8.jpg

الحركة العلمية

حوزة كربلاء بعد هجرة الطوسي (قدس)

Post on 09 تموز/يوليو 2016

حوزة كربلاء بعد هجرة الطوسي (قدس)

في اعقاب القرار التاريخي الهام الذي إتخذه شيخنا ألأجل الطوسي (عليه الرحمة) في ظروف عصيبة للغاية ، والذي تمثل بلجوئه إلى قبر سيدنا ألإمام علي عليه السلام في ارض النجف ، والتطورات اللاحقة التي ادت إلى نشأة مدينة النجف وظهور حوزتها العلمية ألأولى ، كان لا بد ان تتطور الحالة على الساحة العلمية في كربلاء ، لتتمخض عنها الحوزة العلمية التالية بعد حوزة النجف ، نظرا للترابط الروحي والجغرافي القائم بين هاتين المدينتين المقدستين.

ويمكن القول أن نشوء وبلورة الحوزة العلمية الرائدة في النجف لم يحد من النشاط العلمي والفكري في كربلاء، بل أدى إلى تحريكه وتطويره بوتائر عالية ، ومن ثم إلى نشأة حوزة مكملة أو رديفة لحوزة النجف، بسبب أن نوعا من التشاطر والتعاطي الفكري برز بين هاتين الحوزتين ، كان بنتيجته أن تبوأت الحوزة العلمية في كربلاء ، مكانة رئاسة العلمية الأولى في فترات زمنية مختلفة ، وذلك حينما كانت تتألق وتبدو ساطعة وضاءة مشرقة في سماء العلم والفضيلة وزاخرة بفطاحل العلماء أكثر من اي مكان آخر.

إن قصر المسافة بين مدينتي النجف ألاشرف وكربلاء المعلى والتي لا تتجاوز الثمانين كيلو مترا ، والتي كان بألإمكان إجتيازها سابقا بالعربات المسحوبة بالدواب خلال يوم واحد أو أقل ، ويمكن إجتيازها اليوم بالسيارات والحافلات الحديثة خلال ساعة واحدة من الزمن. ونظرا لأن كلتا المدينتين مقدستان ومباركتان جدا بالنسبة للشيعة وعلماءهم وفقهاءهم ، وفي ضوء عوامل أخرى عديدة ، فإن السبيل كان ممهدا دائما أمام الكثيرين من العلماء وألأساتذة الكبار المقيمين والمجاورين في مدينة النجف ، لكي يترددوا على مدينة كربلاء أو يهاجروا إليها ، حيث بتواجد هؤلاء على الساحة العلمية بهذه المدينة نشطت الحركة العلمية فيها لأن حوزتها وجدت عناصر إضافية أسهمت بدورها في إنعاشها وتطويرها اكثر فأكثر.

وفي المقابل كان هناك علماء وأساتذة كبار تربوا وتعلموا وأنهوا دروسهم العالية في حوزة كربلاء ، ثم رحلوا عنها إلى النجف فأسهموا هم أيضا في إزدهار الحوزة العلمية فيها.

ومن هنا حصل نوع من التعاطي العلمي بينهما ، افاد الحوزتين إلى الحد الذي يمكن القول معه : إن هاتين الحوزتين إن لم تكونا نظيرتين متساويتين في المرتبة والمستوى فإنهما مكملتان لبعضها البعض. وإن هذه الظاهرة لم تكن لتحصل لولا وجود عوامل أساسية تخص الموقع الجغرافي والحضاري وهالة القدسية المتناهية لهاتين المدينتين المتقاربتين ، وكذا المكانة الروحية المتسامية التي تحتلانها في قلوب المسلمين الشيعة وغير الشيعة في العالم، وذلك كون ألأولى وأعني بها النجف تضم في جنباتها الروضة الطاهرة للإمام علي عليه السلام ، بوصفه ألإمام ألأول والوصي المتقدم لرسول ألله محمد صلى الله عليه وىله وسلم ، وكون الثانية أي كربلاء تضم روضة إبنه البار الشهيد ألإمام الثالث للشيعة الحسين بن علي عليه السلام .

وبما أننا بصدد الحديث الموضوعي عن التشاطر بين هاتين الحوزتين ، فلا بأس أن نورد هنا مقتطفات مما كتبه العالم المحقق وألأستاذ المتتبع الرحوم الشيخ محمد رضا المظفر العميد السابق لجامعة منتدى النشر في النجف ، حول التشاطر والتنافس بين حوزتي كربلاء والنجف ، والذي جاء في ترجمته القيمة والموضوعية جدا لشيخ المحققين والفقهاء المجتهدين المرحوم الشيخ محمد حسن النجفي ، صاحب كتاب «جواهر الكلام» ، وذلك على النحو ألآتي:

«كانت الحركة العلمية في عهد شيخنا المُتَرجم له (الشيخ محمد حسن النجفي) في القمة من الحركات العلمية ، التي إمتاز بها القرن الثالث عشر الهجري في خصوص النجف ألأشرف وكربلاء.

فإن النهضة العلمية التجديدية في الفقه واصوله ، بعد الفتور العام الذي أصابها في القرن الحادي عشر ، وأكثر الثاني عشر ، إبتدأت في كربلاء على يد المؤسس العظيم ألأغا محمد باقر الوحيد البهبهاني المتوفى سنة 1208 هـ .

وبقيت بعده النجف تنازع كربلاء وتشاطرها الحركة العلمية بفضل تلميذيه العظيمين : السيد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212 هـ ، والشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى في سنة 1228 هـ ، إذ تحول قسم من ألإتجاه العلمي شطر النجف بسببهما (أي بسبب بحر العلوم وكاشف الغطاء) ، وإن كانت كربلاء بقيت محتفظة على مركزها ألأول حتى وفاة المربي العظيم المعروف بشريف العلماء ، وهو الشيخ محمد شريف المازندراني المتوفى سنة 1245 هـ ، الذي قيل إن حُضار درسه كانوا يبلغون الف طالب ، وكفى أن أحد طلابه وتلاميذه هو الشيخ ألأنصاري . وبوفاة شريف العلماء فقدت كربلاء صاحب الجواهر المترجم له الذي إجتذب إليه طلاب العلم بفضل براعته البيانية ، وحسن تدريسه وغزارة علمه ، وثاقب فكره الجوال وبحثه الدؤوب وإنكبابه على التدريس والتأليف ، ولعل هناك أسبابا أخرى لهذا التحول ، ولا يبعد أن من أهمها أن كربلاء بالخصوص كانت عرضة للغارات السعودية ، وضغط الحكومة العثمانية وتعدياتها .

وعلي كل حال فقد شهد هذا القرن وهو القرن الثالث عشر ، حركة علمية واسعة في كربلاء والنجف مبتدئة بالوحيد البهبهاني ، وبلغت غاية إزدهارها في عصر شيخنا المترجم له في خصوص النجف ، فإن عصره إزدهر بكبار الفقهاء وفطاحل العلماء من أساتذته وأقرانه وتلاميذه ما لم يشهده أي عصر مضى ، ويكفي أن يكون من نتاج ذلك العصر ، حبر ألأمة وإمام المحققين الشيخ مرتضى ألأنصاري المتوفى سنة 1281 هـ ، الذي انسى ألأولين وألآخرين إذ تجدد على يديه الفقه واصوله التجدد ألأخير ، وخطا بهما شوطا بعيدا قلب فيه المفاهيم العلمية رأسا على عقب ، ولا يزال أهل العلم إلى يومنا هذا يدرسون على مدرسته العلمية الدقيقة ويستقون من نمير تحقيقاته ويتغذون بآرائه ويتخرجون على كتبه البارعة الفاخرة.

وكان شيخنا وأستاذنا العظيم الميرزا حسين النائيني المتوفى سنة 1355 هـ ، يفتخر بأنه من تلامذة مدرسته وإن كل ما عنده من تحقيق ومعرفة فهو فهم اسرار آراء الشيخ ألانصاري وتحقيقاته وعرضها عرضا مبسطا ، وكم صرح بهذا المعنى على منبر الدرس معتزا بذلك ، وفي الحقيقة كان الميرزا النائيني يعد فاتحا مظفرا ومجددا موصلا لما إنقطع ـ أو كاد ـ من المنهج البحثي للشيخ ، وهو وتلامذته يعتزون بهذه الصلة والوصلة العلمية بالشيخ .

نعم لقد إزدهر عصر شيخنا صاحب الجواهر بالعلم والعلماء والطلاب ، فإزدحمت النجف يومئذ برواد العلم من كل حدب وصوب ، لا سيما من القطر ألإيراني وبلغت القمة في رواج العلم بها ، ومرد ذلك فيما أعتقد هو ألإستقرار السياسي وفترة السلم التي سادت في البلاد الإسلامية يومئذ ، لا سيما بين الدولتين العثمانية وألإيرنية اللتين كانتا تتناطحان وتتصارعان للتغلب على العراق مدة قرنين تقريبا ، أنهكت فيها ألأمة العراقية أيما إنهاك وتأخرت تأخرا أفقدها كل حيوية ، فسادها الوباء والجهل والفقر وأنواع الأمراض الفتاكة.

وإبتدأت الهدنة بين الدولتين قبيل عصر شيخنا المترجم له ، وذلك في أخريات أيام الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، إذ سافر إلى إيران بقصد إطلاق سراح أسرى جيوش الحكومة العثمانية بعد موقعة حربية سنة 1221 هـ ، توغلت فيها إلى حدود إيران ، ففشل الجيش العثماني وأسر اكثره ، فأستطاع الشيخ كاشف الغطاء أن يقنع شاه إيران فتح علي شاه وإبنه ميرزا محمد علي قائد الجبهة ، بالعفو عن ألأسرى وإرجاعهم إلى حكومتهم ، بعد ان فشلت كل الوسائط التي إستعملتها الحكومة العثمانية ، فكان الصلح بعد ذلك بين الدولتين على يد مصلح الدولتين العظيم الشيخ موسى نجل الشيخ كاشف الغطاء المتوفى سنة 1241 هـ ، وفتح الباب واسعا أمام الهجرة ألإيرانية إلى العتبات المقدسة ، وأمام ألأموال التي كانت ترسل لتعمير العتبات وصيانتها ، ولرجال الدين ومراجع التقليد، فزاد ذلك في نشاط الحركة العلمية ، لا سيما أنها كانت تحظى بتشجيع شاه إيران وبتقديره للعلماء تقديرا منقطع النظير ، وكفى من تقديره الحفاوة البالغة التي لاقاها الشيخ كاشف الغطاء في إيران وقبول وساطته في أعظم أمر كان ، يحرص عليه الشاه وهو ألإحتفاظ بأسرى الترك تأديبا للحكومة العثمانية ، لاسيما قائد الجيش «كهيا سليمان باشا» إبن اخ والي بغداد يومئذ «علي باشا».

وبلدة النجف مع كل هذا أصبحت في ذلك العهد في أمان من الغارات الوهابية التي كانت لا تنقطع ، والتي كانت النجف وكربلاء مهددتين بها دائما ، بعد أن فشلت الغارة ألأخيرة لهم على النجف ، بإعجوبة ومعجزة وقد بيتوها على حين غرة».

وفي ضوء كلام المحقق الجليل الشيخ محمد رضا المظفر، نتأكد من أن تشاطرا في السبق العلمي كان مستمرا بين الحوزتين العلميتين في النجف وكربلاء ، وأن النهضة العلمية التجديدية إبتدأت وإزدهرت أولا في كربلاء ثم إنتقلت إلى النجف، رغم أن حوزة كربلاء ظلت محتفظة بحركتها العلمية النشطة ، وهذا ما يفسر مقولة أن هاتين الحوزتين مكملتان لبعضهما البعض، حيث أن حوزة كربلاء كانت دوما تغذي حوزة النجف أو تتغذى منها . بيد أن من نافلة القول هنا: أن كلتا الحوزتين ساهمتا بشكل فعال ومؤثر في تطوير الفقه الشيعي ألإجتهادي ، وإنهما معا خدمتا ألإسلام واسهمتا في ترسيخ مبادئ وأسس التشيع. وأن التشاطر أو التنافس بينهما لم يكن من باب التفاخر أوالمباهاة أو التعالي بل إن مثل هذا التشاطر وأي نوع من السبق العلمي إنما يخدم العلم نفسه ليس إلا.

ثم إننا عندما نتطرق لهذا الجانب لا نقصد ألإنحياز لهذه الحوزة أو تلك ، بل نهدف إلى إبراز دورهما ومكانتهما في دفع مسيرة العلم والفضيلة لصالح ألإسلام ولصالح المذهب الشيعي ألإمامي ،وإلا فإن اي سبق علمي تحرزه الحوزة العلمية في كربلاء ينطوي على منفعة لصالح الحوزة العلمية في النجف ، والعكس هو الصحيح ، وإن أي سبق مشترك لهما فيه منفعة لسائر الحوزات العلمية في ألإسلام .

وتأسيسا على ذلك يتأكد لنا أن نشأة الحوزة العلمية في النجف ألأشرف على يد مؤسسها العالم المجاهد عماد الشيعة الطوسي قبل أكثر من تسعة قرون لم تؤدي إلى إنحسار حركة العلم والدراسة في حوزة كربلاء، بل أن نشوء مثل هذه الحوزة الغنية الزاخرة بألأدمغة العظيمة ، على مقربة من مدينة كربلاء ، خلق عاملا إضافيا في تحريك نهضة العلم والمعرفة فيها ، إلى جانب أن هذا التحول التاريخي دفع بحوزة كربلاء ، لأن تشاطر وتسابق نظيرتها في النجف ، ومعلوم أن روح التسابق هي من عوامل التحرك والتقدم إلى ألأمام بإستمرار ، وقد قال ألله سبحانه: «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» صدق ألله العلي العظيم.