مقتبس من كتاب

موسوعة بطل العلقمي

اسم الکتاب : موسوعة بطل العلقمي

المؤلف : تأليف سماحة آية الله المحقق الكبير الشيخ عبد الواحد المظفر قدس سره
المطبعة : مؤسسة الشيخ المظفر الثقافية العراق النجف الاشرف مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت لبنان

 

 

سياسة الحسين بن علي «عليهما السلام»


وأما سياسة الحسين «عليه السلام» ونهضته فقد علم كل أحد إنه «عليه السلام» لم ينهض طلبا للملك ولا إرادة للسلطنة وإنما كان نهوضه لنصرة العدل وأحياء الشرع والسنة النبوية وإماتة الجور والبدعة، ولو تيقن أنه يقتل في سبيل ذلك لا يحل له إلا النهوض ومقاومة أئمة الجور وإن ضحى بنفسه وبذل نفيسه ونفوس الأعزاء من أهل بيته وصحبه الكرام، ومن لم يعرف الحسين «عليه السلام» حق معرفته لم يقدر نهضته تقديرها اللائق بها ولم يعرف رموز سياسته العجيبة ومقاصده العالية نهض الحسين «عليه السلام» لكبح جماح نزوة الجور الفرعوني ورد طيش النزق الأموي.
وليس ذلك كما يتخيله من لا علم له ولا فقه في الدين ولا نظر في مدارك العقل إنها من التهلكة المنهي عنها لأن التهلكة المذمومة هي المخاطرة بالنفس من حيث يتلف الإنسان نفسه بلا فائدة دينية ولا ثمرة تعود على الإسلام بكبير نفع وإلا لو كان كلما يجر إلى تلف النفس تهلكة لسقط فرض الجهاد من أصله وهل الجهاد إلا القتل وإلقاء النفس في التهلكة؟ وكيف وقد عير الله الفارين من الزحف بفرارهم واوعدهم بالعقوبة، وقرن فعلهم بالمقت، وأوعد الثابتين في مراكزهم بالحباء الجزيل والكرامة التي لا تفنى، وأخبر أنهم: (أحياء عند ربهم يرزقون)(2) وأنه يحب الواقفين في مراكزهم الحربية متراصين تراص البناء.
(1) الأنعام: 45. (2) آل عمران: 169.
(308)
فلو كانت كل مخاطرة بالنفس في سبيل نشر العدل وإقامة الحق تعد تهلكة ممقوتة لسقط الفرض من أصله وللأصبحت تكاليف الأنبياء في ردع جبابرة الملوك عن الكفر والجور واتباع النفس السبعية من التكاليف الساقطة لأنها تهلكة في زعم هذا المتخيل، لا أحسب أن الجاهل الصرف يعتقد هذا في الأنبياء فضلاً عن المتنور صاحب الذوق الحلو والسليقة المستقيمة.
ولكن بين المتجددين من أبناء هذا العصر فئة متكتلة في محاشدها تحمل على عاتقها نقد كل مسألة من مسائل الدين الإسلامي مع علمها بموافقتها للعقل والمدينة وفي ضمن تلك الفئة ناشئة تمت بنزعة أموية لا علاقة لها مع الأديان والمذاهب، ولا نصح عندها ولا إخلاص لسائر الفرق والطوائف التي تنضوي إليها وتتحيز لها وتنضم إليها ظاهراً وإنما قصدها الغش بالقاح الفتنة بين أمة محمد (ص) لذلك تجدها تبحث أشد البحث عن سيرة أهل بيت النبوة لتنقدها وتقدح في فاعلها ليثور لذلك ناصروهم ويثاورهم مناؤوهم فيتوتر الخلاف بين الأمة ويستحكم الشقاق بين المسلمين، وكم أخبرني مخبر وأعلمني مطلع عن هؤلاء أنهم يقدحون بالحسين «عليه السلام» بأنه ألقى نفسه في التهلكة ولا تعلم الجرباء بمن احتكت ولا الجماء لمن نطحت.
وخذ الجواب مني مفصلاً: إن ملاقات التهلكة لا تعاب إلا لمخالفة العقل أو لمخالفة الشرع لا ثالث لهذين الأمرين.
أما العقل: فلا يقف دون تضحية النفس ممانعاً بأي طرقها كانت بل يحبذ التهلكة ويحث على الانتحار لأقل شيء يمس كرامة أرباب النباهة من الشخصيات النبيلة ولذلك كان مذهب جماعة من الفلاسفة القدماء والحكماء السالفين الانتحار في سبيل خلاص هذه الروح الشفافة من العلاقات الفيزيقية الكثيفة لتلحق يعالمها الأثيري الروحي وتتخلص من شوائب الأكدار الجثمانية التي تلازمها مدة التقمص به فتعيش تحت ظل الصفاء الخالص من الكدورات في عالم الأرواح الدائم الأبدي.
وأما رجال السياسة وعضماء الدول المتمدنة الحرة وهم من اجلى مظاهر العقل البشري وأعظم العقلاء تفكيراً فالانتحار لهم سنة لازمة وشريعة متبعة في سبيل أي عرض سياسي عرض لهم لا يمكن التخلص منه إلا بالانتحار فلا تحول التهلكة بينهم وبين الانتحار لم نجد من ذمهم على هذا وعابهم بهذه التهلكة من جميع العقلاء، بل نجد العكس وهو الثناء عليهم والتقريض لهم، وربما يقيم
(309)
الشعب لهم تذكاراً إذا كان ذلك في سبيل إحياء مجدهم، ولو عددنا أسمائهم لخرجنا عن البحث المقصود لنا.
فإذا كان ديدن العقلاء من فلاسفة وسياسيين على إلقاء أنفسهم في التهلكة وإتلافها بأيديهم لثمرة يتخيلونها وفائدة يضنونها فلا يعاب عليهم ولا يقدح فيهم، فكيف يعاب من لم يفعل ذلك بنفسه وإنما فعله عدوه به لامتناعه من الرضوخ للمذلة والأنقياد للهوان فالقادح في مثل هذه الشخصية يعد من الغوغاء السفلة لا من العلماء البارزين.
وأما الشرع: فلا يخلو الناقد إما أن ينتحل مذهب التشيع أو يعتنق أحد المذاهب السنية والأول لا حق له في قدح الحسين «عليه السلام» لأن إمامته وعصمته تمنع كل نقد يتوجه إليه فإنه أعرف وأعلم بما صنع.
واما المتسنن وليس معه حجة إلا قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)(1) هذه الآية عمدة مايموه بها مبغض آل محمد (ص) وعدو الحسين «عليه السلام» خاصة بأن مقاومة من لا تقدر عليه تهلكة نهى الله عنها في القرآن، فيرى البسيط الذي لا علم عنده ولا إحاطة أن هذه الحجة لازمة ويغتر الساذج بهذه التعمية ونحن خدمة الحسين «عليه السلام» نكشف الغطاء عن وجه الحقيقة.
إن القرآن المجيد حجة على البشر عامة وعلى المسلمين خاصة لكن بمعناه الذي نزل به وتلقاه الصحابة عن مصدره الأصلي، ومن نزل عليه وهو النبي (ص) لا ما تخيله الجهلة وظنه الأغبياء أنه معناه فإن ذلك خيال واهي وظن باطل وتحكم على القرآن وعلى من نزل عليه القران، وفي الحديث: «لا تفسروا القرآن بآرائكم»، وفيه: «إن من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»، ولسنا ننقل هنا ما قالته الشيعة في تفسير هذه الآية فيكابر الخصم ويباهت وإنما ننقل له ما قاله أهل مذهبه من أهل السنة والجماعة لتكون حجتنا أبلغ ودليلنا اقوى.
إن أهل العلم من أهل السنة يرون أن التهلكة في هذه الآية هي ترك طاعة الله من الجهاد وغيره لا قتل النفس كما يموه به هذا الغبي، وقد جاء في تفسيرها أحاديث كثيرة وضمنتها المعاجم الستة الموسومة بالصحاح الستة لأهل السنة ومنها سنن أبي داوود الذي قالوا إنه أصح الصحاح بعد الصحيحين وقدمه بعضهم على صحيح مسلم ونص الحديث فيه(2): باب في قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى
(1) البقرة: 195.
(2) سنن أبي داود 1/ 393 المطبعة النازية في مصر.
(310)
التهلكة)، وذكر إسناد الحديث عن أبي عمران، قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه مه لا اله إلا الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: (وانفقوا سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)(1)، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها ونترك الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية، إنتهى.
أبو أيوب هو صاحب منزل رسول الله (ص) والحديث رواه جماعة من الحفاظ كما رواه أبو داود وقد تعرض لهذه المسألة كثير من علماء السنة ونحن نكتفي بأيراد كلام رجلين من أعيان علماء أهل السنة أحدهما حنفي والآخر شافعي:
أما الحنفي فهو شمس الأئمة محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي ولفظه في شرح السير الكبير(2) وذكر عن البراء بن عازب «رضي الله عنه» أن رجلاً سأله عن التهلكة أهو الرجل إذا ما التقى الجمعان فحمل فقاتل حتى يقتل؟ فقال: فقال: لا ولكنه الرجل يذنب ثم لا يتوب وهو المراد بقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فوقع عند السائل أن من حمل على جماعة من الأعداء يكون ملقياً بنفسه إلى التهلكة فبين له البراء بن عازب أن الملقي نفسه في التهلكة من يذنب ثم لا يتوب فإنه يصير مرتهناً لصنيعه، فأما من حمل على العدو فهو يسعى في إعزاز الدين ويتعرض إلى الشهادة التي يستفيد بها الحياة الابدية فكيف يكون ملقياً نفسه في التهلكة.
ثم بين المذهب فقال: لا بأس بأن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل إذا كان يرى أنه يصنع شيئاً يقتل أو يجرح أو يهزم فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله (ص) يوم أحد ومدحهم على ذلك.
وقيل لأبي هريرة: ألم تر إن سعد بن هشام لما التقى الصفان حمل فقاتل حتى قتل وألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال: كلا ولكنه تأول آية من كتاب الله وهو قوله تعالى: (ومن الناس من يشرى نفسه أبتغاه مرضات الله»)(3).
(1) البقرة: 195.
(2) شرح السير الكبير 1/ 111 طبع حيدر آباد.
(3) البقرة: 207.
(311)
فأما إذا كان يعلم إنه لا يكنى فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم لأنه لا يحصل بحملته شيء مما يرجع إلى إعزاز الدين ولكنه يقتل فقط وقد قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم)(1) وهذا بخلاف ما إذا أراد أن ينهى قوماً من فساق المسلمين عن منكر وهو يعلم أنهم لا يمتنعون بنهيه وإنهم يقتلونه لا بأس له بالإقدام على ذلك وهو العزيمة وإن كان يجوز له أن يترخص بالسكوت لأن القوم هناك يعتقدون ما يأمرهم به فلا بد من أن يكون فعله مؤثراً في باطنهم.
أما الكفار غير معتقدين لما يدعوهم إليه فالشرط أن تكون حملته بحيث ينكى فيهم ظاهراً فأما إذا كان لا ينكى فلا يكون مفيداً فيما هو المقصود فلا يسعه الإقدام عليه، والله الموفق، إنتهى.
وهذا الفقيه صرح بأن الاقدام على ردع المسلمين عن المنكر واجب وإن قتل لأنه قال عزيمة فما بال الجاهل الأحمق يعترض نهضة الحسين «عليه السلام» ويقول تهلكة وأهل العلم يقولون عزيمة وفريضة محتمة.
أما الشافعي فهو الحافظ أحمد بن حجر المكي الهيثمي حجة سنة أهل الحجاز ومصر وكلامه مطول فلا بد ان نتصرف فيه بحذف بعض الفصول، قال في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر(2): قال الله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)(3)، قال: التهلكة ما أمكن التحرز وقيل هي نفس الشيء المهلك وقيل هي ما تضر عاقبته وأختلفوا في تغيير الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، فقيل: هو راجع إلى نفس النفقة وعليه قول ابن عباس والجمهور وإليه ذهب البخاري ولم يذكر غيره على أن لا ينفقوا في جهات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم فيهلكهم فكأنه قيل: إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله وإن كنت من رجال الدنيا فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك.
وقيل:هي الإسراف في النفقة لأن إنفاق جميع المال قد يؤدي إلى الهلاك عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب.
وقيل: هي السفر إلى الجهاد بلا نفقة وقد فعل ذلك قوم فانقطعوا في الطريق.
وقيل: المراد غير النفقة وعليه فقيل: هي أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار.
(1) النساء: 29.
(2) الزواجر عن اقتراف الكبائر 2/ 136 مطبعة المكتبة التجارية بمصر.
(3) البقرة: 195.
(312)
وقيل: هي اقتحام الحرب بحيث لا يقتل من غير نكاية تحصل منه للعدو لأنه حينئذ قاتل نفسه تعدياً، ورده بعضهم ثم ذكر الاستدلال الراد له بحديث أبي أيوب المتقدم، ثم قال: واستدل أيضاً بأن جماعة من الصحابة ألقوا بنفوسهم إلى العدو وأثنى عليهم النبي (ص) وكذا وقع في زمن عمر لرجل فقيل ألقى بنفسه إلى التهلكة فقال: كذبوا (ومن الناس من شري نفسه ابتغاء مرضات الله»)(1)، ثم قال: وقيل: هي إحباط الإنفاق في الجهاد بالرياء والسمعة والمنة، وقيل: هي القنوط بأن يصيب ذنباً فيرى إنه لا ينفعه معه عمل فينهمك في المعاصي، وقيل: اتفاق الخبيث، وقيل غير ذلك.
قال الطبري: وهي عامة في جميع ما ذكر لأن اللفظ يحتمله، وما مر في قصة أبي أيوب رواها بنحوها الترمذي وقال: حسن غريب صحيح، الخ.
فإذا عرفت بأن القائل النفس إلى التلف في خصوص حرب الكفار لا في دعاية المسلمين وردعهم من القول الشاذ الساقط فكيف يجوز أن تنتقد سياسة الحسين «عليه السلام» لقول شاذ في معنى خاص لا يتناول نهضته كما عرفك شمس الأئمة فاتق الجهل واحذر الغباوة فإن المتصف بهما ممقوت ومذموم، والإمام الحسين «عليه السلام» قد أوجب عليه الشرع هذه النهضة والعقل أيضاً أوجب عليه القيام بحفظ واجب الشرف والمجد على دنس الاستعباد إذ إن خلع نير الاستعباد من واجب العقل فالعقل يمنح كل كريم من سلالة كرام أن يتمتع بحرية العيش ولا يرضى له الهوان والمذلة فقد كانت بنو أمية لا ترى حرمة لصلحاء الأمة ولا ناموساً لأشرافها ما دامت لها السلطة والسيطرة، فقد ضربوا سعيد بن المسيب الفقيه القرشي مائة سوط وشهروه وأركبوه على حمار وطافوا به سكك المدينة وألبسوه التبان، ولم يصدر منه ذنب يستحق به العقوبة سوى إنه قال: لا أبايع بيعتين في الإسلام في وقت واحد، وقد دعي إلى بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان وقد منعته عن ذلك رواية عن رسول الله (ص) في النهي عن بيعتين في وقت واحد.
وضربوا ثابت البناني الفقيه العبد الصالح مائة سوط أيضاً وسيروا أبا ذر صاحب رسول الله (ص) ونفوه حتى مات طريداً في البادية، ونفوا جماعة من صلحاء الأمة وملأووا السجون بعباد الله المسلمين على الظنة والشبهة.
ولا شك أن الحسين «عليه السلام» لا يبايع ليزيد بن معاوية المتجاهر
(1) النساء: 29.
(313)
بالفسق والفجور فإما أن يقيم على امتناعه من بيعته ويبقى تحت سلطتهم وسيطرتهم يقاسي أنوا ع المذلة وضروب الهوان من الضرب والتشهير وربما قتل مضيعة إن أصر على الامتناع فيقتل قتلة ذليلة لا فخر فيها ولا علاء وحمية الحسين «عليه السلام» وإباؤه وشرفه ومجده يأبى كل ذلك، فالعقل يأمره بالمخاطرة بنفسه لأجل حماية مجده عن المنقصة وتحرير هذه الأمة المسكينة التي باتت تقاسي ضربات الاستبداد الأموي القاسية والتي بقيت تأن تحت ضغط الجور المجتاح لها برهة من الزمن، فإما أن يتمكن من دفع ما جابهته بلاده وقومه من الصعوبة والحراجة، أو يموت كريماً محمود العاقبة يوجب له العقلاء الأحرار الثناء في كل دور من ادوار الحياة ما عاش الاحرار من بني الإنسان الذين يأنفون من الرضوخ لذل الاستعباد للأدنياء المتسلطين عليهم بالجبروتية والعنف، ويأبون الخضوع لقساوة الاستعمار.
فسيد الشهداء الحسين بن علي «عليهما السلام» من الوجهتين الشرعية والعقلية كان من واجبه النهض بالدعوة إلى العدل والخروج عن طاعة أمراء الجور، وليس من الموت عار ولا عنه محيص وقد ردد ذلك في خطبته الرنانة كقوله «عليه السلام»: «لا محيص عن يوم خط بالقلم»، وغيرها من خطبه العجيبة وقد جرى على لسانه كثير التمثل بأشعار الحماسيين من العرب كقول بعضهم:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما
وقد تخيل بعض من لا المام له ولا وقوف على الحقائق أن خروجه «عليه السلام» عن الحجاز قاصداً للعراق طالباً مصر الكوفة خاصة عن اختيار منه وإرادة، ويضن ذلك في فكرة القاصر أن هذا القصد خطأ في الرأي ولكن المصيب الحسين «عليه السلام» والمخطأ غيره كائناً من كان.
فالتحقيق أن الحسين «عليه السلام» اضطرته الضروف الحرجة إلى قصد الكوفة فقصدها غير واثق بأهلها ولا مطمئن باستقامتهم وإن كاتبوه، وقد أكد فكرة الناقدين لسيره إلى الكوفة أعتراض المعترضين عليه من النصحاء كابن الحنفية وابن عباس وغيرهما ونهيهم له عن الخروج عن الحجاز وأن يتوجه إلى غيرها من العواصم الإسلامية كاليمن أو يلتحق بالشعاب والأودية ورؤوس الجبال، هذا رأيهم أجمع، نعم كل ناصح يشير بمبلغ علمه من الرأي بعد أن يبذل مجهوده ولكن لا ينبغي الأخذ بالنصيحة ما لم تكن على جانب السداد لكن الناصح لا يهتم إذا كان أخطأ الرأي الأصوب بعد أن أدى واجب النصيحة في بذل مجهوده من التفكير.
(314)
وقد أشار غير ابن عباس وابن الحنفية على الحسين «عليه السلام» بقصد اليمن ولم يكن عند الحسين «عليه السلام» ذلك بالرأي السديد لعلمه «عليه السلام» وجهلهم بحقيقة الأمر غفلة وذهولاً.
كانت اليمن في عهد أمير المؤمنين «عليه السلام» وعليها ولاته وأمراؤه وبها شيعته كما ذكروا، فأرسل إليها معاوية جيشاً بقيادة بسر بن أبي أرطأة العامري، ففتك بهم ذلك الفتك ولم يقفوا أمامه ساعة من نهار ولا انتصفوا منه وقد أحل بهم الدمار وأشرف بهم على البوار، هذا ولم تجر لهم معه معركة ولا دافعوا عن انفسهم، ودفعوا عدوهم الجائر المتسلط السافك لدمائهم الذي بقر بطون الحبالى واستخرج الأجنة وذبح الأطفال فلم يقاوم تيار جوره منهم مقاوم وهم ألوف أضعاف الجيش الغازي لهم بكثير ولولا همة أمير المؤمنين «عليه السلام»بإرسال ألفي عراقي إلى اليمن بقيادة جارية بن قدامة السعدي التميمي أحد ثقاته فطرد بسراً عن اليمن ونفاه عن أرضهم وأرجعه صادراً خاسئاً ذليلاً فاراً منه فرار الأرنب من الذئب، ولولا ذلك لأفناهم وأبادهم.
فاذا كانت هذه همة هؤلاء فكيف يثق الحسين «عليه السلام» بهم ويقصدهم سيما وقد تمركزت فيهم الدعوة الأموية، وسرت فيهم روح النفاق وأنتشرت جراثيم الفساد في تلك الأصقاع وقد سيطر الجور والظلم على المتمسكين بالعدل من أهالي تلك البلاد فأصبح المحق منهم اسير السلطة الأموية الجائرة موثق بقيد وثيق من طاعتهم وولاة يزيد في أقطارهم هم المهيمنون على اليمن بأسره كبحير بن ريسان الحميري وأضرابه، فلا بد من قصد العراق، وقد علم الناس قاطبة غدر أهل العراق وخاصة الكوفة وهي إلى اليوم وشيجة نابتة وسجية ثابتة ذات عروق مشتبكة والعوام في عصرنا إذا تبين لهم خيانة عشيرة أو غدر قبيلة بأخرى أو ميلها مع المتسلط الغالب بعد توكيدها الحلف مع المغلوب يقولون في أمثالهم بلغتهم الدارجة «هوسة ما سرع دورة كنداغج» ولذلك شواهد لا يهمنا إثباتها من نقض العهود والمواثيق فيما شاهدنا وسمعنا ولا همنا إلا التعرض لقديمها.
فلظهور الخيانة في أهل الكوفة وتواتر الغدر فيهم أنتقل عنهم أبو العباس السفاح إلى المدينة الهاشمية فاختطها وسكنها وكررها اخوه أبو جعفر المنصور لقربها منهم فأنتقل إلى بغداد بعد أن بناها.
وقد أكثر أهل البيت في أشعارهم من وصفهم في ذلك العصر بالغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق ومن أعظم ما افتضح به هذا الشعب وانكشفت به
(315)
سرائرهم الخبيثة وبان به نفاقهم وفجورهم، واختزنوا به إمام الأمم والشعوب مقتهم فيه جميع أهل الأديان وسائر العقلاء وبقى وسماً في جباههم إلى يوم القيامة يمقتهم به كل أحد، ويشنؤهم به كل حليم، ويشتمهم به كل متدين، ويلعنهم به كل ملك وملك غدرهم بالحسين ابن رسول الله (ص) وعجزهم عن الوفاء له بما كتبوا به إليه وهم سبعون ألف كوفي مسلح سوى أبنائهم وعبيدهم ومواليهم.
وأقبل إليهم عبيد الله عبد بني علاج وابن عاهرة ثقيف العبد الزنيم ابن زياد في عبيده وخوله بسوطه وعصاه فأنقادوا له وأذعنوا بالطاعة ولم يسل عليهم سيفاً، فيقال خافوه وإنما هو تهديد وتوعيد ستجيء إليكم جيوش أهل الشام، سيقبل إليكم جند يزيد سيطرقكم ما لاقبل لكم به وما لا تقاوموه وأمثال هذا الوعيد والتهديد الذي لا يزيد حقيقة على تفزيع الصبي الرضيع والطفل الصغير إذ يقال في تفزيعه وتخويفه «أتاك الواوي» أي الثعلب، جائك الأرنب فيسكت عن البكاء خوفاً ورعباً يتخيل أن الأرنب والثعلب «الواوي» لقلة علمه وقصور فهمه عن الإدراك أن هذا من البلاء العظيم الذي لا يقاوم فيتغلغل في دماغه الجامد من الرعب ما لا يتغلغل في أدمغة الكبار المميزين من خوف السباع المفترسة كالأسد والنمر.
هكذا يتخيل أهل الكوفة من مواعيد ابن زياد لقلة إدراكهم وقصور أفهامهم عن إدارك وتمميز العقلاء وقد قال لهم أمير المؤمنين «عليه السلام»: «حلول الأطفال وعقول ربات الحجال» يظنون من جمود أدمغتهم أن الجيوش الشامية مطلة عليهم وحسبوا أن اثرها كبير في الملتقى، وأن أمرهم مرهوب، وسنوا من جهلهم أنهم كافحوهم في بلادهم وضاربوهم في عواصمهم وقارعوهم حتى أغصوهم بالريق فما استطاعوا أن يبتلعوه خوفاً ورهبة فالجؤوهم إلى الفرار ولولا أنهم لاذوا منهم بالمصاحف لاستأصلوهم أجمع فكانت تلك لهم أيضاً خدعة الصبي عن اللبن وهم الذين طردوهم في الغارات بشرقي تدمر عين التمر واليمن وغيرها.
ولم يدر عليهم العبد الأجدع ابن مرجانة الأموال والعطايا ويفرق فيهم الجوائز حتى يقال غرتهم الأطماع وإن المال ليرغب فيه السفاء أرباب الدنيا، إنما كانت مواعيد باطلة وتمنيات كاذبة تشبه مواعيد عرقوب ولمحات السراب، يقول لهم: «إن يزيد أمرني أن أزيد في عطائكم مأة مأة ولم تكن تلك المأة المحقرة في النظر الموعود بها هؤلاء الالاف الغدرة والخونة الفجرة أثر يحس ولا شبح يجس فهي أيضاً تشبه الأولى من كونها كخديعة الصبيان الرضع والأطفال الصغار، أو إن
(316)
الفطام متى ما طلب الصبي الثدي أو حن إلى الرضاع يقال له سيجيء أبوك بالرمان وقرص النعناع والحلاوة فيسكت السفيه المغرور وينخدع ذلك الصبي اللكع.
هكذا يظن هؤلاء الأجلاف سخفاء العقول والأوباش الساقطون الأدنياء، وإن عدهم من لا خبرة له أشرافاً إذ لا يكون مولانا الحسين «عليه السلام» ممن تخفى عليه رذالتهم وخلقهم الذميم ولا عنصرهم الفاجر ولا عاداتهم التعيسة، وأقدم عليهم لا لكونهم كاتبوه وإنه وثق منهم بالنصرة راج منهم الوفاء فليس ممن ينسى عاداتهم في الغدر وانطباعهم على الخيانة، كلا، قد غدروا بأبيه أمير المؤمنين «عليه السلام» وأخيه الحسن «عليه السلام» وقد شاهد بنفسه ذلك الغدر ونظر بعينه إلى تلك الخيانة لكنه «عليه السلام» سدت في وجهه الدنيا وضاقت عليه مسالك الأرض العريضة فليس له مستقر ولا مأوى ولا ملجأ.
أما المدينة النبوية فقد علم كل أحد أخذ عمال يزيد بن معاوية بالتشديد عليه حتى خرج عنها مطروداً مشرداً خائفاً مترقباً لا يدري متى يدركه الطلب وتحيط به كتائب المعتدين ولما علم يزيد بن معاوية بأستقراره في مكة المشرفة حرم الله المنيع ومحل الأمن الذي جعله الله حرماً آمنا ويتحطف الناس من حوله وعرف يزيد أن واليه الأول على المدينة ومكة لا ينفذ اوامره في الحسين «عليه السلام» ولا يفعل جميع إرادته وهو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وإن كان ابن عمه وحميمه الأدنى ورحمه الأقرب لكن فيه لين عريكة وسمة إنصاف وميل وانجذاب غريزي لحفظ ناموس القرشية ومعرفة، ويصر بالعواقب التي يجهلها يزيد وهي أن في التعرض لسفك دماء ذرية رسول الله قصف العمر ومحق الدولة فهو من الوجهة الأولى لا يضغط على من تخلف عن بيعة يزيد يتألفهم ويداريهم ليجذبهم إليه بجاذب السياسة والسلاسة ويدري أنهم إنما تخلفوا عن بيعة يزيد تحرجاً وتديناً، ومن الوجهة الثانية حيث أنه كان مفكر نظاراً في العواقب يخشى من ناحية الحسين «عليه السلام» أن يصاب في دولتهم فيعجل الله لها البوار ويعاجلها بالدمار فلم يرضا تلك الخطة التي سار عليها ملكه الشقي وآمره الفاجر يزيد بن معاوية ولا أعجبت يزيد هذه الرياضة وسلاسة الأخلاق وإستاء كثيراً من تأخير الفتك بالحسين «عليه السلام» أو إلقاء القبض عليه، فعاجله بالعزل، فكانت هذه أول خطوة خطاها يزيد لإثارة الفتنة التي طغت نيرانها المشعلة بين المسلمين فأبدله على الفور بالمارد المتكبر جبار بني أمية عمرو بن سعيد بن العاص الذي قال فيه رسول الله (ص): «يرعف على منبري جبار من جبابرة بني امية» فكان ذلك الجبار الراعف
(317)
عمرو بن سعيد فإنه حين ولاه يزيد الحجاز والموسم ودخل المدينة رقى المنبر النبوي الشريف فرعف أنفه دماً فتلقاه بعضهم بالعمامة فخطب خطبة قاسية قال بعدها: أركبوا كل بعير بين السماء والأرض واطلبوا الحسين، ثم دس مع الحجاج بصفة الحاج ثلاثين من مردة بني أمية وأمرهم على أمر يزيد بقتل الحسين «عليه السلام» فتكاً واغتيالاً أينما كان وحيثما وجد ولو كان معلقاً لأستار الكعبة، وقد علم الحسين «عليه السلام» بذلك فخاف أن تهتك حرمة الحرم بقتله وقد قال «عليه السلام»: «لأن أقتل خارجاً عنه بباع خيراً من أن اقتل دانياً إليه بذراع» فأحل من إحرامه وجعلها عمرة مفردة وتهيأ للخروج.
وقد كان «عليه السلام» وعد أخاه محمد بن الحنفية وقد أشار عليه أن لا يبرح الحرم ولا يفارق مكة فمناه بإعادة النظر فيما قال فلم يفجأ محمد إلا تصميم الحسين «عليه السلام» على مغادرة مكة والارتحال عن الحرم فطالبه محمد بالوفاء بما أوعده من النظر والإمام الحسين «عليه السلام» لا يخلف وعده بالاختيار وحيث أن الأمر لم يكن متضحاً لمحمد بن الحنفية ولا عالماً به لم يشته الحسين «عليه السلام» أن يكشفه له لئلا يتكدر عليه عيشه ويستاء من الوقوف عليه أو لضرب آخر من المصلحة التي رآها الإمام وخفت علينا، فأجابه أن رسول الله (ص) أمره بأمر هو ماض إليه، وقد كان رسول الله (ص) قد أمر الحسين «عليه السلام» في حياته لما نزلت الملائكة كجبرئيل وملك القطر وغيرهما لتهنئة النبي (ص) بولادة الحسين وأخبروه بما يجري عليه من أمته بعده، فلما شب «عليه السلام» وترعرع اكد عليه جده محمد رسول الله (ص) بأن لا يرضخ لحكم بني أمية ولا يقارهم على سيرتهم وقد رآهم في منامه ينزون على منبره نزو القردة فسائه ذلك وما أستجمع ضاحكاً حتى مات وهذه الرؤيا المشار إليها بقوله: ( وما جعلنا الرءيا التي أرينك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرءان)(1)، ونزلت سورة القدر والكوثر تسلية له.
ثم لما كانت الليلة التي ارتحل في صبيحتها الحسين «عليه السلام» من مكة رأى جده النبي (ص) في المنام فأمره بالخروج عن مكة لئلا تستباح بقتله حرمة البيت الحرام وأنه لابد أن يقتل في سبيل إحياء الشرع الذي أماتته أعمال بني أمية الماحقة للدين حقيقة، ولما خرج «عليه السلام» لم يدري أين يتوجه كما قالت أخته الحوراء زينب «عليها السلام» في قولها ليزيد بعد دخولها مع السبايا مجلسه الفاضح: «أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء أن بنا
(1) الإسراء: 60.
(318)
على الله هواناً وبك عليه كرامة،» الخطبة المشهورة، وقال السيد جعفر الحلي في رثائه شعراً:
لم يدر أين يريح بدن ركابه فكأنما المأوى عليه محرم
ويقول السيد حيدر الحلي في رثائها «عليها السلام» شعراً:
ضاقت بها الدنيا فحيث توجهت رأت الحتوف أمامها وورائها
وهذا السبب قد خفي على جميع من تصدى لذكر هذه الفاجعة العظمى فأغفله المتقدمون والمتأخرون، وأنا أراه من الواضح الجلي الذي يرى بأدنى التفات إلى واقع الأمر وذلك أنه «عليه السلام» خاف القتل بالمدينة وخشي الاغتال بمكة فلم يجد بالبلدين محل أستقرار فتردد أمره بين المسير إلى اليمن أو الشام أو البصرة أو الكوفة وبقية الأقطار تبع لهذه العواصم الأربعة:
أما الشام فسبيلها واضح وهي عاصمة بني أمية ومحل تخت يزيد بن معاوية.
واما اليمن فقد عرفت أمرها وأنها قد استقامت ليزيد وتمهدت له وقد احتلها عماله وولاته وليس لأهل اليمن إلا طاعة يزيد ومن بها من الشيعة فتحت الضغط، وبحير بن ريسان الحميري والي يزيد بن معاوية متسلط عليها وتمكن سلطانه بها ونفذ أمره فيها وتمت سلطته وسيطرته عليها فلا يمكن الحسين «عليه السلام» أن يصير إلى اليمن على هذه الصفة وهذه الحال وإنه لا بد له من قوة حربية كافية يتمكن بها من احتلال البلاد وليس معه حين خرج إلا أهل بيته الأدنون ونفر يسير من خلص شيعته.
وأمام البصرة فهي بالطبع عثمانية وأحقاد يوم الجمل متوغلة في صدور أهلها وبغض أهل البيت سائد على الغالب من سكانها عليهم رجل من الأزد على بغض أمير المؤمنين «عليه السلام»، فقال: كيف لا أبغض من قتل أكثر من خمسمائة من قومي في غداة واحدة! أو ما هذا معناه، اذن فقد تمركزت أيضاً بها دعوة بني أمية وضبطها ابن زياد ضبطاً فوق العادة وقد كاتب الحسين «عليه السلام» أشرافهم فلم يحمد ردهم، وأول ما اختبر مما يوجب عدم الوثوق بهم قبضهم على رسوله سليمان ابن رزين وتسليمه إلى ابن زياد فقتله «رحمة الله عليه»، فكيف يطمئن الحسين «عليه السلام» بهم أو يثق فيهم حتى يسير إليهم، فلم يبق إلا الكوفة.
وإذا عرفت أنه «عليه السلام» مقتول لا محالة أقام أم ظعن، وسواء قصد الشام أو اليمن أو البصرة أو الكوفة كان قصد الكوفة متعين لما فيها من شيعته وأنه لو سبق ابن زياد لاستقاموا له، هذا ما تعرفه الناس من المسوغ لقصد الكوفة وهو
(319)
الظاهر عند المؤرخين وأهل السير، والذي اراه حيث أن القتل كان محيطاً به فقصد الكوفة هو المتعين إتماماً للحجة عليهم وتأكيداً للبرهان أنهم كاتبوه وأوثقوا له حتى لا يقولوا لو قصد غير مصرهم من الأمصار فقتل إنه ما جاءنا لو جاءنا لنصرناه ومنعناه ودفعناه عنه كل ما يحيط به من الأعداء وقد قالوا لأبيه أمير المؤمنين «عليه السلام» مثل ذلك وقد أراد الرجوع إلى المدينة بعد فراغه من حرب البصرة ليغزو منها الشام: امض معنا إلى الكوفة نسير معك إلى الشام ثم في رفع المصاحف خذلوه فذكر ذلك في رجز له:
دبوا دبيب النمل لا تفوتوا وأصبحوا بحربكم وبيتوا
حتى تنالوا الثأر أو تموتوا قد قلتموا لو جئتنا فجيت
وقد كان ما كتبوا به إليه ينبئ «عليه السلام» عن هذا حيث كتبوا إليه أن النعمان بن بشير لا نحضر معه جمعة ولا جماعة فلو أقبلت إلينا لأخرناه حتى نلحقه بالشام، الخ.
ولأهل الأمصار التي يقصدها الحسين غير الكوفة أن يعتذروا ويقولوا لم نرسل إليك ولم نكاتبك ونحن عاجزون عن مقاومة السلطان وغير قادرين على حمايتك، وليس لأهل الكوفة هذا العذر بل يقال لهم إن كنتم لا تقدرون على منعه فلم غررتموه كما قال لهم سليمان بن صرد الخزاعي حين أجتمعوا في داره ليكاتبوا الحسين «عليه السلام»: إن كنتم تعلمون أنكم ناصروه وقاتلوا أنفسكم دونه فاكتبوا إليه وإلا فلا تغروا الرجل ودعوه في حرم جده، فقالوا كلنا نموت دونه وقد وبخهم الحر الرياحي بعد أن تحول من عسكرهم إلى عسكر الحسين «عليه السلام»: إنكم قد دعوتم هذا العبد الصالح وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه تقاتلونه، الخ، وكثير مثله في كلام أصحاب الحسين «عليه السلام».
ولعلك لا تدري وإن عرفت أنه بهذا السبب قصد مصر الكوفة ولم يبق في البوادي ينتقل في فجاجها الفسيحة وفيافيها الوسيعة فإنه أقرب للسلامة لا سبيل إلى ذلك وإن كان مظنه السلامة لأنه يحمل عائلة مخدرة ذات ترف ورفاهية عيش قد ربيت في ظل القصور وغضارة المدينة ونعومة الحضارة فهي لا تقوى على مكافحة الهجير ولا تقدر على مقاسات لفحات السموم ولا سبيل إلى تركها في الحرمين لأن بني أمية يلقون القبض على عائلته لكي يدفع نفسه بيده إليهم مستسلماً، وسياسة بني أمية الجائزة تسري على جهة القاء الحصار على عائلات
(320)
الأشراف وأرباب الشهامة والغيرة وأهل المروات الذين يرون أعراضهم أعز عليهم من أنفسهم، فالحر يأنف من تسلط المغتصب على حرمه فيسلم نفسه بيده طائعاً مختاراً صوناً لعرضه وحمية على العقائل المخدرة وقد صدرت هذه الأعمال من بني أمية فإنهم ذبحوا الاطفال وحبسوا النساء بجرائر الرجال وأخذوا الجار بالجار والبريء بالجاني وحبسوا على الظنة وقتلوا على التهمة.
وقد قال اليعقوبي في تاريخه: أول من حبس النساء بجرائر الرجال معاوية وقد صدق هذا عمرو بن الحمق الخزاعي قد حبس معاوية أمرأته وحملها من الكوفة إلى دمشق وحبس عبيد الله بن زياد أمرأة عبيد أمرأة عبيد الله بن الحر الجعفي ليقبض عليه وأمثال ذلك.
وقد صرح السيد ابن طاوس في كتاب الملهوف أن الحسين «عليه السلام» يخاف على عائلته لما حملها معه.
فإذن لا سبيل للحسين «عليه السلام» إلا التوجه بظعنه نحو الكوفى ليرى وينظر ما تجري به الأقدار ولم يكن مصمماً جازماً بدخول الكوفة ولذلك امتنع على الحر لما أراده على دخول الكوفة لما عرف حالات أهلها بالخيانة وتبينت له مجاهرتهم له بالغدر والنفاق ونزعوا جلباب الحياء والعفاف وإنما عزم على المرور عليها يعلمهم بقصده إياهم ومن نيته السير في الأرض الطويلة العريضة كما هو فحوى امتناعه من مطاوعة الحر طالباً فيها المأمن والملجأ برجاء السلامة في دينه وحياته ولو بقصد الأقاصي من المدن الشاسعة والأقطار النائية كفارس وطبرستان وغيرها لو تهيأ له السبيل إلى قصدها وهو في أثناء مواصلة السير لم يفتر من الاستظهار على أهل الكوفة ويحتج عليهم توكيدا للجحة وتشددا في التبليغ بارسال الرسل تلو الرسل كعبد الله بن يقطر الحميري وقيس بن مسهر الأسدي رسوليه المقتولين في الكوفة ظلماً وعدواناً، وعرفنا بذلك رأيه عن قصد الكوفة أخيراً بامتناعه على الحر بن يزيد الرياحي أشد الامتناع ولو كان باقياً على عزمه في قصدها لقال سر أمامي فإني متبع أثرك داخل إليها ولم يقل له إذن لا أتبعك حتى كثر الخطاب بينهما وطال التشاجر فذعرت لذلك المذاعير من النسوة، ثم إن الحر لحسن أدبه تنازل عن حق وظيفته ورضا بأن يسلك الحسين «عليه السلام» معه نصفاً بسيره على جادة لا يدخل بها الكوفة ولا يعود بها إلى الحجاز حتى إنتهى بهما المسير إلى كربلاء وقد تكاثرت عليه الجنود حتى اضطروه إلى النزول ومنعوه من السير إلى الإمام ولو بمقدار ربع ميل.
(321)
وقوله «عليه السلام»: «دعوني أمضي إلى بعض الثغور» دليل قوي على أنه «عليه السلام» لم يكن يقصد إلا نفسه من القتل والخلاص من سيرة بني أمية الجائرة التي يجب على كل مسلم مكافحتها وعلى كل حر غيور مقاومتها لأنها كما خرجت عن سمت الدين خرجت عن سمت ادين خرجت عن طور الإنسانية فلم يدعه الذين كاتبوه وبايعوه وأكدوا له المواثيق والعهود في النصرة والمعاونة على تغيير تلك السنة الأموية الممقوتة أن يمض في طلب الموضع الذي يامل فيه السلامة في الدنيا والمعافاة في الدين وساموه خطة دنيئة يلفظها كل ذي شعور أبي ويعافها كل حر غيور وهي الرضوخ لسنن بني امية والنزول على حكم العبد اللئيم ابن مرجانة، وفي أمثال العوام العبد ثمن الرحا، فأبى وهو الأبي الذي أسس الإباء وعلمه الكرام العزيز النفس الذي لا يألف الدنيئة ولا يقرب الخسيسة ولا يسأم المذلة ولا يرضخ للهوان:
فسامته يركب إحدى اثنتين وقد صرت الحرب أسنانها
فأما يرى مذعناً أو تموت نفس أبي العز أذعانها
فقال لها اعتصمي بالإبا فنفس الأبي وما زانها
إذا لم تجد غير لبس الهوان فالموت تنزع جثمانها
وهذا السيد قائل هذه الأبيات هو السيد حيدر الحلي «رحمه الله» قد نظم معنى كلام الحسين «عليه السلام» في خطبته الحماسية المشهورة التي يقول فيها: «ألا إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت جحور طهرت ونفوس أبية وأنوف حمية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام»، الخ.
واذا عرفت حقيقة السياستين الحسنية والحسينية أوردنا لك ما أوعدناك من سياق بعض الأحاديث في فضائلهما مما روته حفاظ السنة خاصة مقتصرين على ذلك ولسنا نقصد بما نورده الأحاطة ولا حصر الكتب التي روت ذلك فإنها مروية في الصحاح العشرة وكتب الصحابة الثلاثة وكتب الرجال كحلية الأولياء والطبقات الكبرى وميزان الاعتدال وأمثالها وكتب التاريخ كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وغيرها وكتب التفسير كالكشاف والدر المنثور والرازي وغيرها وسائر كتب المناقب كالصواعق ونور الأبصار وذخائر العقبى والرياض النظرة، وكتب الحديث المسانيد كمسند أحمد والدارمي وغير ذلك مما يطول بتعداده الكتاب، والأحاديث نوعان: مشتركة ومختصة.
(322)
اما المشتركة فكثيرة:
منها في مشارق الانوار للحمزاوي المالكي(1): عن ابن عمر: إن النبي (ص) قال: إن الحسن والحسين هما ريحانتاي في الدنيا، أخرجه الطبراني.
وأخرج الترمذي والطبراني عن أسامة بن زيد أن النبي (ص) قال: هذان ابنا ابنتي، اللهم أحبهما وأحب من يحبهما، الخ، وهذا متفق عليه عند الجميع.
وفي الجامع الصغير للسيوط وشرحه للعزيزي: الحسن والحسين سبطان من الأسباط(2).
وعن معاوية بن حيدة: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
وعن أبي سعيد وعن عمرو وعن علي وعن جابر وعن أبي هريرة وعن أسامة وعن البراء بن عازب – قال في المؤتلف: وهو متواتر -: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما(3).
وعن أبي سعيد الخدري «قال صحيح»: الحسن مني والحسين من علي، قال الحافظ العزيزي: أي الحسن يشبهني والحسين يشبه علياً «عليه السلام» وكان الغالب على الحسن «عليه السلام» الحلم والأناة كالنبي (ص) وعلى الحسين «عليه السلام» الشدة كعلي «عليه السلام»(4).
وروى ابن عساكر عن المقدام بن معد يكرب الكندي وإسناده جيد: الحسن والحسين شنفا العرش وليسا بمعلقين، قال العزيزي: الشنف القرط المعلق في الأذن والمراد أن أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يساره.
وعن زيد بن حارثة مولى النبي (ص) «قال الشيخ حديث الصحيح»: أتاني ملك سلم علي نزل من السماء لم ينزلها قبلها، بشرني أن الحسن والحسين «عليهما السلام» سيدا شباب أهل الجنة(5).
وعن أسامة بن زيد «وهو حديث صحيح»: أحب أهل بيتي إلي الحسن والحسين، إنتهى، وكل هذه الأحاديث متفق على روايتها عندهم.
وفي كفاية الطالب الأريب(6): أخرج البيهقي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله (ص): لا يحل هذا المسجد لحائض ولا لجنب إلا لرسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين «عليهم السلام».
(1) مشارق الأنوار: ص141. (2) السراج المنير 2/ 208.
(3) السراج المنير 2/ 218. (4) السراج المنير 1/ 29.
(5) السراج المنير 1/ 50. (6) كفاية الطالب الاريب: ص125.
(323)
وروى الحافظ ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة أحاديثاً منها ما تقدم ومنها: عن انس: إن رسول الله (ص) قال: نحن ولد عبد المطلب سادات أهل الجنة: أنا وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي(1).
وأخرج عن فاطمة «عليهما السلام» أن النبي (ص) قال: أما الحسن فله هيبتي وسؤدي، وأما حسين فله جرأتي وجودي(2).
وعن بريدة أن النبي (ص) قال: صدق الله: (إنما أمولكم وأولدكم فتنة)(3)، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.
وعن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: من أحب الحسن والحسين فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني(4).
وعن عمران بن سليمان قال: الحسن والحسين إسمان من أسماء أهل الجنة ما سمت بهما العرب في الجاهلية، إنتهى.
وسيجيء عنه وعن غيره أن النبي (ص) سماهما بأسما ولدي هارون، وقد ذكر المحب الطبري هذه الأحاديث وغيرها، منها: عن علي «عليه السلام»: إن رسول الله (ص) أخذ بيد الحسن والحسين وقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة، خرجه أحمد والترمذي، وقال: كان معي في الجنة(5).
وعنه قال: أخبرني رسول الله (ص) أن أول من يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين، قلت: يا رسول لله! فمحبونا؟ قال: من ورائكم، خرجه أبو سعد.
وعن يعلى بن مرة قال: جاء الحسن والحسين «عليهما السلام» يستبقان إلى رسول الله (ص) فجاء أحدهما قبل الآخر، فجعل يده على عنقه فظمه إلى بطنه وقبل هذا ثم قبل هذا ثم قال: إني أحبهما فأحبوهما، أيها الناس! الولد مبخلة مجبنة مجهلة، خرجه أحمد والدولابي.
وعن عبد الله قال: كان رسول الله (ص) يصلي والحسن والحسين «عليهما السلام» يتواثبان على ظهره فباعدهما الناس فقال رسول الله (ص): دعوهما بأبي
(1) الصواعق المحرقة: ص112. (2) الصواعق المحرقة: ص114.
(3) الأنفال: 28. (4) الصواعق المحرقة: ص115.
(5) ذخائر العقبى: ص134.
(324)
هما وأمي، من أحبني فليحب هذين، خرجه أبو حاتم.
وعن إسرائيل قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من أحب الحسن والحسين «عليهما السلام» فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني، خرجه أبو سعيد في شرف النبوة.
وعن أبي هريرة مثله، خرجه ابن حرب الطائي والسلفي وأبو طاهر البالسي.
وأورد(1) حديث هما ريحانتي وذكر له طرقاً عديدة، وذكر حديث شبههما بالنبي (ص) وتقدم في ترجمة وجعفر الطيار وحديث انهما سيدا شباب أهل الجنة ذكر له طرقاً.
وقال(2): روى أبو سعيد في شرف النبوة باسناده عن النبي (ص) قال: كان رسول الله (ص) جالساً فأقبل الحسن والحسين «عليهما السلام» فلما رآهما قام لهما واستبطا بلوغها إليه فأستقبلهما وحملهما على كتفيه، وقال: نعم المطي مطيهما ونعم الراكبان أنتما.
وعن ابن عباس: بينما نحن مع النبي (ص) ذات يوم إذ أقبلت فاطمة «عليها السلام» تبكي، فقال لها رسول الله (ص): فداك أبوك ما يبكيك؟ قالت: إن الحسن والحسين خرجا ولا أدري أين باتا.
فقال لها رسول الله (ص): لا تبكين فإن خالقهما ألطف بهما مني ومنك، ثم رفع يديه فقال: اللهم احفضهما وسلمهما.
فهبط جبرئيل «عليه السلام» وقال: يا محمد! لا تحزن فإنهما في حظيرة بني النجار نائمين، وقد وكل الله بهما ملكاً يحفظهما.
فقام النبي (ص) ومعه أصحابه حتى أتى الحضيرة فإذا الحسن والحسين «عليهما السلام» معتنقين نائمين وإذا الملك الموكل بهما قد وضع أحد جناحيه تحتهما والآخر فوقهما يظللهما، فأكب رسول الله (ص) عليهما يقبلهما حتى انتبها من نومهما ثم حمل الحسن «عليه السلام» على عاتقه الأيمن والحسين «عليه السلام» على عاتقه الأيسر، فتلقاه أبو بكر وقال: يا رسول الله! ناولني أحد الصبيين أحمله عنك، فقال النبي (ص): نعم المطي مطيهما ونعم الراكبان هما وأبوهما خير منهما.
حتى أتى المسجد فقام رسول الله (ص) على قدميه ثم قال: معاشر المسلمين!
(1) ذخائر العقبى: ص130. (2) ذخائر العقبى: ص130.
(325)