2.jpg
صفحة

اسم الکتاب : كربلاء الحضارة والتاريخ

المؤلف : د. رؤوف محمد علي الانصاري
المطبعة : دار الكتب

                              بسم الله الرحمن الرحيم    

مقدمة 

تتبوأ كربلاء مكانة سامية بين أهم وأشهر المدن الدينية المقدسة في العراق والعالم الاسلامي.على أديمها إستشهد سبط رسول الله محمد(ص(  الامام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع). كما تتميز بين العديد من المدن التاريخية بأنها كانت على مر العصور التي سبقت الاسلام مركزاً للعبادة

وأرضاً مقدسة لديانات مختلفة وأقوام متعددة، لاسيما في العصرين البابلي والكلداني، وسكناً للمسيحيين وغيرهم، وبالخصوص في المنطقة الواقعة الى الشمال الغربي منها، وان ارضها وامتدادتها كانت تشكل مهد التحضر والتمدن، ومازالت آثار العديد من الكنائس ومعالم الحضارة الانسانية شاهداً على تلك الحقبة الزمنية من تاريخ هذه المدينة المقدسة. وقد أضحت مدينة كربلاء المقدسة خلال فترات زمنية متوالية من تاريخها الاسلامي مركزاً من مراكز العلم والأدب والثقافة والفنون، إذ كانت لها مساهمتها البارزة في إغناء الحضارة الاسلامية، بما تزخر به من موروث حضاري وديني مجلل بالمهابة والخشوع، يتمثل أبرزه بروضتيها الحسينية والعباسية اللتين يحتضن ثراهما ضريحي سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين وأخيه العباس ولدي أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب (ع). ولاتزال عمارتاهما تتبوآن مكانة مرموقة وتحظيان باهتمام بالغ بين سائر عمائر المدن الإسلامية الأخرى، حيث استوحت تلك العمائر خصائصها من روح الإسلام وتعاليمه السمحة واستلهمت قيمه ومثله العليا.

    (13)                     

وقد جاء في موسوعة الأديان، الجزء الثالث عشر، عن دار النشر

كولير ماكميلان في لندن: «ان مراقد الأئمة في المدن الدينية، خصوصاً في

النجف وكربلاء، هي امتداد للمراكز ذات المنزلة العظيمة في مكة المكرمة

والمدينة المنورة، وعليه فإن الشعائر الدينية تلعب دوراً مهماً في زيارة هذه

المراقد».

ومن خلال العلاقة الروحية التي تربط المسلمين بكربلاء وروضتيها

المقدستين عبر العهود الإسلامية، شهدت عمائر المدينة تقدما ملموسا من

حيث التخطيط والتصميم والبناء والفنون والزخرفة بأنواعها كافة. وكانت دائما

موضع اهتمام الرحالة والمؤرخين المسلمين وغيرهم، وعلى اختلاف أجناسهم،

ومن الأقطار كافة، الذين عنوا بتاريخها وجغرافيتها وفنون عمائرها الإسلامية.

ولم يقتصر دورها على بناء وتعزيز الحضارة الاسلامية، بل تجاوزه إلى إبداع

ونشر مختلف المعارف والعلوم والثقافات.

لقد أصبحت مدينة كربلاء المقدسة خلال حقب زمنية من تاريخها

الاسلامي العريق محط أنظار الفقهاء والعلماء والادباء والشعراء من كل حدب

وصوب، ومدينة مفتوحة على تيارات الثقافات المتعددة، وقد تأثرت ـ من

خلال اللغة والتاريخ ـ الى جانب الثقافة العربية الاسلامية بالثقافتين الفارسية

والتركية، وكانت على مر العهود الاسلامية رمزا للتسماح والتعايش السلمي

بين أتباع هذه التيارات، مما انعكس ذلك على جميع مناحي الحياة، لاسيما

تركيبتها السكانية، وساهم أيضا في تعدد المدارس الاسلامية وتنوعها في هذه

المدينة المقدسة منذ أكثر من ألف عام.

أما رمزية المدينة وبعدها الانساني الذي نالته باستشهاد الامام

الحسين (ع) ثائرا ضد الظلم والجور والاستعباد، فقد جعلها مصدر إلهام

(14)

للثورات والانتفاضات ومنطلقا للحركات الفكرية والسياسية والثقافية

والاجتماعية.

وقد كان للثقافة الإسلامية دور مهم في تشكيل البنية العمرانية لمدينة

كربلاء المقدسة، وبأسلوب جعل شهرتها تصل الى الآفاق. حيث ساهمت على

مر العهود الأسلامية، في دفع تطور فنون وأساليب العمارة في هذه المدينة

المقدسة الى مستويات راقية ومعطاءة، وما زالت تعكس اجواء المدن التاريخية

العريقة لما تتمييز به من معالم دينية وتراثية، كالمراقد والمساجد والمدارس

الدينية والحسينيات والمقامات والأسواق والخانات والبيوت القديمة التي كان

لعناصرها ومفرداتها المعمارية تأثيرها الواضح على الطابع المعماري الجميل

لهذه المدينة المقدسة، على الرغم من تعرض أجزاء كبيرة منها خلال العقود

الأربعة الماضية إلى التشويه والخراب، بسبب التخلف في النظرة العمرانية

والفنية والفكرية، ونتيجة للظروف السياسية التي مر بها العراق.

تعتبر عمائر المراقد المقدسة جزءا من التراث الحضاري الأنساني

وأحد أجمل الصروح الخالدة في التاريخ الاسلامي.

ويكمن الهدف من إنجاز هذه الدراسة التاريخية والعمرانية والسياحية

لكربلاء في جوانب عدة أبرزها:

أولاً:  تقديم عرض تأريخي لكربلاء خلال مراحلها المختلفة.

ثانيا: تقديم عرض لمراحل التطور العمراني للمدينة منذ استشهاد الإمام

الحسين (ع) في واقعة الطف سنة 61هـ (680م) والى يومنا هذا،

وبالخصوص عمائر مراقدها المقدسة التي شهدت إنجازا عمرانيا

(15)

متقدما خلال حقب زمنية مختلفة، بالاضافة الى المواقع والمعالم

الحيوية الدينية والتاريخية والتراثية والآثارية.

ثالثاً: إبراز الجوانب الفنية والجمالية لعمائر المدينة والتاريخية

والتراثية وبالخصوص معالم فنون عمارة الروضتين وما طرأ عليهما

من تطور وإبداع في التصميم والبناء والزخرفة.

رابعا: دراسة الواقع العمراني الحالي للمدينة والأسس العلمية لإعادة

تخطيطها وتطويرها، والمحافظة على الموروث العمراني.

خامسا: أهمية السياحة وأثرها في ازدهار مدينة كربلاء اقتصاديا وثقافيا

وعمرانيا... لاسيما السياحة الدينية، والمقترحات والتوصيات المتعلقة

بتطويرها.

كما تهدف هذه الدراسة الى تقييم الوضع الحالي للموروث العمراني

في مدينة كربلاء المقدسة، وتحديد الأطر المستقبلية لتطوير جوانبها:

الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياحية، وابراز أهميتها كأحد القطاعات

الاساسية للتنمية... وتهدف كذلك الى البحث في موضوعات السياسات

والبرامج والمعايير الواجب إتخاذها لمراقبة الاخطار التي يتعرض لها الموروث

العمراني عند إعمار مركز المدينة والآفاق المستقبلية للتطوير.

وكذلك تهدف هذه الدراسة الى تفعيل الدور الاقتصادي في هذه

المدينة المقدسة، وتحقيق التكامل بين الجهات ذات العلاقة بالموروث العمراني

بما يعود على أهالي المدينة والمدن العراقية الاخرى بالمنافع الاجتماعية

والعوائد المالية، وزيادة فرص العمل في مجال الاعمار والتطوير والمحافظة

على الموروث العمراني من خلال إعادة تأهيل المباني والاحياء القديمة

(16)

ومواقع التراث العمراني، وتطوير استراتيجية التعاون بين مدينة كربلاء والمدن

الاسلامية الأخرى في مجال التطوير والمحافظة على التراث.

نأمل أن تكون هذه الدراسة الاكاديمية، التي شملت الجوانب التاريخية

والعمرانية والسياحية لكربلاء، تتناسب ومكانتها في الحضارة الاسلامية،

وخطوة نحو دراسات مستقبلية أخرى.

د.رؤوف محمد علي الانصاري

كانون الاول (ديسمبر) 2015

(17)

التعريف الجغرافي والسكاني والاقتصادي

إشتهرت مدينة كربلاء المقدسة بجمالها وطبيعتها الخلابة والمتنوعة

وموقعها الجغرافي المتميز، وتقع إلى الجنوب الغربي من بغداد بنحو 105

كلم، وعند تقاطع درجتي العرض 44,3 درجة شرقا والطول 32,36 درجة

شمالا. وتبعد عن نهر الفرات غربا بحوالي 30 كلم، إذ تقع على حافة البادية

في وسط المنطقة الرسوبية من العراق، وعلى خط المواصلات الذي يربط

العراق بالجزيرة العربية. وتحيطها بساتين النخيل وأشجار الفواكه من ثلاث

جهات. ويسقيها نهر الحسينية المتفرع من نهر الفرات. وتقع على شمالها

الغربي مدينة الرمادي، وفي شرقها مدينة الحلة وآثار بابل، وفي غربها

الصحراء الغربية التي تضم بحيرة الرزازة ومدينة عين التمر (شثاثا) وحصن

(قصر) الأخيضر الشهير وكهوف الطار وقطارة الامام علي (ع) ومعالم

تاريخية بارزة، وفي جنوبها مدينتا النجف الأشرف والكوفة.

تتألف محافظة كربلاء حاليا من الأقضية والنواحي التالية:

1ـ مركزقضاء كربلاء وتتبعه:         أ ـ ناحية الحسينية.

ب ـ ناحية الحر.

2ـ مركز قضاء الهندية(طويريج) وتتبعه:

أ ـ ناحية الخيرات.

ب ـ ناحية الجدول الغربي.

3ـ قضاء عين التمر.

(18)

ويبلغ عدد نفوس محافظة كربلاء حسب تعداد البطاقات التموينية لعام

2014م (1250000 مليون ومائتين وخمسين ألف نسمة)، أما العدد الحقيقي

فيقدر بأكثر من مليون ونصف نسمة، لأن أعدادا كبيرة من سكان المحافظات

الأخرى ومن العوائل العراقية التي عادت إلى البلاد بعد سقوط النظام المباد

سكنت كربلاء ولم يتم تسجيلها إلى الآن.

وتتميز مدينة كربلاء المقدسة بكثرة بساتينها العامرة، وخاصة بساتين

التمور والفواكه المختلفة والخضروات، إلى جانب الحبوب، وتعد إحدى أهم

المناطق الزراعية في العراق نظرا لتربتها الصالحة والخصبة ووفرة مياهها.

وتعكس الصناعات والحرف اليدوية ثقافة الشعوب وفنونها... وتعتبر

من مقومات الجذب السياحي في هذه المدينة المقدسة، وكانت وماتزال هي

الظاهرة الشاخصة بهذا الموروث الثقافي والشعبي الذي اشتهرت به خلال

القرون الماضية... لاسيما النقش على النحاس والزخارف الخشبية والجبصية

وصناعة البلاط القاشاني الذي يعرف على نطاق واسع بين الدول ب(الكاشي

الكربلائي)، وكذلك الترب التي يسجد عليها وسبح الصلاة، وقد عرفت المدينة

أيضا بصناعة الدبس (عسل التمر) وكذلك الصناعات الجلدية والبلاستيكية

والنسيج وصناعة الطابوق الطيني المفخور (الآجر) والجص وصناعة

الاسمنت والثرمستون بالإضافة إلى وجود مصانع التعليب والألبان. وكذلك

اشتهرت المدينة بتربية الدواجن والمنتوجات الزراعية. وقد ظلت هذه الفنون

والحرف اليدوية محافظة على رونقها وأصالتها على الرغم من ظهور

الصناعات الآلية الحديثة. ومن المصانع المهمة التي أقيمت في كربلاء مؤخرا

هو مصنع الحديد والصلب الذي بدأ الانتاج التجاري له والتسويق بنوعية

وأسعار منافسة للأنواع المستوردة من الخارج.

(19)

وتعتمد المدينة في اقتصادها بالدرجة الأولى على السياحة الدينية،

حيث تفد عليها مجاميع الزوار على مدار السنة، لاسيما في المناسبات الدينية

المهمة لزيارة مراقدها المقدسة، حيث يبلغ عدد الزائرين القادمين إليها من

داخل العراق والدول الإسلامية ومن دول أخرى تتواجد فيها جاليات إسلامية

كبيرة عدة ملايين سنويا، وهم يشكلون عاملا مهما ومستمرا لتحريك السوق

المحلية ومصدرا هائلا للدخل الوطني.

(20)

تعريف المصطلحات

مدينة كربلاء: هي إحدى أهم المدن الدينية المقدسة في العراق والعالم الإسلامي،

وأحد أبرز مراكز المسلمين الشيعة في العالم.

المنطقة الواقعة بين الروضتين: وهي منطقة الأسواق التاريخية والمباني الدينية القديمة والبيوت

التراثية التي أزيلت سنة 1991م، وفي الوقت الحالي هي الساحة

الواسعة التي تقع بين الروضتين الحسينية والعباسية وتحيط بها

الفنادق والمحلات التجارية، ويبلغ طولها حوالي350 مترا وعرضها

160مترا.

مركز المدينة: ويشمل الروضتين والساحة الواسعة بينهما والمنطقة المحيطة

بالروضتين.

المدينة القديمة: وتشمل مركز المدينة والأحياء القديمة المحيطة بالمركز، وهي على

شكل دائري تقريبا، ويبلغ قطرها أكثر من كيلومتر.

الضريح: ويشمل القبر الشريف الذي يغطيه الصندوق الفضي المشبك ذو

السقف الذهبي، ويعتبر الضريح قلب الروضة.

غرفة الضريح: هي الغرفة الواسعة التي يتوسطها الضريح وتعلوه قبة الروضة

المكسوة من الخارج بقشرة خفيفة من الذهب.

الحضرة: تحتل القسم الوسطى من الروضة، وتشمل غرفة الضريح وأروقة

الصلاة والأواوين المحيطة بغرفة الضريح، ويحيط بالحضرة الصحن

الواسع (الفناء المكشوف) من جهاتها الأربعة، الذي تم تسقيفها في

السنوات الأخيرة.

(23)

الروضة: وهي الجامع الذي يحتضن القبر الشريف، والروضة تشمل الحضرة

والصحن الواسع المكشوف والأواوين والغرف المطلة على الصحن

والسور الخارجي للروضة.

ويطلق أيضا على الروضات (جمع روضة) العتبات المقدسة أو

المراقد المقدسة.

وتحتضن مدينة كربلاء روضتي الإمام الحسين وأخيه العباس (ع).

وأبرز ما تتميز به عمارة الروضتين هي قبابها ومآذنها الذهبية.

الطراز المعماري لابنية المدينة القديمة: يشير الطراز المعماري لأبنية المدينة القديمة في كربلاء إلى أن

تصاميمها متأثرة بخصائص وفنون عمائر حضارات وادي الرافدين

والعمارة الإسلامية.

الخصائص والفنون المعمارية لأبنية المدينة القديمة: إن أبرز سمات فنون العمائر القديمة في مدينة كربلاء تتمثل

بالعناصر والمفردات المعمارية التالية: القباب، القبب الصغيرة،

المنائر، العقود (الأقواس)، الأروقة، الأواوين، الصحون (الساحات

الداخلية المكشوفة)، الزخارف بأنواعها خصوصا المقرنصات

والزخارف القاشانية الملونة والجبصية والآجرية، الزخارف الخشبية

وبالخصوص الشناشيل (المشربيات).

(24)

نشاة المدن الإسلامية

نشأت المدن في العالم الإسلامي، كسواها من المدن، في مناطق

العالم الأخرى، نتيجة لأجتماع عدد من السكان على شكل جماعة بشرية

متعايشة في بقعة معينة من الأرض لسبب أو أكثر كالخصائص الطبيعية

(مياه، مناخ ...)، أو الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية الاستراتيجية. ثم

اتسعت تدريجيا إلى هذا الحد أو ذاك حسب الظروف المؤاتية والفترات

التاريخية. وهذا الأمر يصدق على المدن التي وجدت قبل الإسلام أو تلك

التي تأسست بعده، سواء بسبب الفتوحات الإسلامية أو لأسباب لاحقة غيرها.

وجاءت العوامل الحضارية والروحية الخاصة بالعالم الإسلامي التي

سطع نورها من بيت الله الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في

المدينة المنورة إلى جانب هذه العوامل المشتركة وتأثيرها في الواقع، لتطبع

المدينة الإسلامية بسماتها المميزة. ثم لعبت في إطارها عوامل أخرى لاسيما

الاثنية والثقافية الموروثة ونمط المعيشة واستعمال مواد البناء المحلية أدوارا

متفاوتة في إيجاد معالم متباينة إلى هذا الحد أو ذاك داخل المدينة الإسلامية

التي تظل في طابعها العام سمة عمرانية واحدة، إلا أن ذلك لا يلغي وجود

عوامل وقيم أثرت في شكل المدينة الإسلامية كالتحسس والتذوق الجمالي للفن

والعمارة.

تبدو المدن الإسلامية إجمالا، للوهلة الأولى، متماثلة الملامح في

أبرز خصائصها العمرانية والمتمحورة حول السمات الروحية الخاصة بالإسلام

كدين وعقيدة من جهة، وكنظام اجتماعي ـ حياتي من جهة أخرى، فرض

وبلور من جانبه قوانينه التي تركت آثارها في بنية المجتمع لملائمة أحكامه

(25)

الشرعية. وهذه الحال تعكسها أوجه التشابه الملموسة في الخصائص الحياتية

الرئيسة لسكان المدن الإسلامية إجمالا، رغم الفوارق النسبية النابعة من

تأثيرات موضوعية مصدرها أما الانتماء الاثني المحدد للغالبية الساحقة

(عرب، أفارقة، فرس، ترك، أكراد، بربر ...) أو الانتماء الجغرافي (صحارى،

مرتفعات ...) أو المناخي أو غير ذلك. أما من حيث المنشأ في الأصل، فقد

تطرق الكثير من الباحثين في دراساتهم إلى الجوانب البنيوية والعمرانية للمدينة

الإسلامية ... ومن أوائل المفكرين الذين اهتموا بدراسة ظاهرة النمو الحضري،

هو: المؤرخ والفيلسوف الاجتماعي عبد الرحمن ابن خلدون (1332م ـ

1406م)، أحد العلماء الذين تفخر بهم الحضارة الاسلامية ... وقد توصل

الى نظريات باهرة في هذا العلم، لاسيما في قوانين العمران، فإهتم في مقدمته

المشهورة بـ«مقدمة ابن خلدون» بمعالم نشأة المدن الاسلامية والظواهر

المرتبطة بها، وخاصة في الباب الرابع تحت عنوان: «في البلدان والامصار

وسائر البلدان... الخ»، ويرى ان الفلسفة من العلوم التي استحدثت كانت مع

انتشار العمران، وانها كثيرة في المدن.

وقد اعتمد ابن خلدون في مقدمته على ان خلاصة الظواهر

الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، تفسر بالعمران، وان العمران

خلاصة النتاج الانساني في المجتمع، من خلال ما يتميز به من خصائص،

ووضع ابن خلدون اساسا لعلم لم يسبقه اليه أحد، سماه (علم العمران) وتمت

ترجمته بـ(علم الثقافة والحضارة)، وأحيانا بـ(علم التمدن) أو بـ(علم التخطيط

والتنمية). ومعظم الاتجاهات المتعلقة بتحليلات ابن خلدون قريبة الى طرق

البحث العلمية المعاصرة.

(26)

ومن العلماء والباحثين الذين تطرقوا أيضا في دراساتهم الى الجوانب

البنيوية والعمرانية للمدينة الاسلامية: لويس ماسينون، ووليم مارسيه، وأدموند

بوتي، وهنري بيرين، وكارديه سوفاجيه، والمستشرق الإنكليزي ستيرن وغيرهم

الكثير وذلك بتصنيف نشاة المدن الإسلامية إلى صنفين متميزين جوهريا هما:

1ـ الحواضر القديمة:

يشمل هذا الصنف المدن التي كانت موجودة أصلا قبل ظهور

الإسلام ثم فتحها المسلمون ونشروا الإسلام فيها بعد أن استقروا فيها مانحين

إياها طابعا إسلاميا محضا، إلى درجة بدت معه كما لو أنها ولدت من جديد

كمدن إسلامية لا يربطها أي رابط حضاري أو روحي بتاريخها السابق عن

الإسلام، على الرغم أن بعضها، أو بالأحرى أغلبها، من المدن المعروفة

سابقا كمدن وعواصم لإمبراطوريات سابقة على الفتح الإسلامي. وأنها تمتعت

بمكانة تمدنية مرموقة اثناء الفترات السابقة كاليونانية والرومانية كما هو الأمر

بالنسبة لدمشق وحلب في سوريا. والإسكندرية في مصر. واسطنبول في تركيا. ولكن ظلت مبادئ التخطيط العمراني القديم لهذه المدن، ولقرون عدة، هي

الملامح البارزة التي ظهرت من خلال نمط الشوارع المتعامدة، المسارح،

الحمامات، والملاعب، والمتنزهات.

2ـ الأمصار

ويشمل هذا الصنف حصرا المدن التي أسسها المسلمون بعد الفتوحات الإسلامية، أو نتيجة لها، أو بسبب استقرار الدول الإسلامية وتوسعها. فهذه

المدن ولدت إسلامية منذ الأصل وتطورت بشكل منسجم كليا مع الحياة

الروحية والسياسية التي بشر بها الدين الإسلامي وكانت لقرون عدة، من

مراكز الحضارة العالمية. وإلى هذا الصنف تنتمي مدن، من بينها: البصرة

(27)

والكوفة وبغداد والقاهرة والقيروان وغيرها من المدن الإسلامية الأخرى

المعروفة.

يجمع الباحثون الذين تناولوا بالدراسة، عمران المدينة الإسلامية

الجديدة هذه، التي كان للإسلام الدور الحاسم في ظهورها وتطورها العمراني،

على أن إنشاءها مر عبر جملة خطوات تبدأ باختيار الموقع المخصص

للجامع، أي مركز العبادة، وهو موقع يشكل قلب المدينة أو المحور الذي

تتجه له جميع مخارج ومداخل المدينة. وتلي الجامع الأقسام العمرانية الأخرى

كالمرافق الحكومية والأسواق ثم البيوت السكنية. كما يعتبرون مكة المكرمة

والمدينة المنورة النماذج الأولى للمدن الإسلامية التي اختصت بهذا التخطيط

العمراني الإسلامي الخاص.

3ـ مدن الأضرحة

بيد أن هناك صنفا ثالثا من المدن الإسلامية الكبيرة والمهمة لاينتمي

الى أي من الصنفين المذكورين إطلاقا. إلا أن خصوصيته لم تنل الانتباه

والاهتمام اللازم من قبل الباحثين المذكورين أعلاه. وهو الصنف الذي نسميه

«مدن الأضرحة»، فهذا الصنف من المدن لم يكن موجودا قبل الإسلام. ولم

يولد نتيجة لمتطلبات عسكرية أو للتطور الاقتصادي أو الازدهار السكاني.

إنما ـ وهنا تكمن خصوصيته الجوهرية ـ يتعلق الأمر بمدن نشأت لسبب

مغاير كليا، وهو تحديدا، وجود الأضرحة المقدسة التي تتمثل في جوامع

ومراقد أئمة أهل البيت النبي محمد (ص) وأحفادهم (ع)، فبفعل وجود هذه

الأضرحة أخذت هذه المدن تنمو تدريجيا ومن تدخل من سلطة أو إرادة

عسكرية او سياسية أو اقتصادية، لتتحول من نوى لمزارات دينية نائية، إلى

مدن دينية ضخمة، سرعان ما وجدت نفسها تلعب دورا حضاريا بارزا ومتزايدا

(28)

مع مرور العصور الإسلامية اللاحقة. وهذا الدور لم يقتصر في تأثيره على

الأفقين الموضعي أو المحلي وإنما راح، وبشكل واضح، يؤثر إقليميا وعالميا،

وخصوصا في العالم الإسلامي بعد أن ذاع صيت هذه المدن لأهميتها

الروحية والدينية والثقافية والعمرانية. كما أنها أصبحت مزارا يقصده المسلمون

من شتى أنحاء المعمورة لإقامة الشعائر والطقوس الدينية في مناسبات معينة

أو من دونها لزيارة أضرحتها المقدسة والتعرف على معالمها الدينية،

وخصوصا بعد أداء مراسم الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وتركز في العراق عدد من هذه المدن، وهي: النجف الأشرف وكربلاء

المقدسة والكاظمية وسامراء الحالية، والتي تتمتع جميعا بمكانة مرموقة

وتحظى باهتمام كبير من لدن العراقيين إضافة إلى شأنها الديني البحت الذي

يخص المسلمين عموما في مختلف مناطق العالم وعلى اختلاف أجناسهم.

أما في إيران فتركزت مدينتا مشهد المشرفة وقم المقدسة، اللتان تعدان

من المدن الدينية المهمة في العالم الإسلامي. ولا شك في أن هناك عوامل

أخرى أسهمت إلى جانب العامل الديني في تطوير هذه المدن وإيصالها إلى

ما وصلت اليه من شهرة ومكانة رفيعة. لكن كل تلك العوامل تعتبر ثانوية

وطارئة في كل الأحوال إذ ما قورنت بالعامل الديني، الذي يظل في كل

الأحوال السبب الأول والرئيسي في نشأتها الأولى وتطورها إلى حواضر كبيرة.

ويظل العامل الديني المحرك الفعلي في استمرار ازدهارها وتطورها مستقبلا.

(29)

التنوع الحضاري وأثره في تطور فنون العمارة الإسلامية

شهدت العمائر الإسلامية، منذ ظهور أولى العناصر المعمارية

الأساسية لأول مسجد في الإسلام بصورته التي جاء عليها المسجد النبوي

الشريف في المدينة المنورة، تطورا نوعيا كبيرا، ولاسيما بعد أن اخذت رقعة

البلاد الإسلامية بالاتساع وانضمام أمم وشعوب ذات حضارات عريقة وراقية

إلى الإسلام وانضوائها تحت رايته. وقد أدى كل ذلك إلى رفد فن العمارة

الإسلامية بمعطيات وعناصر ومفردات جديدة ساهمت، عبر مراحل، في دفع

تطور فنون وأساليب العمارة في بلدان العالم الإسلامي إلى مستويات رفيعة

ومعطاءة من النواحي الفنية والجمالية والتراثية.

إن الإسلام خلال نصف قرن من انطلاقه، دخل إلى أقدم مراكز

الحضارات البشرية، بدءا من وادي الرافدين، والإمبراطورية الساسانية، ومصر،

وبيزنطة حيث التراث الإغريقي والروماني، إلى سورية حتى شمال أفريقيا

وأسبانيا أيضا. إن هذا الانتشار الواسع، هو تحول تاريخي وحضاري مهم في

حياة البشرية.

لقد استوعبت فنون العمارة الإسلامية التي نشأت وظهرت، في أقل

من قرن بعد الهجرة، روافد هذه الحضارات، لذلك تأثر العرب المسلمون

الفاتحون بالقيم الجمالية لفنون تلك الحضارات العريقة، فاتجهت عنايتهم إلى

الاهتمام بعمارتهم وتزيينها بمختلف أنواع العناصر والمفردات المعمارية

الهندسية منها والزخرفية، مما أكسبها مظهرا جماليا يتناسب مع أهمية الدور

الذي تقوم به هذه العمائر.

(30)

وعبر قرون عديدة تطور فن العمارة الإسلامية وشمل مناطق جغرافية

إمتدت من الأندلس والمغرب غربا، إلى آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية

شرقا. وكانت هذه المناطق تضم عددا من المراكز الإقليمية التي تميز كل

منها بطابع خاص كان مؤثرا على الدوام. وتضم هذه المناطق شعوبا إسلامية

ذات أصول عرقية عديدة وهي: العرب والفرس والأتراك والبربر والهنود.

إن ما نشاهده اليوم من معالم الحضارة الإسلامية من جامع دمشق

إلى جامع قرطبة، ومن مساجد أصفان البراقة، وروائع العمارة الاسلامية في

سمرقند وبخارى، إلى مسجد السليمانية في استانبول، ومن الأضرحة الشبيهة

بالجواهر واللآلئ، كأضرحة أئمة أهل البيت عليهم السلام في النجف الاشرف

وكربلاء المقدسة والكاظمية وسامراء في العراق، ومشهد وقم في ايران،وتاج

محل في الهند، إلى قصر الحمراء في غرناطة ... هذه المباني بكل ما فيها

من فنون جديدة بقبابها ومآذنها وعقودها وزخارفها وطابعها المعماري المميز،

أضفت مظاهر جديدة على عناصر مأخوذة عن كل الثقافات والأشكال الفنية

القديمة الراقية.

إن أبرز ما ظهر في فنون عمائر المدن الإسلامية هو تشكيل العناصر

المعمارية الجديدة، وابتكار التعبيرات والمفردات الفنية. وجاء هذا نتيجة استفادة

المسلمين العرب من فنون عمائر الشعوب التي دخلت الإسلام. فاقتبس العرب

من الفنون الأخرى ما وجدوه مناسبا للحضارة الإسلامية ويتفق مع تقاليدها

وعادتها، فاستلهم الفنانون المسلمون من فنون حضارات وادي الرافدين القديمة

المباني ذات الجدران الخارجية الضخمة العالية المزينة بزخارف آجرية

متنوعة، وكذلك بعض الأشكال المعمارية كالزقورات البابلية التي تركت آثارها

على المآذن في العهد العباسي، كمئذنة جامع المتوكل (ملوية سامراء) في

(31)

العراق، ومئذنة جامع بن طولون في القاهرة، ومئذنة جامع أبي دلف في

سامراء أيضا.

ومن فنون العمائر الساسانية اقتبست الأواوين الواسعة التي تعلوها

القباب وتحيط بالصحن (الفناء المكشوف)، والعقود نصف الدائرية العالية التي

تعلو القاعات الضخمة كما هو في المسجد الجامع في أصفهان. وهذا النوع

من البناء يختلف كليا عن المباني ذات الأروقة والمجازات كما هو متبع في

العراق وبلاد الشام وسواهما من البلدان الواقعة في غرب البلاد الإسلامية.

وقد تأثرت معظم المباني التي شيدت في بداية العصر العباسي

بعناصر ومفردات فنون العمائر الساسانية المشيدة في إيران والعراق ‘بان فترة

الحكم الساساني، كالإيوان الكبير، والبهو الكبير المغطى بعقود نصف دائرية،

وبالخصوص في قصر الخليفة العباسي المعتصم في سامراء الذي أنشئ في

الصدر الأول للأسلام. بالإضافة إلى الاستفادة من الأسلوب المعماري الذي

كان سائدا في عمائر بلاد وادي الرافدين.

كما أن هناك عنصرا معماريا اساسيا آخر يعتبر أحد عناصر فنون

العمارة الإسلامية المميزة أخذ عن العمارة الساسانية وانتشر في دول إسلامية

عديدة، حلت به مشكلة الانتقال من المبنى ذي القاعدة المربعة إلى القبة

نصف الدائرية التي تعلوه. حيث استخدمت الحنيات الركنية وهي مثلثات

مقعرة من الحجر أو الطابوق المفخور (الآجر) مع الجص. ويختلف هذا عن

مثلث القبة الذي ينتقل من المربع إلى الدائرة بالأقواس أو بمثمن الأضلاع،

وهو الذي نشاهده في الآثار البيزنطية والرومانية.

(32)

أما ما أخذه فن العمارة الإسلامية من الطراز المعماري التركي

والمتأثر بالطراز البيزنطي، فهو المباني ذات التصاميم الدائرية الشكل والتي

تحتوي على جزء مركزي كبير تعلوه قبة هائلة الحجم تجتمع حولها قبب

متتباعة أصغر حجما منها وبأحجام مختلفة، واستطاع العديد من المعماريين

الأتراك أن يطوروا هذا النمط من البناء، خصوصا المهندس الكبير سنان

باشا، الذي جعل من المبنى البيزنطي (آيا صوفيا) نموذجا معماريا بعد أن

أدخل عليه ابداعاته الهندسية وأصبح منطلقا ونموذجا لإنشاء العديد من

المباني والمساجد في تركيا وخارجها.

أما فنون الزخرفة الهندسية والنباتية في العمارة الإسلامية فقد تطورت

تطورا كبيرا بفضل تداخل مفردات وعناصر زخرفية لعمائر مختلفة، بحيث

شمل هذا التطور جميع الأشكال المعروفة، مبسطة أو مركبة، متداخلة أو

متشابكة، وأصبحت تتمثل فيها كل صور الجمال الفني المعماري. وقد تأثر

العديد من المباني الإسلامية بهذا الفن الرفيع الذي كان سائدا قبل الإسلام في

وادي الرافدين وبلاد فارس ومناطق أخرى.

وقد صنعت من الآجر أشكال لوحدات زخرفية أو أقسام تؤلف، في

حالة رصفها هندسيا، اشكالا وزخارف هندسية ونباتية رائعة. وكذلك بعض

الكتابات وأنواع الخطوط وخصوصا الخط الكوفي الجميل الذي استعمل بكثرة

على شكل زخارف لكتابة الآيات القرآنية الكريمة. ومن أمثلة المباني

الإسلامية التي اشتهرت بفنون زخارفها الآجرية الجميلة، المدرسة المستنصرية

التي شيدت عام 631هـ (1234م)، وتعد من أشهر المباني القائمة اليوم في

بغداد منذ العصر العباسي.

(33)

أما الزخارف الجبصية في تزيين الجدران فقد وجدت في آثار المباني

العباسية في سامراء، وخاصة الهندسية منها والنباتية. وجاء قسم منها على

شكل عناقيد من العنب وأوراقها, وقد اقتبست هذه الزخارف من الفنون

الساسانية والبارثية. وقد ظهرت أيضا في مسجد ابن طولون في القاهرة الذي

شيد عام 265هـ (879م).

أما عهد السلاجقة 447 ـ 553هـ (1055 ـ 1157م) فقد تميز

أيضا باستخدام الجبص في زخرفة مساحات كبيرة من جدران المساجد. وهذه

الزخارف تتكون من نقوش كتابية وتوريقات نباتية. وقد وجدت نماذج جميلة

لحروف كوفية تنتهي بتوريقات كما هو مسجد حيدرية بمدينة قزوين في

إيران.

أما الزخارف الحجرية، فهناك أمثلة عديدة تبين أن الفن الإسلامي

تأثر بالفنون البيزينطية والهيلينية والساسانية في اقتباسها. وكمثال على ذلك

واجهة قصر المشتى التي تزخر بمثل هذه النقوش الجميلة، فمعظم هذه الزخارف

كانت مستخدمة في الفن المسيحي قبل الاسلام في سوريا.

وقد تأثر الفاطميون عند حكمهم لمصر بفنون العمائر القبطية

والفارسية كما هو واضح في الزخارف التي استخدموها في تزيين عمائرهم

ومنها الزخارف النباتية والحيوانية والخرافية، والتي كانت تستخدم في بلاد

فارس قبل الاسلام.

ومن اهم فنون العمارة البيزنطية التي تاثر بها المعماريون في العهد

الاموي في زخارف الفسيفساء الحجرية في تزيين أرضيات المباني، والفسيفساء

الزجاجية الملونة والمذهبة في زخرفة الجدران. ولقد ازدهر هذا الفن في ذلك

العهد بشكل كبير ، وما زالت آثاره شاخصة الى يومنا هذا وخاصة في الجامع

(34)

الأموي الكبير بدمشق، والذي جدد بناؤه في عهد الوليد بن عبد الملك بين

عامي (88-96م) (707-714م). وقد زينت بعض نوافذه بأجمل

الزخارف التي تعكس تأثرها بالفن الإغريقي والروماني.

أما قبة الصخرة في القدس الشريف التي  شيدت في عهد عبد الملك

بن مروان عام 72هـ (692م)، فنجد ان زخارفها شبيهة بالفسيفساء الموجودة

في الجامع الاموي بدمشق وهي مقتبسة من الفنون الإغريقية والبيزنطية مع

عناصر من الفن الهيليني والساساني، وخاصة الفسيفساء التي زينت بها القبة.

ومن العناصر والمفردات التي تميزت بها العمارة الاسلامية ايضا هي

الزخرفة الكتابية، فقد تفنن بها الفنان المسلم، واتخذها أداة لإضفاء سمات

جمالية، حيث اصبحت هذه الزخرفة تتضمن الخطوط بكافة أنواعها، سواء

على سطوح الجدران او القباب او في الاقواس والمآذن والشرفات. ولم تلبث

أن تطورت وتنوعت، ثم تداخلت معها الازهاء والفروع النباتية. وقد أثارت

الكتابة العربية، كعنصر زخرفي، إعجاب الفنانين في اسبانيا وفرنسا، الذين

اتخذوا من حروفها أداة لتزيين كنائسهم ومبانيهم.  وقد تجلت هذه الفنون في

واجهة كاتدرائية نوتردام.

إن استعمال الخط قد اكتشف منذ القدم. وظهر لاول مرة في التاريخ

أيام السومريين في بلاد وادي الرافدين وقد تبين بأن الحروف قيما جمالية

ولها إمكانية في تشكيل لوحات فنية بديعة. لذلك استخدم الخط بكافة أنواعه،

كوسيلة للتعبير والتزيين وخاصة في العصر العباسي في عمائر سامراء

وبغداد والمدن الاسلامية الاخرى في مجال زخرفة البناء. وكان احد اهم

مفردات العمارة الاسلامية على مر العصور. فقد استعمل بطرق واشكال

هندسية مختلفة أضفت على المباني طابعا معماريا مميزا. كما ساهمت

(35)

الخطوط بأنواعها ـ وخصوصا الخط الكوفي ـ في تعميق الهوية الإسلامية

المشتركة وتوظيف التراث بطريقة فنية معاصرة.

وتعتبر المقرنصات من أبرز سمات الزخرفة المعمارية الإسلامية،

وأكثرها روعة. وهي عبارة عن زخرفة تتألف من حنيات بارزة مصفوفة تغطي

مناطق الانتقال بين المسطحات الأفقية والرأسية. وتتكون من بناء حقيقي أو

تنفذ بإضافات من الجبص أو مواد أخرى. وقد تزود بدلايات تتعلق بقممها

بحيث تصبح أشبه بالرواسب الكلسية المتدلية من أسقف بعض المغارات

والكهوف. وتستخدم المقرنصات على وجه الخصوص في مناطق الانتقال في

القباب والبوابات وأسفل شرفات المآذن وغيرها. ومن أجمل المقرنصات

الظاهرة للعيان هي مقرنصات القصر العباسي (المدرسة الشرابية) في بغداد،

وكذلك مقرنصات الأضرحة في العراق وإيران.

وقد استخدمت المقرنصات الحجرية في زخرفة أسطح الجدران

وخاصة في العهدين الفاطمي والمملوكي في مصر. ويوجد هذا النوع من

الزخراف غالبا في رقبة القبة من الداخل، وفي الجزء العلوي من المدخل. ومن

الأمثلة على ذلك مدخل مدرسة «السلطان حسن» في القاهرة.

وهناك أسلوب مميز هو زخرفة القباب من الخارج بالمقرنصات التي

استخدمت لمجرد الزخرفة والتزيين. وتظهرمنها أمثلة في قبة المدرسة النورية

بدمشق، وقبة الست زبيدة في الكرخ وقبة الشيخ عمر السهروردي في جانب

الرصافة ببغداد.

أما البلاطات الإسلامية (القاشاني) واستعمالاتها في تزيين المباني

الإسلامية فتعتبر من الفنون التي ابتكرها المسلمون وطوروها على مدى قرون

عديدة. ومن أقدم البلاطات الإسلامية تلك التي عثر عليها في مدينة سامراء

(36)

في العراق والتي تعود إلى القرن التاسع الميلادي وتضم آثارا فنية نادرة وجدت

في الجوامع وبعض القصور كقصر الجوسق الخاقاني.

وتعتبر مدينة كربلاء المقدسة من المدن الإسلامية الرائدة في صناعة

واستخدام البلاط القاشاني، لذلك سمي محليا في العراق ب«الكاشي

الكربلائي»، والذي استخدم في تزيين الأضرحة والمساجد والمباني الدينية

والتراثية.

ومن العراق انتقلت تقنية الزخرفة بمواد البريق المعدني إلى أنحاء

العالم الإسلامي ومنها إيران، التي أنتجت خلال المرحلة الممتدة من نهاية

القرن الثاني عشر إلى النصف الأول من القرن الرابع عشر، بلاطات خزفية

مزخرفة بالبريق المعدني تتميز بمستواها الفني الرفيع. وهي اليوم تشاهد في

العديد من المباني الدينية والتاريخية وكذلك تحف بديعة موزعة على عدد كبير

من المتاحف العالمية. وكانت مدينة كاشان المركز الأساسي لإنتاج هذه

البلاطات، لذلك سمي ب«البلاط القاشاني». وكانت هذه البلاطات تستخدم

لتغطية الجدران وخاصة جدران القباب والمآذن والمداخل والمحاريب.

وقد استخدمت البلاطات في العهد الصفوي بكثرة في تغطية الجدران

الخارجية. ومثال على ذلك مسجد الشيخ لطف الله ومسجد الإمام في

أصفان. وتتكون هذه الزخارف من تفريعات نباتية متصلة ورسوم الأزهار

ذات الألوان الجميلة. وقد استخدمت البلاطات ذات البريق المعدني في مصر

أولا في العهدين الطولوني والفاطمي.

وتعتبر الزخارف الخشبية وخاصة الشناشيل (المشربيات) إحدى

سمات فنون العمارة الإسلامية. وقد انتشرت الشناشيل ـ وهي الشرفات

الخشبية المزخرفة البارزة عن البناء ـ في العديد من المدن الإسلامية. وتتميز

(37)

بجمال نقوشها الخشبية، وهي شاهد على جمالية العمارة الإسلامية وتقدمها

خلال فترات من تاريخها الحضاري الاسلامي العريق.

أما الزخارف الأخرى في الأعمال الخشبية فقد أظهر التجارون الذين

صنعوها تفوقا في الدقة والمهارة في أعمال التكسية الخشبية والنوافذ،

خصوصا في بعض الألواح والمشبكات التي ظهرت بخصائص متميزة في

الواجهات الداخلية للأبنية.

ومن أهم الإنجازات الحضارية التي حققتها العمارة الإسلامية هي

تأكيد توظيف مواد البناء المحلية في البلدان الإسلامية كالطابوق المفخور

(الآجر) والمواد التزينية كالبلاط القاشاني والفسيفساء والأخشاب وغيرها،

واستخدامها بطريقة فنية رائعة في تشييد المباني وزخرفتها حتى تلائم الظروف

البيئية والمناخية وتنسجم مع الحياة الحضارية والاجتماعية لكل بلد. وهكذا

نجد من هذا العرض مدى تأثير فنون عمائر مختلف الحضارات على تطور

وازدهار فنون العمارة في البلدان الإسلامية.

ولابد من التأكيد في النهاية على ضرورة إصدار مجلة فصلية تعنى

بالتراث والفنون والحرف الإسلامية، وباللغتين العربية والإنكليزية في بادئ

الأمر، ومن ثم في فترات لاحقة تصدر بلغات أخرى، لتتضمن أيضا العديد

من البحوث والدراسات حول التراث والفنون والحرف الإسلامية، لتشكل خطوة

هامة في طريق حوار الحضارات.

إن ابسط وسيلة لإيصال ما يكتنزه العالم الإسلامي من فنون وتراث

حضاري عريق إلى شعوب العالم كافة هي إيجاد أداة أكاديمية تتمثل بالكتابة

والصور، وهذا ما يمكن إنجازه من خلال مجلة الفنون والحرف الإسلامية.

(38)