعالة للمقاومة وفضل الهرب الى المدينة الامر الذي دفع الى اتهامه بالتواطؤ مع الوهابيين ويبدو ان السبب في ذلك يرجع الى عدم قدرة الحامية العثمانية الصغيرة على مواجهة القوة الوهابية التي قدرتها المصادر المعتدلة بست مائة هجان وأربع مئة فارس ، وبالغت مصادر أخرى في تعداد القوة فجعلتها (12 و14) الف مقاتل . ووصف ياسين العمري في كتابه «غرائب الاثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر» ما حل في المدينة من تخريب بقوله : «لم يبق من بيوتها الا داراً واحدة كانت محصنة بالبناء الشامخ وأجتمع فيها نحو خمسين رجلاً وجعلوا يضربون بالبنادق وقتلوا من الوهابيين عدداً كبيراً» .

وصل القائد العثماني علي باشا الى كربلاء بعد انسحاب الوهابيين منها ، فقام ببناء سور لها ، وعاد اليها من نجا من أهلها . وبدأ العمران يعود اليها مجدداً رويداً رويداً ، الامر الذي دفع الى الاهتمام بحصانة سورها .

«وقد أقيم حول السور الابراج والمعاقل ، ونصب له آلات الدفاع على الطراز القديم ، وصارت على من يهاجمها أمنع من عقاب الجو فأمنت على نفسها ، وعاد اليها بعض الرقي والتقدم» .

ومهما يكن من أمر فان المدينة كانت مسورة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ، وان لهذا السور ستة أبواب .

المزيد من احداث القرن الثالث عشر الهجري

( كتاب بغية النبلاء في تاريخ كربلاء ـ عبد الحسين آل طعمة و كتابي تراث كربلاء وكربلاء في الذاكرة ـ سلمان هادي آل طعمة ) بتصرف