1.jpg

الحركة العلمية

حوزة كربلاءعلى عهد الشيخ محمد تقي الشيرازي

Post on 09 تموز/يوليو 2016

حوزة كربلاءعلى عهد الشيخ محمد تقي الشيرازي

 كان مقر الزعيم الروحي والمجاهد ألإسلامي الكبير ، الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي في مدينة كربلاء ، وحينما إنتقلت إليه الرئاسة العلمية والزعامة الدينية الكبرى ، تبوأت حوزة كربلاء العلمية مكانة الرئاسة من جديد، فإندفعت الحركة العلمية والتدريسية فيها بقوة أكبر وأعظم ، لما توفر لها من عامل جذب إضافي إلى جانب كونها حوزة عريقة ترتبط بأرض طاهرة مقدسة.

وخلال فترة مرجعية الشيخ الشيرازي باتت هذه الحوزة تعج وتزخر بالعلماء الكبار وألأساتذة المحققين ألأجلاء، الذين جاؤوا إليها من كل حدب وصوب وخاصة من النجف ألأشرف ، أمثال المرحوم العالم المحقق الشيخ علي الشاهرودي وآية ألله العظمى السيد ألأقا حسين القمي وآية الله العظمى الميرزا هادي الخراساني وغيرهم كثيرون ممن أسهموا بجانب علماءها وأساتذتها المجاورين في خلق حركة علمية نشطة جدا. والذين فضلوا البقاء في رحاب كربلاء حتى لما بعد وفاة الشيخ الشيرازي ، وبوجود هؤلاء كثرت وتنوعت حلقات الدرس والبحث في ارجاء الحائر الشريف، وتربى جيل من العلماء والمجتهدين الكبار ، امثال العالم الأصولي المحقق السيد هادي الميلاني والعالم الزاهد الثقة السيد الميرزا مهدي الشيرازي وألأستاذ المربي الشيخ محمد رضا ألأصفهاني والعلامة الفهامة الشيخ يوسف الخراساني البيارجمندي والمحقق الجليل والعالم النحرير وألأستاذ البارع السيد حسن القزويني المعروف بأغا مير ، وغيرهم.

ويمكن القول أن قوة الدفع التي إكتسبتها حوزة كربلاء في عهد رئاسة الشيخ الشيرازي ، بقيت على طاقتها الهائلة حتى لوقت قريب لأن جيلا آخر من العلماء والمجتهدين تربى وأمسك بناصية الحركة العلمية والتدريسية فيها أمثال آية ألله السيد محمد الحسيني الشيرازي والعلامة الكبير وألأستاذ المحقق الشيخ محمد الشاهرودي والمفكر ألإسلامي النيّر السيد أحمد الفالي صاحب المصنفات العديدة والمفكر الإسلامي المجاهد السيد حسن الشيرازي والسيد صادق القزويني وغيرهم كثيرون. وإضافة إلى كل ما ذكر فإن مدينة كربلاء اصبحت في عهد الشيخ الشيرازي المركز السياسي ألأوحد للعراق نظرا لأنه تولى إلى جانب مهامه الدينية قيادة الثورة العراقية الكبرى التي عرفت بثورة العشرين ، مما أضفى على الحوزة العلمية في كربلاء الطابع الديني والسياسي معا، إذ أن الثقل السياسي الثوري والجماهيري لكل العراق إنتقل إلى كربلاء، حيث كانت البلاغات الثورية تصدر عنها أولا بأول.

ولد المرحوم الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي في مدينة شيراز سنة 1256 هـ ، وحينما كان في السابعة عشر من عمره هاجر إلى مدينة كربلاء للإغتراف من معين العلم والفضيلة في حوزتها ، فقرأ بدايات العلوم الدينية وتتلمذ على العلامة المولى الشيخ حسين ألأردكاني المتوفى سنة 1305 هـ ، ثم رحل إلى مدينة سامراء وتتلمذ لدى المجاهد الكبير السيد الميرزا محمد حسن الشيرازي حتى أصبح من أجلاء تلامذته ، وحينما إحتلت العساكر البريطانية مدينة سامراء قفل راجعا إلى كربلاء وسعى لبعث الروح الجهادية بين المسلمين ، فطالب بالحقوق المغدورة والمهضومة للمسلمين ، وأصدر فتواه التاريخية التي أثارت الحماس والغيرة الإسلامية في صفوف العراقيين ـ وإكتسب شهرة وصيتا ذائعا تخطى الحدود العراقية وشاع إسمه وعرفت مكانته كزعيم روحي وسياسي فذ في بلدان إيران ولبنان وسوريا ومصر ، وبالرغم من إنشغاله بشؤون الزعامة الدينية وقيادة الثورة العراقية بقي على إتصال وثيق بطلاب العلوم الدينية والعلماء وظل مهتما وراعيا لشؤون وشجون الحوزة العلمية في كربلاء والحوزات ألأخرى ، كما خصص قسما من أوقات فراغه للتأليف والتصنيف ، حيث الف كتاب شرح «المكاسب» للشيخ مرتضى ألأنصاري و «القصائد الفاخرة في مدح العترة الطاهرة» وشرح على «منظومة الرضاعة» للسيد صدر الدين العاملي، وقد تتلمذ عليه وتربى في محضر درسه رعيل من الفقهاء والمجتهدين منهم : السيد الميرزا هادي الخراساني ، والشيخ محمد كاظم الشيرازي ، والشيخ محمد علي القمي والسيد محمد حسن القزويني المعروف بآغامير والعالم الرجالي النسابة الشيخ آغا بزرك الطهراني.

وترجمه عدد لابأس به من المؤلفين المعنيين بتراجم الرجال منهم صاحب «أعيان الشيعة» وصاحب «معارف الرجال» وصاحب «نقباء البشر في القرن الرابع عشر» ، فقد قال فيه الرجالي ألأخير مايلي:

هو الشيخ الميرزا محمد تقي بن الميرزا محب علي بن أبي الحسن الميرزا محمد علي المُتَخلص بـ «جلشن» الحائري الشيرزاي ، زعيم الثورة العراقية وموري شرارتها الأولى ، من أكابر العلماء وأعاظم المجتهدين ومن أشهر مشاهير عصره في العلم والتقوى والغيرة الدينية.

ولد بشيراز ـ كما حدثني به ـ ونشأ في الحائر الشريف (كربلاء) ، فقرأ فيه ألأوليات ومقدمات العلوم وحضر على العلامة المولى محمد حسين الشهير بالفاضل ألأردكاني حتى برع وكمل ، فهاجر إلى سامراء في أوائل المهاجرين مع صديقه وشريكه في البحث العلامة السيد محمد الفشاركي ألأصفهاني، فحضر على المجدد الشيرازي حتى صار من أجلاء تلاميذه واركان بحثه وكان يومئذ مدرسا لجمع من أفاضل تلاميذ المجدد إلى أن توفى أستاذه الجليل فتعين للخلافة بالإستحقاق وألأولوية ، فقام بالوظائف من ألإفتاء والتدريس وتربية العلماء ، وقد خرج من مجلس بحثه الشريف جمع غفير من أجلاء العلماء وأفاضل المجتهدين البالغين رتبة ألإجتهاد ، وذلك لدقة نظره وفكره وكثرة غوره في المطالب الغامضة والمسائل المشكلة ، قال سيدنا في «التكملة»:

عاشرته عشرين عاما فما رأيت منه زلة ولا أنكرت عليه خلة ، وباحثته إثنتي عشرة سنة فما سمعت منه إلا ألأنظار الدقيقة وألأفكار العميقة والتنبيهات الرشيقة.

«أقول» : وقد تلمذت عليه وحضرت بحثه ثمان سنين في سامراء ، فتأكدت لدي صحة كلام سيدنا الصدر وبانت لي حقيقته ، وصدق الخبر وتحققنا ذلك من طريقي السمع والبصر ، ولم تشغله مرجعيته العظمى واشغاله الكثيرة عن النظر في أمور الناس خاصهم وعامهم ، فقد كان ينتهز من وقته المستغرق بأشغاله فرصة يخلو فيها للتفكير في مصالح الناس وأمور العامة وحسبك من أعماله الجبارة موقفه الجليل في الثورة العراقية ومطالبته بالحقوق المغدورة وألأمر بالدفاع وإصداره تلك الفتوى الخطيرة التي أقامت العراق وأقعدته ، لما كان لها من الوقع العظيم في النفوس ، وحقا إنه بذل كل مل لديه وبوسعه من حول وطول وضحى بكل غال ونفيس حتى أولاده وماله ، وقضية إلقاء القبض على ولده الميرزا محمد رضا معروفة ، فقد فدى إستقلال العراق بنفسه وأولاده وكان أفتى قبلها بحرمة إنتخاب غير المسلم ، وذلك لما حمل ألإنجليز الشعب العراقي على إنتخاب معتمد الحكومة البريطانية «السير برسي كوكس» رئيسا للحكومة العراقية فإنه ـ أعلى ألله مقامه ـ شعر بالحيلة المدبرة من المستعمر وعرف المغزى وإنكشف له المخبأ فعند ذلك أصدر فتواه وابدى رأيه الصائب ، فلم يكن من أمر العراقيين إلا ألإمتثال لأمره فقد كانوا طوع إرادته لا يصدرون إلا عن رأيه ، وقد عقدت إجتماعاتهم في داره بكربلاء عدة مرات كان أحدها ـ ولعله آخرها ـ إجتماعهم ليلة نصف شعبان عام وفاته ، فقد عرضوا عليه بتلك الجلسة منوياتهم وتعهدوا بأن فيهم القوة الكاملة ، فلم يزد في أول مرة على قوله «إذا كانت هذه نواياكم وهذه تعهداتكم فألله في عونكم» ، ولما بدت أعمال الحكومة الشنيعة إستنكرها إستنكارا عظيما وإجتمع عليه العلماء والزعماء والرؤساء يستفتونه في القيام ضد السلطة ، راغبين بأن تكون فتواه بدء الشروع في الثورة فعند ذلك أصدر فتواه المشهورة وهذا نصها : «مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم وألأمن ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا إمتنع ألإنجليز عن قبول مطالبهم . . . الخ»، فأصبح لهذه الفتوى مقامها الخطير بإعتبارها من ذلك الزعيم العظيم ، إذ لم يستطيعوا ألإقدام على أمر قبل حصول ألإذن منه ، وبعد الرخصة وتعيين التكليف إتجه العراقيون إلى العمل بواجب المدافعة ، وجرت أمور ليس هذا موضع ذكرها فصادف مرض المترجم ووفاته بعد أيام وذلك في ليلة ألأربعاء الثالث عشر من ذي الحجة سنة 1338 هـ ، فثلم ألإسلام بوفاته في امس أوقات الحاجة إليه ، وقد كادت ألأمور أن تتقهقهر لولا نهوض شيخنا ألأستاذ شيخ الشريعة ألأصفهاني بألأمر وقيامه بأعباء الخلافة ، ووقوفه موقف ألإصلاح بين الحكومة وألأهلين ، وقد عزاه الحاكم الملكي العام بوفاة الحجة الشيرازي إلى أن تم ألأمر على النحو المشهور الذي دونته كتب التاريخ العراقية.

دفن شيخنا المترجم في كربلاء ومقبرته في الصحن الشريف مشهورة ، وكان ـ أعلى الله مقامه ـ من بيت علم وفضل وشرف وتقوى فعمه : الحكيم الميرزا حبيب ألله من الشعراء الخالدين ، ووالده :العبد الصالح من العرفاء الكاملين، وجده جُلشن واخوه الميرزا محمد علي من أعاظم العلماء بشيراز، وللمترجم تصانيف كثيرة طبع منها حاشية «المكاسب» و «رسالة صلاة الجمعة» و «رسالة الخلل» ، وله ديوان شعر فارسي من القسم الرائق اكثره في مدائح أهل البيت ومراثيهم مطبوع ، وغير ذلك ، ترجمه جماعة من ألأعلام وله ذكر في أغلب كتب التاريخ العصرية حتى التي تدرس في ثانويات العراق. . . الخ .