أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



تأملات وعبر  قصص  



الـمَولوُدةَ البَريئـــة                   عدد الزيارات:890

وصل الدكتور منصور من المستشفى الى المنزل مساءً كعادته, وكان يقضي النهار منذ التاسعة صباحاً في مستشفاه بين البكاء والأنين وفي زحام المرضى والزائرين .
جاء ت فاطمة زوجته بكوب شاي كما إعتادت, فالتفت الدكتور إليها وهو يتكلف الإبتسام
توجست فاطمة في وجه زوجها شيئاً ما يهمه و يكتمه عنها .
ولم تكن فاطمة ترى زوجها مهموماً كما هو الآن كلما وصل الى المنزل, ولكن كان لَسِنا ً نشيطا ً ينطلق لسانه بنكات طريفة مما رأى و شاهد في ذلك النهار, وهكذا يمضي معها في هذه التسلية والإستراحة برهة؛ لإنه ليس له إلا هي وليس لها إلا هو . ولم يرزقا طفلاً طوال هذه السنوات العشرة .
نعم, كان يفكر مع أنّه يكلّف الكلام . . فقطعت فاطمة صمته قائلة :
هل تقول لي ما الذي يهمك اليوم كأنك تعاني من مشكلة ؟
نظر منصور إليها قليلاً ثم قال :
لا والله . . ما المشكلة؛ بل كنت أفكر فيما قدر الله في عباده . . ثم أخذ يقص بعد نفس طويل :
قبل بضعة أشهر قد جاء الى المستشفى شاب وكان معه زوجته الحامل, ثم طلب الشاب مني الإجهاض . . ! وزعم أ،ه قد عرف من فحص طبي أن الجنين أنثى ! مع أنهما يرغبان في ولد ذكر !
وبالطبع رددتها وأبيت الأجهاض لأنه خطر تماماً, ولعله يسبب حتى في موت الأم في هذه الحالة .
ومضت الأيام والشهور, والآن هذه المرأة نفسها قد أدخلت امس في المستشفى وولدت طفلة صباح اليوم . . فرأيت في وجه الشاب نفرة من هذه الطفلة البريئة, وعلى أي حال ما توقعت منه أن يجتري بتلك الهمجية على الطفلة . . وقد وقع فعلاً . .
وقبل أن أغادر المستشفى في المساء كنت ماشياً في رواق قسم الولادة ففاجأت بحوار متصامت من تلك الحجرة . . فأستمعت الى الحوار بغير أن يسمعوني فعلمت أن ذلك الشاب الجهول يريد شنق الطفلة ويقتلها . . ! والأم تمعنه وتبكي وتطلب النجدة !
فلم أتمالك نفسي ولم ألبث أن اقتحمت الباب . . ثم وبختهم على هذه الجاهلية البشعة, وبعد حوار طويل أيقنت أن هذا الرجل جاف غليظ إن لم يفعل الآن فغدا ً يفعل, وأخيراً وعدتهما بكفالة الطفل . . ولكن من غير أن يعرف بهذا أحد . .
تنفس منصور أيضاً ثم سكت, ساد الوجوم بينهما ولم يدر ماذا يقول بعد كما أنها لا تدري ما تقول لزوجها . . مع أنهما يقاسيان وحشة قاتمة طوال هذه السنوات, ولقد وهبهما كل ما في العيش من السعادة غير أنهما ما زالا في حنين دائم الى طفل يلهو ويرتع في هذا المنزل .
قطعت فاطمة الوجوم وكأنها أزمعت شيئاً . . وعيناها تذرفان . . وقالت كأم رؤوفة على رضيعها . . هلم نكفلها ونربيها . . نسميها نزيلة .
تربت نزيلة في هذه الأسرة على أحسن تربية, ولم يمض عام من عمرها إلا وكان لها شأن متفائل بين أقرانها, وتفوقت بين أقرانها في الخلق والخلقة والسلوك والسيرة حتى تخرجت بعد سبع وعشرين سنة من كلية طبية وألتحقت طبيبة في مستشفى أبيها منصور .
وما زال المستشفى يتقدم في ا لشهرة لدى الناس, وكان الدكتور منصور هو الوحيد في هذا المسشتشفى, وهو الآن متقاعد لا يأتي الى المستشفى إلا عند الطوارئ, وهناك أطباء ماهرون يعملون في جهد تحت رئاسة الدكتورة نزيلة ابنة منصور, وقد اشتهرت هذه الفتاة الذكية بين الناس بمعاملتها الحسنة للمرضى والزائرين وتيسير العلاج لهم بإتقانها مهنتها كما كان منصور كذلك .
ذات يوم تخلفت نزيلة عن موعدها للوصول الى المنزل, وكان أبوها منصور, وأمها فاطمة ينتظران وصولها كل يوم ثم يجلسون معاً يأكلون طعامهم ويمضون في التسلية والإستراحة .
وبعد ساعات من الليل وصلت نزيلة الى المنزل, فاستقبلها منصور بفارغ الصبر لمعرفة أخبار المستشفى وسألها :
ما سبب تخلفك اليوم يا ابنتي؟
أخذت الدكتورة نزيلة تقص وقالت: أن رجلاً جريحاً أدخل المستشفى, وقد أصيب بعدة ضربات على ظهره وبطنه, والدم ينزف منه حتى صار على وشك الموت, وكان الرجل في حاجة الى الدم, فلم نجد أحداً يعطي له الدم من نفس الفصيلة, فتقدمت أنا بدمي لمنحه, وكان دمي من فصيلة ذلك الرجل الجريح حتى أستطعنا أن نداويه وهو الآن قد سلم من الخطر! وقد تبللت عيوننا أن ابنه الوحيد هو الذي أجترأ على طعنه بهذه الضربات الشديدة .
تنفس منصور الصعداء ثم شكرها على مواساتها للمرضى, وفي صباح الغد خرج منصور مع نزيلة الى المستشفى ثم تجول مع الأطباء والممرضات في حجرات وأجنحة المستشفى, ولما وصلوا الى حجرة ذلك الرجل الجريح خطر منصور إليه ثم فكر قليلاً وسأل :
أخي! هل أنت سلمان؟ وهل هذه المرأة زوجتك . . ليلى؟
قال الرجل: نعم يا دكتور . . وكيف تعرفني باسمي؟!
منصور : نعم ! نعم . . لا أنساكما . . وقد جئتما الى هذا المستشفى قبل سنين طويلة وطلبت مني الإجهاض ؟ ولكن رددتكما . . ثم لما ولدت هذه المرأة بنتاً . .
تقاطرت الدموع من عيني الرجل والمرأة وأخذ الرجل يقول :
عفواً يا سيدي الدكتور تكفلتها منا . . ولا أدري هل هي على قيد الحياة ! لقد كانت حقاً مبدأ تعاستنا . . وها أنا ذا الآن أعاني آلام تلك الجريمة . . وبعد طول إنتظارنا رزقناالله ولداً ذكراً . . ولسوء الحظ شب هذا الولد مسرفاً لدوداً . . أهلك كل مالي ومكاسبي . . وعق أباه , أباه وأمه , وذات يوم يوم نصحته كعادتي . . ولكنه هجم علي بخنجر ثم ضربني هذه الضربات القاتلة . . وها أنا وهذه المسكينة قد أعقبنا الدهر حسرة وندامة رغم هذه الآلام والنكبات ! ثم راح يبكي وتبكي معه زوجته ونزيلة والأطباء والممرضات ينظر بعضهم بعضاً .
تنفس الدكتور منصور طويلاً ثم قال بصوت خاف : : آه . . ولكن الله يقضي في عباده ما يريد . .
فنظر الرجل إليه وقال : نعم يا دكتور ! إن الله تعالى قد علمني أن السعادة والشقاوة ليست كما نحسب نحن . .والله قادر على أمره, فهل تسمح لي أيها الدكتور . . أين أبنتي التي تكفلت منا؟
إقترب الدكتور من الرجل وقال: صبراً يا أخي . . إني قد كفلتها وربيتها وعلمتها العلوم والآداب حتى تخرجت من كلية طبية ..
تنفس الرجل ونظر الى الدكتور . . فأردف منصور قوله :
هل تذكر يا أخي تلك الدكتور الشابة التي اعطتك دمها من نفس فصيلة دمك! حقاً إنها أبنتك . . الدكنورة نزيلة !! هي ذا أمامك !
فأرتج المستشفى بالأنين والصياح . .
آه . . عفواً يا ابنتي . . عفواً . . آه . . يا ابي . . يا أمي . .


المصدر:دنيا الفتيات، قصص وحكايات - كمال السيد