مقتبس من كتاب

موسوعة بطل العلقمي

اسم الکتاب : موسوعة بطل العلقمي

المؤلف : تأليف سماحة آية الله المحقق الكبير الشيخ عبد الواحد المظفر قدس سره
المطبعة : مؤسسة الشيخ المظفر الثقافية العراق النجف الاشرف مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت لبنان

 

 

 

 

 

 

(2) من أمهات العباس «عليه السلام» فاطمة الكلابية


من آل الوحيد، أهلها من سادات العرب وأشرافهم وزعمائهم وأبطالهم المشهورين وأبوها أبو المحل إسمه حرام – بالحاء المهملة والراء المهملة بعدها ألف وميم – ويأتي في كثير من النسخ حزام – بالزاء المعجمة – وهو غلط قطعي.
وعن تاريخ الخميس: إن اسمها وايس(1).
قال الحافظ العسقلاني في الإصابة(2): حرام ببن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كلاب بن ربيعة العامري ثم الوحيدي، له إدراك.
وتزوج علي بن أبي طالب «عليه السلام» ابنته أم البنين بنت حرام فولدت له أربعة أولاد: العباس وعبدالله وجعفر وعثمان، قتلوا مع أخيهم الحسين «عليه السلام» يوم كربلاء وذكر ذلك بن هشام الكلبي والزبير بن بكار، إنتهى.
وهنا إيضاح لا بد منه نذكره للفارقة فإن في بني كلاب من إسمه حرام غير والد أم البنين وقد وقع في هذه المزلة بعض العلماء كما سيمر عليك فيما بعد لاجل ذلك نورد هنا ما قاله في «الإصابة» فإنه قال بعد كلامه بلا فصل: حرام بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري ثم الجعفري أخو لبيد الشاعر له إدراك، وسيأتي ذكر أبيه وحده وكان ولده مالك من رؤساء الكوفة وهو ممن قتله المختار بن أبي عبيد عند طلبه بدم الحسين «عليه السلام» ويشتبه بحرام بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن كلاب والد أم البنين أمراة علي «عليه السلام»، ولدت له العباس وجعفر وغيرهما وأبوهما من أهل هذا القسم أيضا، إنتهى.
قال الداوودي في عمدة الطالب(3): وأمه وأم إخوته عثمان وعبد الله وجعفر أم البنين بنت حزام بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.
وأمها ليلى بنت سهل بن مالك وهو ابن أبي براء عامر ملاعب الاسنة ابن مالك ابن جعفر بن كلاب.
وأمها عامرة بنت الطفيل بن عامر.
وأمها كبشة بنت عروة الرحال بنت عتبة بن جعفر بن كلاب.
وأمها فاطمة بنت عبد شمس بن عبد مناة، الخ.
وفي هذا الكلام ملاحظة تعرف مما سبق ويأتي فإنه يتبين الخطأ فيه وحيث
(1) تاريخ الخميس 2/317. (2) الإصابة 1/175.
(3) عمدة الطالب: ص323.
(100)
اتصل النسب إلى هوازن فهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن الناس بن مضر وهنا يلتقي نسب آبائه وأمهاته.
قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين(1): أمه أم البنين بنت حرام بن خالد بن ربيعة ابن الوحيد وهو عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وأمها ثمامة بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب.
وأمها عمرة بنت الطفيل – فارس قرزل – بن مالك الأحزم – رئيس هوازن – بن جعفر بن كلاب.
وأمها كبشة بنت عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب.
وأمها أم الخشف بنت أبي مغولة فارس هوازن بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
وأمها فاطمة بنت جعفر بن كلاب.
وأمها عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.
وأمها امنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن دوواد بن أسد ابن خزيمة.
وأمها بنت جحدر بن ضبيعة الأغر بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن نزار.
وأمها بنت مالك بن قيس بن ثعلبة.
وأمها بنت ذي الرياستين – وهو خشين – ابن أبي عصم بن شمخ بن فزارة.
وأمها بنت عمرو بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريض بن غطفان، الخ.
وقال الشيخ المفيد في الإرشاد(2): العباس وجعفر وعثمان وعبد الله الشهداء مع أخيهم الحسين «عليه السلام» بكربلاء أمهم أم البنين بنت حزام ابن خالد بن دارم، إنتهى.
ومثله في الفصول المهمة لابن الصباغ(3) ولم أجد لهما موافقا على ذلك، ولم يثبت أحد من النسابين في آباء أم البنين من يقال له دارم.
وقال أبو جعفر الطبري في التاريخ(4): ثم تزوج – يعني أمير المؤمنين –
(1) مقاتل الطالبيين: ص22. (2) الإرشاد: ص190.
(3) الفصول المهمة: ص144. (4) تاريخ الطبري: 5/89.
(101)
بعدها أم البنين بنت حزام – وهو أبو المحل – بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب فلود لها منه العباس وجعفر وعبد الله وعثمان قتلوا مع الحسين «عليه السلام» بكربلاء ولا بقية لهم غير العباس «عليه السلام»، الخ.
والعلامة الفاضل شيخنا محمد بن إدريس الحلي «رحمة الله» أراد في كتاب «السرائر» أن يصحصح غلط الشيخ المفيد بزعمه فوقع في خطأ أعظم من ذلك لأن ما في الإرشاد يمكن حمله على السهو أو غلط النساخ أو ما يجري مجراه من التوجيه المقبول إذمن المستبعد جدا خفاء مثل هذا على الشيخ المفيد، أما ابن ادريس فلا يمكن توجيه غلطه ولا الاعتذار عنه بكل صورة لأنه قد صرح ونص في كتاب السرائر في آخر كتاب الحج بما لفظه: ونسب شيخنا المفيد في الغرشاد العباس بن علي «عليهما السلام» فقال: أمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن دارم وهذا خطأ وإنما أم العباس «عليه السلام» المسمى بالسقا ويسميه أهل النسب أبا قربة المقتول بكربلاء صاحب راية الحسين «عليه السلام» ذلك اليوم أمه أم البنين ينت حزام بن خالد بن ربيعة وربيعة هذا هو أخو لبيد الشاعر بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وليست من بني دارم التميميين، الخ.
وأنا أقول بأحتشام وتعظيم للعلامة صاحب السرائر وبلا تجاسر عليه ولا مس لكرامته أن في كلامه وهم ظاهر وخطأ من ثلاث وجوه إ، كان خطأ المفيد «رحمه الله» من وجه واحد: أما الوهم فظنه أ، المقيد عنى دارم تميم وهذا وهم منه إذ ليس في كلام المفيد تصريح به ولم يصل النسب حتى يصح ما قال صاحب السرائر، غايته إنه ذكر أن في أبائها من يسمى دارما وعنده أنه دارم العامري لا دارم التميمي، وغفل ابن ادريس عن تصريحات المفيد في مواضع عديدة بأنها كلابية وعامرية كما في قضية الشمر وخطابه للعباس «عليه السلام» وغيرها من القضايا التي غفل عنها ابن ادريس.
أما الخطأ فمن وجوه ثلاثة:
أحدهما: خلطة بين حرام والد أم البنين وبين الذي هو اخو لبيد، وقد فرق بينهما في الإصابة كما سمعت وقد أوردنا لرد هذا الاشتباه.
ثانيهما: جعله ربيعة أخا للبيد الشاعر وربيعة إنما هو والد لبيد لا أخوه بأتفاق النسابين.
وثالثهما: الخلط والخبط بين البطنين فإن لبيد جعفري وأم البنين وحيدية والوحيد وجعفر أخوان كلاهما ابنا كلاب ومن كان جعفريا لا يكون وحيديا إلا أن تفرض الأخوة من جهة الأمهات.
(102)
قال ابن قتيبة في المعارف(1): أما كلاب بن ربيعة وكان فيه نوك وولده جعفر ومعاوية وربيعة وأبو بكر وعمرو الوحيد أم البنين كانت عند علي بن أبي طالب فولدت له العباس وعبد الله وجعفر.
وأما معاوية بن كلاب فمنهم الضبا وهم حسل وحسيل وضب بنو معاوية وأما عمر بن كلاب فلهم عدد كثير وفيهم ثوم يقال لهم دودان ومن عمر يزيد بن الصعق.
وأما جعفر بن كلاب فولده الاحوص وخالد ومالك وعتبة بنو جعفر بن كلاب.
ثم ذكر ما سنذكره من أشرافهم، وقال: وأما ربيعة فهو أبو لبيد الشاعر وأما أبو بكر بن كلاب فمن ولده القرطات: قرط وقريط ومقرط.
ومنهم الضحاك ابن السفيان استعمله رسول الله (ص) على بني سليم.
ومنهم المحلق بن حنتم الذي قال فيه الاعشى: وبات على النار الندى والمحلق، إنتهى، والتطويل في ذلك لا طائل تحته.
وهذه المرأة النبيلة الصالحة ذات الفضل والعفة والصيانة والورع والديانة التي هي والدة العباس «عليه السلام» كريمة قومها وعقيلة أسرتها تنتمي – كما عرفت – إلى اشرف العرب قبيلة، وأكرمها فصيلة، فإن قبيلتها من أشرف القبائل العربية شرفا، وأجمعهم للمآثر الكريمة التي تفتخر بها سادات العرب يعترف لها بالسيادة حتى أضدادها وحسادها ومعادوها ولذلك لكثرة نوابغها من الرجال المبرزين والزعماء الممتازين بأكمل الصفات الكريمة وأتم الخصال الممدوحة كالكرم والشجاعة والفصاحة شعرا وخطابة، هذه كانت مفاخر العرب في العصر الجاهلي ولا فضيلة عندهم أفضل من فضيلة الشعر ولا خصلة عندهم توجب التقدم أنبل من الشجاعة وليست هذه الفضيلة مما يختص بها الدور الجاهلي المظلم، ولا العصر الهمجي وحده، بل فضلها ظهر في الدورة المدنية وعصر النور حيث أكدتها شريعة الإسلام المقدسة وقد نوه الباري تعالى بذلك في كتابه تنويها عظيما فمرة جل وعلا يحض على الثبات في الزحف واخرى يذكر محبته لمن ثبت في مركزه الحربي في الجهاد على الدين واخرى يوعد يجزيل الحباء لأهل هذه الصفة وقد
(1) المعارف: ص39.
(103)
ذكر الله في آيات كثيرة: كقوله تعالى: (إذا لقيتم فئة فأثبتوا)(1)، وقوله تعالى: (إن الله يحب الذين يقتولن في سبيله صفا كأنهم بنين مرصوص)(2)، وقوله تعالى متوعدا ومتهددا لمن قر عن الزحف لم يثبت في مركزه الحربي: (إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار(15) ومن الادبار يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأونه جهنم وبئس المصير)(3).
وأما الآيات الموعدة بالحباء فكثيرة والأحاديث أكثر منها، قوله «عليه السلام»: «إن الله يحب الشجاع ولو على قتل حية».
ويكفي في الاستشاهاد لهذا ما في خطب امير المؤمنين «عليه السلام» الواردة
في نهج البلاغة.
أما العرب فكانت تأنف من الفرا وتعده عارا مقتا وسبة، وتعد الثبات في الحرب فخرا ومجدا، والشجاعة سؤددا، وقد كانت على ذلك جاهلية وإسلاما وكانت في إسلامها تبالغ في الثبات في المواقف الحرجة وتحرص على الرسوخ في مراكزها خصوصا في الحروب العظيمة ذات الأهوال الشديدة واعتبر ذلك في القادسية واليرموك ونهاوند وصفين بل كانت صفين أعظم المواقف التي وقفتها العرب وأفضع المعارك التقى فيها جيسشان عربيان وإنما طحنتهم تلك الحرب وأبادتهم وهم ثابتون في مراكزهم لأن فيهم بقايا حمية الجاهلية وبصيرة الدين فتفانوا، ونذكر من بعض أقوال الخطباء والشعراء العرب في هذه المعارك الأربعة نبذة، وكذلك كانت الخوارج تأنف من الفرار وتعده كفرا وخروجا عن الدين.
ومن محبة العرب الإسلاميين للثبات اشتقوا لبعض شجعانهم اسماء مناسبة لذلك كما لقبوا هاشما بـ«المرقال» وحبيب بن المهلب بـ«الحرون» كما لقبت أهل الجاهلية فرسانها فسموا عتيبة بن الحارث «صياد الفوارس» وعامر بن مالك الجعفري «ملاعب الأسنة» وعبد الله الكناني «جذل الطعان»، ثم الزموا كل بطل سمة ما اتصف به، فقالوا «زيد الخيل» للطائي، و«سليك المقانب» للتميمي، و«عنترة الفوارس» للعيسى، و«زيد الفوارس» للضبي، وأمثال هؤلاء.
فاذا كان للشجاعة هذه المكانة عند عموم العرب وإنها من موجبات السؤدد والشرف فإذن آباء أم البنين واسرتها سادات العرب شجاعة وفروسية وشعرا
(1) الأنفال: 45. (2) الصف: 4.
(3) الأنفال: 15 – 16.
(104)
وخطابة وكرما وجودا فحق لأمير المؤمنين «عليه السلام» أن يرغب في الوصلة الصهرية بهم لأن البنت التي قد ولدها مثل هؤلاء الأبطال الشجعان لجديرة أن تنجب فيما تلد ولا تلد إلا شجاعا بطلا قد ضم بين طرفي البطولة والفروسية عمومة وخؤلة، فقول أمير المؤمنين «عليه السلام» لأخيه عقيل كما سنذكر: «إختر لي امراة» حقيق بصحة الاختيار فقد أنجبت هذه الإمراة المحترمة أعظم الرجال شجاعة وثباتا وتقدما وإقداما، وهو حري بتلك الشجاعة الباهرة لأنه مرق فيها من كلا طرفيه، وهذا أمر تعرفه العرب في قديمها وحديثها.
فقد قال شبيب الخارجي في خالد بن عتاب الرياحي وقد رآه يخوض دجلة على متن فرسه ولوائه بيده لم يسقط، فتعجب شبيب وقال: لله دره فارسا ودر فرسه فرسا، فقال أصحابه: أتعرفه؟ فقال: لا، قالوا: هذا خالد بن عتاب، فقال شبيب: مرق في الشجاعة لو علمت أ،ه هو لأقحمت خلفه ولو دخلت انار، في القصة المشهورة، رواها الطبري وابن أبي الحديد وغيرهما وقد كانت العرب تمدح الرجال وتطريهم من هذه الحيثية فيقولون: فلان معم مخول وقد كثر ذلك في أشعارهم وحكاياتهم.
قال علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب لما منعه أخواله من كندة من تحكم مسلم بن عقبة المري فيه وتعسفه في اهتضامه وذلك يوم الحرة المشهور:
أبي العــاس قرم بني قصي وأخوالي الملوك بنو وليعة
وسنذكر الشواهد الشعرية بعد الحديث.
قال السيد الداوودي في عمدة الطالب(1): قد روى أن امير المؤمنين «عليه السلام» قال لأخيه عقيل «رضي الله عنه» - وكان نسابة عالما بأنساب العرب وأخبارهم -: أنظر لي أمراة قد ولدتها الفخولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاما فارسا، فقال له: تزوج أم البنين الكلابية فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها، فتزوجها، الخ.
وقال الفاضل الدربندي في أسرار الشهادة(2): قيل: إن زهير بن القين أتى عبد الله بن عقيل قبل أن يقتل، فقال له:يا أخي ناولني الراية، فقال له عبد الله: أفي قصور؟ قال: لا ولكن لي بها حاجة، قال: فدفعها إليه، فأخذها زهير وأتى
(1) عمدة الطالب: ص324. (2) أسرار الشهادة: ص318.
(105)
العباس بن علي «عليهما السلام» وقال: يا بن أمير المؤمنين! أريد ان احدثك بحديث، فقال: حدث فقد حلا وقت الحديث.
حدث ولا حرج عليك فإنما تروي لنا متتابع الأسناد
فقال له: إعلم يا أبا الفضل! إن أباك أمير المؤمنين لما أراد أن يتزوج بامك أم البيني بعث إلي أخيه عقيل وكان عارفا بأنساب العرب فقال له: يا أخي أريد منك أن تخطب لي أمراة من ذوي البيوت والنسب والحسب والشجاعة لكي أصيب منها ولدا يكون شجاعا وعضدا بنصر ولدي هذا – وأشار إلى الحسين «عليه السلام» - يواسيه في طف كربلاء وقد ادخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصر عن حلائل أخيك وعن أخواتك.
فأرتعد العباس «عليه السلام» وتمطيفي ركابه حتى قطعة وقال: يا زهيرا تشجعني في مثل هذا اليوم، الخ.
وقد صدق مولانا أمير المؤمنين «عليه السلام» فيما أمله وترجاه من شجاعة أبي الفضل العباس «عليه السلام» ومواساته لأخيه الحسين «عليه السلام» اللذين حير بهما أفكار العقلاء وأدهش ألباب المفكرين وصدق هذا القال من مولانا أمير المؤمنين «عليه السلام» كصدق سائر مقالاته لأنه «عليه السلام» وقعت له أخبارات كثيرة بالمغيبات وقعت كلها في أزمنة متقاربة فلم يقدر أحد من الناس على تكذيبها لوقوع الحوادث على وفق ما أخبر به كقوله لعمر بن سعد: «إنك تقتل ولدي الحسين «عليه السلام»»، وكقوله لتميم التميمي: «إن في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله (ص)»، وكان ابنه حصين غلام يدرج.
ومكقوله لأعشى همدان وقد قال لأمير المؤمنين «عليه السلام» في حديث حدث به: ما أشبه هذا بحديث خرافة، فقال: «يا غلام، سلط الله عليك غلام ثقيف» - يعني الحجاج – فقتله الحجاج بعد ذلك.
وكإخباراته لأصحابه بصفات ما يقتلون به مثل قوله لهاني بن عروة يرمى به من طمار، وقصة ميثم ورشيد وغيرهما مما هو مشهور وصدقه «عليه السلام» عندنا مستند إلى علمه الغيبي الذي أخذه عن رسول الله (ص) وأخذه رسول الله (ص) عن جبرئيل «عليه السلام» وتلقاه جبرئيل عن اللوح المحفوظ عن الله عز وجل وأما عند غيرننا فالمحققون منهم على ما نقول، وغير المحققين لا يستريبون بصحته لما شاهدوا من وقوع إخباراته ولما عاينوه معاينة ومشاهدة أو نقله لهم الثقاة عنه مما هو مطابق لقوله، ولكنهم يقولون هي فراسة صادقة.
(106)
وقد صحت الآثار الكثيرة بصدق الفراسة سيما فراسة أهل الايمان فقد جاء في الحديث: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»، وحيث كتبنا في كتابنا «السياسة العلوية» فصلا مطولا في الفراسة أغنانا ذلك عن إعادته هنا، ولكنا نشير إليه بقدر ما يستفيد منه القارئ حتى يعرف كيف تبلغ الفراسة إصابة المخفي.
قال الشريف الجرجاني في التعريفات(1): الفراسة في اللغة التثبت والنظر، وفي اصلاح اهل الحقيقة هي مكاشفة اليقين ومعاينة الغيبة.
وقال محمد صادق في خلاصة السياسية في علم الفراسة (2) : إعلم أن علم الفراسة عند العرب من العلوم الشريفة الطبيعية المعتمد عليها إذ هي الواسطة للاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن ومن المعلوم ان القدماء كانوا على شي من علم الفراسة وفي العصور المظلمة في الجاهلية قبل الاسلام ولكنهم كانوا لا يجدون حكما بينا ولا برهانا مقنها ، ولا دليلا قاطعا يحكحمون به على اخلاق الشخص بل كان حكمهم على سبيل البداهة ليس الا، واول من تكلم في هذا الموضوع ابو الطب سنة (450) قبل الميلاد وهو يعتقد بتأثير العوارض الخارجية على الاخلاق الباطنية وظهور آثار ذلك في ملامح الوجه وكذلك كان مذهب جالينوس واقليدس الحكيم اليوناني كتب فصولا مطولة في علم الفراسة.
إلى أن قال (3): ومن حيث ان الفراسة قريحة خاصة تجدها في شخص دون الآخر بمعنى أنه كلما زادت قوى المرء العقلية بالعلوم زادت قوى اعطافه الذوفية وظهرت على وجهه ملامح الذكاء التي تدل على اصابة الحكم وسرعة الخاطر والبداهة الفطرية فحينئذ تصيب احكامه الفراسة ولو لم يتلقاها عن احد انما تكون في هذه الحالة ملكة خاصة بحكم الاميال الطبيعية ومن كانت هذه صفته وتناول علم الفراسة كان من المتابعين فيها بحكم الشخص الاخر الذي لم يستعمل عقله في شئ فتراه مكبا على اللهو واللعب، غير مبال بألأحكام الدينية ولا مكترث بالأمور السياسية، معرضا عن الواجبات العقلية فهذه تكون علامات الغباوة والحمق والجهل ناطقة على وجهه وحينذاك لو ذكرت له علم الفراسة ومعناها والغرض منها واسهبت له في الموضوع لم يزدد لها إلا جهلا حيث لم يكن له شعور عقلي ولا اميال طبيعية ولا غريزة فطرية تنبهه او تنشطه او تجعل استعدادا لتلقي
(1) التعريفات: ص 111.
(2)خلاصة السياسة في علم الفراسة: ص 3.
(3) خلاصة السياسية في علم الفراسة: ص 4.
(107)
العلوم فيرى أن ذلك ضربا من الخرافات لانه لا يمكنه فهم شي منها ولا ادراك مغزاه بل مطابقة عقليا.
ومن المعلوم لدى علماء الفراسة ان بعض النساء لهن موهبة الفراسة واصلية الحكم وسرعة الخاطر في الاحكام على الاخلاق الشخصية من النظر الى هيئة الرجل وشبه كلامه، ولو طلبت منها الدليل على ما حكمت به على اخلاق ذلك الشخص لم تستطع لذلك سبيلا، ولا تقدر ان تعبر عنه بدليل ولا برها والدليل على ذلك ظاهر كالشمس وهو انها تحكم باعطافها وبداهتها واميالها اما الرجل فيحكم بعلمه وممارسته وعقله وهذه المزايا يعترف بها اكثر علماء الفراسة.
ومن الناس من تكون له تلك المواهب طبيعية يشب عليها بفطرته الغريزية من غير علم ولا تلقين ولا مدارسة ونرى اناسا يقضون اعمارهم في ممارسة هذا العلم ولا يتقنونه، ومن المشهور ان محمد علي باشا الكبير امير المماليك في القرن الثامن عشر وممن نبغ في الفراسة واشتهر بالذكاء وسرعة الخاطر والحسن ابن السقاء كان من موالي بني سليم بلغ في فراسته انه ينظر إلى السفينة فيحرز ما فيها فلا يخطئ وكان خرزه في المكيول والموزون والمعدود سواء.
إلى أن قال(1): أما فروع علم الفراسة فكثيرة أشهرها اعتمادا عند علماء هذا الفن عشرة فروع منتشرة ومستعملة وهي: فراسة الأمم وفراسة المهن وفراسة المقابلة وفراسة الأختلاج، وفراسة الحركة، وفراسة الامزجة، وفراسة الرأس،
وفراسة الهيئة، وفراسة الكف، وفراسة الكتابة، إلى آخر ما ذكر وهو كتاب خاص بهذا الفن.
ومن فراسة الأمم على قوله يكون تفرس أمير المؤمنين «عليه السلام» في أم ولده العباس الاكبر«عليه السلام» لأن طباع الأصول تؤثر في الفروع كما سنبين ذلك إن شاء الله.
وربما يسال سائل: لم عول أمير المؤمنين «عليه السلام» على أخيه عقيل في الاختيار ولم يختر هو لنفسه؟ فهل كان عقيل أعرف منه بأصول العرب؟ مع إنكم تعتقدون أن الإمام أعلم من غيره في كل العلوم وأعرف ممن سواه لكل شيئ؟.
الجواب: نعم هو كذلك عندنا، ولكن العادة التي اقتضيها همم الأكابر من
(1) خلاصة السياسة في علم الفراسة: ص6.
(108)
الملوك والعظماء أنه إذا أراد التزويج لنفسه أو لواحد من ولده اناب عنه من يقوم به من خاصته فيوجه من يعتمد عليه من أهل المعرفو والحزم ليختار له ترفعا منهم عن ذلك، لأن المرأة مهما بلغت في الجلالة وعظم القدر هي بالنسبة إلى ذلك العظيم محقرة ويرى أن مباشرته للخطبة بنفسه انحطاطا لقدره، وهذا نبينا محمد (ص) لما أراد الزواج بخديجة «عليها السلام» مع رغبته التامة فيها وعلو قدر خديجة وعظم شأنها في قريش لم يباشر (ص) خطبتها بنفسه وغنما باشر ذلك أعمامه أبو طالب والزبير حمزة، والقضايا التاريخية إذا سرت عليها أرتك ما نقوله جليا، ولكن من الملوك من يختر عقل المرأة إذا كان عارفا بنسبها بأرسال خبير ومنهم من يرسل أمراة حازمة لتختبر عقلها ومحاسنها كما فعل ذلك الحارث بن عمرو ملك كندة لما أردا التزويج بأبنة عوف بن ملحم الشيباني الذي يقال فيه: لأحر بوادي عوفي أرسل إلأيها أمرأة من كندة يقال لها عصام، وفيها قيل: «ما ورائك يا عصام»، ومن الملوك من لا يريد التزويج بامرأةبعينها بل غرضه التزويج بامراة شريفة ممن لها نسب كريم، فترددت بين نساء كثير من ذوات الشرف كل واحدة تصلح أن تكون زوجة له لشرفها وعقلها وجمالها فيرسل خبيرا معتمدا فيقول له: إختبر لي أمراة من ذوات الشرف أو من ولدها الملوك مع علمه ومعرفته أن ذلك الرسول المعتمد لا يعدو اختياره الذي في نفسه من حيث فطانته وعقله وعلمه بأنه لايريد إل االمتقدمة بشرفها على نظرائها فهو لا يختار إلا ما أختاره في نفسه، فكأنه قال له: أخطب عند آل فلان لأمتيازهم على من كافأهم في املك والرياسة.
ولما كان في عصر أمير المؤمنين «عليه السلام» كثير من ذوي الشرف وبيوت الرئاسة والشجاعة من العرب مثل بين دارم وبني مقاعس في بني تميم وآل ذي الجدين فيربيعة وال بدر في غطفان وبين كلاب في بني هوازن ورأيه الشريف في الكلابية لعلمه بأسرتها البواسل، شاور أخاه عقيلا في ذلك لعلمه أن عقيلا لا يعدوها من حيث أن له المعرفة التامة بأنساب العرب علامة بهذا الفن فهو لا ينصرف عنها فيختار غيرها والدليل على صحة هذا الاختيار ما احاط بها من مشاهير رجال تلك العائلة المشهورة واكتنفها من فرسانها البواسل.
وحيث استوفينا الكلام عن بني عامر في كتابنا «السياسة العلوية» وذكرنا بطون هذه القبيلة وأفخاذها ومن ينتمي إليها رأينا أن لا نعيده هنا فنطيل به ولكن نذكر هنا ما يناسب الكتاب مما لها من المآثر أجمالا ككونهم من الحمس، وإنهم
(109)
لقاح لا يدينون لأحد من الملوك ونذكر بني كلاب خاصة لأنهم بيت بني عامر وما قيل فيهم ونذكر جماعة من أبطالهم وساداتهم ليعرف قدر أم البنين.
وفي السيرة الهاشمية(1): قال ابن إسحاق: قد كانت قريش لا ادري قبل الفيل أم بعده أبتدعت رأي الحمس رأيا رأوه وأداروه، قالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنها فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ولا تعرف لها العرب مثلما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت بكم العرب وقالوا: قد عظموا من الحل مثلما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرون بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم «عليه السلام» ويون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها إلا أنهم قالوا نحن أهل الحرم فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما يعظمها غيرنا ونحن الحمي، والحمس أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إلياهم يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم وكانت كنانة وخزاعة دخلوا معهم في ذلك.
قال ابن هشام: وحدثني أبو عببيدة النحوي : إن بني عارمر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك، وأنشدني لعمرو بن معد يكرب الزبيدي:
أعباس لو كانت شيارا جيادنا بتثليث ما ناصبت بعدي الأحامسا
يعني بالأحامس بني عامر بن صعصعة وعباس هو عباس بن مرداس السلمي وكان أغار على بني زبيد بتثليث، وأنشدني للقيط بن زرارة الدارمي في يوم جبلة:
أجذم إليك أنها بنو عبس المعشرالجلة في القوم الحمس
لأن بني عبس كانوا يوم جبلة حلفاء في بني عامر بن صعصة، الخ.
وحديث المس أطول من هذا ذكرناه بطوله في (السياسة العلوية).
قال ابن الأثير في تاريخ الكامل(2) في حديث يوم السلان: قال أبو عبيدة:
كانت بنو عامربن صعصعة حمسا، والحمس قريش ومن له فيهم ولادة والحمس يتشددون في دينهم وكانت عامر أيضا لقاحا لا تدين للملوك، الخ.
(1) سيرة ابن هشام 1/189.
(2) الكامل في التاريخ 1/224.
(110)
وقال ابن الأثير الجزري المحدث في النهاية(1): الحمس جمع احمس وهم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس سموا حمسا لأنهم تحمسزا في دينهم أي تشددوا والحماسة الشجاعة كانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم وكانوا لا يدخلون البيوت من ابوابها وهم محرمون.
وقا ابن واضح في تاريخه(2): كانت الرياسة والحكومة في قيس ثم أنتقلت إلى عدوان وكان أول من حكم منهم ورأس عامر بن الضرب ثم صارت في فزارة ثم صارت في عبس ثم صارت في بني عامر بن صعصعة ولم تزل فيهم.
وقال ابن الأثير المؤرخ في تاريخ الكامل(3) في سياق مقتل شاس بن زهير بن جذيمة العبسي عندمنصرفه من النعمان بن المنذر بما لفظه: وسار زهير إلى ديار غني وهم حلفاء في بني عامرن فأجتمعوا عند فحلفوا أنهم لم يعلموا خبره فقال: لكني أعلمه.
فقال أبو عامر: فما الذي يرضيك منا؟ قال: واحدة من ثلاث: إما أن تحيوا ولدي، وإما أن تسلموا ي غنيا أقتلهم بولدي، وإما الحرب بيننا وبينكم ما بقينا وبقيتم.
فقالوا : ما جعلت لنا مخرجا في هذا، فأما إحياء ولدك فلا يقدر عليه إلا الله، وأما تسليم غني إليك فأنهم يمنعون مما تمتنع منه الأحرار، وأما الحرب بيننا وبينك فوالله إنا لنحب رضاك ونكره سخطك ولكن إن شئت الدية وإن شئت نطلب
قالت ابنك ونسلمه إليك أو تهب دمه فإنه لا يضيع في القرابة والجوار. فقال: ما أفعل إلا ما ذكرت، فلما رأى خالد بن جعفر بن كلاب تعدي زهير على أخواله من غني، فقال: ما رأيت كاليوم تعنت رجل على قومه، فقال زهيرا: تتحب أن تكون طلبتي عندك واترك غنيا؟ فقال: نعم، فأنصرف زهير وهو يقول:
فلولا كلاب قد أخذت قرينتي برد غني أعبدا ومواليا
ولكن حمتهم عصبة عامرية يهزون في الأرض القصار العواليا
مساعير في الهيجا مصاليت في الوغى أخوهم زيز لا يخاف الأعاديا
يقيمون في دار الحفاظ تكرما إذا ما قنى القوم أضحت خواليا
(1) النهاية 1/358. (2) تاريخ اليعقوبي 1/186.
(3) الكامل في التاريخ 1/301.
(111)
قال أبو الفرج في الأغاني(1) في سياق حديث يوم جبلة الشهير: فقال الناس للقيط: ما ترى؟ قال: أرى أن تصعدوا إليهم.
فقال شاس الأسدي: لا تدخلوا على بني عامر فإني أعلم الناس بهم قد قاتلتهم وقاتلوني وهزمتهم وهزموني فما رأيت ثوما قط أقلق بمنزل من بين عامر، والله ما وجدت لهم مثلا إلا الشجاع فإنه لا يقر في حجرة قلقا وسيخرجون إليكم، والله لإن نمتم هذه الليلة لا تشعرون بهم إلا وهم منحدرون إليكم، الخ
لقيط بن زرارة التميمي وهو القائد العام لجيش جبلة العرمرم على حرب بني عامر وفيه أربعة من الملوك، ولم يسمع في الجاهلية بجيش أضخم منه وفضحتهم بنو عامر بقتل الأشراف والملوك وأسرهم.
واما شاس فهو رئيس يني أسد وجد عرار الشاعر في عصر عبد الملك وأبو عمرو الصحابي الشاعر، وقد أفتخر المجبر بن أسلم القشيري في حرب قيس وقضاعة أيام غارات عمير بن الحباب السلمي علي حميد بن مجدل الكلبي وفناء كلب حتى أخلت ديارها هربا:
كل حي أذقت نعمي وبؤسي ببني عامر الطوال الرماح
قال ابن عبد البر في كتاب الأنباه(2): قال أبو عمر: جاء الإسلام وأربعة أحياء قد غلبوا الناس كثرة: شيبان بن ثعلبة وجشم بن بكر بن تغلب وعامر بن صعصعة وحنظلة بن مالك فلما جاء الإسلام خمد حيان وطمى حيان طمى بنبو شيبان وعامربن صعصعة وخمد جشم وحنظلة.
وقال ابن العماد في ششذرات الذهب(3) في حديث ابن القرية فصيح العرب ما لفظه: كتب الحجاج إلى عماله أن لا يجدوا أحدا من أصحاب ابن اأشعث إلا أرسلوه أسيرا، فكان فيمن أرسلوا ابن القرية فسأله الحجاج عن البلدان والقبائل،فقال: أهل العراق أعلم الناس بحق وباطل وأهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة واعجزهم عنها وأهل الشام أطوع اناس لخلفئهم، وأهل مصر عبيد من غلب – أي خدع – وأهل البحرين نبط استعربوا وأهل عمان عرب استنبطوا وأهل الموصل أشجع الفران وأهل اليمن أهل اهواء وصبر عند اللقاء وأهل اليمامة أهل جفاء ,اختلاف وريف كثير وقرى يسير.
وأما القبائل فقريش أعظم الناس أحلاما وأكرمهم مقما وبنو عامر أطولها
(1) الأغاني 10/36. (2) الإنباه: ص97.
(3) شذرات الذهب. 1/93.
(112)
رماحا وأكرمها صباحا، وثقيف أكرمها جدودا وأكثرها وفودا، وبنو زبيد ألزمها للرايات وأدركها للثارات، وقضاعةى أعظمها أخطارا وأكرمها نجارا وأبعدها آثارا، والأنصار أثبتها مقاما وأحسنها إسلاما، الخ، وذكرها اليافعي في تاريخ مرآة الجنان(1).
وفي الخبر العامي ذكره الخطيب في تاريخ بغداد(2) عن أبي هريرة: ذكرت القبائل عند النبي (ص) فقالوا يا رسول الله! ما تقول في هوازن؟ فقال (ص): زهرة نبع.
فقالوا: ما تقول في بني عامر؟ فقال (ص): جمل أزهر يأكل من أطراف الشجر.
قالوا: فما تقول في بني تميم؟ فقال (ص) يأبى الله لببين تميم إلا خيرا، ثبت الاقدام، عظام إلهام، رجح الأحلام، هضبة حمراء لا يضرها من ناواها.
وفي ذيل أمالي القالي(3) من قصة ذكر فيها معاوية بن أبي سفيان سأل فيها دغفلا النسابة عن قبائل العرب العدنانية، قال: فاخبرني عن قيس؟ قال: كانوا لا يفرحون إذا أديلوا ولا يجزعون إذا ابتولا ولا يبخلون إذا سئلوا، قال فأخبرني عن أشرافهم في الجاهلية؟ قال غطفان بن سعد وعامر بن صعصعة وسليم بن منصور فأما غطفان فكانوا كراما سادة وللخميس قادة وعن البيض ذادة وأما بنو عامر فكثير ساداتهم مخشية سطوتهم ظاهرة نجدتهم وأما بنو سليم فكانوا يدركون الثار ويمنعون الجار ويعظمون النار، الخ.
إعظام النار إكثار وقودها للأضياف، وليهتدي بها الضال في البيداء، وحسبنا ما ذكرنا.
وأم عامر بن صعصعة بنت عامر بن الضرب العدواني، ذكر الجاحظ في البيان والتبيين وأبو حاتم السجستاني في المعمرين، ولفظ الأول(4): خطب صعصعة بن معاوية إلى عامر بن الضرب العدواني بنته عمرة وه أم عامر بن صعصعة، فقال: يا صعصعة، إنك أتيتني تشتري مني كبدي وأرحم ولدي عندي وأبغيتك أو رددتك، والحسيب كفؤ الحسيب والزواج الصالح أب بعد أب، وقد أنكحتك خشية أن لا أجد مثلك، أفر من السرالي العلانية أنصح ابنا، وأودع ضعيفا قويا، يا معشر عدوان خرجت من بين أضهركم كريمتكم من غير رهبة ولا
(1) مرآة الجنان 1/175 طبع حيدر آباد. (2) تاريخ بغداد 2/195.
(3) أمالي القالي: ص25. (4) البيان والتبيين 2/59.
(113)
رغبة، أقسم لو قسم الحظوظ على قدر الجدود ما ترك الأول للآخر ما يعيش به.
وفي رواية أبي حاتم بعد قوله: «من غير رغبة» عنكم من خط له شيء جاءه رب زارع لنفسه ما حصد غيره وبعد قوله: «ما يعيش به» ولكن رزق آكل من آجل وعاجل، إن الذي أرسل الحيا أنبت المرعى، ثم قسمه لكل فم بقلة ومن الماء جرعة ترون ولا تعلمون وإن يرى ما اصف لكم إلا كل قلب واعي ولكل مرعى راعي ولكل خلق خلق كيس أو حمق، وما رأيت شيئا قط إلا سمعت حسه ووجدت مسه وما رأيت شيئا خلق نفسه وما رأيت موضوعا إلا مصنوعا وما رأيت شيئا إلا ذاهبا ولا غانما إلا خائبا، ولا نعمة إلا ومعها بؤس ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء، إنتهى.
استدل هذا العربي الساذج العاري عن الفلسفة والحكمة النظرية بفطنته الغريزية وعقله الفطري على إثبات الباري تعالى وإبطال المادة بأمور:
أحدها: أن الاتحاد بين الخالق والمخلوق باطل فلا بد من التغاير للضرورة القاضية ان المصنوع غير الصانع فإذا كانت المادة متأثرة في نفس وجوها فلا بد من وجود مؤثر فيها لأنه لم ير شيئا خلق نفسه من حيث أنه كان عدما، والمعدوم لا يؤثر في الموجود شيئا، فلا بد أن يكون المؤثر فيه موجودا وهو غيره، وهو الذي انقذه من العدم الازلي.
ثانيهما: الاستقراء والتتبع فأنا تتبعنا الشياء الموجودة واستقرينا كل مصنوع فلم يوجد إلا من له صانع فالباناء له باني والزرع له زارع وهكذا بقية الاشياء فينتج هذا لاستقراء أن لهذا الكون مكونا وغلا لحاز أن يكون المصنوع بلا صانع.
ثالثهما: ا×تلاق الطبائع ودليل أختلافها أختلاف الأخلاق ولو كانت الطبيعة هي الموجودة لما تباينت الأخلاق ولوجب أن يكون كل إنسان بليدا وكل إنسان فطنا إذ الطبيعة واحدة والمادة لا تختلف في أفراد العاقل والمجنون، فهي فيهما سواء.
رابعها: أن جميع الموجودات مدركة بالحواس وكلما أدركته الحواس فهو حادث وذلك في قوله: «سمعت حسه ووجدت مسه».
خامسها: الفناء وذلك أن القديم لا يجوز عليه الفناء إذ لو جاز عليه الفناء لأختل النظام القائم بتدبيره، فلو كانت المادة هي الموجودة لما جاز عليها لفناء لما ذكرنا من بقاء النظام وفناؤها كاشف عن وجود محدث لها وهو المدبر لهذا الكون والحافظ لنظامه.
(114)
ثم استدل بسير الحوادث المدركة للمسرات في أن الدنيا ليست دار بقاء لكثرة ما فيها من الارزاء والبؤس ولو كانت دار بقاء لخلت من ذلك فلا بد أن يكون وراءها دار تدم فيها لنعمة ولا يطرأ عليها البؤس.
ثم رد من يزعم أن الامراض التي تعرض للنفوس مسببة عن جراثيم أو ما شاكلها وأنها إذا تمادت أو جبت تلاشي القوى وانحلالها فتؤدي إلى التلف فلا بد من مكافحتها بالادوية والعقاقير لتحفظ للنفس صحتها وبقاءها، فقال: «لو كان الداء كما زعموا قاتلا لكان الدواء محييا»، فإنك تزعم ان الدواء يعيد للنفس صحتها وعندك أن ذلك فيما جربته في الاصحاء ونحن نقول: إن هؤلاء قد قسم الله لهم بقاء مدة أراد أن يبلغهم أياها لوكن جرب دواءك فيمن مات فإن أحياه دواءك عرفنا أن الداء هو الذي قتله فإذا الدواء لم يحيه فالداء لم يقتله، وإنما أماته الله باستيفاء طعمته وانقضاء مدته.
بنو كلا خاصة: جاء في حديث وقعة حنين المشهورة في السيرة الهاشمية(1): قال ابن إسحاق: لما سمعت خوازن برسول الله (ص) وما فتح الله عليه من مكة جمعها مالك بن عوف النصري فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها وأجتمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس بن بني هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب وكلاب فلم يشهدها منهم أحد له إسم وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب وكان شيخا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم في الأحلاف قاب بن الأسود بن مسعود بن متعب وفي بني مالك ذو الخماء سبيع بن الحارث بن مالك وأخوه أحمر بن مالك وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري.
فما أجمع المسير إلى رسول الله (ص) حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس أجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به فلما نزل قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل لاحزن ضرس ولأسهل دعس، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع اناس أموالهم ونسائهم وأبنائهم، قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك ودعي له، فقال: يا مالك، قد أصبحت رئيس قومك وإن ها يوم كائن نله ما بعده من الايام، مالي إسمع رغاء
(1) سيرة ابن هشام 3/266.
(115)
البعير؟ فأعاد الكلام بعينه، فقال: سقت مع الناس أموالهم وأبنائهم ونساءهم، قال: ولم ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم، قال: فأنتض به ثم قال: راعي ضأن والله هل يرد المنهزم شيئ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد ولو كان يوم علاء ورفعة ما غاب عنه كعب ولا كلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر.
قال: ذانك الجذعان لا ينفعان ولا يضران، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا أرفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم ألقي الصبا على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك الفاك ذلك وقد أحرزت أهلك، قال:لا والله لا أفعل ذلك أنك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لا أتكئ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري،وكره أن يكون لدريد ابن الصمة فيها ذكر أو رأي، قالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني:
يا ليتني فيها جذع أخبت فيها وأضع
أقود وطافاء الزمع كأنها شاة صدع
إلى آخر القصة، ودريد بن اصمة هو فارس هوازن واحد أبطال العرب المشهورة قتل في ههذ الوقعة كافرا وقد عاش مائتي سنة.
قال اميداني في مجمع الامثال(1): قال يونس بن حبيب: زعموا أن رقية بنت جشم بن معاوية «يعني ابن بكر بن هوازن» ولدت نميرا وهلالا وسواءة ثم اعتاطت فأتت كاهنة بذي الخلصة فأرتها بطنها وقالت: إني قد ولدت اعتطت فنظرت إليها ومست بطنها وقالت: رب قبائل فرق ومجالس حلق وطعن خرق في بطنك فأمخضت ربيعة بن عامر، الخ.
وهو أبو كلاب وام كلاب اسمها مجد من قريش.
قال الحافظ ابن عبد البر في كتاب الإنباه(2): قال لبيد العامري:
سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال
ومجد هي ام كلاب وكليب وكعب بني بن عامر بن صعصعة، وهي
(1) مجمع الأمثال 1/221. (2) الإنباه: ص87.
(116)
بنت تيم بن مرة بن غالب بن فهر وهي التي جعلت بني عامر حمسا، والقصة التي ذكرها ابن عبد ربة في العقد الفريد أوردناها بطولها في كتاب «السياسة العلوية» ولا يسع نقلها وملخصها: إن كسرى فضل جميع الأمم على العرب وإن النعمان انتصر للعرب وأجاب بجواب مطول فضل فيه العرب على الأمم قاطبة ولم يستثن ولا قوم كسرى ولما رجع إلى الحيرة عاصمة ملكة أحب أن يجمع أشراف كل قبيلة شريفة من العرب وينتخب النبلاء من ذوي البيوت والسابقة في المجد والسيادة ويرسلهم إلى كسرى ليبرهنوا على مجد العرب وليفتخروا عليه بفضلهم في بلاطه فإن ذلك أقوى للحجة عليهم، فجمع من أشراف العرب من سلمت له الرئاسة واعترف بزعامته واجمعت العرب على شرف بيته وسؤدد أسرته وهم: اكثم بن صيفي من بني عمرو بن تميم وحاجب بن زرارة من بني حنظلة بن مالك بن تميم، والحارث بن عباد فارس النعامة من بني يشكر بن بكر بن وائل وقيس بن مسعود وهو ابن ذي الجدين من بني شيبان من بكر بن وائل وخالد بن جعفر من بني مالك بن كلاب علقمة بن علاثة من بني الأحوصبن كلاب من بني عامر وعامر نب الطفيل من بين كلاب وعمرو بن الشريد من بني مرة من غطفان وجميع هؤلاء من العدنانية سوى الزبيدي فإنه يماني.
ثم ساق القصة وتكلم كل واحد بما قدر عليه من الكلام في البلاط الكسروي أما ذلك المجتمع المكتظ بوفود الملوك ورجال الدولة، فذكر(1) ما لفظه.
ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الملك إسعادا وأرشده إرشادا إن لك منطق فرصة ولكل حاجة غصة وعي المنطق اشد من عي السكوت وعثار القول أنكا من عثار الوعث، وما فرصة المنطق عندنا بما نهوى وغصة المنطق بما لا نوى غير مستساغة وترك ما أعلم من نفسي ويعلم من سمع أني له مطيق أحب إلي من تكلفي ما أتخوف ويتخوف مني وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان وهو لك من خير الاعوان ونعم حالم المعروف والإحسان انفسنا بالطاعة لك باخعة ورقابنا بالنصيحة خاضعة وأيدينا لك بالوفاء رهينة، قال كسرى: نطقت بعقل وسموت بفضل وعلوت ينبل.
ثم قام علقمة بن علاثة العامري الكلابي فقال: نهجت لك سبيل الرشاد
(1) العقد الفريد 1/171.
(117)
وخضعت لك رقاب العباد، إن للأقاويل مناهج وللآراء موالج، وللعويص مخارج وخير القول أصدقه وأفضل الطلب أنجحة، إنا وإن كانت المحبة أحضرتنا والوفادة قريتنا فليس من حضرك منا أفضل ممن عزب عنك، بل لو قسمت كل رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له في آبائه دنيا أندادا وأكفاء كلهم إلى الفضل منسوي وبالشرف والسؤدد موصوف وبالرأي الفاصل والأدب النافذ معروف يحمي حماه ويروي ضماه ويذود أعداه، لا تخمد ناره ولا يحترز منه جاره، أيها الملك من يبلو العرب بعرف فضلهم فأصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزا، والبحور الزواخر طميا، والنجوم الزواهر شرفا والحصى عددا فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك وإن تستصرخهم لا يخذلوك.
قال كسرى – وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه -: حسبك أبلغت وأحسنت.
ثم قال(1): ثم قام عامر بن الطفيل العامري الكلابي فقال كثر فنون المنطق، وليس القول أغمى من حندس الظلماء وإنما الفخر بالفعال والفخر في النجدة والسؤدد مطاوعة القدرة وما أعلمك بقدرنا وابصرك بفضلنا وبالحري إن أدالت الأيام وثابت الأحلام ان تحدث أمور لها أعلام، قال كسرى: وما تلك الأعلام؟ قال: تجتمع الاحياء من ربيعة ومضر على أمر يذكر، قال كسرى: وما الأمر الذي
يذكر؟ قال: ما لي علم بأكثر مما خبرني به مخبر، قال كسرى:متى تكهنت يا ابن الطفيل؟ قال: لست بكاهن ولكني بارمح طاعن، قال كسرى: فإن أتاك آت من قبل عينك العوراء فما أنت صانع؟ قال: ما هيبتي في قفاي دون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عبث ولكن مطاوعة اللبث إلى آخر القصة وذكر فيها أن كسرى اعترف لهم بالسيادة وكتب إلى النعمان في التوصية بهم، وأن كل واحد منهم سيد يصلح لموضعه وقد علمت أن ثلاثة منهم من قبيلة أم البنين ورهطها الأدنى وهم بنو كلاب.