1.jpg

الحركة العلمية

الشيخ أحمد ألإحسائي

Post on 09 تموز/يوليو 2016

الشيخ أحمد ألإحسائي

في الحقيقة أن الساحة العلمية الدينية في كربلاء المقدسة ، كانت على الدوام ساحة حرة ومتفتحة أمام ألأفكار وألإتجاهات المختفة والمرتبطة بالعلوم العقلية والنقلية ، في ذلك تكمن أصالة طابعها العلمي المتميز.

وطبيعي أن التعامل اللامحدود والمنطلق لابد ان تنشأ عنه تصورات ونظريات ، قد لا تكون مأنوسة أو مقبولة للآخرين ، غير أن ذلك يوجد فرص النقاش والجدل العلميين ، والتي تخدم في النهاية مسيرة العلم والمعرفة ، وإغناء التراث ألإسلامي الزاخر.

ومن هذا المنطلق برزت في حوزة كربلاء شخصيات علمية دينية كانت لهم أفكار وتصورات فلسفية ، أثارت في بعضها جدلا بين العلماء والفقهاء ومن جملة هذه الشخصيات تأتي في الصدارة شخصية الشيخ أحمد ألإحسائي ، بوصفه صاحب طروحات فلسفية كانت ولا تزال مثار بحث وجدل ، وتضارب في الرأي بين العلماء الذين عاصروه ، والذين جاؤوا من بعده حتى يومنا هذا ، خاصة وإن بعض ألأفكار المنسوبة إليه حول عدد من المبادئ العقائدية مثل المعاد الجسماني والمعراج الجسماني والتفويض للأئمة ألأطهار (عليهم السلام) ، خلق معارضة له من قبل عدد من العلماء المجتهدين ألأصوليين الذين وجدوا في هذه ألأفكار ما يتناقض مع رؤيتهم الدينية تجاه مبدأي المعاد الجسماني والمعراج الجسماني ، على وجه الخصوص.

غير أنه من خلال دراسة شخصيته العلمية الدينية ، وفي ضوء أقوال المعجبين أو المنتقدين له ، يمكن القول أنه كان عالما متبحرا ومفكرا متعمقا وضليعا بخلق ألأطر الفلسفية والعقلية لكثير من المبادئ العقائدية ألإسلامية الصرفة ، بحيث أن مؤيديه ومعارضيه يجمعون على القول بعلو منزلته العلمية ، ونزوعه الشديد إلى تزكية النفس ، وتهذيبها وترويضها.

ولد الشيخ أحمد في مدينة ألأحساء سنة 1166 هـ ، غير أن فترة تخضرمه وبروزه العلمي كانت في حوزة كربلاء ، وذلك في أعقاب وفاة المربي العظيم الوحيد البهبهاني ، وقد روى بالإجازة عن تلميذيه المبرزين ـ تلميذي الوحيد ـ وهما السيد محمد مهدي بحر العلوم ، والشيخ جعفر صاحب كتاب «كشف الغطاء» ، كما روى بالإجازةعن المير السيد علي الطباطبائي صاحب «الرياض» ، والسيد محمد مهدي الشهرستاني، والشيخ حسين بن محمد بن احمد بن إبراهيم بن عصفور الدرازي البحراني، وكذا عن عدد من علماء البحرين والقطيف ، مثلما روى عنه بألإجازة الشيخ إبراهيم الكرباسي صاحب كتاب «ألإشارات».

ومن أبرز تلامذته : السيد كاظم الرشتي ، والحاج محمد نجل الشيخ إبراهيم الكرباسي صاحب ألإشارات المذكور آنفا، والشيخ أسد ألله التستري ، وولداه هو وهما : الشيخ محمد تقي والشيخ علي تقي.

وقد ألف ما يزيد على مئة رسالة وكتاب وأهمها : كتاب «شرح الزيارة الجامعة الكبيرة» و «شرح الحكمة العرشية» لملا صدرا و «بيان حقيقة العقل والروح والنفس بمراتبها» و «جواز تقليد غير ألأعلم وبعض مسائل الفقه»و«معنى ألإمكان والعلم والمشيئة وغيرها» و «الرسالة الخامانية في جواب مسألة السلطان فتح علي شاه عن سر أفضلية المهدي على ألأئمة الثمانية عليهم السلام » و «الرسالة الخاقانية في جواب سؤاله عن حقيقة البرزخ والمعاد والتنعم في البرزخ والجنة»و«شرح علم الصناعة والفلسفة وأحوالها» و«شرح أبيات الشيخ علي بن عبدالله بن فارس في علم الصناعة» و«مباحث ألألفاظ في ألأصول» و«تحقيق الجواهر الخمسة وألأربعة عند الحكماء والمتكلمين ، وألأجسام الثلاثة وألأعراض ألأربعة والعشرين ، ومادة الحوادث وبعض مسائل الفقه» و «رسالة في البداء وأحكام اللوحين: لوح المحو وألإثبات واللوح المحفوظ»و«رسالة كيفية السير والسلوك الموصلين إلى درجات القربى والزلفى» و«حديث النفس إلى حضرة القدس في المعارف الخمس» وكتاب «الجنة والنار وشرح حديث خلق الذر والهباء» و«رسالة في أن الشيطان لا يمكن أن يتمثل بصورة ألأنبياء وألأولياء» و «رسالة في أن القرآن أفضل أم الكعبة»و «الرسالة السراجية في الشعلة المرئية من السراج» و«رسالة في معنى : «ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى»» و«جواب السؤال عن معنى الجسدين والجسمين» و«جواب مسائل محمد علي ميرزا عن العصمة والرجعة» و كتب ورسائل أخرى كثيرة ، وكلها تعالج مسائل دينية ومبادئ عقائدية في إطار فلسفي وحكمي متعمق ، وإن نظرة سريعة على عناوين ومضامين هذه الكتب والرسائل تبين لنا أنه كان مولعا ومتفهما بالعلوم الفلسفية والعقلية ، وفي شرحها وتبسيطها ، وربط المبادئ الدينية العقائدية بها ، مما أوجد لنفسه تصورات قد تكون مختلفة في بعضها عن تصورات كثير من العلماء المجتهدين.

وقد أطنب صاحب كتاب «روضات الجنات» في مدح الشيخ أحمد ألأحسائي والثناء عليه والدفاع عن أفكاره ، وأشاد به اكثر من أي واحد من أعاظم العلماء ، إذ قال فيه: لم يعهد في هذه ألأواخر مثله في المعرفة والفهم والمكرمة والحزم وجودة السليقة وحسن الطريقة وصفاء الحقيقة وكثرة المعنوية والعلم بالعربية وألأخلاق السنية والشيم المرضية والحكم العلمية والعملية وحسن التعبير والفصاحة ولطف التقرير والملاحة يرمى عند بعض أهل الظاهر من علمائنا بالإفراط والغلو مع أنه لا شك كان ماهرا في أغلب العلوم ، عارفا بالطب والقراءة والرياضي والنجوم مدعيا لعلم الصنعة (الكيمياء) وألأعداد والطلسمات ونظائرها من ألأمر المكتوم. . . الخ.

وقال في حقه السيد شفيع الموسوي في كتابه «الروضة البهية » الشيخ أحمد بن زين الدين ألأحسائي، كان من أهل الأحساء وتوطن برهة في يزد ثم إنتقل إلى كرمنشاه بطلب من محمد علي الميرزا إبن فتح علي شاه القاجاري، وسمعتُ أنه اعطاه ألف تومان لأداء دينه ونفقة سفره إلى كرمنشاه، وجعل له وظيفة في كل سنة سبعمائة تومان، ثم إنتقل إلى كربلاء وتوطن فيها ، وقام مقامه في كرمنشاه إبنه الشيخ علي ، والشيخ المذكور (ويقصد الشيخ أحمد ألأحسائي) ، وكان ذاكرا متفكرا ، لا يتكلم غالبا إلا في العلم والجواب عن السؤالات العلمية أصولا وفروعا وحديثا ، وكان مشغولا بالتدريس ويدرس أصول الكافي وألإستبصار ، لم نر منه إلا الخير.

وذكره الشيخ آغا برزك الطهراني في كتابه الرجالي «الكرام البررة» فقال: و الشيخ أحمد بن الشيخ زين الدين بن إبراهيم بن صقر بن إبراهيم بن داغر بن راشد بن وهيم بن شمروخ آل صقر المطيرفي ألأحسائي ، المنسوبة إليه الفرقة الشيخية ، من مشاهير علماء عصره ، إختلفت أراء العلماء والمؤلفين في المترجم (الشيخ ألأحسائي) ، بعد أن إتفقت على فساد جملة من تلامذته وتبعته، لإنكارهم بعض الضروريات ولسنا ألآن بصدد المناقشة بعد أن تقابل الفريقان في الردود ، فوضح الحق وذهب الباطل جفاءاً ، ولم يبق ما يجب علينا ألإشارة إليه والتنبيه عليه، ترجمه ولده الشيخ عبدالله في رسالة مستقلة ذكرناها في «الذريعة» ـ المجلد الرابع ـ الصفحة 89 ، ملخصها أنه ولد في إمارة ألأحساء «هجر» في قرية يقال لها (مطيرفي) في شهر رجب سنة 1166 هـ ، ونشأ بها وتلقى مبادئ العلوم عن جماعة من الفضلاء ، كالشيخ محمد بن الشيخ محسن ألأحسائي وغيره ، وفي سنة 1186 هـ هاجر إلى العراق ، وهو إبن عشرين سنة ، فورد كربلاء وحضر بها بحث الوحيد البهبهاني ـ ألآغا باقر ـ والسيد الميرزا مهدي الشهرستاني ، والسيد علي الطباطبائي صاحب «الرياض» ، وفي النجف درس على الشيخ جعفر كاشف الغطاء وغيره، ثم حدث طاعون جارف ألجأ الناس إلى مغادرة ألأوطان ، فعاد المترجم إلى بلاده وتزوج بها، وبعد زمن إنتقل بأهله إلى البحرين وسكنها أربع سنين ، وفي سنة 1212 هـ عاد إلى العتبات المقدسة بالعراق ، وبعد الزيارة رجع فسكن البصرة في محلة «حسر العبيد»، على عهد حاكمها (الشيخ علوان بن شاوة) ، وبعد قليل حدثت منافرة بينه وبين الشيخ محمد بن الشيخ مبارك القطيفي ألأحسائي ، فإضطر إلى نزول (الحبارات) من قرى البصرة أيضا ، ثم نزل قرية يقال لها ( التنومة) ، ثم (النسوة) من قرى البصرة أيضا، ثم عرض عليه السيد عبدالمنعم بن شريف الجزائري ، الذي كان من أجلاء تلك ألأطراف ومشاهيرها أن ينزوي في قرية تعود له فحلها في سنة 1219 هـ ، وبقي بها مع أهله سنة كاملة ، وفي سنة 1221 هـ زار النجف مع جمع من أصحابه وزار سائر العتبات المشرفة ، ثم عزم على زيارة الرضا (عليه السلام) فمر بيزد فطلب منه أهلها البقاء عندهم ، فإمتنع ووعدهم بإنجاز طلبهم بعد عودته من الزيارة ، وتعرف على السلطان فتح علي شاه القاجاري وحل داره في طهران ، فأعزّه وأكرمه وسأله عن مسائل أجاب عنها برسائل مستقلة ذكرت في تصانيفه ، ثم خيّره في سكنى أي بلاد في إيران فأختار يزدا، ونزلها بأهله وعياله في سنة 1224 هـ وسكنها مدة، ثم إنتقل إلى اصفهان، ثم هبط كرمنشاه زمانا، وفي سنة 1232 هـ ، حج بيت ألله الحرام مع جمع من أصحابه ، ثم عاد إلى النجف وكربلاء والكاظمين وسامراء ثم كرمنشاه موطنه ألأخير وذلك في سنة 1234 هـ ، وبعد مدة توفى محمد علي ميرزا فأضمحلت حكومة كرمنشاه ، فهاجر إلى قزوين ثم طهران ، وشاه عبدالعظيم (مدينة الري) ، ثم خراسان ثم طبس ثم اصفهان ، وبعد كل ذلك عزم على مجاورة المشاهد المشرفة في العراق فقصد كربلاء، وبعد قليل عزم على الحج ثانية ، ولما وصل دمشق مرض وأخذ حاله بالتنازل وتوفى بمنزلة (هدية) قبل وصوله المدينة بثلاث مراحل، وذلك في ألأحد ـ الثاني من شهر ذي القعدة سنة 1241 هـ ، فنقل إلى المدينة ودفن في البقيع ، مقابل بيت ألأحزان . . . الخ.

وبعد وفاة الشيخ أحمد الأحسائي ، تولى تلميذه السيد كاظم الرشتي الحائري المرجعية الدينية لأتباعه ومقلديه ومعجبيه الكثر آنداك، إنطلاقا من موقعه بمدينة كربلاء التي برز وإشتهر فيها هو ألآخر.

وقد جاء ذكر السيد كاظم الرشتي الحائري في العديد من كتب التراجم والسير، فقال عنه الشيخ محمد علي التبريزي في كتابه «ريحانة ألأدب» : السيد كاظم بن قاسم الحسيني الجيلاني الرشتي الحائري ، من علماء أواسط القرن الثالث عشر الهجري ، ومن أكابر تلامذة الشيخ أحمد ألأحسائي ، وبعد وفاة أستاذه المذكور تولى المرجعية في جميع ألأمور الدينية.

وذكره خير الدين الزركلي صاحب كتاب «ألأعلام» وقال عنه بما يلي: كاظم بن قاسم الحسيني الموسوي الرشتي، فاضل إمامي من أهل «رشت» بإيران ، سكن الحائر (كربلاء) ، له كتب منها «رسائل الرشتي» ، اجاب فيها بعض المسائل و«شرح قصيدة عبدالباقي العمري اللامية » في مدح ألإمام موسى بن جعفر عليه السلام.

وترجمه أحمد عطية الله مؤلف كتاب «القاموس ألإسلامي» ، فقال: كاظم بن قاسم الموسوي الرشتي ، من فقهاء الشيعة ألإمامية ، لقب بالموسوي نسبة إلى ألإمام موسى بن جعفر عليهما السلام ، بيد ان مؤلف كتاب «تراث كربلاء» السيد سلمان هادي الطعمة ، يختلف مع المؤرخ المذكور (احمد عطية الله) في كون السيد كاظم الرشتي موسوي النسب، بل يؤكد على انه حسيني النسب ، أي أنه من أعقاب سيدنا الحسين عليه السلام.

توفى السيد كاظم الرشتي بكربلاء في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة سنة 1259 هـ ، وخلفه نجله ألأكبر السيد أحمد بن السيد كاظم ، فكان يقيم الجماعة في مكان والده بصحن الروضة الحسينية الشريفة ، وقد عرف عنه علمه وأدبه ، حيث له ديوان شعر مخطوط وقد إغتيل في حادثة معروفة في كربلاء سنة 1295 هـ ، كما ان نجله ألآخر السيد حسن بن السيد كاظم الرشتي كان أديبا وكاتبا قديرا ترك مؤلفات من أشهرها ، كتابه المعروف «شواهد الغيب»