6.jpg

الروضة الحسينية

القرن الرابع الهجري (913 ـ 1010 م)

Post on 23 حزيران/يونيو 2016

القرن الرابع الهجري

( 7/ 8 / 913 ـ 14 / 8/ 1010 م )

في سنة 313 هـ زار الحائر الزعيم القرمطي أبا طاهر الجنابي وطاف حول القبر مع أتباعه وآمن أهل الحائر ولم يمسهم بمكروه .

ويذكر أن الزعيم القرمطي كان كثير التردد على كربلاء عند غزواته للكوفة عام 313 هـ ، والظاهر أن عدم مساسه القبر والساكنين حول الحائر ناجم عن ضعفه وميله لكسب المزيد من الموالين لحركته ( القرامطة ) .

وفي عام 352 هـ أمر معز الدولة البويهي بإقامة العزاء على الإمام الحسين عليه السلام في بغداد وذلك في يوم عاشوراء ، وكان لهذا الأمر آثاره الإيجابية في تطوير وإعمار مرقد الإمام الحسين عليه السلام وإنعاش مواسم الزيارة ، بل وساهم في عمارة المرقد .

ولما كانت سنة 366 هـ زار عز الدولة البويهي المرقد الشريف للإمام الحسين عليه السلام مما دعم حركة الهجرة للحائر الحسيني وعمرانه .

وفي سنة 367 هـ إستولى عضد الدولة البويهي على بغداد فعرج منها على كربلاء لزيارة مرقد الإمام الحسين عليه السلام ثم أنه جعل زيارته للمرقد الشريف عادة سنوية .

وفي ظل اضطراب الأوضاع السياسية في العراق وتدهورها في الفترة التي سبقت دخول عضد الدولة بغداد عام 367 هـ تمكن عمران بن شاهين أن يستقطع البطائح بجنوب العراق من سلطة البويهيين ومنع الخراج عنهم ، ثم إن عضد الدولة وبعد أن استتبت الأمور له في بغداد أرسل إليه بجيش عظيم فحاصروه وضيقوا عليه الخناق ،وعندما عجز عمران بن شاهين عن مقاومتهم إلتجأ إلى قبر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وتضرع إلى الإمام ورأى علياً في المنام يقول له : « ياعمران سيقدم العبد فناخسروا لزيارة البقعة فلذ به سيفرج عنك » فلما انتبه من نومه نذر لله إن نجا من عضد الدولة أن يبني مسجداً ورواقاً في حرم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وآخر مثلهما في حرم الأمام الحسين عليه السلام فلما التقى بعضد الدولة أخبره بكل ذلك فعفى عنه ، وأوفى بنذره ، فبنى المسجد المعروف باسمه إلى الآن والذي يقع إلى جهة الشمال من الروضة وقد ضم فيما بعد إلى الحرم ، أما الرواق الذي شيده فيقع إلى جهة الغرب من قبر الحسين عليه السلام وهو أول من ربط حزام الحائر بالرواق ، والظاهر أن ذلك كان في عام 368 هـ .

ويصف السماوي ما قام به عمران بن شاهين من بناء فيقول :

ثم أتـى عـمران في زمانـه   فعمر الـرواق مـن مكانـه
ووصـل الروضـة بالـرواق   من الجنوب وهـو بعـد باق
وتمـم ذا في السبع والستينا   بعد ثلاث قد مضت مئينا

وفي عام 369 هـ أغار ضبة الأسدي على مدينة كربلاء وقتل أهلها ونهب أموالهم وسرق ما في خزانة الحرم المطهر من نفائس وذخائر وتحف وهدايا ، وهدم ما أمكنه هدمه وذلك بمؤازرة بعض العشائر ، ثم قفل عائداً إلى البادية فلما بلغ أمره إلى عضد الدولة أرسل في تلك السنة سرية إلى عين التمر وبها ضبة الأسدي فلم يشعر إلا والعساكر معه فترك أهله وماله ونجا بنفسه فريداً ، وأخذ ماله وأهله وملكت عين التمر عقاباً لنهبه مرقد الإمام الحسين عليه السلام ، ويصف السماوي غزوة ضبة على كربلاء بقوله :

والحـادث نهـب الأسدي   ضبة ذو العين لأهل البلـد
وسلبه في الدور والأسواق   وقتلـه كـل فتـى يلاقـي
ونهبه من روضة الحسين   مصوغة النظار واللجين

وفي العام نفسه ـ 369 هـ ـ وعندما قام عضد الدولة بزيارته التقليدية للمرقد المطهر للإمام الحسين عليه السلام أمر بتجديد بناء القبة الحسينية وروضتها المباركة وشيد ضريح الإمام الحسين عليه السلام بالعاج وزينه بالحلل والديباج وبنى الأروقة حوالي مرقده المقدس وعمر المدينة ، واهتم بايصال الماء لسكان المدينة والضياء للحائر المقدس وعصمها بالأسوار العالية التي بلغ محيطها حوالي 2400 خطوة وقطره حوالي 2400 قدم ، فأوصل المدينة بترعة فاحياها وأوقف أراضي لاستثمارها لصالح إنارة الحرمين الشريفين أبي عبد الله الحسين عليه السلام وأخيه أبي الفضل العباس عليه السلام وبالغ في تشييد الأبنية والأسواق حوله وأجزل العطاء لمن جاوره من العلماء والعلويين كما أمر ببناء المدرسة العضدية الأولى ، كما بنى بجنبها مسجد رأس الحسين عليه السلام وعلى أثر ذلك تضاعف عدد المجاورين لمرقده المقدس .

جاء وصف ما تكرم به عضد الدولة من عطاء في فرحة الغري : 113 ما نصه « وتصدق وأعطى الناس على اختلاف طبقاتها وجعل في الصندوق دراهم ففرقت على العلويين فأصاب كل واحد منهم إثنين وثلاثين درهماً ، وكان عددهم ألفين ومائتي اسم ، ووهب العوام والمجاورين عشرة آلاف درهم وفرق على أهل المشهد من الدقيق والتمر مائة ألف رطل ، ومن الثياب خمسمائة قطعة ، وأعطى الناظر عليهم ألف درهم ، وفيه أن ذلك كان عام 371 هـ » .

ويصف السماوي ما قام به عضد الدولة من بناء وإعمار ورعاية فيقول :

ثم تولى ابن بويه العضد   فاخضر عود فيه كـاد يخضد
بنى له القبة ذات الأروقة   محيطة على الضريـح محدقة
وزين الضـريح بالديباج   ومـا عـلا دائـره بـسـاج
وشعشع القـبة والـرواقا   وعـمر البيـوت والأسواقـا
وعصم الـبلدة بالأسـوار   فـحكـت المعصـم بالسـوار
وساق للطف مياهاً جارية   وامتاز للضوء وقوفاً جارية

ولما كانت سنة 371 هـ واصل عضد الدولة زيارته التقليدية السنوية للحائر المقدس ، ويبدو لنا أنه اشرف في هذه السنة على مراسم الإنتهاء من إعمار وبناء المرقد الحسيني المطهر ، فاهتم بتزيين الروضة والأروقة حيث جلب معه القناديل والثريات المضاءة بالشمع لإنارة الروضة المقدسة ، كما زين الضريح بالساج والديباج وغلفه بالخشب ، و أمر ببناء الصحن الصغير وبناء مدرسة ثانية إلى جوار الصحن الشريف وملاصقة له ، وقد احتل الصحن الصغير موقعه في الجهة الشمالية الشرقية للمرقد المطهر فيما كانت المدرسة قد بنيت إلى الغرب من الصحن الصغير اي شمال المرقد المطهر ، ويحتوي الصحن الصغير على مئذنتين وكان منه يذهب إلى مرقد أبي الفضل العباس . ويصف الكليدار هذا الصحن الذي عرف بالصحن الصغير بقوله :

« هذا الصحن الصغير هو هذه الساحة المسورة الفخمة الأثرية القديمة من العصر العباسي الثاني ، والتي يزين جدرانها العالية الرفيعة ذلك الكاشاني الأثري البديع الصنع ، وتزين سقوف مداخلها المقرنصات الفنية البديعة المعلقة على طول السقف في شبه أسطوانات هندسية الشكل ذات الأضلاع والزوايا المتداخلة المتنوعة والدقيقة الصنع والتركيب ، والمتلبسة كلها بأحسن تلبيس فني هندسي كامل بالفسيفساء والكاشاني المعرق من النوع القديم الممتاز النادر والثمين ، لأن البناء كله يرجع إلى ألف سنة بالضبط من عهد البويهيين إلى اليوم ، ومقرنصات سقوف مداخل هذا الصحن الصغير هي على شاكلة المقرنصات الموجودة ، لكن من نوع أوطأ منها في سقوف بعض المداخل الأخرى لصحن الحسين عليه السلام وتتصل هذه البناية المجللة التاريخية ، أو الصحن الصغير كما يعبر عنه اليوم ، من جهة الغرب بصحن الحسين عليه السلام وبينهما دهليز واسع كبير مزين تقريباً بنفس التزيين الفني ، ولكن من نوع أوطأ من ذلك الفسيفساء والكاشاني القديم مما تتنافس متاحف العالم على إقتناء أمثالها .

وأما من جهة الشرق فتقع على مفترق طرق البلدة الشمالية والشرقية والجنوبية بجانب السوق الكبير في قلب المدينة ، ولها مدخلان : مدخل شمالي ويدعى اليوم بـ « باب الصحن الصغير » ومدخل شرقي يدعى بـ « باب الصافي نسبة الى مقبرة تقع على جانب الباب وهي عائدة الى اسرة السيد مهدي الصافي من سادات ووجهاء كربلاء السابقين ، ومن هذا المدخل أو الآخر يقصد الزائر عادة حرم العباس عليه السلام بعد أداء الزيارة لحرم الحسين عليه السلام .

وقد اتخذ الملوك البويهيون هذا المحل مدافن لهم في الحائر المقدس لتكون قبورهم على طريق الزائرين بين الحرمين الشريفين ، فشيدوا هذا البناء الهندسي الجميل الطراز والأسلوب ، وهو بمجموعه آية في الفن والصنعة وهو من الأبنية الأثرية التاريخية القديمة ، يرجع عهده إلى العصر العباسي في القرن الرابع والخامس من الهجرة وجعلوه من ملحقات الحائر وتوابعه .

وكانت مقابرهم تقع في وسط الساحة في سرداب منظم تحت الأرض والبعض الآخر على جانبي المدخل الرئيسي الذي هوالمدخل الشمالي لها وذلك في داخل حجرتين مجللتين مبنيتين بأجمل طرز من طراز المقابر القديمة وجدرانها حديثة من الداخل والخارج بالكاشاني القديم البديع الصنع ، وفي صدر كل مقبرة منها حجرة خاصة في وسطها مئذنة أثرية قديمة يرجع عهدها إلى زمن البويهيين ، وهكذا تقع على جانبي المدخل الشمالي لهذا البناء تلك المئذنتان البويهيتان القديمتان والمنقوش عليهما الآيات القرآنية بالكتابة الكوفية ، وقد قطع رأسيهما في التعميرات التي جرت خلال العصور المتأخرة حسب الظاهر فأصبحتا مخبوئتين في داخل البناء إلى حد السطح ، وكان لكل منهما درج لولبي من داخل المئذنة يصعد إليها ، وللمئذنة الغربية منها ( ديدبان ) أي منظار كان يجلس فيه محافظ مقابر الملوك للمراقبة والمحافظة في تلك العصور الخالية ، وكان ينتهي هذا « الديدبان » من المئذنة المذكورة إلى فوق مقبرة الطباطبائية الحالية من الشباك الذي كان يشـرف على باب هـذه المقبرة .

ويعلق بعد نقل هذا الوصف الرائع للصحن الصغير بقوله : ولكن ألم يوقف البويهيون مع ثروتهم الطائلة وسطوتهم الفائقة في عصرهم أملاكاً وأوقافاً لمدافنهم او لحرم الحسين عليه السلام ؟ فأين صارت تلك الأوقاف ؟ صارت فيما صادره السلطان العثماني مراد الرابع من أملاك الشيعة وأوقافهم عند فتحه العراق في سنة 1048 هـ ( 1638 م ) ؟ إذ أن المستر لونكريك الإنكليزي يحدثنا في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق : 79 « بأن السلطان مراد الرابع رسم للمفتي يحيى أن يعيد بناء قبة الشيخ عبد القادر الكيلاني وأوقف لها أوقاف كثيرة معظمها من أملاك الشيعة » ولعل خان الباشا الكبير الذي هو بقرب الصحن في كربلاء وأوقاف التكية الخالدة في سوق النجف وغيرهما أيضاً هي من جملة ما صادره مراد الرابع من أوقاف العتبات المقدسة ، وإلا بأي مناسبة يكون للكيلاني أو لخالد بن الوليد أوقاف في العتبات المقدسة في كربلاء والنجف فأين صارت إذن تلك الأوقاف ؟ ومثل تلك الأوقاف أيضاً الأوقاف الحسينية لمئذنة العبد المشهورة التي هدمت ظلماَ في عام 1354 من الهجرة لبناء فخامة صورية زائلة من أنقاض فخامتها التاريخية الصامدة ، فكان هدمها تعميراً للآخرين .

وفي عام 400 هـ توجه إلى زيارة مرقد الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام الوزير البويهي الحسن بن الفضل الرامهرمزي وذلك فـي شهـر جمادى الأولـى . مستل من كتاب (دائرة المعارف الحسينيةـ تاريخ المراقد /ج1 ص 292 ـ 302) بتصرف