2.jpg

الحركة العلمية

الثورة العراقية الكبرى ودور حوزة كربلاء فيها

Post on 09 تموز/يوليو 2016

الثورة العراقية الكبرى ودور حوزة كربلاء فيها:

 في الحقيقة أن ثورة الشعب العراقي المسلم على ألإحتلال البريطاني إندلعت من مدينة كربلاء أولا، ومن المدن المقدسة ألأخرى ثانيا ، وهذا يعني أن المدن المقدسة في العراق وعلى رأسها كربلاء هي التي اججت نار الثورة وفجرتها لتعم سائر المدن العراقية خاصة في منطقة الفرات ألأوسط ، وذلك نظرا لأن العلماء ورجال الدين ألأفاضل كانوا يوجهون الموقف السياسي في البلاد ، وكان الناس يطيعونهم وينفذون أوامرهم من منطلق وازعهم الديني أولا، و لإنعدام السلطة السياسية الزمنية المسلمة في العراق التي كانت محتلة من قبل ألإنجليز ثانيا.

وعلى هذا الصعيد كانت كربلاء رائدة الثورة وقائدة لمسيرة الشعب لتواجد زعيم ديني وعالم فذ على ساحتها العلمية والدينية هو الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي، الذي فجر الثورة العراقية بفتواه الشهيرة بالجهاد ضد المحتلين الغاصبين للأرض ألإسلامية ، وذلك قبل أن تنتقل إليه الرئاسة الدينية الشيعية التي كانت في ذلك الوقت معقودة للعالم الكبير السيد محمد كاظم اليزدي في النجف ، غير أن الحالة الصحية للسيد اليزدي وكبر سنه وشيخوخته منعته من القيام بنشاط ملحوظ على صعيد تحريك الجماهير المسلمة بإتجاه مناهضة القوى ألإستعمارية المحتلة للأرض ألإسلامية ، إضافة إلى أنه كان يأخذ دوما جانب الحيطة والحذر في المسائل السياسية كي لا يتسبب في إزهاق أرواح المسلمين وإبتعادا عن مظان المقولة الشائعة بين العلماء وهي «دفع فاسد بأفسد».

ولكن مع ذلك كانت مدينة النجف تتعاطف وتؤيد كربلاء في حركتها الثورية ، وإنبرى العديد من علماءها بالوقوف صفا واحدا خلف الزعيم الديني الكبير الشيخ الشيرازي ومساندته بالروح والدم ، وعلى رأسهم شيخ الشريعة ألأصفهاني الذي قاد الثورة العراقية خلفا للشيخ الشيرازي بعد وفاته مباشرة.

ولتوضيح ألأمور نقول: عندما إحتلت بريطانيا أرض العراق بحجة تخليصها من ألإحتلال العثماني ، ثم نكثت بعهودها التي قطعتها على شعب العراق المسلم بمنحه ألإستقلال والحرية ، ومماطلتها في تحقيق إرادة الجماهير الحرة، حدثت تململات مستمرة وبرزت مظاهر السخط والغضب وألإحتجاج في صفوف الناس ، وأخذت هذه الفكرة تشاع وتنتشر على أوسع نطاق في الوسط الشعبي ومفادها هو أن الشعب العراقي خرج من دائرة إحتلال دولة ليدخل في دائرة إحتلال دولة أخرى ، وبات اليأس وألإحباط يسودان الجو السياسي في البلاد ، وتأكد على الطبيعة زيف إدعاء ألإنجليز المحتلين من أنهم جاءوا محررين لأرض العراق لا فاتحين لها. حتى أخذت موجة السخط والغضب الشعبي منحىً خطيرا جدا بالنسبة للغزاة المحتلين.

وتهدئة للخواطر والمشاعر الشعبية الغاضبة ، صدرت ألأوامر من لندن بأن يقوم الحاكم البريطاني العام في بغداد بالتعرف على آراء العراقيين بشأن طبيعة نظام الحكم الذي يرتأونه ، وذلك بإجراء إستفتاء عام حول البنود التالية:

ـ هل يرغب العراقيون في إنشاء دولة عربية واحدة تسترشد ببريطانيا وتكون حدودها ممتدة من ولاية الموصل في الشمال إلى الخليج في الجنوب.

ـ وفي هذه الحالة هل يريدون أن تكون الدولة الجديدة برئاسة أمير عربي.

ـ وإذا كان ألأمر هكذا فمن هو الشخص الذي يريدونه رئيسا لبلادهم.

غير أن المحتلين ألإنجليز وبضمنهم «أرنولد ويلسون» وكيل الحاكم البريطاني العام ، كانوا يرفضون فكرة إقامة أي شكل من اشكال الحكم الوطني في العراق ، ولذلك سعوا إلى تدبير عملية إستفتاء عام مزيفة تتفق نتائجها مع ما يرتأونه هم لا كما يريده الشعب العراقي، وذلك بالتأثير على الناس وتضليلهم في كل منطقة من مناطق العراق مستخدمين لعملية تزييف آراء الشعب الحكام المحليين المعينين من ألإنجليز وجواسيسهم وعملاءهم.

وبالنظر إلى ان العتبات المقدسة في العراق كان لها دور قيادي في تسيير وجهة الشعب المسلم ، لتواجد العلماء ورجال الدين على ساحتها السياسية الدينية ،وللوعي المتزايد في صفوف شبانها ، فقد صدرت تعليمات سرية تقضي بإستحصال نتائج مرضية لصالح ألإنجليز من ألإستفتاء العام وخاصة في المدن المقدسة ، غير أن إستحصال نتائج كهذه لم يكن أمرا سهلا وميسورا في مدن العتبات المقدسة ، وبهذا الصدد تقول الكاتبة الغربية «مس بيل » التي تعتبر من أهم الكتاب الغربيين الذين دونوا التقارير الوثائقية عن مدينة كربلاء في هذه الفترة المصيرية:

«إن العلماء المجتهدين في كربلاء والكاظمية حرّموا على المسلمين أن يصوتوا لغير تشكيل حكومة إسلامية فبلغ ألإختلاف حدا أوقف سير عملية ألإستفتاء ، ففي كربلاء أصدر العلامة ألأكبر الميرزا محمد تقي الشيرازي فتواه التي تنص على هذا القول «ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين » وعلى ضوء هذه الفتوى نشط الكربلائيون في إعداد وتوزيع منشورات وبلاغات تعبر عن واقع رأي الشعب ، وحقيقة ما يريدونه بشأن نظام الحكم في بلادهم بما يتفق مع مصلحتها الوطنية ، ولما أيقنت السلطات ألإنجليزية من أنها غير قادرة على تحقيق ما تريد ، بادرت إلى إلقاء القبض على ستة من وجهاء كربلاء وابعدتهم وهم : عمر الحاج علوان وعبدالكريم العواد والسيد محمد علي الطباطبائي ومحمد علي أبو الحب والسيد محمد مهدي المولوي وطليفح الحسون ، وعلى أثر هذا ألإعتقال إحتج الميرزا محمد تقي ووجه خطابا عنيف اللهجة.

وتقول الكاتبة «المس بيل» في تقريرها عن دور كربلاء في إحباط عملية ألإستفتاء المدبرة من قبل ألإنجليز : وكان أبرز شخصية على ألإطلاق في حركة كربلاء هو نجل الميرزا محمد تقي الشيرازي المتقدم في العمر ، وكانت منزلة الشيخ محمد تقي في العالم الشيعي لا تفوقها إلا منزلة محمد كاظم اليزيدي.

ثم تضيف بالقول: إن سير الأستفتاء في المناطق ألأخرى ولا سيما في المدن المقدسة مثل كربلاء والنجف والكاظمية وفي بغداد أيضا لم يكن سهلا ، كما أن نتائجه لم تكن مرضية على الوجه المطلوب ، وأما في مدينة كربلاء بادر المجتهدين إلى إصدار فتاوى تجعل من كل فرد يميل لدولة غير مسلمة شخصا مارقا عن الدين ، وبفعل هذه الفتاوى تردد سكان المدينة في إعطاء اي رأي محدد ، وبذلك لم يحصل أي تقدم على صعيد ألإستفتاء في كربلاء ، ولم يفصح أحد عن ألآراء التي تكونت فيها رسميا».

وفي الحقيقة أن علمية ألإستفتاء والمضاعفات التي خلفتها كانت عاملا قويا في إذكاء نار الثورة الشعبية ضد السلطات ألأنجليزية المحتلة ولا سيما في كربلاء التي إضطرت هذه السلطات إلى إبعاد عدد من رجالاتها البارزين ، فقد تطورت الحالة في هذه المدينة المقدسة حتى إستقطبت الكفاح الوطني على مستوى العراق ، خاصة بعد أن اصبح العلامة الكبير الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي المقيم في كربلاء المرجع ألأعلى والأوحد للشيعة في العالم في أعقاب وفاة السيد محمد كاظم اليزدي سنة 1337 هـ ، وهكذا أصبحت كربلاء مركز إستقطاب سياسي وديني في آن واحد.

ثم تطور الموقف السياسي على هذا النحو حتى إندلعت نار الثورة العراقية الكبرى بتاريخ الثلاثين من شهر حزيران ـ يونيو عام 1920 الميلادي ، وهي الثورة التي عرفت بالثورة العشرينية التي إضطلع بالعمليات المسلحة فيها رجال القبائل القاطنة في منطقة الفرات والذين شنوا حربا لا هوادة فيها على جنود ألأنجليز ومواقعهم ومنشآتهم في مختلف أرجاء العراق ، وكان هؤلاء الفدائيون المحاربون يتلقون المشورة والرأي وألإرشادات من كربلاء وسائر المدن المقدسة.

وبهذا الصدد تقول «المس بيل» : إن القلاقل والإضطرابات العلنية قبل أن تحدث في بغداد ، كان العامل الديني الشيعي في المدن المقدسة يسعى جاهدا لتدبيرها والتخطيط المبرمج لها بهدف تعكير الجو السياسي العام ضد السلطات البريطانية الحاكمة ، وإن وفاة السيد محمد كاظم اليزدي قد أدت إلى إنتقال السلطة الدينية في العالم الشيعي إلى ايدي الميرزا محمد تقي الشيرازي المتقدم في السن ، وكان نجله الشيخ محمد رضا رجلا سياسيا نشطا وديناميكيا لا يستقر على حال ومعارضا عنيفا للإتفاقية الإيرانية البريطانية ، ولذلك كرس كل جهوده ومساعيه من أجل توجيه الرأي العام لمناوئة الحكم البريطاني في العراق ، فقد كان يتمتع بالإحترام الذي كانت تعامل به أسرة المجتهد ألأكبر في البلاد ، وقدجعله ذلك مرجعا أعلى في الرأي أيضا.

وتقول الكاتبة «المس بيل» أيضا : إن الدعاية الشديدة للثورة ، كانت تبث من كربلاء وبغداد لتنتشر في الديوانية عن طريق الشامية .

وعلى أية حال بقي العلماء ألأعلام وعلى رأسهم الشيخ الشيرازي قائمين بما يتطلبه منهم الواجب الديني المقدس يبثون روح الوحدة وألإئتلاف بين طبقات الشعب على إختلاف ملله ونحله، وذلك بإرشاداتهم النافعة التي كانوا يسدونها إلى الناس ، وقد جاءت هذه ألإرشادات ونفث الروح الوطنية والغيرة ألإسلامية في الخطابات الكثيرة التي كانوا يوجهونها إلى أفراد الشعب ، هادفين من وراء ذلك الحفاظ على التوازن بلا تفرقة وإسعاد البلاد الإسلامية إلى جانب مراعاتهم للواجبات الدينية.

لقد تطور الموقف السياسي في العراق وأخذت الثورة الشعبية المسلحة تسير في مراحلها الخطيرة والمصيرية ، بفضل القيادة الواعية التي تولتها الحوزة العلمية في كربلاء ، وعلى رأسها زعيمها ورئيسها الروحي ألأغر الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي الحائري حتى وصلت إلى مرحلة إضطرت فيها بريطانيا إلى التخلي التدريجي عن إجراءاتها القسرية ، وتعاملها المتشدد والمتعجرف مع الوطنيين ودعاة التحرر وألإستقلال ، فشرعت بتقديم تنازلات متدرجة أسفرت بالتالي عن قيام حكم يرفع الشعار الوطني في العراق ، وإن هذا الحكم إن لم يكن على مستوى طموحات الشعب العراقي ومطلبه ألأساسي في نيل ألإستقلال والتحرر الناجزين ، لكنه على علاته كان الخطوة ألأولى في سلسلة الخطوات اللاحقة ، التي إنتهت بإنحسار النفوذ البريطاني عن أرض العراق المسلمة.

غير أن العبرة الرئيسية هنا تكمن في أن مدينة كربلاء بحوزتها العلمية الرائدة وأهليها الواعين أثبتت للعراق وجوده ، وكيانه ، وهويته ألإسلامية الحقيقية ، وإن علماء الدين وعلى رأسهم المغفور له الشيخ الميرزا الشيرازي قد أسدوا للعراق وللإسلام خدمة جليلة سيذكرها التاريخ على الدوام.

إن ما يجب أخذه في ألإعتبار بهذا الخصوص ، وهو انه عندما تصبح إنتفاضة شعب مسلم مصبوغة بالطابع الديني ، والوازع العقائدي الروحي ، فإنها لا جرم تصبح قوية شامخة ، لا يمكن قهرها وكسر شوكتها بسهولة ويسر، لقد حدثت ثورات وإنتفاضات كثيرة هنا وهناك ، ولكن الفشل كان نصيب أكثرها ، وذلك لأنها كانت تفتقد العامل الجهادي الديني والوازع الروحي ، فعندما يفتي عالم ديني كبير بإعلان الجهاد المقدس ، بعد تدبر وتفكير سليمين في مصير المسلمين ، وحاضرهم ومستقبلهم ، يصبح الكفاح عندئذ نوعا من الواجب الديني ، الذي لا يمكن تغافله والذي من أجله تضحى الأنفس رخيصة على مذبح الدين، وإذا ما أصبحت النفس في نظر صاحبها رخيصة وفاقدة لأي قيمة بالمقارنة لدينه ومعتقده ، فإنه لن يعز عليه بعد ذلك إفداؤها والتضحية بها، وعندما تصبح التضحية شيئا سهلا وعاديا ، وظاهرة شائعة بين الناس المؤمنين ، والعقائديين ، يزول الخوف من بين الناس في مواجهة ألأعداء ومن تقوم الثورة إوألإنتفاضة ضدهم ، مهما كانوا مدججين بالسلاح وأقوى العتاد، وإذا ما زال الخوف فإن أهم عنصر للنجاح والنصر المؤزر يتحقق لا محالة . وهكذا كانت الثورة العراقية الكبرى التي قادها زعيم روحي كبير ، وجد أن بيضة ألإسلام وشوكة المسلمين وعزة الدين الحنيف وإعلاء كلمة الله على ألأرض ، هي أثمن وأغلى من اية تضحية ومن الفداء بالغالي والنفيس ، فكان النصر حليف المسلمين في العراق بحمد ألله.

ومعروف للجميع أن أي عالم ديني أو مجتهد حقيقي ، لا يرضى بتاتا بأن تراق حتى قطرة دم واحدة من أي فرد مسلم ، لأن حياة الفرد بنظر الدين الحنيف هي اغلى من أي شيء آخر ، وأن صونها واجب مؤكد ، ولكن عندما يجد أن العقيدة ألإسلامية معرضة للخطر وأن المسلمين بأموالهم واعراضهم مهددون بالقتل والنهب وألإغتصاب ، فإنه من موقع المسؤولية الشرعية والواجب الديني ينهض للدفاع عنهم فيصدر فتوى الجهاد المقدس ،وفيمثل هذه الحالة تصبح دماء المجاهدين المسلمين ، سياجا واقيا ورادعا عن كيان ألإسلام وسلامة الملة الإسلامية ، وخاصة إذا كانت أرض ألإسلام مهددة ومستباحة من جانب قوى أجنبية طامعة.

 واخيرا يجدر القول بنا: إن كربلاء كانت لها في عهد زعامة وقيادة الشيخ الشيرازي للثورة العراقية الكبرى ، حكومة مؤقتة ومجلس ملّي ثوري، كان يرأسهما أحد أعوان الزعيم الشيرازي ، هو الحاج محمد حسن حمادي بن مهدي من آل أبي المحاسن الجناحي الكربلائي المتوفى سنة 1344 هـ ، وقد ترجمه صاحب «أعيان الشيعة» بقوله: كان شاعرا أديبا ، حسن البديهة ، كاتبا ثائرا، له ديوان كبير مخطوط مبوب، درس في كربلاء على جماعة من علمائها ألأعلام ، وخلال الثورة العراقية إنتدبه الميرزا محمد تقي الشيرازي عن علماء كربلاء للتفاوض مع ألإنجليز ، وكان رئيسا للمجلس الملّي الثوري والحكومة المؤقتة في كربلاء يومذاك ، وهو احد السبعة عشر شخصا الذين طلبت بريطانيا تسليمهم للمحاكمة عند إحتلال جنودها لمدينة كربلاء عام 1920 م ، فأعتقل مع أؤلئك ألأشخاص في بغداد ، ثم في الحلة أياما عديدة ، وحكم عليهم باحكام مختلفة ، حتى صدر القرار بالعفو العام، ولما شكلت الوزارة العراقية بعد الثورة ، عيّن وزيرا للمصارف في وزارة جعفر العسكري سنة 1923 م. ومن شعره وهو معتقل في سجن ألإنجليز بالحلة:

مقولي ماض وسيفي مثله   وجناني ثابت لم يخرن
سالم ألأخلاق من منتقد   في سرور كنت أو في حزن
عظموا الجرم وقالوا حاكم   وطنيٌ ثائرٌ ذو لسن
هيّج الشعب وأغراه بنا   لم يغب عن مشهد أو موطن
إن أكن أحسب فيكم مجرما   فأنا المحسن عند الوطن
سيئات وضعتني عندكم   حسنات عنده ترفعني