مقتبس من كتاب

موسوعة بطل العلقمي

اسم الکتاب : موسوعة بطل العلقمي

المؤلف : تأليف سماحة آية الله المحقق الكبير الشيخ عبد الواحد المظفر قدس سره
المطبعة : مؤسسة الشيخ المظفر الثقافية العراق النجف الاشرف مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت لبنان

 

 

 

 

 

 

 

.

(20) عبد المطلب بن هاشم:


إنك لا تدري ما عبد المطلب؟ هو لباب المجد، ومحض السؤدد، وتاج العروبة، وفخر العاربة.
عبد المطلب ملك الجزيرة العربية وسلطان العدنانية القحطانية عاهلها العظيم وزعيمها القدير سمت به همته العبليا وشيمته الشماء إلى ارتقاء المرتبة السامية والرقي إلى الدرجة العالية وتم له الفخر بثلاثته التي لا ينازع فيها: كرم الأصل ومجد الأرومة وعزة النفس وحسن السجايا وفخر السلالة والعترة فإن رجلا ينتظم في سلسلة آبائه هاشم فقصي فكعب فالنضر فمضر فمعد فعدنان فإسماعيل ذبيح الله فإبراهيم خليل الله وفي سلسلته السلالة النامية محمد رسول الله (ص) فعلي وصي رسول الله فالحسنان سبطا هذه الأمة، فمهديها، فالطيار، فسيد الشهداء، وفي
(1) تاريخ الخميس 1/178. (2) تاريخ العرب: ص6.
(69)
سلسلة صفاته سيادة البطحاء فسقاية الحاج، فأطعام طير السماء والوحش ويدعى بالفياض وذي الحوضين ومن سجد له الفيل، ونصر بالأبابيل، وأستسقي به الغمام، فذاك أعظم رجل قامت عنه الحرائر وأجل شخص ولدته العقائل.
ونحن في كتابنا «السياسية العلوية» حررنا له ترجمة ككتاب جامعة لعامة صفاته ومزاياه الكريمة ولا نورد إل اليسير مراعاة لهذا الكتاب المتبنى على الايجاز في جل عناوينه.
قال المارودي في أعلام النبوة(2): وأنتقلت السقاية والرفادة والرياسة إلى عبد المطلب وأخذ نوفل عهدا من الأكاسرة بالعراق وصارت رحلته إليها، عبد المطلب عهدا من ملوك الشام وأقبال حمير في اليمن وصارت رحلته إليها، وحفر عبد المطلب حين قوى وأشتد زمزم وأخرج منها ما كان ألقاه فيها عامر بن الحارث الجرهمي من غزالي الكعبة وححر الركن فضرب الغزالين صفائح ذهب على الكعبة ووضع الحجر في الركن وصار عبد المطلب سيداعظيم القدر، مطاع الأمر، نجيب النسل، حتى مر به أعرابي وهو جالس في الحجر وحوله بنوه كالأسد، فقال: إذا أحب الله أنشأ دولة خلق لها أمثال هؤلاء، فأنشأ لهم بالنبوة دولة خلد بها ذكرم ورفع بها ذكرهم حتى سادوا الأنام وصاروا الأعلام وصار كل من قرب إلى رسول الله (ص) من آبائه أعظم رياسة وتنوها وأكثر فضلا وتألها، إلى آخر ما ذكر.
ومن لوازم النعمة الكاملة وبالاخص الشرف العظيم والملك الجسيم حصول الحسد والبغي من العاجزين عن نيل تلك المرتبة السامية والساقطين عن درجةالاعتبار بالنسبة إلى ذلك المحسود وإن كانوا بالإضافة إلى من عداه أنيل عند أنفسهم، وفيما يختلج في أذهانهم، وأكثر ما يقع حسد النعمة وتمني زوالها ممن يدعي إنه شريك في النسب وقريب في المنتمى فلا تصدر المنافسة غالبا إلا من ذوي الرحم والوشيجة القريبة وبسبب ذلك عجزهم عن مكافئة المحسود وإعياؤهم عن اللحوق به، وكل من عجز عن تحصيل مكرمة كانت في غيره وضعف عن مقاومته والتشفي منه داخله الغيظ والحسد عليه ووسعى حثيثا جاهدا فيما يسؤوه.
فقد سمعت ما جرى لهاشم بن عبد مناف في الأعقاب فنفس أبو سفيان صخر بن حرب على رسول الله (ص) شرفه فعاداه وابغظه وحاربه فلم يحصل على طائل
(1) أعلام النبوة: ص136.
(70)
وحسد معاية علي بن أبي طالب وابنه الحسن السبط «عليهما السلام» فجد وأجتد في مناوأتهما، وهذا وإن حصل له الملك الزائل والسطان الفاني فقد جر إلى نفسه ويلا طويلا صرحت بذلك خطبة حفيده معاوية بن يزيد وورثها ابنه يزيد فقتل الحسين بن علي «عليه السلام» فجر لنفسه ولبني أمية عار الأبد، وألبسهم ملابس الخزي والمقت المؤبد، وهذا كما قال الشاعر وذكره الحافظ المقريزي في النزاع والتخاصم(1):
عبد شمس قد أضرمت لبني هاشم نارا يشيب منها الوليد
فابن حرب للمصطفى وابن هند لعلي وللحسين يزيد
وردنا في ترجمة عبد المطلب منافرة حرب بن أمية له مطولة نوردها هنا مختصرة.
روى الطبري في تاريخه(2) عن رجل من كنانة ورجل من أهل الرقة مولى لبني أسد وكان عالما، قالا: تنافر عبد المطلب وحرب بن أمية إلى النجاشي احبشي فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرط ابن رزاح بن عدي بن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو! أتنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأعظم منك صفدا، وأطول منك مذوادا، فنفره عليه، فقال حرب: إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما، إنتهى.
وهذه صفات وجدها العدوي: قوله: «أعظم منك هامة» فإنهم يستدلون بعظم إلهامة على السيادة وقد صرح بذلك كلام العرب(3).
وقوله: «اقل منك لامة» إشاة إلى شجاعة عبد المطلب وحبن حرب وذلك أن حرب لجبنه يحتاط لنفسه في استكمال العدة الحربية بالاكثارمن الالات المستعملة في وقاية النفس في ذلك العصر نحو الدرع والمجن والدرقة وما شاكلها ليحافظ على حياته وهذه تسمى لامة الحرب، وعبد المطلب لما كان شجاعا
(1) النزاع والتخاصم: ص73. (2) تاريخ الطبري ص/181.
(3) دلالة عظم الهامة على السيادة في ذيل تذكرة داود الانطاكي ص348: فكبر الرأس تدبير وعقل وشجاعة.
قال الجاحظ في البيان والتبيين 1/92 في جملة قصة عن إبراهيم بن هاني: ومن تمام آلة السؤدد أن يكون السيد ثقيل السمع، عظيم الرأس، ولذلك قال ابن سنان الحيدري لراشد بن سلمة الهذلي: ما ا،ـ بعظيم الرأس ولا ثقييل السمع فتكون سيدة، ولا بأ{سح الرجل فتكون فارسا.
(71)
مقدما لا يرى لذلك الاستلئام حيثية فهو يقدم على الحرب غير مكترث بما لاقاه من الاهوال والأخطار في المعارك، ولا مبال بمقابلة الحتوف عند منازلة الأقران فهو لا يستعد بأكثر من سلاح الدفاع: السيف والقناة، فكانت عدته للحرب أقل من عدة الجبان.
قال في تاريخ الخميس(1): رأى هاشم في منامه أن تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي ابن النجار فهي نجارية وثانية الجدات النبويات وكانت كخديجة في زمانها لها عقل وحلم فولدت له عبد المطلب واسمه شيبة الحمد وقد قيل عامرن وفيه نور رسول الله (ص).
وفي الاكتفاء: فولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمسة نسوة: عبد المطلب وأسد – وهو أبو فاطمة أم علي «عليه السلام» - وأبا صيفي – واسمه عمرو – ونضلة والشفاء وخالدة وصفية ورقية وحمنة.
وأم عبد المطلب منهم سلمى بنت عمرو النجارية وساق نبها وقال: وامها عميرة بنت صخر بن الحارث بن ثعلبة بن مازن ابن النجار، وأم عميرة سلمى بنت عبد الاشهل.
وأم أسد قيلة بنت عمرو بن مالك الخزاعي.
وأم أبي صيفي وحمنة هند بنت عمرو بن ثعلبة الخزرجية.
وأم نضلة والشفاء أمراة من قضاعة.
وأم خالدة وصفية واقدة بنت أبي عدي المازنية.
ثم ساق الكلام إلى سبب تسمية عبد المطلب ونشأته بالمدينة عند أخواله، ومجيء عمه المطلب وخمله إياه إلى مكة وكيف تدرج في مدارج الشرف حتى ساد العرب، كل ذلك قد فرغنا منه في كتابنا «السياسة العلوية»، ويكفي هذا المقدار من ترجمته هنا.
وكانت وفاته عام 579 ميلادية، قاله مير علي في تاريخ العرب(2).
ومن شعره الحكمي قوله وذكره في مناهج الألباب(3):
لنا نفوس لنيل المجد عاشقة ولو تسلت أسلناها على الأسل
لا ينزل المجد إلا في منازلنا كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
(1) تاريخ الخميس 1/178. (2) تاريخ العرب: ص7.
(3) مناهج الالباب: ص71.
(72)


(21) أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم:


وهنا يفتر العباس «عليه السلام» عن رسول الله (ص) لأنه (ص) ابن عبد الله بن عبد المطلب، ووالد العباس علي بن أبي طالب بن عبد المطلب.
إنتهى كل شرف ومجد وفخر وسؤدد في الآباء الكرام والأسلاف العظماء إلى أبي طالب وقد ساد أبو طالب في حياة عبد المطلب، وتكاملت فيه آلات الرياسة، فكان معتمد عبد المطلب وأوثق بنيه في نفسه، ولا يعول في المهمات إلا عليه، ولهذا لما عرض له أعظم مهم يهتم به بعد موته وهو رعاية رسول الله (ص) وكفالته لم يجد للتوصية به أهلا إلا ولده أبا طالب، فلذلك قال مخبرا عن ثقته به أن يقوم بما أوصاه فيه من هذا المهم قائلا:
وصيت من كنيته بطالب عبد مناف وهو ذو تجارب
هذا بعد أن قال له:
أوصيك يا عبد مناف بعدي بمؤتم بعد أبيه فرد
فكانت محاماة أبي طالب عن رسول الله (ص) ودفاعه دونه وذبه عنه من فضائله العظيمة ومكارمه ذات الشأن لأمرين لا يستريب فيهما إلا جاهل:
أحدهما: أن النبي (ص) تمكن بتلك المحاماة على تبليغ الرسالة ونشر الدعوة الإلهية فكان أبو طالب عضده وناصره، فالإسلام طالبي والدين علوي لقيام بنيه فيه.
ثانيهما: كفاه مؤنة الاعتمام لمصالحه الشخصية وفرغه بما كفاه من اموره لمصالح الدعاية الربانية وبث مواد الاصلاح، ولو تشاغل (ص) بها لألهته عن كثير من مصالح النبوة ومهمات الدين، فكان رسول الله (ص) طول حياة أبي طالب يأوي إلى كافل كافي، وناصر قوي فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله (ص) بغيتها وكابد منها أهوالا ولاقى أمورا صعابا حتى كان يتجول في القبائل والعشائر فلم يجد مأوى ولم يصب ناصرا، فقصد ثقفيا وعامرا وربيعة وغيرهم فلم يلقى منهم من يجيره من قومه ليبلغ رسالة ربه، حتى قال: «ما أسرع ما ودنا فقدك يا عم »، فما ضنك برجل كانت حياته عز الإسلام ووفاته ذله، فهل تجد بربك شرفا يقارب هذا أو مجدا يدانيه؟، كلا.
قال ابن أبي الحديد الكاتب:
فلولا أبو طالب وابنه لما مثل الدين شخصاً فقاما
(73)
فداك بمكة آوى وحاما وهذا بيثرب لاقى الحماما
ونحن لما ترجمنا لبي طالب في كتابنا «الميزان الراجح» ترجمة ككتاب مستقل تجمع سيرته وأخلاقه وأشعاره وجل مآثره، نكتفي هنا بأيراد اليسير ليعرف أن أبا طالب زعيم قريش وسيدهم وعظيم أهل مكة.
,جمل الأقوال في إسمه ثلاثة: أحدها أن إسمه كنيته، وثانيها عمران، وثالثها عبد مناف، وهو المشهور والصحيح إن شاء الله.
قال ابن واضح(1): فكفل رسول الله (ص) بعد وفاة عبد المطلب أوب طالب عمه فكان خير كاف وكان أبو طالب سيدا شريفا مطاعا مهيبا مع إملاقه.
قال علي بن أبي طالب «عليه السلام»: ساد أبي فيرا وما ساد فقير قبله.
وخرج به إلى لصرى من أرض الشام وهو ابن تسع سنين، وقال: والله لا أكلك إلى غيري، وربته فاطمة بنت أسد بن هاشم أمراة أبي طالب وأم أولاده جميعا.
ثم قال(2): وتوفي أبو طالب بعد خديجة بثلاثة أيام وله (86) سنة، وقيل: (90) سنة، ولما قيل لرسول الله (ص) أن أبا طالب قد مات، عظم ذلك في قلبه، وأشتد له جزعه، ثم دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرات وجبينه الأيسر ثلاث مرات ثم قال: يا عم، ربيت صغيرا، وكفلت يتميا، ونصرت كبيرا، فجزاك الله عني خيرا، ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول: وصلتلك رحمم وحزيت خيرا، وقال: أجتمعت على هذه الأمة في هذه الأيام مصيبتان لا أدري بأيهما أنا أشد جزعا، يعني مصيبة خديجة وابي طالب.
ثم قال: وأجترأت قريش على رسول الله بعد موت أبي طالب وطمعت فيه وهموا به مرة بعد أخرى، وكان رسول الله (ص) يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ويكلم شريف كل قوم، ولا يسألهم إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول: لا أكره أحدا منكم إنما أريد منكم أن تمنعوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي، فلم يقبله أحد، وكانوا يقولون: قوم ارجل أعلم به، الخ.
وقال الداوودي في عمدة الطالب(3): وكان أبو طالب مع شرفه وتقدمه م المناقب غزير الفضل، ومن أعظم مناقبه كفالته لرسول الله (ص) وقيامه دونه ومنعه
(1) تاريخ اليعقوبي 2/20. (2) تاريخ اليعقوبي 2/23.
(74)
إياه من كفار قريش حتى حصروه في الشعب ثلاث سنين.
ثم قال(1): ومن مناقبه إنه استسقى بعد وفاة أبيه عبد المطلب، فسقي، الخ.
وقال ابن أبي الحديد الكاتب في الشرح(2): قال الزبير: فأما أبو طالب بن عبد المطلب واسمه عبد مناف وهو كافل رسول الله (ص) وحاميه من قريش وناصره، والرفيق به، والشفيق عليه، ووصي عبد المطلب فيه فكان سيد بني هاشم في زمانه ولم يكن أحد في قريش يسود في الجاهلية بغير مال إلا أبو طالب وعتبة بن ربيعة.
قال الزبير: وأبو طالب أول من سن القسامة في الجاهلية في دم عمرو بن علقمة، ثم أثبتتها السنة في الإسلام وكانت السقاية في جاهلية بيد أبي طالب ثم سلمها إلى أخيه العباس، قال: وكان أبو طالب شاعرا مجيدا، الخ.
وفي تاريخ الخميس(3): كان عبد المطلب بعد هاشم يلي الرفادة، فلما توفي بذلك أبو طالب في كل موسم حتى جاء الإسلام وهو على ذلك، وقد كان النبي (ص) أرسل بمال يعمل به الطعام سنة 9 ثم عمل به النبي (ص) في حجة الوداع سنة (10) ثم قام بذلك أبو بكر في خلافته، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي «عليه السلام» وهلم جر، وهو طعام الموسم الذي كان الخلفاء يطعمونه أيام الحج بمكة ويمنى حتى تنقضي أيام الموسم.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة(4) بعد نسبه: واشتهر بكنيته واسمه عبد مناف على المشهور، وقيل عمران.
وقال الحاكمك أكثر المتقدمين على أن إسمه منيته، ولد قبل النببي ب(35) سنة، ولما مات عبد المطلب أوصى بمحمد (ص) إلى أبي طالب فكفله وأحسن تربيته وسافر به إلى الشام وهو شاب، ولما بعث قام بنصرته وذب عنه من عااه،ومدحه عدة مدائح منها قوله لما أستسقى أهل مكة فسقوا:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
ومنها قوله من قصيدة:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وقد أطلنا كثيرا في «الميزان الراجح» بترجمة أبي طالب، وذكرنا أشعاره
(1) عمدة الطالب: ص7. (2) شرح نهج البلاغة 3/461.
(2) تاريخ الخميس 1/177. (4) الإصابة 4/115.
(75)
كلها، وأسنوفينا وحسبنا ذلك، وتختم هذا الفصل بخطبته في تزويج رسول الله (ص) بخديجة وبوصيته عند وفاته:
أما الأولى: فقد أوردها جماعة من العلماء عددنا أسمائهم في «الميزان الراجح» وهذه ألفاظها للدحلاني الشافعي في سيرته على هامش الحلبية(1)، قال: فخرج معه عمه أبو طالب وحمزة حتى دخلا على خويلد أبيها، وقيل: على عمها عمرو بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب فخطبها أبو طالب من خويلد أو عمرو للنبي (ص) فرضا وأصدقها عشرين بكرة، وقيل إثنى عشر أوقية ونشأ (2)، وقيل على أربعمائة دينار وخطب أبو طالب وقد حضر رؤساء مضر، فقال أبو طالب:
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل ضئضئ معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوبا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما اجله وعاجله كذا، وهو والله له بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم.
وقد ذكرنا القصة يتمامها في «الميزان الراجح» والنبأ المشار إليه هو النبوة فهو يعترف بها قبل أن يبعث النبي (ص) وهذا من العلم المكنون عنده.
وفي تاريخ الخميس(3) بعد هذه الخطبة: وفرح أبو طالب شديدا وقال: الحمد لله الذي أذهب عنا الكروب ودفع عنا الهموم.
أما الثانية: وذكرها جماعة أيضا من علماء السنة عددناهم في «الميزان الراجح» منهم الخفاجي في «طراز المجالس» وهذا لفظها(4): وصية أبي طالب واسمع عبد مناف نقلت من خط ابن الشحنة قال: لما حضرت الوفاة أبا طالب عم النبي جمع إليه وجوه قريش واوصاهم وقال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب وفيكم السيد المطاع وفيكم المقدم الشجاع الواسع الباع وأعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه ولا شرفا إلا أدركتموه فلكم بذلك على الناس الفضيلة ولهم اليكم الوسيلة والناس لكم حرب
(1) سيرة زيني دحلان بهامش سيرة الحلبية 1/122.
(2) النش: النصف في كلامهم. (3) تاريخ الخميس 1/299.
(4) طراز المجالس: ص217.
(76)
وعلى حربكم الب وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش، ونبأة للوطأة، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها فإن في صلة الرحم منسأة الأجل وزياادة للعمر، واتركوا البغي والعقوق ففيها هلكت القرون قبلكم واعطوا السائل وأجيبوا الداعي فإن فيهما شرف الحياة والممات وعليكم بالصدق في الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة للخاصة ومكرمة للعامة وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو إلي بكلما أوصيكم به، وقد جاء بامر قبله الجنان وأنكره اللسان، مخافة الشنئآن، وأيم لله! لكأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الوبر والأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدفوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خرابا وضعفاؤها أربابا وأعظم عليه أحوجهم إليه وأنفرهم منه، أحضاهم عنده قد محضته العرب ودادها وأصفت له فؤادها وأعطت له قيادها دونكم يا معشر قريش كونوا له ولاة ولحزبه حماة والله لا يسلك أحدكم سبيله إلا رشد ولا ياخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدفعت عنه الدواهي، ثم هلك، إنتهى.
وهذه التصية نص في معتقد الشيعة أن أبا طالب آمن بقلبه ولسانه إلا أنه أخفى إيمانه لضروب من المصلحة وأظهرها أنه يتمكن من التكتم على منع رسول الله (ص) فإنه يقوى بالكتمان على منعه وأستعان بإخفاء معتقده على الذب عنه والنصرة له ولك معلوم لا يشك فيه إذ كان بمظاهرته لهم والمجاراة معهم بما يواريهم فيه ويومهمه أنه على دينهم غي مرتض لهذا الدين الجديد وإنما نصرته ودفاعه بداعي حمية النسب فإنهم ينخدعون بذلك فيقوى عليهم ويلتف إليه أشتات الاقربين كما في قصة حصار الشعب ودخول بني هاشم وبني المطلب معه في الشعب جميعا، الكافر والمسلم، فلو صارح بتدينه وجاهر بإسلامه لكان كفرد من أفراد من أسلم من قريش ولتعصب عليه حتى أفراد اسرته ورهطه الأدنى لأن الديانة مهما كانت أقوى جاذبية من الرحم وقد ظهر ذلك في المجاهرين بعداوة الرسول من رهطه الأدنى كأبي لهب وأبي سفيان بن الحارث، فكان هذا التكتم من أبي طلب عين المصلحة فكان حكمه حكم أصحاب الكهف، أظهروا الكفر وأسروا الإيمان فأعطاهم الله أجرهم مرتين حسبما دلت عليه الأحاديث من أئمتنا
«عليهم السلام».
فالمصارحة والمجاهرة بإيداء كلمة الإسلام وإظهارها تقضي عليه حتما
(77)
عندهم أن يكون حالة حال من أسلم من أشرافهم كأبي سلمة بن عبد الاسد، وخالد بن سعيد بن العاص، وعثمان بن مظعون وغيرهم، فلا يقوى حينئذ على الدفاع عن نفسه فضلا عن غيره ولما استطاع أن يطاولهم هذه المدة ولعالجوه بالحرب حتى يهلك ضعف القبين وفي المطاولة أهم المصالح في انتشار الإسلام انتشارا مدهشا، فإنه كان إلى وقت وفاة أبي طالب كاد أن يكون النصف ممن قطن مكة قد أسلم ولكن بين من كتم إسلامه كأبي طالب حتى تمكن من إظهاره فيما بعد وبين من أظهره وفر به هربا إلى الممالك التي لا سلطة لهم فيها ومنهم من حبس وعذب ومنهم من حمته عشيرته فلولا هذه المطاولة بمداراة أبي طالب إياهم وسياسته لهم بكتمانه عليهم إسلامه لما تمكن النبي (ص) من نشر الدعوة الإسلامية ولا اقتدر على بث الدعاية الدينية.
وذكر الدحلاني(1) والحلبي(2) وسبط ابن الجوزي في التذكرة(3) ولفظ الحلبي: إنه لما حضرته الوفاة دعا بين عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما أتبعتم أمره فأطيعوه ترشدوا، إنتهى.
وقد ذكر الوصية المتقدمة جماعة من علماء السنة.
(1) السيرة الدحلانية 1/150. (2) السيرة الحلبية: ص383.
(3) التذكرة: ص5.
(78)