1.jpg

الحركة العلمية

حوزة كربلاء بعد وفاة الشيخ الشيرازي

Post on 09 تموز/يوليو 2016

حوزة كربلاء بعد وفاة الشيخ محمد تقي الشيرازي

عندما توفى الزعيم الروحي الكبير العالم الورع ، الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي في شهر ذي الحجة سنة 1338 هـ ، إنتقلت الرئاسة العامة إلى العلامة الكبير الشيخ فتح ألله النمازي المعروف بشيخ الشريعة ألأصفهاني، الذي خلف الشيخ الشيرازي الراحل على الرئاسة الدينية وقيادة الثورة العراقية التي كانت في حينه قد وصلت إلى نهايتها تقريبا ، لكنه لم تدم حياته طويلا فقد وافته المنية بعد أشهر من وفاة الشيرازي ، اي في اواسط سنة 1339 هـ .

فعندما توفى شيخ الشريعة ألأصفهاني إنتقلت المرجعية العظمى إلى ثلاثة من كبار العلماء والفقهاء الفطاحل في حوزة النجف ، وهم السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني، والشيخ الميرزا حسين النائيني، والشيخ أحمد كاشف الغطاء، إلا ان مرجعية التقليد كانت تتكرس بشكل متزايد بإتجاه السيد ألأصفهاني ، لما كان يتحلى به من حكم عدل وقول فصل وعقل وكياسة وجدارة ملفتة للأنظار.

وفي سنة 1344 هـ وافت المنية وألأجل المحتوم العلامة الشيخ احمد كاشف الغطاء ، فإنحصرت مرجعية التقليد ورئاسة التدريس بالسيد أبو الحسن ألأصفهاني ، والشيخ الميرزا لانائيني ، وإن كان ألأصفهاني يبز قرينه النائيني في مرجعية التقليد ، بينما الثاني يبز ألأول في حركة التدريس الحوزوية بالنجف ، بيد أن الشيخ النائيني لبى نداء ربه سنة 1355 هـ ، فإنفرد السيد ألأصفهاني بالعبء الثقيل لوحده ، والمتمثل في تولي المرجعية الدينية الموحدة والشاملة لملايين المسلمين من المقلدين الشيعة في انحاء العالم كله.

فقد أثبت (رحمه ألله) في وقت قصير جدارته وقابليته الهائلة في موقع الرئاسة والزعامة ، حتى كوّن مرجعية تقليدية شاملة وموحدة بشكل منقطع النظير ، قلما توفرت لمرجع تقليد شيعي من قبل ولم تتوفر بهذه الصورة المتكتلة والموحدة لأخلافه من بعده.

وإن مثل هذه المرجعية الشاملة منحته مكانة مرموقة ومهابة وإحتراما كبيرا ووفرت له إمكانيات معنوية ومالية هائلة جدا ، مكنته من القيام بدور متميز في تنشيط وتحريك الحوزات العلمية في كل المدن المقدسة بالعراق وإيران ، لأن شخصيته الرئاسية لم تكن وقفا على النجف ، بل على سائر المدن المقدسة أيضا ، إنطلاقا من زعامته الشمولية التي تخطت حدود النجف بل وحدود العراق وإيران إلى أبعد مدى في البلدان ألإسلامية وغير ألإسلامية ، وحتى الدول ألأوروبية وألأفريقية.

لهذه ألأسباب لم تفتر الحركة العلمية والتدريسية في حوزة كربلاء بعد وفاة الشيخ الشيرازي وإنتقال موقع الرئاسة إلى النجف ، بل نشطت بوتائر أعلى بسبب الدعم المعنوي والمادي الذي كان يصلها من النجف ، إضافة إلى ذلك كان في حوزة كربلاء العلمية في هذه الفترة علماء كبار وفطاحل يصنفون بالطبقة الممتازة ممن أغنوا هذه الحوزة بدروسهم وأبحاثهم وتقريراتهم الفقهية وألأصولية أمثال: العالم النابه والفقيه المتتبع العلامة الشيخ علي الشاهرودي المتوفى سنة 1355 هـ ، والذي وصفه صاحب أعيان الشيعة بقوله: «كان عالما جليلا ، فقيها زاهدا متعبدا، حسن ألأخلاق ، خرج إلى طهران عاصمة إيران في طلب العلم ، بقي هناك خمس سنين ثم هاجر إلى العراق وبقي في النجف ألأشرف مكبا على البحث والتدريس ، وكان ملازما حوزة الشيخ كاظم الخراساني ومبرزا في أصحابه، وبعد وفاة المرحوم الخراساني سافر إلى كربلاء للزيارة ، ثم إستمر مقيما فيها وشرع في التدريس ، فإجتمع حوله جمع من أفاضل طلبة العلم ، وطالت إقامته في كربلاء خمس عشرة سنة إلى أن مرض فسافر إلى الكاظمية للمعالجة ، فتوفى فيها وكان له من العمر ثلاث وستون سنة ، وترجمه الشيخ آغا بزرك الطهراني في «نقباء البشر» بقوله : هو الشيخ علي بن محمد الشاهرودي النجفي ، عالم بارع وفقيه فاضل كان حضوره في ألأوليات في طهران فقد سكنها خمس سنين حتى تهيأ للهجرة إلى النجف ، فهبطها وحضر فيها على الشيخ محمد كاظم الخراساني مدة ، حتى برز بين تلامذته مشارا إليه بالبنان ، وقد سافر إلى كربلاء بعد وفاة أستاذنا الخراساني بأمر شيخنا الحجة الميرزا محمد تقي الشيرازي ، مكث فيها خمس عشرة سنة كان خلالها صاحب حوزة معروفة يحضرها النابغون وألأفاضل من الطلبة ، مرض فقصد الكاظمين للمعالجة فتوفى في 20 ربيع ألأول سنة 1351 هـ عن ثلاث وستين سنة ، فتكون ولادته في سنة 1288 هـ ، وحمل إلى النجف فدفن في باب الصحن من طرف السوق الكبير ، وله من ألآثار : «تعليقة على العروة الوثقى» ورسالة عملية فارسية طبعت ، وله من ألأولاد : الشيخ حسين توفى في غرة ربيع ألأول سنة 385 هـ ودفن في مقبرة السيد الميرزا مهدي الشيرازي في الصحن الحسيني الشريف ، والشيخ محمد من أئمة الجماعة في الصحن الشريف في كربلاء ايضا ، والشيخ أحمد وهو إمام جماعة في دار السيادة في المشهد الرضوي بخراسان.

أما آية الله العظمى الفقيه الزاهد الورع الحاج السيد آقا حسين القمي فقد تولى الزعامة الدينية العامة للمسلمين الشيعة ، فترة قصيرة بعد وفاة العلامة والمرجع الكبير السيد ابو الحسن ألأصفهاني سنة 1365 هـ .

والعلامة السيد أحمد بن باقر الموسوي البهبهاني الحائري ، كان عالما فاضلا ، يروي بألإجازة عن الشيخ هادي الطهراني (النجم آبادي) ، توفى بالحائر الشريف سنة 1351 هـ ، وهو والد السيد محمد رضا البهبهاني الحائري الذي خلفه في الدرس وإقامة الجماعة بصحن الروضة الحسينية لسنوات طويلة.

من مؤلفاته : 1 ـ حاشية على القوانين إلى ىخر العام والخاص سماها «تبيين القوانين» ألفها سنة 1292 هـ 2 ـ أنيس الطلاب وتذكرة ألأحباب في علوم متفرقة 3 ـ الفريدة النحوية 4 ـ رسالة في قاعدة اليد 5 ـ رسالة في الكر 6 ـ رسالة في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفساده 7 ـ رسالة في منجزات.

وقد طرق إلى هذه المؤلفات صاحب «الذريعة » وذكرها في أجزاء مختلفة من كتابه هذا ، قائلا أنه رآها مخطوطة عند نجله السيد محمد رضا البهبهاني عندما كان مقيما بطهران.

والعلامة الكبير السيد الميرزا هادي الخراساني الحائري ، الذي برز بوصفه أحد اساطين العلم والفضيلة في حوزة كربلاء ، وكواحد من أكبر المؤلفين والمصنفين ألإسلاميين الذين تركوا ثروة ضخمة من التراث الفكري الديني ، ذكره العلامة السيد محسن أمين العاملي في كتابه «أعيان الشيعة» ، فقال: السيد هادي بن السيد علي بن السيد محمد الخراساني الحائري بن علي محمد بن أبي طالب الحسيني المير كلاس الهروي البجستاني، و(الهروي) منسوب إلى (هرات) مدينة في ألأفغان ، وقد نقل عن المترجم أنه قال: أن جده السيد محمد كان قد إنتقل من هرات إلى مشهد الرضا عليه السلام بخراسان ، ولد المترجم في كربلاء أول ذي الحجة سنة 1297 هـ ، ثم إنتقل مع والده إلى مشهد الرضا عليه السلام حيث أتم دراسته ألأولى فيها ، وقد ختم القرآن ولم يبلغ العاشرة من عمره ثم عاد إلى كربلاء ، ومنها ذهب إلى النجف حيث تردد على الحلقات الدراسية العليا مستفيدا ، فدرس على الشيخ كاظم الخراساني ، والسيد كاظم اليزدي ، والشيخ محمد تقي الشيرازي الذي تخرج عليه ، ثم إستقل بالتدريس في كربلاء ، وبعد أن أتم دراسته في النجف عاد إلى كربلاء ، وشرع منذ صباه في تصنيف الكتب وتأليفها في مختلف الفنون والعلوم ، وقد جمع بين المنقول والمعقول ، وألأدب والعلم ، والحكمة والكلام ، كما كانت له اليد الطولى في الرياضيات والطبيعيات ، وكان متصفا بالزهد وألتقوى والتهجد ، كما أن داره كانت محفلا لأهل العلم وطلاب الحقيقة ، وقد أصبح في السنوات ألأخيرة من عمره مرجعا من مراجع التقليد في كربلاء ، وكانت الثقة بفتاويه وألإعتماد عليها كبيرة لأنه كان لا يحررها إلا بعد ترو وتحقيق دقيقين ، وقد توفى في كربلاء في 12 ربيع ألأول سنة 1368 هـ ، ودفن في إحدى حجرات صحن ألإمام الحسين عليه السلام ، وقد جمع المترجم في داره بكربلاء مكتبة ثمينة من حيث النسخ النادرة من الكتب الخطية خاصة بعض المصاحف التاريخية ، وإنتقلت بعده إلى إبنه السيد مهدي.

من مؤلفاته : «دعوة الحق» و «اصول الشيعة وفروع الشريعة» وحاشية على مكاسب الشيخ ألأنصاري وحاشية على رسائله وحاشية على طهارته و «هداية الفحول في شرح كفاية ألأصول» وحاشيته الوجيزة على الكفاية وأجوبة المسائل في الفقه ، اغلبها إستدلالية وتقريرات بحث أستاذه الخراساني وتقريرات بحث أستاذه الشيرازي ورسالة في إستصحاب الكلي ورسالة في العلم ألإجمالي ورسالة في اللباس المشكوك ورسالة في تحديد الكر بالمساحة والوزن وكتاب دعوة دار السلام في معجزات ألأئمة ألأطهار وحاشية على منظومة السبزواري ونطق الحق في ألإمامة ولسان الصدق وغيره من المؤلفات.

والسيد عبدالحسين الحجة الحائري ، احد المراجع الذي إنتهت إليه الرئاسة في كربلاء ، إذ كان مرجعا للقضاء والتدريس والفتيا ، ترجمه صاحب «نقباء البشر» بقوله : هو السيد عبدالحسين بن السيد علي بن السيد أبي القاسم الملقب بالحجة إبن السيد حسن المعروف بالحاج آغا إبن السيد محمد المجاهد إبن السيد الطباطبائي الحائري صاحب الرياض ، فقيه فاضل وعالم جليل ومرجع معروف . (آل الطباطبائي ) من بيوت العلم المعروفة في كربلاء وأسر الزعامة والمجد والشرف والفضل ، توارثوا الفقاهة والرياسة ابا عن جد وظهر فيهم علماء متبحرون وفقهاء بارعون ، فجدهم هو السيد علي صاحب الرياض المتوفى في سنة 1231 هـ ، وقد ورث مقامه والده السيد محمد المجاهد المتوفى سنة 1242 هـ ، وقد خلفه ولده السيد حسن ، إلى ان توفى مخلفه ولده السيد أبو القاسم وهو الذي لقب بالحجة ، ولازم اللقب أولاده واحفاده ، وقد توفى في سنة 1309 هـ فخلفه ولداه، اكبرهما السيد محمد باقر المتوفى سنة 1331 هـ والد السيد محمد صادق المتوفى في سنة 1337 هـ وأصغرهما السيد علي المتوفى في سنة 1309 هـ ، بعد وفاة أبيه بسبعة اشهر وهو والد المترجم له، وكلهم علماء أجلاء وفقهاء صلحاء خدموا الدين بالتدريس والتأليف وغيرهما . . . توفى والده وهو صغير فعنى به عمه السيد محمد باقر فنشأ عليه واخذ عنه وعن بعض أفاضل كربلاء مقدمات العلوم ، ثم تشرف إلى النجف مع إبن عمه السيد محمد صادق الحجة ، فحضرا على المولى محمد كاظم الخراساني وغيره من فحول علماء عصره ومشاهير مدرسيه . . . ، عاد المترجم له إلى كربلاء بعد ان بلغ درجة سامية في العلم والفضل مع تقى وصلاح ، فأقبلت عليه النفوس ، وإلتف حوله طلاب العلم ، وإشتغل بالتدريس وغيره وكان موجها عند الخاصة والعامة ، وقد صاهر حسين قلي خان أمير جبل ألكراد على إحدى بناته ، وبعد وفاة عنه السيد محمد باقر في سنة 1331 هـ ، وإبن عمه السيد محمد صادق بن محمد باقر في سنة 1337 هـ ، إنتهت إليه الرياسة في كربلاء وشغل مهنة المرجعية الدينية ، والزعامة الروحية بجدارة وإستحقاق ، وكان نافذ الكلمة مطاعا من قبل الحكام وألأمراء وغيرهم ، وكان جريئا في مقابلة الملوك والكبراء يدعوهم إلى تطبيق تعاليم ألإسلام ، بصراحة وشجاعة ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر دون خوف أو مجاملة . . . بقي رحمه ألله زمنا طويلا وهو مرجع الناس وملاذهم في كربلاء وكانت داره محكمة لحل الخصومات ومدرسة لطلاب العلم ، وحسينية لإقامة الشعائر و مجالس عزاء سيد الشهداء ، ومأوى للضيوف والضعفاء إلى أن إنتقل إلى رحمة الله بعد مرض لازمه مدة في سنة 1363 هـ ، وخسرت به مدينة كربلاء وأهلها زعيما حكيما وأبا بارا ودفن مع آبائه (رحمهم ألله) في مقابرهم وأقيمت له الفواتح ودام عزاؤه مدة طويلة. .

والسيد حسن القزويني الحائري ، ولد بكربلاء سنة 1288 هـ ، ودرس على المولى الشيخ محمد كاظم الخراساني ، وألآغا ضياء الدين العراقي والشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي والميرزا محمد حسين النائيني والسيد أبي الحسن ألأصفهاني ، وله إجازات في ألإجتهاد من أساتذته، ساهم في الثورة العراقية الكبرى إلى جانب زعيمها الميرزا محمد تقي الشيرازي، وكان عضوا فعالا فيها ، له عدة مؤلفات مطبوعة أو مخطوطة منها: «المدينة الفاضلة في ألإسلام» ـ مطبوع ـ و «شخصية ألإمام علي» ـ مخطوط ـ وكان يمتلك مكتبة قيمة ورثها نجله السيد إبراهيم شمس الدين القزويني صاحب «الضوابط» توفى سنة 1367 هـ ودفن في مقبرة آل القزويني في الصحن الصغير للروضة الحسينية الشريفة.

والشيخ محمد علي السنقري الحائري ، وهو عالم كبير وفاضل جليل ومؤلف بارع ، ولد في كربلاء سنة 1293 هـ ونشأ بين اهل العلم والفضل ، ودرس على والده ، والشيخ علي اليزدي المعروف بسيبويه ،والشيخ موسى الكرمنشاهي ، والسيد عبدالله الكشميري ، والشيخ غلام حسين المرندي ، والشيخ علي المازندراني ، والسيد أسد الله ألأصفهاني وغيرهم، كما حضر درس المولى محمد كاظم الخراساني ، وشيخ الشريعة ألأصفهاني في النجف، حتى برع في الفقه وألأصول ، وحاز قسطا وافرا من علم الحديث ، والتفسير والكلام وغيرها من العلوم ، لازم فترة الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي ، له مؤلفات قيمة تدل على تبحره وسعة إطلاعه وفضله الكامل منها:

«ألإلهام في علم ألإمام» طبع سنة 1370 هـ في النجف وعليه تقريظ من الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والسيد جواد التبريزي و «خصائص الزهراء » في تأويل آيات القرآن المؤولة بالصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ورسالة في الرد على الوهابيين و «دحض البدعة في إثبات الرجعة» و «جدول في الرضاع» و «كتاب ألإمامة» و «الكلم الطيب» و «ألأماني» في النبوة وألإمامة و «ترشيح ألأقلام» وهو شرح على المنظومة في الكلام و «مرآة العقل» ، توفى سنة 1378 هـ ودفن في صحن الروضة العباسية الشريفة ، وقد أطرى به الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه «نقباء البشر» ، حيث ترجم حياته الحافلة بالعلم والفضل في صفحتين كاملتين.

والسيد محمد القزويني المعروف بـ (آغامير) ، كان بحق عالما وفقيها فحلا ومؤلفا قديرا واستاذا بارعا ، ساهم في تربية جيل من العلماء والفقهاء في حوزة كربلاء العلمية ،أشاد بشخصيته العلمية والدينية الشاعر والمؤلف الكربلائي المعروف السيد سلمان هادي آل طعمة في كتابه القيم «تراث كربلاء» فقال: تحدثت إليه أكثر من مرة فرأيته متضلعا بعلم الفقه ، ذا إطلاع واسع بأصوله فهو موسوعة نفيسة ، ودائرة معارف حاوية لكثير من العلوم العقلية والنقلية ، واحد المراجع في كربلاء التي يشار إليها ، كان متوقد الذهن ، صافي السريرة ، كبير النفس ، عالي الهمة ، صريح الرأي.

وترجمه صاحب «نقباء البشر» بقوله: هذا السيد حسن بن السيد أبي المعالي محمد باقر ـ المعروف بألآغامير لكونه سمى جده ـ إبن الميرزا مهدي بن السيد محمد باقر الموسوي ألقزويني الحائري ، الذي هو والد مؤلف «الضوابط عالم جليل ، وفقيه بارع، ومصنف ماهر ، ولد يوم عرفة سنة 1296 هـ ، ونشأ نشأة حسنة فأخذ العلم عن بعض ألأفاضل وألأجلاء بكربلاء، ثم تشرف إلى النجف فحضر على شيخنا المولى محمد كاظم الخراساني ، وكتب من تقريرات بحثه تمام مباحث ألأصول، والطهارة ، والخمس ، والوقف ، والخيارات، والطلاق، وقليلا من القضاء ، وبعد وفاة ألأستاذ هاجر إلى سامراء فحضر على شيخنا الميرزا محمد تقي الشيرازي وإستفاد منه كثيرا.

له من التصنيف (شرح اللمعة) مزجا خرج منه مجلد الطهراة، وله (هدى الملّة إلى ان فدك من النحلة) ، إستخرج فيه الحقائق الراهنة من زوايا التواريخ ، طبع في سنة 1352 هـ ، وصودرت نسخه بعد الطبع ، وله ألإمامة الكبرى وهو كتاب في ألإمامة أتعب نفسه في تأليفه كثيرا ولم يطبع بعد مع أنه من الكتب الممتعة ، كما ترجمه الشيخ حسين البيضاني في كتابه القيم «عام الثمانين» إنتقل إلى جوار ربه يوم 26 رجب سنة 1380 هـ، ودفن في مقبرة السيد محمد المجاهد ، الجدير بالذكر هنا أن كتابه «ألإمامة الكبرى»يقع في ثماني مجلدات طبع منه مجلد واحد فقط حتى ألآن.

والسيد عبدالحسين آل طعمة ، صاحب المصنفات التاريخية وألإسلامية الكثيرة ، وكان عالما متتبعا وباحثا في بطون الكتب التاريخية والفلسفية إمتلك مكتبة قيمة جمع فيها الكتب المخطوطة والمطبوعة ، أعتبرت في عصره من اضخم وأنفس المكتبات في كربلاء ،غير أنها إحترقت في سنة 1333 هـ ، في خضم الثورة التي نشبت في هذه السنة بين أهالي كربلاء والسلطة التركية الحاكمة فيها ، والتي إنتهت بإندحار ألأتراك ، وإستيلاء ألأهالي على الحكم لحين من الوقت، إنتهت إليه مسؤولة سدانة الروضة الحسينية الشريفة سنة 1318 هـ بعد وفاة والده ، غير أن ميله الشديد إلى التحقيق والتأليف دفعه إلى إناطة هذه المسؤولية إلى نجله السيد عبدالصالح آل طعمة الكليدار، ترجمه عدد من المؤرخين والنساب منهم : السيد صالح الشهرستاني في كتابه «شخصيات أدركتها» والشيخ حسين البيضاني في كتابه «عام الثمانين» وخير الدين الزركلي في كتابه «ألأعلام» والشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه «نقباء البشر»والسيد جعفر ألأعرجي الكاظمي في كتابه «مناهل الضرب في أنساب العرب» . من مؤلفاته : «تاريخ كربلاء» و «تاريخ المعاهد العلمية في ألإسلام» و «نشأة ألأديان السماوية» و «ألأدباء العلويون في العصر العباسي» و «ترجمة حياة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وىله وسلم » و «تاريخ آل طعمة الموسويون» و «بطون قريش» و «حالة العرب ألإجتماعية في الجاهلية» و «قريش في التاريخ» و «أديان العرب في الجاهلية» و «تاريخ المدن المقدسة في العراق» و «حياة بعض الخلفاء العباسيين» و «نشأة الدولة العقيلية التي أسسها محمد بن المسيب وملوكها» و مؤلفات عديدة أخرى ، توفى سنة 1380 هـ .

والسيد محمد علي الطباطبائي ، عالم فاضل ، ومجاهد إسلامي جريء، وهو نجل السيد مهدي بن السيد محمد علي بن الميرزا مهدي بن السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض ، ترجمه صاحب «تراث كربلاء» فقال فيه: ولد في كربلاء سنة 1302 هـ ، ونشأ في أسرة (آل الطباطبائي) المعروفة بقدسيتها وعلمها ، واخذ المقدمات من أعلام أسرته كالعلامة السيد ألآغا ميرزا جعفر بن الميرزا علي نقي الطباطبائي المتوفى عام 1321 هـ ، ثم درس ألأوليات من العربية على الشاعر الشيخ جعفر الهر، ثم حضر درس العالم الكبير المجاهد الشيخ محمد تقي الشيرازي زعيم الثورة العراقية والسيد ميرزا هادي الخراساني وغيرهما من ألأساتذة الفضلاء ، وله منهم إجازات عديدة ، إشتغل بالقضايا الوطنية وضرب فيها بسهم وافر وساهم بمقدمات الثورة العراقية الكبرى عام 1920 م ، حيث نفي إلى سامراء سنة 1918 م من قبل السلطة المحلية آنذاك ، وسافر إلى هنجام مع أحرار كربلاء في 25 أيلول عام 1920 م ، وللمرحوم ذكريات تاريخية تدل على همته القعساء وقد ضرب بها أروع المثل في البطولة والتضحية والشهامة وألإباء ضد ألإحتلال البريطاني الغاشم في ثورة العشرين ، وكان إلى جانب فقاهته رقيق الروح وإلى جانب تقواه ، نقي السريرة ، وكان يتمتع بشخصية محترمة في ألأوساط الإجتماعية وكان رجلا صلبا في الحق والوطنية الصادقة ، جريئا لا يهاب الكوارث والزعازع ، ترك مؤلفات خطية لم تر النور بعد، توفى في كربلاء سنة 1381 هـ ودفن في مقبرة السيد محمد المجاهد.

والسيد مرتضى بن السيد مهدي الطباطبائي المتوفى سنة 1389 هـ ، عالم وفقيه فاضل ، كان من صفوة أصحاب المرجع الديني الكبير السيد الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي ومن المساندين والداعمين لرئاسته الدينية والعلمية في حوزة كربلاء ، إشتغل بالتدريس وإمامة الجماعة في صحن الروضة الحسينية الشريفة ، وكان إلى جانب علمه وفضله ، يتحلى بالنبل والخلق الحسن والتواضع والجرأة في ألأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، خلفه نجله البار العلامة السيد محمد الطباطبائي في ألإمامة وتدريس العلوم الدينية ، وهو على نمط والده رجل مهذب لبق حصيف وفطن.

والشيخ محمد حسين الجندقي الحائري الملقب بـ (ألأعلمي) ، عالم متتبع وفاضل جليل ، ترجمه صاحب «نقباء البشر» بقوله : هاجر إلى كربلاء المشرفة فإشتغل بها على بعض العلماء ، حتى حاز قسطا من العلم والفضل ، وهو من أصحابنا ألأفاضل ألأجلاء ، ولع بالبحث والتنقيب والتتبع ، فألف كتابا قيما تجاوزت مجلداته المخطوطة الثلاثين ، كما رأيتها عنده وقد قرأت أكثر أجزائه فوجدته قد سهر طويلا وتعب كثيرا فجاء كتابه في غاية الضخامة سماه «مقتبس ألأثر» وهو دائرة معارف حوى مادة غزيرة ، فقد رتبه على حروف الهجاء وأخذ كل كلمة فشرحها واحاط بكل تصرفاتها ومعانيها ، وأدخل في الضمن تراجم لا يأتي عليها إحصاء وعدٌ . . . الخ ، هاجر إلى إيران وهبط مدينة قم وسعى إلى طبع مجلدات موسوعته الكبيرة «مقتبس ألأثر ومجدد ما دثر»إلى أن توفى سنة 1397 هـ .

والسيد محمد طاهر البحراني ، عالم فاضل بمكانة مرموقة في كربلاء لعلمه ونسكه وأدبه الجم ، ينتهي نسبه إلى الفقيه الكبير السيد عبدالله البلادي البحراني من ذرية السيد إبراهيم المجاب حفيد ألإمام موسى الكاظم عليه السلام ، ولد بكربلاء سنة 1302 هـ ، ودرس على افاضل العلماء بها وكان يقيم الجماعة في صحن المشهد الحسيني إلى أن وافاه ألأجل في سنة 1384 هـ .

والسيد محمد صادق بن السيد محمد رضا القزويني ، عالم فاضل وداعية إسلامي جريء ، إشتغل بالتدريس في حوزة كربلاء ونهض للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل صراحة وشهامة وإهتم بشؤون الدعوة ألإسلامية ، ولد بكربلاء في سنة 1325 هـ ، وهو من أسرة القزويني المعروفة بالعلم والفضيلة في هذه المدينة المقدسة.

والشيخ محمد الكلباسي المتوفى سنة 1404 هـ ، إشتغل بالتدريس في مدرسة بادكوبه العلمية في كربلاء ، وكان من ابرز أصحاب المرجع الكبير السيد الميرزا مهدي الشيرازي وملازما له وهو حفيد الشيخ إبراهيم الكلباسي صاحب كتاب «ألإشارات» ، إشتهر بالزهد والصلاح والتقوى والخلق الحسن.

والسيد أحمد الفالي المولود سنة 1334 هـ ، عالم بحاثة ومؤلف إسلامي قدير ، هاجر من مدينة «فال» بمحافظة فارس ألإيرانية قاصدا النجف ألأشرف في سنة 1353 هـ ، درس المقدمات وأنهى السطوح بحوزتها العلمية وحضر درس الخارج لآية الله العظمى السيد إبراهيم ألأصطهباناتي المتوفى سنة 1374 هـ ، ثم توجه إلى كربلاء ، حيث تتلمذ على العالم الديني والمرجع الكبير السيد الميرزا هادي الخراساني ، كما قرأ على ألآيتين العظيمتين الحاج آقا حسين القمي والسيد الميرزا مهدي الشيرازي ، مثلما شارك في مباحث ألأصول للعالم الأصولي النابه المرحوم السيد هادي الميلاني ، له مؤلفات ومصنفات قيمة تستند في معظمها إلى دفاعه الجريء والمدعوم بقوة المنطق والعقل والبراهين الجلية عن أحقية ومصداقية مبدأ ألإمامة الشيعية ، ومن هذه المؤلفات كتبه : «بين ألإنسان وسائر الموجودات» ، «قاطع البرهان في الرد على الجبهان» ، «تعريب مذكرات (دال كوركي) »، «تذكرة الشباب»، «خلفاء الرسول ألإثني عشر» ، «براهين الشيعة الجلية» ، «ألإسلام والكتلتان» ، «من أجل توعية جيل الشباب » ـ فارسي في اربعة مجلدات ـ ، «معلومات حول الفقه ألإسلامي» ـ فارسي ـ ، «فدك» ـ فارسي ـ ، «البهائية حزب لا مبدأ» والكتاب ألأخير وثائقي موضوعي طبع مرتين في العراق ولبنان ، وفيه يشرح نشأة الفرقة البهائية فيقول : إن البهائية هي نزعة تفتقد لعقيدة روحية محددة ، بل إنها ضرب من ضروب ألأحزاب السياسية ، تقف وراءها جهات أجنبية تبنتها منذ البداية ، و قدمت لها الدعم والمساندة لغرض إشاعتها وترسيخها بين المجتمعات ألإسلامية ، ويقول أيضا : إن روسيا القيصرية هي التي تبنت الحركة البهائية (البابية) في بادئ ألأمر، ومن ثم شجعتها وفسحت المجال أمام إنتشارها خدمة لأغراضها ونواياها التوسعية في العالم ألإسلامي ودنيا الشرق، ثم تطورت الحالة بهذه الحركة فاصبحت القوى الغربية الطامعة ، وفي مقدمتها بريطانيا ألإستعمارية تتبناها وتدعمها وتمهد الطريق أمام إنتشارها ، ثم يشرح في كتابه هذا طبيعة القيادات التي تزعمت هذه الحركة منذ البداية وحتى قيادة «شوقي أفندي» ، الذي بعد وفاته اصبحت البهائية بدون قيادة محددة ومكشوفة ومعلنة للناس.

وللسيد الفالي ايضا قصائد في مديح آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والرثاء لمصابهم الجلل ، مثلما له اشعار يعبر فيها عن رأيه بشأن القضايا والظروف السياسية السائدة في العالم ألإسلامي ، وهو ألآن نزيل مدينة قم حيث يتفرغ كليا لشؤون التأليف والتحقيق ، له أنجال إختاروا سلوك مسلكه الروحي والمعنوي ، وكان نجله ألأكبر العلامة السيد علي الفالي المقتول في حادث سير مفجع على طريق المشهد الرضوي سنة 1407 هـ متفانيا في حب آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، متحمسا لكل عمل خير ، وبادرة بر ومسعى حميد ، ونجله ألآخر السيد حسين الفالي ، رجل علم وفضيلة ، يتفرغ لمهمة الوعظ وألإرشاد والشؤون الدينية ، ومن انجاله أيضا السد محمد باقر الفالي عالم نابه وخطيب مفوه ، ذو تعبير قوي وبيان فصيح جلي ، والسيد كاظم الفالي طالب علم وفضيلة ، نقي السريرة رفيع الخلق.

في ضوء ما تقدم ، نجد أنه في اعقاب وفاة الزعيم المجاهد الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي ، وإنتقال مكانة المرجعية الدينية الكبرى من كربلاء إلى النجف ألأشرف ، لم تفقد حوزة كربلاء نشاطها العلمي والتدريسي المكثف ، بل يمكن القول أن هذه الحوزة إزدهرت وقويت إلى حد ما ، وذلك نظرا لأن العلامة ألأصفهاني (رحمه ألله) كان حريصا كل الحرص على تقوية ودعم وتنشيط كل الحوزات العلمية في كل مكان ، وطبيعي أن حوزة كربلاء كان لها نصيب أوفر وحظ أكبر من إهتمامه ، فكان أن وفر لها كل ألإمكانيات أللازمة من مساعدات مالية ودعم معنوي.

ويبدو لنا إهتمامه هذا من خلال زياراته المتكررة لكربلاء ، ومكوثه فيها لأيام عديدة في كل زيارة من زياراته لهذه المدينة المقدسة ، بسبب إرتباطه الروحي بزملاء ألأمس ، حينما كانوا يدرسون ويتفقهون على المولى ألأخوند محمد كاظم الخراساني في النجف ، والذين جاوروا الحائر الشريف (كربلاء) فيما بعد أمثال : الشيخ علي الشاهرودي والسيد الحاج آقا حسين القمي والسيد الميرزا هادي الخراساني والسيد حسن القزويني (آغامير) ، كما ذكر من قبل.

ويمكن القول أن هذه الحقبة كانت فترة خصبة جدا بالنسبة لحوزة كربلاء العلمية ، نظرا لأنها أفرزت فيما بعد علماء أجلاء ، وأساتذة مبرزين ومراجع متميزين ممن تولوا الرئاسة الدينية أو مسكوا بناصية الحركة التدريسية على الساحة العلمية.