5.jpg

الحركة العلمية

رئاسة السيد حسين القمي

Post on 09 تموز/يوليو 2016

رئاسة السيد حسين القمي

في الحقيقة أنه عندما كانت الحوزة العلمية العريقة في النجف ألأشرف مزهوة ومتألقة ومزدهرة بتواجد زعيم روحي عظيم الشأن ، شامخ الفتيا بها ، هو آية ألله العظمى السيد أبو الحسن الموسوي ألأصفهاني المتوفى سنة 1365 هـ ، كانت الحوزة العلمية في مدينة كربلاء المشرفة تفتخر وتتباهى بأنها تضم في جنباتها صنوا له ، ومن يوازيه علما وفضلا وورعا وتقى ، هو زميله علي المولى محمد كاظم الخراساني ، المغفور له آية الله العظمى الحاج السيد آقا حسين القمي ، الذي شهدت الحوزة العلمية في كربلاء على عهده وبألأخص في السنوات ألأخيرة من عمره نقلة نوعية ، لأن هذه الفترة كانت زاخرة ومليئة بعلماء أجلاء وأساتذة كبار ، إلتفوا حوله من المجاورين أو القادمين إلى كربلاء ، وشكلوا برئاسته حلقة بحث علمي متعمق للغاية ، عُرف في حينه ببحث «الكمباني» وكان يشترك في هذا البحث إلى جانبه : السيد الميرزا مهدي الشيرازي والسيد محمد هادي الميلاني والشيخ يوسف الخراساني البيارجمندي والشيخ محمد رضا ألأصفهاني والسيد زين العابدين الكاشاني والمرجع الكبير وألآية العظمى السيد أبو القاسم الخوئي الذي هبط كربلاء آنذاك لفترة قصيرة من الوقت ، دارسا ومدرسا في حوزتها العلمية.

لقد كان المرحوم القمي عالما نحريرا إتسم بالعدل والزهد والتقوى وقد زامل علماء كبار أمثاله منذ أن كان يشارك دروس وأبحاث المولى ألأخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني في النجف ، فبرز بين الصفوة من تلامذته كألأصفهاني والشاهرودي والنائيني والشيخ الكمباني «الغروي» والشيخ ضياء العراقي.

ومنذ أن نقل السيد القمي حوزة درسه إلى كربلاء وجدت هذه الحوزة بشخصه عاملا إضافيا للحركة والنشاط ، ونظرا لأن عددا من خيرة أصحابه وتلامذته إنتقلوا معه إلى كربلاء وأسهموا بدورهم في تحريك النشاط التدريسي بحوزتها ، ولم يمر طويل وقت حتى برز كشخصية دينية لها وزن بمستوى وزن ألأصفهاني نداء ربه بتاريخ التاسع من شهر ذي الحجة سنة 1365 هـ ، حتى إتجهت ألأنظار صوب كربلاء ونحو بيت القمي ، إذ لم يكن بمقدور غيره في حينه من شغل الفراغ الكبير الذي خلفه موت ألأصفهاني (رحمه ألله).

وهكذا إنتقلت الرئاسة العامة للمسلمين الشيعة إليه ، وهو لا يزال في كربلاء ، وقد رأى سماحته أن من المصلحة أن ينقل حوزته إلى مدينة النجف ، وأن يتولى من هناك مهام الرئاسة الكبرى ، غير أن فترة رئاسته لم تدم طويلا إذ بعد مرور 95 يوما على وفاة ألأصفهاني ، وافته المنية بتاريخ 14 ربيع ألأول سنة 1366 هـ .

لقد إشتهر القمي (رحمه ألله) إلى جانب علمه وفضله وعدله وتقواه بتحمسه الشديد لإصلاح حالة المسلمين والنهوض بشجاعة في وجه أي مجرى منحرف أو مسار يراه فاسدا ، وفي هذا المجال عرف عنه سفره التاريخي إلى إيران بصحبة عدد من أبرز أصحابه منهم المرحوم السيد الميرزا مهدي الشيرازي حيث قام بتعبأة الرأي العام ألإسلامي ضد الخطوات وألإجراءات الحكومية في ذلك الوقت ، والتي رأى فيها ما يخالف شرعة الدين ألإسلامي الحنيف.

وقد سافر إلى إيران وهو عازم مصمم على ألإصلاح والنهوض في سبيل ذلك حتى الموت ، وقد طالب السلطة الرسمية الحاكمة في حينه بإصلاح ما أفسدته السلطة السابقة ، وحينما رأى الفتور وعدم ألإستجابة الكافية ، قرر الوقوف موقف التحدي بوجه السلطة الحكومية ، وقد ساعده وأيده في ذلك علماء إيران ألأجلاء وعلى رأسهم المغفور له آية الله العظمى الحاج السيد آغا حسين البورجردي ، الذي أعلن هو ألآخر بأنه يريد التحرك على رأس عشائر «ألألوار» القاطنة في محافظة لُرستان والزحف نحو طهران العاصمة لدعم مطالب السيد القمي المشروعة وألإسلامية ، وهنا شعرت السلطة الحاكمة بخطورة الموقف والمضاعفات السياسية التي قد تنجم عن صلفها وتعنتها ، ولذا أبدت تنازلات أمام مطالب السيد القمي ، وقد اصدر مجلس الوزراء برئاسة علي سهيلي رئيس الحكومة ألإيرانية آنذاك بتاريخ 3 / 9/ 1943 م بيانا رسميا أعلن فيه موافقة الحكومة على كل ما طالب به السيد القمي من إجراءات وخطوات إصلاحية ترتبط بحجاب النساء ، والموقوفات ألإسلامية في إيران ، وتدريس مبادئ الشرع ألإسلامي في المدارس والمعاهد الحكومية ، ومنع أي إختلاط بين الفتيات والفتيان خاصة في المؤسسات التعليمية ، وإعادة بناء البقاع الطاهرة في وادي البقيع بالمدينة المنورة والعمل على توفير أرزاق الناس ، وإحتياجاتهم ألأساسية.

ولما فرغ القمي من مهمته ألإصلاحية الموفقة عاد إلى مقره في كربلاء وبقي على رأس حوزتها العلمية حتى تاريخ وفاة العلامة ألأصفهاني ومن ثم هاجر إلى النجف ألأشرف رئيسا وزعيما دينيا مطلقا للعالم الشيعي، لكن المنية وافته بعد فترة وجيزة وهو يعالج في احد مستشفيات بغداد.

وقد أطرى عليه صاحب كتاب «نقباء البشر في القرن الرابع عشر» الشيخ آغا بزرك الطهراني فترجمه بأحسن وجه ، إذ قال عنه : هو السيد آقا حسين بن السيد محمود بن محمد بن علي الطباطبائي القمي الحائري من أجلاء العلماء ومشاهير المراجع ، ولد في قم في سنة 1282 هـ ، وشب فقرأ العلوم العربية ، ولما بلغ الحلم تشرف إلى العتبات المقدسة بالعراق زائرا، ثم عاد إلى قم فتوقف مدة ، ثم هبط طهران وقرأ بها المقدمات والسطوح ، وفي سنة 1202 هـ حج بيت ألله الحرام ، وعاد من طريق العراق فبقي في النجف ثم ذهب برهة إلى سامراء حضر بها بحث السيد المجدد الشيرازي ، وفي حدود سنة 1306 هـ عاد إلى طهران فجد في ألإشتغال في العلوم العقلية والعرفان والرياضي على فلاسفة وقته كالسيد الميرزا أبي الحسن جلوه والشيخ علي المدرس النوري والميرزا حسن الكرمنشاهي والميرزا هاشم الرشتي والميرزا علي أكبر اليزدي والميرزا محمود القمي وغيرهم . وقرأ الفقه وألأصول أيضا على الميرزا محمد حسن ألآشتياني والشيخ فضل ألله النوري وغيرهم ، لازم أبحاث هؤلاء ألأعاظم مدة غير قصيرة حاز فيها درجة سامية ،وفي سنة 1321 هـ تشرف إلى سامراء فحضر بحث شيخنا الميرزا محمد تقي الشيرازي عشر سنين ، حتى إرتوى من معين فضله ، وكان منذ ذلك الحين معروفا بالصلاح والتقى والنسك والزهد وكثرة العبادة أما هو في الفقه وألأصول فقد كان فاضلا للغاية وخبيرا جدا ، له سلطة وإستحضار وتضلع وبراعة ، وفي سنة 1331 هـ هبط مشهد الرضا عليه السلام في خراسان وإشتغل بالتدريس وألإمامة ونشر ألأحكام ، فكانت له مكانة كبيرة في نفوس الجمهور نظرا لقدسيته وورعه وإجتنابه الموارد التي ليس من شأنه خوضها ، وحصل على رياسة وزعامة هناك ، لكنه مع ما إتفق له من الوجهة والتقدير كان بعيدا عن كل ذلك لا يطلبه ولا يقيم له وزنا ، وكان كيسا حليما ، كثير الرزانة والوقار والتروي في ألأمور ، رجع إليه الناس في التقليد ونشرت رسائله العملية وكثرت الرغبة به ، ومالت القلوب إليه وتقدم على غيره حتى كان أوجه واجل علماء خراسان ، إشتهر فكانت ألإستفتاءات ترد عليه من سائر أطراف إيران . .

وقال فيه صاحب «نقباء البشر» أيضا: وسكن كربلاء واقبل عليه الناس تمام ألإقبال ، وكان له مَدرَس آهل وتلامذة أفاضل ، قضى على ذلك زمنا، وهو أحد المراجع المرموقة والشخصيات العلمية الفذة ، وفي الحقيقة لم يركزه ذلك التركيز ولم يحظ بذلك القبول التام لدى الخاصة والعامة ، إلا لسلامة باطنه وحسن طويته وقدسية نفسه وذلك التقوى والورع اللذين يضرب بهما المثل ، وكان مطبوعا على ذلك من أول أمره ، ولما توفى السيد أبوالحسن في سنة 1365 هـ رُشّح للزعامة العامة وزادت وجاهته وعظم شأنه ومال الناس إليه في إيران والعراق وغيرهما ، إلا أن ألأجل لم يمهله حيث مرض وحمل إلى بغداد ، فتوفى بها في المستشفى يوم ألأربعاء 13 ربيع ألأول سنة 1366 هـ ، ونقل إلى النجف بتشييع مهيب ودفن في الصحن الشريف في مقبرة أستاذنا شيخ الشريعة ألأصفهاني ، عصر الجمعة 15 ربيع ألأول وعُطلت من أجله الدروس ، وأُغلقت أسواق البلدة وأقيمت عشرات الفواتح.

له تسع رسائل عملية فتوائية هي : 1 ـ مجمع المسائل 2 ـ الذخيرة الباقية في العبادات والمعاملات 3 ـ مختصر ألأحكام 4 ـ طريق النجاة 5 ـ منتخب ألأحكام 6 ـ مناسك الحج 7 ـ ذخيرة العباد 8 ـ هداية ألأنام 9 ـ مناسك الحج، وله ايضا تعليقات على العروة الوثقى للسيد محمد كاظم اليزدي ورسائل المولى هاشم الخراساني صاحب «منتخب التواريخ» ، وهذه الرسائل هي : 1 ـ مجمع المسائل 2 ـ الرسالة الرضاعية 3 ـ الرسالة ألإرثية 4 ـ صحة المعاملات 5 ـ الرسالة الربائية.

ذكره الشيخ عباس القمي في كتابه «الفوائد الرضوية في علماء ألإمامية» فقال: السيد ألأجل الذي هو في ألأصول والماهر في المعقول والمنقول حسن ألأخلاق طيب ألأعراق ، لم ار في قدسية الذات ثانيه ولا في حُسن الصفات مدانيه ، كأنه ما جبل إلا بالرضا والتسليم وما اتى ألله إلا بقلب سليم . . . الخ . وقال عنه العلامة السيد محسن أمين العاملي في كتابه «أعيان الشيعة» : وكان عالما فاضلا فقيها اصوليا متكلما حكيما مدرسا مقلَّدا تقيا نقيا مقبولا عند العامة والخاصة سليم الباطن حسن الطوية ، رأيته في دمشق في سفره إلى الحج . . . الخ.

خلف أنجالا عدة ، أكثرهم علما وفضلا وشهرة الفقيه المجتهد السيد الحاج آغا حسن القمي ، ونجله ألآخر هو السيد الحاج آغا مهدي القمي المتوفى سنة 1407 هـ وكان من العلماء ألأفاضل وأئمة الجماعة المعروفين في كربلاء.