أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



فقه الاسرة  للابوين  



الدُّعَـــــــــاءُ                   عدد الزيارات:2511

ترجمة جعفر صادق الخليلي


بسم الله الرحمن الرحيم

الروح المعنوية في الدعاء :
بصرف النظر عن الثواب الناشئ عن الدعاء، وبصرف النظر عن آثار إستجابة الدعاء، فإن الدعاء إذا لم يكن مجرد لقلقة لسان، وإذا انضم القلب مع اللسان في انسجام، واهتزت روح الإنسان عند الدعاء، فستكون فيه معنوية روحية عالية، كما لو ألقى المرء نفسه تحت نور ساطع، فيحس عندئذٍ بغلاء جوهر الإنسانية، وعندئذ يدرك جيداً ان الأشياء الصغيرة التي كانت في سائر الأوقات تشغله وتستأثر باهتمامه كم هي تافهة وحقيرة وزهيدة، عندما يمد الإنسان يد السؤال لغير الله، يحس بالمذلة والهوان، ولكنه إذا طلب من الله أحس بالعزة، لذلك فالدعاء طالب ومطلوب، وسيلة وغاية، مقدمة ونتيجة، لم يحب أولياء الله شيئاً أكثر من حبهم الدعاء، فكانوا يعرضون كل طلباتهم وأمانيهم على محبوبهم الحقيقي، وهم يولون طلباتهم من الأهمية بالقدر الذي يولونه لنجواهم مع الله، دون أن يحسوا بتعب ولا نصب، وقد عبر عن ذلك أمير المؤمنين علي (ع) في خطابه لكميل بن زياد النخعي:
(هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين، استلانوا ما إستوعره المترفون، وأنسوا بما أستوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان ٍ أرواحهم معلقة بالمحل الأعلى)(1) بخلاف القلوب الصدئة المسودة المغلقة المطرودة من أعتاب الله.
طريق من القلب الى الله:
إن لكل إمرئ طريقاً من قلبه الى الله، فـثمة باب في كل القلوب يفتح على الله سبحانه. فحتى أشقى الأشقياء عند الإبتلاء، وعندما تتـقطع به الأسباب، تنتابه هزة ويلجأ الى الله، إن هذا أمر أصيل في فطرة الإنسان، وطبيعي في وجوده، إلا أن أستار الأثم والشقاء قد تغطيه أحياناً، ولكن المصائب تزيحه فتـتحرك هذه الفكرة وتبرز للعيان.
سأل شخص الإمام الصادق (ع): ما الدليل على وجود الله؟ فسأله الإمام إن كان قد ركب البحر، فقال: نعم؛ فسأله إن كان قد صادف طوفاناً وهيجاناً في البحر، وإنه كان على وشك الغرق، وإنه قد قطع رجاءه من كل شيء، فقال: نعم؛ فقال: هل أتجه قلبك في تلك اللحظة الى جهة ما، الى ملجأ يحميك، الى نقطة تتوسل إليها كي ينجيك من محنتك؟ فقال: نعم؛ فقال: ذاك هو الله.
لقد جعل الإمام الصادق (ع) الرجل يعرف الله عن طريق قلبه:«وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ» (2). إن هذا الإتجاه الفطري، الذي يتحلى عند تقطع الأسباب، ويتوجه الى القدرة القاهرة الغالبة على الأسباب والعلل الظاهرة، هو الدليل على وجود تلك القدرة. ولولا وجودها لما وجدت تلك الفطرة في الإنسان.
هناك بالطبع، فرق بين أن تكون في الإنسان غريزة من الغرائز، وأن تكون هناك غريزة يعرفها الإنسان حق المعرفة ويعرف هدفها. إن غريزة مص اللبن عند الطفل موجودة فيه منذ ولادته، فإذا جاع تحركت فيه هذه الغريزة وهدته الى البحث عن الثدي الذي لم يره ولم يعرفه ولم يعتد عليه، إن هذه الغريزة هي التي ترشده، إنها هادية بذاتها، وهي التي تحمل الطفل على فتح فمه بحثاً عن الثدي، وعلى البكاء إن لم يعثر عليه، إن البكاء نفسه دعوة للأم لتقديم عونها، تلك الأم التي ما يزال الطفل لا يعرفها ولا علم له بوجودها والطفل لا يعلم شيئاً عن هدف هذه الغريزة، وعن القصد من بكائه، ولا لماذا أوجدت فيه هذه الغريزة، ولا عن القصد من بكائه، ولا لماذا أوجدت فيه هذه الغريزة. إنه لا يدري ان له جهازاً هاضماً وأن ذلك الجهاز يحتاج الى غذاء، والجسم يحتاج الى إستبدال ما يتلف من أنسجته، إنه لا يدري لماذا يريد، ولا يدري أن فلسفة بكائه هي جلب انتباه الأم التي لا يعرفها، ولكنه سيعرفها تدريجياً.
أما بالنسبة الى غرائزنا البشرية العليا، كغريزة الحاجة الى الله والبحث عنه، وغريزة الدعاء والإلتجاء الى اله غير مرئي، فإننا في ذلك أشبه بذاك الطفل الوليد بالنسبة الى ثدي أمه الذي لم يره ولا يعرفه:«إنا لله وإنا إليه راجعون» (3)،«إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ» (4) .
لا شك أنه لولا وجود ثدي ولبن يناسبان معدة الطفل، لما أرشدته الغريزة إليهما، إن هناك إرتباطاً بين تلك الغريزة وذلك الغذاء الموجود. كذلك هي الغرائز الأخرى في الإنسان، إذ ما من غريزة وجدت عبثاً في الإنسان فكل الغرائز موجودة لوجود الحاجة إليها، ولرفع حاجة من الحاجات.
الإنقطاع الإضطراري والإختياري:
هناك حالتان يدعو الإنسان الله فيهما:
الأولى:عندما يُـبتلى بالمصائب والمحن، وتوصد في وجهه الأبواب، وتنقطع به العلل والأسباب. نراه يتوجه تلقائياً وغريزياً الى الله يتوسل به ليرفع عنه محنه ومصائبه. وهذا النوع من التوجه نحو الله لا يعتبر كمالاً إنسانياً.
والثانية:عندما يكون في حالة رخاء حال وإطمئنان، ولكنه يعلم بأن ما هو فيه من نعمة مزجاة فمن الله، وإنه هو القادر على أن يسلبه إياها كما هو القادر على أن يزيده منها، وذلك لعلمه بأنه خالق الكون والإنسان، والحياة، وإنه اللطيف بعباده والرؤوف بهم، وإنه صاحب الأسماء الحسنى، ولذا نجد هذا المخلوق الواعي داعياً الله، متوسلاً به، ليديم عليه نعمته، ويزيده من فضله، ويبعده عن معصيته، ويبعد غضبه سبحانه عنه، ويقربه من طاعته ليؤدي حق شكره، ولا إشكال في أن هذا النوع من التسامي النفسي والإنفتاح الروحي، يعتبر كمالاً إنسانياً، وإن الله سبحانه يستجيب لمثل هذا المخلوق وينظر إليه بعين رحمته في حالة رخائه، كما يسرع الى نجدته ورفع البلاء عنه في حالة محنته وإبتلائه، كما يسرع هو الى إستدعاء رحمة ربه.
شروط الدعاء:
إن للدعاء شروطاً، وأول تلك الشروط هو: أن يحصل في الإنسان طلب حقيقي بحيث تتحول جميع ذرات الوجود الإنساني الى مظهر من مظاهر إرادة الطلب، وأن يبدو ما يريده الإنسان في صورة حقّـه من صور الإحتياج والدعاء، بمثل إذا إحتاج جزء من جسم الى شيء تأخذ جميع أجزاء الجسم الأخرى بالفاعلية، بل إن بعض الأعضاء قد ينخفض نشاطه لكي ترتفع الحاجة عن نقطة من نقاط الجسم. فلو غلب العطش، مثلاً على أحد الأشخاص، فإن أثر العطش يظهر على وجنتيه، ويصرخ الحلق والكبد والمعدة والشفتان واللسان: ماء: وإذا نام فإنه سيرى الماء في منامه، لأن جسمه بحاجة الى الماء حقاً. إن حاجة الإنسان الروحية، وهو جزء من عالم الخليقة، لا تختلف بالنسبة الى كل العالم عن ذاك. إن روح الإنسان جزء من عالم الوجود فإذا حصل لها في الواقع طلب أو إحتياج، فإن جهاز الخليقة العظيم لا يهمل طلبها.
هناك إختلاف كبير بين مجرد (قراءة) الدعاء، والدعاء الحقيقي، وما لم يتحد قلب الإنسان مع لسانه في إنسجام تام لن يكون الدعاء دعاءاً حقيقياً. إذ لابد من حصول الطلب والحاجة حقاً في قلب الإنسان ووجوده:«أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ» (5).
الإيمان والإعتماد على الإستجابة:
ا%

المصدر:سلسلة تراث وآثار الشهيد مرتضى المطهري - الثورة والدولة