5.jpg

الروضة الحسينية

القرن الثالث الهجري (816 ـ 913 م)

Post on 23 حزيران/يونيو 2016

القرن الثالث الهجري

( 30 / 7 / 816 ـ 7 / 8 / 913 م )

يقول سلمان آل طعمة (في كتاب تراث كربلاء : 231) : « إن الشائع على ألسنة الباحثين والمؤرخين أن كربلاء كانت في القرن الثالث مملوءة بالأكواخ وبيوت الشعر التي كان يشيدها المسلمون الذين يفدون إلى قبر الحسين عليه السلام » ، إلى جانب بيوت المجاورين له .

ولكننا نقول : إن المختار عندما بنى القبر وشيد المشهد أسس قرية صغيرة حوله ـ راجع تاريخ الروضة الحسينية وغيره ـ مما يدلنا على أن البيوت كانت قائمة منذ القرن الأول الهجري ولعلها كانت مبنية أيضاً ، والظاهر أن المراد من قولهم كانت مملوءة بالأكواخ إلى آخره أنها كانت للزائرين على ما يتضح من آخر العبارة

هذا ولم يتعرض مرقد الإمام الحسين عليه السلام في عهد المعتصم العباسي والواثق العباسي (3) إلى الهدم والتخريب ، كما لم يتعرض الموالون لأهل البيت عليهم السلام للاضطهاد بسبب اضطراب الوضع السياسي .

ولما كانت سنة 232 هـ تولى الحكم المتوكل العباسي وكان شديد البغض لعلي بن أبي طالب عليه السلام ويروى أنه من شدة بغضه لأمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يأمر عبادة المخنث أن يربط وسادة على بطنه ويرقص ، وكان عبادة أصلع الرأس فكان يشبهه بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حيث جاء في صفاته عليه السلام أنه الأنزع البطين ، وكانوا يشربون الخمر ويصفقون استهزاء بالإمام عليه السلام والمغنون يغنون (قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين ) فيشرب المتوكل ويضحك مستهزءاً وذات يوم كان ابنه المنتصر موجوداً فساءه ذلك فنظر إلى عبادة مهدداً له فتوقف عبادة عن رقصه ، فسأله المتوكل عن سببه فقال هذا ابنك المنتصر يهددني فأمر المتوكل بالمغنين أن يتغنوا بهذا البيت :

غار الفتى لابن عـمه   راس الفتى في حر أمه

ولذلك عمد إلى هدم قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام أربعة مرات :

الأول : عام232 هـ (ولعل الأدق أنه كان في عام 233 هـ لأن المتوكل تولى الحكم في 6 ذي الحجة 232 هـ وعلى هذا يكون أول شعبان من حكمه هو عام 233 هـ) وذلك إثر ذهاب إحدى جواريه المغنيات إلى زيارة شعبان في كربلاء ، فأنفذ عمر بن فرج لهدم ما عمره المأمون العباسي وأمر بتخريب قبر الحسين عليه السلام وحرثه ، فلما صار إلى الناحية أمر بالبقر فمر بها على القبور كلها فلما بلغت قبر الحسين عليه السلام لم تمر عليه .

وجاء في تاريخ كربلاء وحائر الحسين : 202 ، مقاتل الطالبيين : 478 « إن بعض القيان كانت تبعث بجواريها إلى المتوكل قبل الخلافة يغنين له إذا شرب فلما بعث إلى تلك القينة فعرف أنها غائبة ، وكانت قد زارت قبر الحسين عليه السلام وبلغها خبره فأسرعت في الرجوع ، وبعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها ، فقال لها : أين كنتم ؟ قالت : خرجت مولاتي إلى الحج وأخرجتنا معها ، وكان ذلك في شعبان فقال لها : أين حججتم في شعبان ؟ فقالت : إلى قبر الحسين عليه السلام فاستطار غضباً وأتى بمولاتها فحبست واستصفى أملاكها ، وبعث برجل من أصحابه يقال له : الديزج ـ وكان يهودياً فأسلم ـ إلى قبر الحسين عليه السلام وأمره بكربه ومخره وإخراج كل ما حوله فمضى لذلك وخرب ما حوله ، وهدم البناء ، وكرب ماحوله نحو مائتي جريب ( الجريب : 60×60 ذراعاً ) فلما بلغ الى قبره لم يتقدم اليه أحد فأحضر قوماً من اليهود فكربوه وأجرى الماء حوله ووكل به مسالح على سائر الطرق بين كل مسلحتين ميل لا يزوره زائر إلا أخذوه ووجه به إليه فقتله أو أنهكه عقوبة ، ويبدو لنا أن هنالك خلطاً في الهدمين الأول والثاني ، كما يظهر من هذه الرواية أن مساحة المدينة كانت في ذلك الوقت ( 200 ) جـريباً ، وبـما أن الجريـب يعادل ( 60 × 60 ) ذراعا ً، والذراع الواحد يعادل ( 83 / 45 ) سنتيمتراً فمعنى ذلك أن الجريب يعادل ( 498 / 47× 498 / 47 م ) 06/ 2256 متراً مربعاً ، وعليه تكون مساحة المدينة أقل من نصف كيلو متر مربعاً ، وربما كانت بالأبعاد التالية : ( 97 و 474 × 94 و 949 م) وهذه المساحة يمكنها أن تستوعب الروضتين وجوارهما القريب .

ثم أن الموالين لأهل البيت عليهم السلام رغم الاضطهاد والتنكيل عمدوا إلى تعمير مرقده الشريف .

وفي كتاب شهر حسين : 207 إن مرقد الإمام الحسين عليه السلام قد عمر بين الهدمين الأول والثاني كما أنشئت البيوت من حوله ثانية ، ولكن التاريخ لم يذكر من قام بإنشائه وتعميره .

الثاني : سنة 236 هـ (الموافق لعام 850 ـ 851 م، وأشار يعقوب سركيس فقط إلى هذا الحرث في زمن المتوكل دون غيره من الهدم والحرث ) حيث عمد المتوكل أيضاً إلى هدم الضريح المطهر وملحقاته وزرعه بعد تسوية أرضه ، كما امر بهدم ماحوله من المنازل والدور ثم منع زيارة المكان وغيره من البقاع الشيعية المقدسة وهدد الزوار بفرض عقوبات صارمة عليهم ، فنادى بالناس : من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق وإلى هذا يشير السماوي في ارجوزته فيقول :

ثم تنـاهـى جعـفـر بالـمخـر   و الحـرث للأرض ونبث القبر
لـمأتيـن و ثـلاثـيـن وسـت   إذ فوض الأمر إلى علق وست

وجاء في مروج الذهب : 4/ 51 : كان آل أبي طالب قبل خلافة ( المنتصر ) في محنة عظيمة وخوف على دمائهم ، قد منعوا من زيارة قبر الحسين والغري من أرض الكوفة وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد وكان الأمر بذلك من المتوكل سنة 236 هـ .

وأوعز مهمة الهدم لرجل يهودي اسمه إبراهيم الديزج فبعثه المتوكل إلى كربلاء لتغيير قبرالإمام الحسين عليه السلام وكتب معه إلى القاضي ابن عمار : « أعلمك أني قد بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلاء لينبش قبر الحسين ، فإذا قرأت كتابي فقف على الأمر حتى تعرف فعل أم لم يفعل » ( ويبدو من تصرف المتوكل ووضع القاضي مراقباً لعملية النبش أنه كان يعرف تمام المعرفة أن الناس حتى المنحطين منهم كان يصعب عليهم مباشرة الأمر ) ، فعرض القاضي بالكتاب على إبراهيم الديزج ، فأتمر الديزج بأمر القاضي جعفر ثم أتاه فقال له : ماصنعت ؟

فقال : قد فعلت ما أمرت به فلم أرشيئاً ولم أجد شيئاً .

فقال القاضي : أفلا عمقته ؟

فقال إبراهيم : قد فعلت ، فما رأيت .

فكتب القاضي إلى المتوكل : « إن إبراهيم الديزج قد نبش فلم يجد شيئاً وأمرته فمخره بالماء وكربه بالبقر » .

والتقى أبو علي العماري بإبراهيم الديزج وسأله عن صورة الأمر فقال له : أتيت في خاصة غلماني فقط ، وأني نبشت فوجدت بارية جديدة عليها بدن الحسين بن علي ، ووجدت منه رائحة المسك فتركت البارية على حالها وبدن الحسين على البارية . وأمرت بطرح التراب عليه وأطلقت عليه الماء ، وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه فلم تطأه البقر ، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه ، فحلفت لغلماني بالله وبالأيمان المغلظة لئن ذكر أحد هذا لاقتلنه ، ويصف السماوي الحادثة فيقول :

حتى إذا الشمس بدت للأعين   قامـوا فـهدمـوا جـميع ما بني
ونبشوا القبر فلاحت باريـة   تـسطع بالـمسك كمثل الغانيـة
قلت دعـوه ولئن لـم يكـتم   رآه قـتلـتـه عـلـى الـتكلـم
ثم حرثنا الأرض لكن الـبقر   تـأتي إلـى ذاك الـمقام وتـذر
وكلمـا تضـرب للـكـراب   تقهقرت تـمشي على الأعقـاب
ثم مخرنا الماء فـوق القـبر   فحار عنـه واقفـاً لا يجري

ويعلق الدكتور عبد الجواد الكليدار في كتابه تاريخ كربلاء وحائر الحسين : 203 على إرسال الديزج : « إن المسلمين لم يقدموا على هدم القبر المطهر ، ان إبراهيم الديزج اليهودي الأصل أتى بجماعة من قومه من اليهود لهذا الغرض ، وان اليهود هم الذين باشروا في هذه المرة بهدم قبر الحسين عليه السلام ، وان الديزج حسب أمر المتوكل لم يكتف بهدم القبر وإنما ضرب ماحوله فهدم مدينة كربلاء كلها وانه أوكل في أطرافها المسالح لمنع الزائرين من الزيارة بالعنوة وبعقاب القتل » .

(1) إبراهيم الديزج : هوابن سهل سكن سامراء وبغداد وكان من المقربين عند العباسيين ، تولى قيادة الشرطة لاكثر من مرة ، لاحقه الاتراك ، كان حياً حتى عام 251 هـ ، والصحيح انه توفي عام 247 هـ بعد يومين من وفاة المتوكل . والديزج كلمة فارسية تعني الحمار الأدغم ، ويذكر الديرج والديزح أيضاً .

ويبدو أن محبي أهل البيت عليهم السلام ، لم يتركوا قبر إمامهم على حاله بل عمروه بما يتناسب وتضيق السلطات عليهم .

الثالث : سنة 237 هـ حين بلغ المتوكل أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين عليه السلام فيصير إلى قبره منهم خلق كثير فأنفذ قائداً من قواده واسمه هارون المعري ، وضم الوزير عبيد الله بن يحيى أبا عبد الله الباقطاني إلى المعري ليكون كاتباً له كما ضم إلى الكتيبة إبراهيم الديزج لينفذ الهدم والحرث ، وضم كنفاً من الجند كثيراً ليشعث قبر الحسين عليه السلام ويمنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره فلما عزموا على الخروج والمسير إلى الناحية رأى هارون المعري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال له لا تخرج مع الديزج ولا تفعل ما أمرتم به في قبر الحسين عليه السلام ! فلما أصبحوا جاؤوا يستحثونه في المسير فسار معهم حتى وافى كربلاء وفعلوا ما أمروا به ، فثار أهل السواد على القائد واجتمعوا عليه وقالوا : لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من نفي منا عن زيارته ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا ، فكتب بالأمر إلى المتوكل ، فورد كتابه إلى القائد بالكف عنهم والمسير إلى الكوفة مظهراً أن مسيره إليها من مصالح أهلها والانكفاء إلى المصر .

ويعلق عبد الجواد الكليدار في كتابه تاريخ كربلاء وحائر الحسين : 209 « إن الطاغية لم يوفق في هذه المرة إلى مثل ما ارتكبته يداه في المرات السابقة وذلك تحت تأثير الرأي العام من جهة ومن جهة أخرى تجاه المقاومة الفعلية الشديدة التي لاقاها جنوده من قبل الأهلين » .

ثم انه رأى في المنام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : ألم آمرك أن لا تخرج معهم ؟ ولا تفعل فعلهم ؟ فلم تقبل حتى فعلت ما فعلوا ؟ ثم لطمني وتفل في وجهي فصار وجهه مسوداً وكان جسمه أبيض شديد البياض حتى يديه ورجليه كانت كذلك ألا وجهه فقد أصبح أسود شديد السواد كأنه القير كما في رواية أبي عبد الله الباقطاني كاتبه الذي ينقل عنه مباشرة البحار 45 / 395 / ح 3 عن أمالي الطوسي : 335 ، ويصف السماوي تلك الحادثة فيقول :

وقال فيها إن الـباقطاني   حكـى وكـان كاتب الديـوان
وكان وجهه كمثل النقس   لوناً وجسمه كمثل الطرس
فقلت يوماً وطرحنا الحشمة   وجهك لم خص بهذه الأدمـة
قـال سأنبيك إذا لـم تخـبر   فـقلت لا وفـضلك الموفـر
قال خرجت في عداد الديزج   فقال طيف المصطفى لاتخرج
فملت عنه إذ رأيـت النهـيا   فجاءني الـديزج يدعو الوحيا
فقـمت عنـه تابعـاً للأمـر   بهـدم كربـلا وحرث القـبر
فجاءني طـيف الرسول ثانياً   وقال لي هـلا أطـعت الناهيا
ويلك قد حرثت قبر ابني الأبر   وصك وجهي لطمة ذات أثـر
فأسود ذاك الوجه والجسم بقي   فـها أنـا بهيئـة لـم تـسبق
أكاد أن اذوب إن رآني   راء بهذا الوجه والجثمان

ويبدو أن الباقطاني في أرجوزة السماوي كان يتحدث عن حال القائد هارون المعري وليس عن حاله كما قد يتبادر للذهن ، فالضمير في وجهه في البيت الثاني يعود إلى ما قبل الباقطاني وليس للباقطاني ، ومن الجدير ذكره ان السماوي لم يذكر فيما سبق له من الابيات إسماً غير الديزج ولكن الحدث كما في الرواية وقع للمعري ، وقد اشار في البيت الخامس الى ان صاحب الحدث غير الديزج .

ولم يزل زواره عليه السلام يقصدونه ويصلحون قبره الشريف ، وعن الهدم المتكرر يقول الخياط : « وإن دلت أعمال الهدم المتكررة هذه وما يتبعها من تعمير سريع للقبر على شيء فإنما تدل على انحراف ظاهر في عقلية المتوكل من جهة ، ومدى القوة في عقيدة الرأي العام المسلم الذي كان يأبى يومذاك إلا أن يخلد الحسين الشهيد عليه السلام ويعمر ضريحه وتقديس تربته رغم جميع ما كان يريده الغاشمون من اضطهاد وتنكيل » .

وفي سنة 240 هـ توجه الأشناني إلى زيارة قبر الحسين عليه السلام سراً برفقة أحد العطارين فلما وصلا القبر الشريف جعلا يتحريان جهة القبر حتى عثرا عليه وذلك لكثرة ما كان قد مخر وحرث حوله فشاهداه وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه وأحرق ، وأجري عليه الماء فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق حول القبر ولما أتما مراسيم الزيارة نصبا حول القبر علامات شاخصة في عدة مواضع من القبر .

ويصف الاشناني الوضع الأمني انذاك بقوله : « بعد عهدي بالزيارة في تلك الايام خوفاً ، عملت على المخاطرة بنفسي فيها وساعدني رجل من العطارين على ذلك ، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية ، وخرجنا منها نصف الليل فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا حتى اتينا القبر فخفي علينا فجعلنا نشمه ... » .

ولعله لهذا السبب تجدد تسميته بالحائر لارتفاع الماء حوله ، وإن كانت التسمية قد أطلقها الإمام الصادق عليه السلام ( 148 هـ ) من قبل .

الرابع : سنة 247 هـ كان قد بلغ المتوكل مرة أخرى مسير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين عليه السلام وأنه قد كثر جمعهم لذلك ، وصار لهم سوق كبير فأنفذ قائداً في جمع كثير من الجند وأمر منادياً ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبره ، ونبش وحرث أرضه وانقطع الناس عن الزيارة ، وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة فقتل منهم جمعاً كثيراً .

وفي كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين : 214 أظهر أن هدم المتوكل لقبر الحسين عليه السلام في المرة الرابعة صادف في النصف من شعبان حيث كان الناس يتوافدون بكثرة على زيارة كربلاء في مثل هذا الوقت .

في تاريخ كربلاء وحائر الحسين : 211 عن ناسخ التواريخ القديم : 438 « بلغ المتوكل مرة أخرى ، أن الناس من مختلف الطوائف والأقطار يتوافدون إلى أرض نينوى فصارت لهم مطافاَ كبيت الله وأسسوا لهم أسواقاً عظيمة بالقرب من القبر المطهر فأثار ذلك نفسه فأرسل جيشاً إلى كربلاء لهدم القبر المطهر ومخره وحرثه وقتل من يجدون بها من آل أبي طالب وشيعتهم ولكن الله دفع شره فقتل على يد ابنه المنتصر » .

وقد تولى الهدم في هذه المرة إبراهيم الديزج أيضاً حيث يقول : إن المتوكل أمرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين فأمرنا أن نكربه ونطمس أثر القبر ، فوافيت الناحية مساء ومعنا الفعلة ومعهم المساحي والمرود فتقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر وحرث أرضه فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر ونمت فذهب بي النوم ، فإذا ضوضاء شديدة وأصوات عالية ، وجعل الغلمان ينبهوني ، فقمت وأنا ذعر فقلت للغلمان : ما شأنكم ؟

قالوا : أعجب شأن !

قلت : وما ذاك ؟

قالوا : إن بموضع القبر قوماً قد حالوا بيننا وبين القبر وهم يرموننا مع ذلك بالنشاب ، فقمت معهم لأتبين الأمر ، فوجدته كما وصفوا ، وكان ذلك في أول الليل من ليالي البيض .

فقلت : ارموهم ، فرموا فعادت سهامنا إلينا فما سقط سهم منا إلا في صاحبه الذي رمى به فقتله ، فاستوحشت لذلك وجزعت وأخذتني الحمى والقشعريرة ورحلت عن القبر لوقتي ، ووطنت نفسي على أن يقتلني المتوكل لما لم أبلغ في القبر جميع ماتقدم إليه به .

ويصف فعلة الديزج الحادثة في أرجوزته فيقول :

بأن إبراهيم يـعني الديزجـا   قـال أراد جعفـر أن أخرجـا
وانـبث الـقبر بـكربـلاءا   واحرث الأرض واجري الماءا
فصرت للقـبر بـمن أعـده   من كل قـرم معجـب أشـده
ومعـي الأكـار بالـمساحي   فـبت لـيلي ناظـر الصبـاح
فـنبهنـي زعـقات الجـند   فـقلـت ماذا لأنـاس عنـدي
فقـيل صـدنا عـن الـتقدم   قوم رمـوا وجوهـنا بأسهـم
وكـل مـن رماهـم بسهـم   عاد عليه السهم منه المرمي
قال فقمت لأرى الأمـر الجلي   فما رأيت غيرما قد قـيل لـي
فارتعت من ذا وطويت كشحي   وقـلت غـادروهم للـصبح

 وظاهر البيت السابع يختلف ونص الرواية حيث ان عودة السهام كانت بعد انتباه الديزج من النوم لا قبله .

ويذكر ابن بندار : « انه خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحائر فلما كان بعد أشهر دعا الوزير ـ العباسي ـ الباقطاني ، فقال له ـ الوزير ـ :

إلق بني الفرات (اي رهط الوزير ابي الفتح الفضل بن جعفر بن فرات) والبرسيين (نسبة الى برس قرية بين الكوفة والحلة كان اهلها من الموالين لاهل البيت عليهم السلام) وقل لهم : لا يزوروا مقابر قريش فقد أمر الخليفة ان يتفقد كل من زار فيقبض عليه » .

وانتشر ظلم المتوكل وذاع خبر هدمه قبر سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين الناس فتألم المسلمون لذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان ، وهجاه الشعراء ومنهم دعبل الخزاعي ، وفي ذلك يقول ابن السكيت : وقيل البسامي ـ من الكامل ـ :

تالله إن كانـت أميـة قـد أتت   مقتل ابن بنت نبيها مظلوماً
فلقـد أتـاه بنـو أبيـه بمثلـه   هذا لعمرك قبـره مهـدوماً
أسفوا على أن لايكونوا شاركـوا   في قتله فتتبعوه رميمـاً

ولأبن الرومي أبيات في ذلك نذكر له هذا البيت من الطويل :

ولم تقنعوا حتى استثارت قبورهم   كلابهم منها بهيم وديـزج

وفي عام 247 هـ يقول عبد الله الطوري حججت فلما صدرت من الحج إلى العراق فزرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على حال خيفة من السلطان ، وزرته ثم توجهت إلى زيارة الحسين عليه السلام فإذا قد حرث أرضه ومخر فيها الماء وأرسلت الثيران العوامل في الأرض ، فبعيني كنت رأيت الثيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتى إذا حازت مكان القبر حادت عنه يميناً وشمالاً فتضرب بالعصا الضرب الشديد فلا ينفع ذلك فيها ولا تطأ القبر بوجه ولا سبب ، فما أمكنني الزيارة ، فتوجهت إلى بغداد وأنا أردد :

تالله إن كانت أمية قـد أتـت   قتل ابن بنت نبيها مظلومـاً
فلقـد أتاه بنـو أبيـه بمثلهـا   هـذا لعمرك قـبره مهدوماً
أسفوا على أن لايكونوا شايعوا   في قتله فتتبعوه رميـماً

ولا يخفى أن زيارته لكربلاء لابد وأن تكون في عام 247 هـ وحجه عام 246 هـ حيث أن قتل المتوكل كان في 3 شوال عام 247 هـ .

لقد وضع المتوكل يده على أوقاف الحائر وصادر أموال خزينة الحسين عليه السلام ووزعها على جنوده قائلاً : « إن القبر ليس بحاجة إلى الأموال والخزائن » وسمع زيد المجنون وهو من مصر أن المتوكل أمر بحرث قبر الحسين عليه السلام وأنهم خربوا بنيانه وحفوا آثاره وجروا عليه الماء من نهر العلقمي بحيث لا يبقى له أثر ولا أحد يقف له على خبر ، وتوعد الناس بالقتل لمن زار قبره ، وجعل رصداً من أجناده وأوصاهم : « كل من وجدتموه يريد زيارة الحسين عليه السلام فاقتلوه » يريد بذلك إطفاء نور الله وإطفاء آثار ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فعظم ذلك على زيد واشتد حزنه وتجدد مصابه بسيده الحسين عليه السلام وغلب عليه الوجد والغرام فخرج من مصر ماشياً هائماً على وجهه شاكياً وجده إلى ربه وبقي حزيناً كئيباً حتى بلغ الكوفة فالتقى ببهلول وتعرف عليه فسأله عن سبب خروجه من مصر فاخبره بذلك فقال له البهلول : وأنا والله كذلك ، فقال : قم بنا نمضي إلى كربلاء لنشاهد قبور أولاد علي المرتضى .

فأخذ كل بيد صاحبه حتى وصلا إلى قبر الحسين عليه السلام وإذا هو على حاله لم يتغير وقد هدموا بنيانه وكلما أجروا عليه الماء غار وحار واستدار بقدرة العزيز الجبار ولم تصل قطرة واحدة إلى قبر الحسين عليه السلام وكان القبر الشريف إذا جاءه الماء ترتفع أرضه بإذن الله تعالى ، فتعجب زيد المجنون مما شاهده وقال : انظر يابهلول « يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله أن يتم نوره ولو كره الكافرون » .

فلما نظر الذي يحرث الأرض إلى ذلك قال : آمنت بالله وبمحمد رسول الله ، وحل البقر ، فبلغ ذلك المتوكل فأمر بقتله .

وتمثل زيد بالأبيات السابقة وانطلق إلى بغداد فإذا به يسمع صراخاً عالياً ونوحاً مشجياً ، فظن أن المتوكل قد هلك ، فتقدم إلى رجل منهم فسأل عن الميت فقيل له : جنازة جارية المتوكل وكان يحبها حباً شديداً ، ثم أنهم عملوا لها شأناً عظيماً ودفنوها في قبر جديد وبنوا عليه قبة عالية ، فلما نظر زيد إلى ذلك ازدادت أشجانه وجعل يبكي حتى غشي عليه ، فلما أفاق من غشوته أنشد يقول ـ من المتقارب ـ :

أيحرث بالطف قبر الحسين   ويعـمر قـبر بني الزانية
لعل الزمان بهـم قد يعـود   ويـأتي بـدولتهـم ثانيـة
ألا لعـن الله أهـل الفسـاد   ومن يأمن الدنية الفانية

وكتب هذه الأبيات في ورقة وسلمها لبعض حجاب المتوكل فلما قرأها اشتد غضبه فأمر بحبسه فحبس ، وفي الليل رأى المتوكل كرامة فأوحشته ، فأسرع وأفرج عن زيد وخلع عليه خلعة سنية ، وقال له : اطلب ما تريد ، قال له : أريد عمارة قبر الحسين عليه السلام ، وأن لا يتعرض أحد لزواره، فأمر له بذلك ، وخرج من عنده فرحاَ مسروراً وجعل يدور ويقول : من أراد زيارة الحسين عليه السلام فله الأمان طوال الأزمان .

ويذكر الرحالة الهندي محمد هارون : إنه في عام 248 هـ جدد زيد المجنون بناء المرقد .

وروى ابن عساكر بإسناده إلى هشام بن محمد قال لما أجري الماء على قبر الحسين نضب بعد أربعين يوماً وانمحى أثر القبر فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمه حتى وقع على قبر الحسين وبكى ، وقال بأبي أنت وأمي ما كان أطيبك وأطيب تربتك ميتاً ثم بكى وأنشأ يقول ـ من الطويل ـ :

أرادوا ليخفوا قـبره عن وليه   فطيب تراب القبر دل على القبر

وجاء في بعض كتب التاريخ : انه وضع على القبر سارية لإرشاد زوار قبر الحسين عليه السلام ، والسارية : هي الاسطوانة ، وعند الملاحين العمود الذي ينصب في وسط السفينة لتعليق القلوع به، بينما جاء في صحيفة البديل الإسلامي الدمشقية العدد : 620 الصفحة : 8 نقلاً عن يعقوب سركيس : إن المنتصر شيد ميلاً عالياً للدلالة على المرقد بعد أن بنى وشيد عليه سقيفة ، والميل : منار يبنى للمسافر في انشاز الارض يهتدى به ويدرك المسافة ، تاريخ الروضة الحسينية المصور : 9 .

لقد أراد المتوكل محو ذكر الحسين عليه السلام ولكنه قتل عام 247 هـ وعلى فراشه بمعونة ابنه المنتصر ولم يتم له ما قدره .

ولما استقر الحكم للمنتصر في نفس السنة وبلغ مسامع الأشناني توجه من ساعته إلى كربلاء ومعه جماعة من الطالبيين والشيعة ، فلما وصلوا كربلاء أعادوا للقبر معالمه القديمة .

وعند ذاك أي عام 248 هـ أمر المنتصر العباسي ببناء مرقد الإمام الحسين عليه السلام وإعادته إلى ما كان عليه ، ونصب على قبره الشريف علماً طويلاً ليستهدي الناس إليه ودعا إلى زيارته عليه السلام وعطف على آل أبي طالب وأحسن إليهم وفّرق فيهم الأموال وارجع إليهم الأوقاف الخاصة بهم كما ارجع فدكاً إليهم ، فهب الشيعة إلى زيارته باطمئنان وراحة بال وجاوروه ، وفي ذلك يقول السماوي في أرجوزته :

حتى إذا ما انتصر المنتصر   وآمن الناس أعيد الأثـر
وعـادت السكان والـديـار   وشيد المقام والمزار
ولعل أقدم شخصية علوية سكنت كربلاء هو السيد إبراهيم المجاب ابن محمد العابد بن الإمام الكاظم عليه السلام وابنه محمد الحائري .

وقبل عام 271 هـ زار الحائر الشريف الداعي الكبير الحسن العلوي ملك طبرستان وديلم فباشر بتشييد الحضرة الحسينية واتخذ حولها مسجداً ولم يكن الزمن كفيلاً بإنجازه حيث توفي عام 271 هـ ، وتولى بعده أخوه الملقب بالداعي الصغير محمد العلوي الذي ملك طبرستان وديلم وخراسان .

وفي سنة 273 هـ تهدمت بناية المنتصر، ومات جمع كثير من الزائرين لازدحام الروضة بالزوار لأنه صادف سقوطه في يوم عرفة أو العيد من ذي الحجة وقيل إن الموفق كان وراء ذلك فقام على أثر ذلك الداعي الصغير محمد بن زيد أمير جرجان بزيارة الحائر وأمر بعمارة المرقد الشريف فانتهى من بنائه عام 280 هـ فوضع قبة شامخة على المرقد وبابين وبنى للمرقد إيوانين كما بنى سوراً حول الحائر ومنازل للزائرين والمجاورين .

وفي مدينة الحسين : 24 جاء سقوط الحرم سنة 270 هـ وعلى عهد المعتضد ، ولكنه غير صحيح لأن المعتضد تولى الحكم عام 279 هـ .

ويصف السماوي في أرجوزته السقوط والبناء فيقول :

فـسقطـت سقيفـة الأجـداث   فـي سـنة السبعين والثلاث
من بعد قرنين فما ضرت أحد   وهنئ الزائـر بعد مـا ورد
وانتهـز الداعي هناك الفرصة   وطلب الإذن له والرخصـة
إذ كان لم يدع إلى من قد ولي   من الملوك بـل إلى آل علي
فـزار أولا ًلأرض النـجـف   ثم لأرض الطف ذات الشرف
وشـاد قـبة لـهـا بـابـان   ومـن حـواليهـا سقيفتـان
وعمر السور بهـا والمسكـنا   ونول الساكن ماقد أمكنا

وفي سنة 282 هـ أرسل محمد بن زيد مبلغ إثنين وثلاثين ألف دينار لمساعدة العلويين والأشراف عبر واليه محمد بن ورد القطان بل وجعلها عليهم سنوية فاجتمعت الشيعة من جديد وبنت دوراً حول مرقد الإمام الحسين عليه السلام ، ويذكر أن الداعي الصغير بالغ في فخامة البناء وحسن الريازة ودقة الصنعة في عمارة الحائر .

وفي (كتاب شهر حسين : 235) انه وشي إلى المعتضد بالله العباسي ( 279 ـ 289 هـ ) عن القاضي ، ولكن المعتضد كان قد رأى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في منامه وقد أوصاه بآله ولذلك لم يتعرض إلى ابن القطان بل كتب إلى محمد ابن زيد الداعي وأوصاه بإستمرار العطاء للعلويين المجاورين وبناء مراقد الإمامين علي والحسين عليه السلام وكان يحترم مرقد الإمام الحسين عليه السلام ، وجاء في تاريخ الطبري 5/ 611 ان محمد بن زيد العلوي أرسل من طبرستان الى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار ، ليفرقها على أهله ببغداد والكوفة ومكة والمدينة .

وفي هذا يقول السماوي في أرجوزته :

وأرسل الكنوز من أرض العجم   كالسحب ترفض بغيث إنسجم
وتـم تلك الـرازة المستحسـنة   في الـمئتين والثمانين سنـة

وحاولنا أن نرفق الوثائق التاريخية عن عمران المرقد الحسيني الشريف بالرسوم أو التخطيطات المستوحاة من واقع الحالة العمرانية التي كانت سائدة آنذاك وتطبيقها مع المعلومات والتفاصيل التي وردت في الأحاديث وكتب التاريخ عن المرقد الحسيني ، فبالنسبة إلى القرنين الثالث والرابع الهجريين مثلاً يجدر الإشارة إلى أن الطراز المعماري رغم أنه كان ينحو في اتجاهات ثلاث إلا أن أسسها كانت متقاربة إلى حد بعيد ، والإتجاهات الثلاث هي كالآتي :

1ـ الطراز العباسي : ويتجسد في مثل مسجد أبي دلف في سامراء والذي شيد عام 246 هـ ، وجامع سامراء المشيد عام 234 هـ حيث نجد أن المسجدين أقيماعلى مساحة مستطيلة يتوسطهما صحن مكشوف تحيط به أروقة ويحيط به من الخارج سور من الطوب ( الآجر ) إرتفاعه عشرة أمتار، وتدعمه أبراج نصف دائرية بارزة عن الجدران بحوالي مترين .

2ـ الطراز البويهي : وتعتمد مساجدهم عادة على ثلاثة أشكال :

أ ـ مسجد مربع مقفول تغطيه قبة ، ب ـ مسجد ذو ايوان مقبب ، ج ـ مسجد يتكون من صحن مكشوف تحيط به العقود من جهاته الأربعة ، ومن أقدم المساجد التي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا هو مسجد مدينة نائين في إيران .

3ـ الطرز السماني : فقد أقاموا ضريحاً لإسماعيل بن أحمد السماني المتوفى عام 295 هـ في بخارى على مساحة مربعة الشكل إستخدم الطوب والآجر على نطاق واسع في عمارته ، وقد غطيت واجهاته الأربعة من الداخل ومن الخارج بقوالب الآجر في ترتيب زخرفي جميل ، ويعلو الضريح قبة كما توجد في أركانه أعمدة متصلة بالجدران تنتهي بأربع قباب صغيرة .

ولا يخفى أن في بغداد القريبة من كربلاء قد بنى العباسيون على قصرهم قبة مرتفعة خضراء يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة ، وللمزيد راجع فنون الشرق الأوسط في العصور الإسلامية : 45 ـ 69 .

(2) تاريخ كربلاء وحائر الحسين : 169 . وجاء في هامش اعيان الشيعة : 9 / 337 عن كتاب تاريخ طبرستان وروبان ومازندران : 169 ما تعريبه « في عهد الداعي محمد ابن زيد ارسل من طرفه اموالاً وعّمر مشهد الحسين عليه السلام » .

في زمن المعتضد المنصب   بالطعن في حرب وآل حرب
ـــــــــــــــــــــــ

مستل من كتاب (دائرة المعارف الحسينيةـ تاريخ المراقد /ج1 ص 269 ـ 291) بتصرف