1.jpg

المشاهد البارزة

مرقد ابن فهد الحلي

Post on 26 حزيران/يونيو 2016

مرقد ابن فهد الحلي


هو العلامة الشيخ جمال الدين أبو العباس أحمد بن فهد الحلي قدس سره من أكابر علماء الشيعة وفقهاء الإمامية في القرنين الثامن والتاسع الهجري، كان قدس سره جامعاً للآداب والكمالات الظاهرية والباطنية والعلم والعمل وملماً بالمعارف العقلية والنقلية .

ولد الشيخ ابن فهد عام 756هـ وقيل 757هـ في مدينة الحلة التي كانت من أهم مدن العراق المزدحمة بالعلماء والمدارس الدينية والمعاهد العلمية للطائفة الشيعية .

هاجر إلى كربلاء المقدسة وانتقلت به المرجعية الدينية إلى حوزة كربلاء العلمية، حيث ازدهرت الحوزة بالمئات من روادها من طلبة العلم والفضلاء والفقهاء الذين جاؤوا إليها من مختلف الأقاليم الإسلامية كإيران والهند ودول آسيا الوسطى (داغستان، آذربايجان، طاشقند) وغيرها من المناطق الإسلامية. وقد أشار (ابن بطوطة) في رحلته إلى كربلاء المقدسة سنة 737هـ إلى وجود مدرسة علمية كبيرة إلى جانب الضريح المقدس للإمام الحسين عليه السلام .

ومن هذا يعرف مدى أهمية دور مرجعية الشيخ ابن فهد قدس سره في تنشيط الحركة العلمية في كربلاء، سيما وأنها أصبحت في ظل تشيع حاكم العراق على يد الشيخ، أكثر أمناً واستقراراً، ومعلوم أن الأمن والاستقرار يوفران فرصة طيبة لتنشيط الحركة العلمية . فأصبحت بذلك كربلاء المقدسة مركزاً للمرجعية الدينية عند الشيعة، بعد أن تراجع دور جبل عامل باستشهاد الشهيد الأول رحمه الله وإن بقيت مدرسته تمارس دورها العلمي في تلك البقاع.علماً بأن الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة تأسست قبل حوزة النجف الأشرف، حيث أسسها الفقيه المحدث حميد بن زياد النينوي المتوفي سنة 310هـ وهو من مشايخ الشيخ الكليني وفرات الكوفي، أما حوزة النجف الأشرف فقد أسسها الشيخ الطوسي رحمه الله (385-460).

وقال صاحب (مراقد المعارف ) : وفي سنة 1329 هـ دخلنا مرقده لقراءة الفاتحة ـ كما هي عادتنا في كل عام نأتي لزيارة الحسين عليه السلام في النصف من شعبان ـ فوجدناه على سعته مكتضاً بالزائرين حتى في بستانه الوقف الذي كانت الزوار تقيم فيه أيام الصيف ، والمعروف والمشهور انه رحمه الله تعالى وقف داره التي فيها جدثه على ان تكون قبراً ومزاراً له ، ومأوى للزائرين الضيوف ، وكذا البستان المحيطة بداره وقبره ، المعروفة ببستان ابن فهد الحلي هي وقف عليه .

 وابن فهد الحلي هو العالم الجليل المتقن ، صاحب المقامات والكرامات العابد الزاهد ، له مؤلفات تنوف على عشرين مؤلفاً منها : كتاب عدة الداعي ، والمذهب البارع في شرح المختصر النافع ، والموجز ، والدر الفريد ، والتحرير ، والتحصين ، واللمعة الجلية ، الى غير ذلك .

يروي عن جملة من أجلاء تلامذة الشهيد الأول محمد بن مكي ، وفخر المحققين ، منهم الفاضل المقداد السيوري صاحب كنز العرفان ، والشيخ علي بن الخازن الفقيه ، والعلآمة ، والسيد مرتضى بهاء الدين علي بن عبد الكريم بن عبد المجيد النسابة الحسيني النجفي .

وممن اجازهم استاذه الشيخ الأجل علي بن هلال الجزائري .

وتتلمذ عليه الكثير وجلّ تلامذته صاروا مجتهدين كالشيخ عبد السميع ابن فياض الاسدي الحلي ، والمولى السيد محمد بن فلاح الموسوي الحويزي المشعشعي الذي كانت سيرته حافلة بالحوادث والوقائع الدامية ، والشيخ رضي الدين حسن المعروف بابن راشد القطيفي الى غيرهم .

وذكر مؤلف ( مراقد المعارف ) : مرقده في كربلاء المقدسة بداره التي تقع قبلة لمرقد الامام الحسين (ع) قريبة منه ، وقبره مشيد عليه قبة قديمة وحول قبره صحن دار تحوطه اسطوانات وغرف كانت مأوى لزائري مرقد أبي الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام .

وللتمييز فان ابن فهد اثنان الاسدي الحلي هذا ، والثاني هو شهاب الدين احمد بن فهد بن حسن بن محمد بن ادريس ابن فهد المقرئ الاحسائي ، وقد عاصر كل منهما الآخر ، وبقي الاحسائي بعد وفاة الاسدي الحلي ، حتى دخل القرن التاسع الهجري ، والاحسائي هو صاحب « خلاصة التنقيح » .

كان العلامة ابن فهد قدس سره من أولياء الله وعباده الصالحين وقد حباه الله بكرامات عديدة :فكانت باب الروضة الحسينية تفتح له عندما كان يتشرف لزيارة الإمام الحسين عليه السلام والتهجد في نصف الليل .

ومن كراماته قصته مع أحبار اليهود حيث ألقى مسحاته فأصبحت ثعباناً ثم أخذها بيده فرجعت كما كانت عليه .

وكان من شدة تأدبه ورعايته لحرمة كربلاء المقدسة أنه كان يجمع فضولاته في كيس ويأخذ بها خارج مدينة كربلاء بمسافة طويلة حفاظاً على طهارة تربة دفن فيها الإمام الحسين عليه السلام .

وقد رأى أحد المؤمنين العلامة المجلسي قدس سره وبجانبه جميع علماء الشيعة ولم يرَ ابن فهد الحلي قدس سره فسأل عنه، فقالوا: إنه ليس في زمرة العلماء بل حشر في زمرة الأنبياء عليهم السلام .

كان العلامة ابن فهد قدس سره متبحراً وقديراً في البحث والنقاش، وله مناظرات علمية مع أتباع فقه أهل السنة وخصوصاً في موضوع الإمامة والولاية، وقد ناقش علماء السنة وبحضور وطلب من أمير العراق آنذاك وهو الأمير اسبند (اسبان) بن قرا يوسف، وكان سبباً لهدايته إلى مذهب التشيع، حيث ألقى الأمير بعد ذلك خطبة الجمعة باسم أمير المؤمنين وأولاده المعصومين المطهرين عليهم السلام وضرب السكة باسم الأئمة الإثني عشر عليهم السلام وقد وقعت تلك المناقشة عام 836هـ بعد أن سقطت الدولة الجلائرية باحتلال الأمير اسبان للحلة في ذلك العام .

ينقل السيد محسن الأمين قدس سره في (أعيان الشيعة) عن الشيخ عبد النبي الكاظمي نزيل جبل عامل في كتابه (تكملة الرجال) قوله: وقد ناظر في زمان ميرزا اسبند التركماني والي العراق جماعة ممن يخالفه في المذهب وأعجزهم فصار ذلك سبباً لتشيع الوالي .

من أساتذة العلامة ابن فهد رحمه الله ومشايخه في الحديث والفقه: الفاضل مقداد السيوري، والشيخ علي بن خازن الفقيه الحائري، والسيد بهاء الدين علي بن عبد الكريم النيلي، وابن متوج البحراني وغيرهم من العلماء .

من تلامذته: الشيخ عز الدين حسين بن علي بن أحمد بن يوسف المعروف بابن العشرة الكركي العاملي، الشيخ ظهير الدين بن علي زين العابدين بن الحسام العاملي العينائي، الشيخ زين الدين علي بن هلال الجزائري صاحب كتاب الدر الفريد في التوحيد، الشيخ علي بن عبد العالي الكركي، الشيخ عبد السميع الحلي صاحب كتاب تحفة الطالبين في أصول الدين، السيد محمد بن فلاح الموسوي والشيخ محمد بن طي العاملي مؤلف مسائل بن طي، وذكر صاحب الأعيان عدداً ممن يروي عنه فقال: (يروي عنه جماعة أجلاء من العلماء كالشيخ حسن بن علي الشهير بابن العشرة الكركي العاملي، الشيخ عبد السميع بن فياض الأسدي الحلي وهو من أكابر تلامذة ابن فهد، الشيخ رضي الدين الشهير بابن راشد القطيفي، والشيخ زين الدين علي بن محمد بن طي العاملي، وقيل من تلامذته السيد محمد نور بخش) .

للعلامة ابن فهد الحلي رحمه الله عدة مؤلفات قيمة، منها: عدة الداعي ونجاح الساعي، آداب الداعي، استخراج الحوادث، أسرار الصلوات، تاريخ الأئمة عليهم السلام، التحرير في الفقه، التحصين في صفات العارفين من العزلة والخمول بالأسانيد المتلقاة عن آل الرسول عليهم السلام، ترجمة الصلاة، تعيين ساعات الليل وتشخيصها بمنازل القمر، مصباح المبتدي وهداية المهتدي، المتقصر في شرح إرشاد الأذهان، الموجز الهادي، المهذب البارع والموجز الحاوي وكتب ورسالات أخرى .

لقد لبى العلامة ابن فهد الحلي قدس سره نداء ربه الكريم بعد قضاء حياته المليئة بالجهد الذي لا يعرف الملل والكلل سنة 841هـ وهو في 85 من العمر بمدينة كربلاء المقدسة، ووري جثمانه الطاهر في بستان بقرب الروضة الحسينية المباركة، حيث المرقد الشريف الآن، وهو في شارع قبلة الإمام الحسين عليه السلام وقد أصبح من يومه مزاراً للمؤمنين والمؤمنات وكبار العلماء، وهو مجرب في قضاء الحوائج .

ويقال: إن العلامة السيد علي الطباطبائي صاحب كتاب (رياض المسائل) كان من المداومين لزيارة قبره الشريف .

واليوم ( اي في بداية سبعينيات القرن العشرين الميلادي) مرقده مشيد جديد البناء ، عليه قبه فخمة مكسوة بالقاشاني كما تشاهد صورتها ويقع مرقده في النصف الشمالي من صحن الدار المكشوف وأما النصف الجنوبي منه فقد عنون بالمسجدية ، ولا يزال الطابق الأسفل مأوى لزائري مرقد الامام الحسين عليه السلام في مواسم الزيارات ، وأما الطابق الأعلى فقد شيد مدرسة لطلاب العلوم الدينية بعنوان « مدرسة الشيخ احمد بن فهد الاسدي الحلي » .

وكانت نفقات هذه العمارة من سماحة آية الله السيد الحكيم وثلاثة من أهل الخير والمبرات ، وكتب اسماء المنشئين بالقاشاني على واجهة الباب في الشارع العام وهذا نص ما كتب :

« لقد تم تجديد كل من بناء هذا المسجد الشريف والمرقد الطاهر ، مرقد العالم العابد الزاهد والعارف الكامل ، جامع المعقول والمنقول ، حاوي الفروع والاصول الحائز بين الظاهر والباطن والعلم والعمل ، قدوة الفقهاء والمحققين ، ونخبة العلماء المولى جمال الدين أبو العباس احمد بن فهد الحلي الأسدي المتولد في سنة 757 هـ والمتوفى 841 هـ ، وتأسيس مدرسته المباركة على نفقة كل من سماحة المرجع الأعلى للطائفة الامامية السيد محسن الطباطبائي الحكيم أدام الله ظله الوارف الباقي ، والسيد عبد الحسين البهائي البهبهاني ، والحاج صاحب الهر ، والحاج علي الكهربائي في سنة 1384 هـ » .

واليوم بجانب ضريح العلامة الشيخ ابن فهد الحلي قدس سره حوزة علمية يرعاها المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي وفيها العديد من طلبة العلوم الدينية حيث استأنفت العمل والدراسة بعد سقوط النظام الاستبدادي الصدامي وهي اليوم حوزة متكاملة آخذةٌ في التوسع والتطور أكثر فأكثر .

وتم إعمار المرقد مؤخرا عن طريق مكتب السيد الشيرازي في كربلاء و شملت أعمال التجديد فيه إكساء القبة الشريفة من الداخل والسقف الجانبي بالمرايا الجميلة وفق الزخرفة الإسلامية كما وكسيت جدران المرقد الشريف وأرضيته بالمرمر .