أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



اباء وامهات  مع اولادنا  



تدريب الطفل على الصدق                   عدد الزيارات:4432

قال الله تعالى في كتابه العظيم : ( واللهُ يشهدُ إن المنافقين لَكاذُبون اتخذوا أيمانَهم جُنَّة ) (1) .

الصدق :
الصدق من الصفات الحميدة التي تنسجم والطبيعة الإنسانية. كل انسان يميل بفطرته إلى الصدق ، وإلى أن يعتبر الكلام الذي يسمعه من الآخرين صادقاً ، فالكذب إنحراف عن صراط الفطرة المستقيم.
إذا كسر طفل نافذة في أثناء اللعب ولم يصبه خوف شديد وارتباك زائد من جراء ذلك ، فعندما يسأل : من الذي كسر النافذة ؟! فإنه سيشرح الحادثة بكل هدوء واتزان ، ويجيب على الأسئلة دون أي إضطراب ذاكراً كيف كسرت النافذة في أثناء اللعب. أما عندما يخاف الطفل فإنه يحاول أن يستعين لإثبات براءته بالكذب ، حينئذٍ يكون الوضع الشاذ للطفل واضحاً تماماً ، فالحركات غير المتزنة للعين ، واضطراب الهندام ، وجفاف الفم ، وسرعة النبض ، والكلمات المتقطعة والغامضة... كل ذلك يدل على كذب الطفل وعمله المنافي للفطرة.
لقد جاء الأنبياء ، والقسم الأهم من واجباتهم يتمثل في إحياء الفطريات عند الإنسان ، يدعون الناس الى الصدق ، ويحذرونهم من الكذب بشدة. إن الإسلام يعتبر الكذب عاملاً هداماً للإيمان ، ويعده أفظع من كثير من المعاصي الكبيرة.
1 ـ عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : « إن الكذب هو خراب الإيمان » (2).

أسوأ من كل سوء :
مما لا شك فيه أن الكذب مخالف للوجدان الأخلاقي الفطري ، وكذلك مخالف للوجدان الأخلاقي التربوي. فالكذب قبيح في نظر جميع الشعوب والأمم في العالم ، وفي تعاليم رسل السماء كافة.
ومما يبعث على الأسف أن هذا الداء الوبيل لا يختص بالكبار ، بل إن الأطفال الصغار يقعون في أسر هذا المرض الهدام أيضاً ، فيعتادون على الكذب من الصغر، وقد يستأنسون بهذه الصفة الذميمة الى درجة أنهم يتلذذون باختلاق كذبة ، ويرتاحون كثيراً عندما يرون أن الغير قد خُدع بأكاذيبهم.
تنمية الصدق في الحديث :
إن من أهم واجبات الوالدين في تربية الطفل هو تنمية فطرة الصدق المودعة عنده. على الوالدين أن يسلكا في محيط الأسرة سلوكاً يجعل الأطفال يعتادون على الصدق والإستقامة ، ولا ينحرفون الى طريق الكذب والتزوير والدجل ، وهذا الأمر أصعب من تنمية كثير من الصفات في الأطفال ، وللوصول الى هذه الغاية لا بد من ابتاع كثير من الرقابات العلمية والعملية !
« يبدو لي أن الوالدين لا يملكان تلك السلطة التي يملكانها في مكافحة الكسل والخروج على النظام بالنسبة الى الكذب والخلاصة أن من بين العيوب التي نسعى الى اقتلاعها من كيان الأطفال يمتاز الكذب بأنه اكثرها إغضاباً وإزعاجاً لنا ، والسبب في ذلك يعود الى أن من الصعب أن يتصور الإنسان تصوراً صحيحاً وواقعياً عن الكذب والكاذب ».
« يجب أن لا نعتبر الكذب للأطفال عملاً بسيطاً ، لانّه في الحالات الاعتيادية وعند الأطفال السالمين ـ على الأقل ـ يجب أن ينعدم الكذب. إن فشلنا وعجزنا وخطأنا في مكافحة الكذب ينشأ من أننا نحكم على هذا العمل من زاوية نفسه ، دون أن ننظر الى علة الكذب والغاية منه ، ونوعه ، وحالة الكذاب ، وأوضاعه » (3).

داء الكذب :
الكذب عبارة عن ردّ فعل لعقدة الحقارة أو الخوف أو الحالات النفسية الاخر. وبعبارة أخرى فان هذه العقد النفسية والإنهيارات الداخلية للناس هي التي تظهر بمظهر الكذب في الصور المختلفة.
الكذب مرض خطير يمكن أن يصيب الإنسان من أولى أدوار حياته ويظل مصاباً به حتى نهاية العمر. ومما يؤسف له أن بعض الأسر تنظر إلى هذا الداء الخطير نظرة عارية من أي اهتمام. إذا أصيب الطفل بحمى في ليلة من الليالي أو أخذ يعطس اكثر من المعتاد يتألمون لذلك كثيراً ، ولكنهم لا يعيرون أي اهتمام لكذبة الطفل. وهناك أناس آخرون يعرفون ـ إن قليلاً أو كثيراً ـ خطورة الكذب ويتألمون إذا وجدوا الطفل يكذب ولكنهم يجهلون طريق معالجة ذلك وتكون النتيجة أن يلوث الكذب أغلب الأسر ، ويظل الجميع يئنون من ويلات هذا الداء الفتاك.
أساس داء الكذب :
إن أول طريق لمكافحة الكذب هو معرفة أساس هذا الداء الوبيل. مما لا شك فيه أن حالة نفسيّة خاصة توجد في باطن الشخص الذي يكذب مما يدفعه إلى هذا العمل ، وما لم تقتلع جذور هذه الحالة النفسية العارضة لا يمكن معالجة الكذب.
الخوف ، الضعف ، العجز ، الإحساس بالحقارة ، عقد الحقارة ، أو بعض الحالات النفسية المشابهة لذلك ، تستطيع أن تنحرف بالإنسان عن الطريق المستقيم المتمثل في الصدق ، وتبعثه على الكذب. « عن النبي صلّى الله عليه وآله : لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه » (4).

عوامل ظهور الداء :
لأجل أن يهتم اولياء الأطفال في سبيل تربيتهم بهذا الموضوع الحساس ويعوّدوا أفلاذ أكبادهم على الصدق والاستقامة نتكلم في هذه المحاضرة عن عوامل ظهور هذا الداء في الأطفال راجين أن تكون مفيدة للجميع.
أساليب وقائية :
إن من علل كذب الأطفال ، ثقل عبء الواجبات التي يكلفون بأداءها ، إن تشديد الأولياء وتوقعاتهم الشاذة التي هي فوق طاقة الأطفال يقودهم إلى الكذب ويوقظ فيهم هذه الصفة الرذيلة.
« يقول ديموند بيج : أعرف فتاة شابة تأصل الكذب في نفسها بحيث لا يقبل العلاج. إنها عندما كانت في السن السابعة كانت تذهب كل يوم الى المدرسة وكان عدد الطالبات التي يدرسن معها لا يتجاوز الـ 25. كان لها مربية تأخذها الى المدرسة كل يوم ، وتأتي بعدها انتهاء الدرس لأخذها الى البيت. كانت هذه المربية مكلفة بمراقبة الطفلة في واجباتها ودراستها ، وبصورة موجزة كانت مسؤولة عن تربيتها بصورة تامة. في تلك العصور كان الأسلوب المتداول ـ الذي تعده التربية الحديثة فاشلاً تماماً ـ يقضي بأن يصنّف الطلاب كل يوم على حسب الدرجات التي حصلوا عليها في الامتحانات التحريرية ، وهكذا كان يعين الطالب الأول والثاني والثالث. كان الطفلة بمجرد أن تخرج من الصف حاملة حقيبتها بيدها تقابل بالسؤال الرتيب للمربية التي كانت تقول : ( ما هي مرتبتك في الصف ) ؟ فإن قالت : ( الأولى ) أو ( الثانية ) كان الأمر يجري على ما يرام. ولكن صادف مرة أن كانت مرتبتها الثالثة لثلاث مرات على التوالي ، وبالرغم من أن الحصول على المرتبة الثالثة بين 25 طالبة أمر مستحسن ، فإن المربية لم تكن تفهم ذلك. لقد حاولت أن تهدىء على نفسها في المرة الأولى والثانية ، ولكنها في المرة الثالثة لم تستطع أن تتمالك على نفسها ، ففي الوقت الذي كانت الطفلة قد تملكتها الحيرة والذهول صاحت بوجهها : ألا ينتهي حصولك على المرتبة الثالثة ؟ يجب أن تكوني الأولى غداً هل تسمعين ؟ الأولى... يجب أن تصبحي الأولى !
لقد أشغل هذا الأمر الصعب والجاد بال الطفلة طوال اليوم ، وفي اليوم الثاني كانت فريسة العب والتفكير ، بذلت كل عنايتها ودقتها في أداء واجباتها ، كانت العمليات الحسابية التي أجرتها صحيحة ، وأجابت على الأسئلة بنجاح ، وكانت نتائجها مرضية الى قبيل الظهر عندما حان درس الاملاء ، فقد وقعت لها أربع خطآت في امتحان الاملاء ، وأخيراً حازت على المرتبة الثالثة في ذلك اليوم أيضاً... وكانت هذه هي الطامة الكبرى.
عندما رنّ جرس الدرس الأخير كانت المربية واقفة بباب الصف منتظرة الطفلة ، وما أن وقعت عينها عليها حتى صاحت : ما الخبر ؟
كانت الطفلة مذهولة لا تستطيع بيان الحقيقة ، فقالت : ( صرت الأولى ). وهكذا بدأت تكذب.
كثيرون هم الآباء والأمهات الذين يسلكون مثل هذا السلوك ، وبهذه الصورة يتحملون مسؤولية انحراف الأطفال وإصابتهم بداء الكذب » (5).

رد الفعل لتحقير الطفل :
إن الطفل الذي يقع موقع السخرية والاحتقار وتهتضم شخصيته ، يسعى لإظهار نفسه بأي طريقة كانت، أن يعمل عملاً يلفت انظار اعضاء الأسرة ـ والآخرين أحياناً ـ إلى نفسه ، أن يدخلوه في حسابهم ، ويعترفوا بشخصيته... وهكذا يستغل الفرص المختلفة للوصول الى هدفه.
عندما يكون الوالدان مشغولين باكرام بعض الضيوف المحترمين ، ويصرفان كل اهتمامها الى العناية بهم غافلين عن الطفل... يقدم الطفل على الأعمال غير الإعتيادية ، يطرق الباب بقوة ، يقلب إناء الفواكه ، ويبعثر الفواكه على الأرض ، يصيح بأعلى صوته ، يضرب أمه ، وبصورة موجزة يقوم بأعمال تجلب انتباه الوالدين والضيوف إليه. إن الطفل لا يقصد من هذه الأعمال غير جلب انتباه الأخرين ، انه يحتاج الى اظهار نفسه وابراز شخصيته ، يريد أن يقول : أنا أيضاً موجود ، انتبهوا لي ، إحسبوا لي حساباً.
الطفل يريد أن ينفذ الى قلوب الآخرين. وعندما لا يستجيب الوالدان لمتطلباته الطبيعية المتمثلة في احترام شخصيته ، يسلك طريقاً معوجاً ، وينفذ الى قلوب الآخرين بالفوضى والشغب والايذاء.
من الأعمال الخطيرة التي يقدم عليها أمثال هؤلاء الأطفال : الكذب. الطفل الذي لم يلاق احتراماً في الأسرة ولم يُعتن بشخصيته ، الطفل الذي يُهمل ويُحتقر ويعيش حياة ملؤها الحرمان والإخفاق ، تكون لذته العظمى إظهار شخصيته وجلب انتباه الآخرين. إنه لا يستطيع أن يجلب إهتمام الناس نحوه بالصدق وبيان الحقائق ، فيضطر إلى الكذب ، واختلاق قضايا مدهشة ، وكذبات تحير الأذهان لعدة دقائق ، وتبعث القلق والحيرة في أعضاء الأسرة... يتصنع الاضطراب والذهول فيصيح : إلتهمت النيران دار عمي ! سقطت أختي في الساحة القريبة من بيتنا تحت عجلات السيارة !
عندما يركض أعضاء الأسرة ـ رجالاً ونساءً ـ نحو الحادث وقد علاهم الإرتباك والإضطراب ، ينتعش الطفل الكذاب ، يتلذذ لأن كلامه أوجد هذا الاضطراب ، والإهتمام... إنه يفرح لأنه خدع أعضاء الأسرة وشفى قلبه مما كان يلاقيه منهم من احتقار وسخرية.
إن السلوك السيء للوالدين هو الذي يدعو الطفل إلى الكذب ، وإن الأعمال التافهة لهما هي التي تؤدي إلى هذا الانحراف.
يجب على الآباء والامهات الذين يرغبون في تربية أطفالهم على الإستقامة وتدريبهم على الصدق في الحديث أن يحترموا شخصيتهم منذ البداية بصورة معقولة، ويحذروا من احتقارهم الذي يؤدي إلى إنحرافهم. عليهم أن يتذكروا نصيحة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله : « ولا يرهقه ولا يخرق به ».
إن الأطفال الذين يحسون بالحقارة والصّغار على أثر اهمال الآباء لهم قد يلجأون إلى الكذب لتدارك ذلك ويصابون بهذا الداء الخطير ، فيظلون يتجرعون المآسي والمشاكل ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل تتجاوزهم الأضرار إلى الآخرين أيضاً.

الخوف من العقوبة :
من عوامل الكذب عند الأطفال هو الخوف من العقوبة. فعندما نسأل الطفل : أنت كسرت النافذة ؟ وعلم أن اعترافه يستلزم العقاب الشديد ، فإن غريزة صيانة الذات تدفعه الى أن يقول كذباً : لم أكسرها. إنه يجد نفسه ضعيفاً أمام صفعات الأم والأب ولحفظ نفسه لا يجد مفراً إلا بالإلتجاء إلى الكذب وإنكار كل شيء. وبديهي أنه كلما كانت العقوبة أشد ، كان إصرار الطفل على الكذب اكثر.
وكما أن الناس في الحكومات الإستبدادية يكثرون من الكذب خوفاً من العقوبات الشديدة والاعمال غير الإنسانية الصادرة من الحكام ، كذلك الأطفال في الأسر التي يشدّد الآباء والأمهات فيها العقوبة فان كذبهم يكثر.
إن علاج هذه الكذبات ينحصر في لين أولياء الأطفال في تربيتهم. فإن كان الآباء والامهات يربون أولادهم على أساس الحب والحنان ، وإن كانت الأسرة مثالاً للرأفة والعطف ، وإن كان الأولياء منصفين وعارفين بواجباتهم الشرعية في تربية الأطفال دون أن يلجأوا إلى العصا والضرب الذي يستوجب الدية ، فإن الأطفال إذا كسروا نافذة أو قاموا بمخالفة النظام لا يدفعهم ذلك إلى الكذب ولا ينشأون كذابين.
يلاحظ الطفل أن أباه أو أمه قد يغفل فيسكر النافذة ولا يحاسبه أحد على ذلك ، إنه يرى أخاه الأكبر لا يتعرض لعقوبة أو توبيخ عندما يسقط كأس من يده فيتحطم ، بينما يجد أنه إذا كسر النافذة أو سقط الكأس من يده يُعاقب بشدّة ويحاسب حساباً عسيراً ، فيأثر لكرامته ويلجأ الى الكذب للفرار من العقوبة.

اسداء النصيحة للطفل :
عندما يتخلى الأبوان عن التشديد على الطفل ويعتبر انه مثلهما إنساناً يجب أن تصان كرامته ، ويصادف أنه يكسر النافذة في أثناء اللعب في الغرفة ، فسيبادران الى اسداء النصح له ويقولان له : الغرفة ليست محلا للعّب ، حاول أن لا تتكرر منك أمثال هذه الفعلة. بهذا الأسلوب يكون الطفل قد عوقب بمقدار خجله ، مضافاً إلى أنه لم يكذب... في حين أن من المحتمل أن لا يتكرر منه هذا العمل بعد ذلك.
هنا قد يتصور القارئ الكريم أننا نريد القول بأن الرقابة التربوية الصحيحة في الأسرة يجب أن تكون على درجة من الدقة بحيث يتربى الطفل على أن لا يكذب حتى مرة واحدة طيلة أيام عمره ، ومثل هذا قد يكون مستحيلاً بالنسبة الى الإنسان الاعتيادي. غير أن الغاية من بحثنا هذا هو أن ننبه الآباء والأمهات الذين يريدون تدريب الطفل على الصدق والاستقامة إلى ضرورة الإهتمام بواجباتهم الشرعية والعلمية في إرساء قواعد الأسرة منذ البداية على أساس الفضيلة والاستقامة حتى يكونوا بهذا الطريق قد أدوا ما عليهم تجاه اطفالهم.
وبعبارة أوضح فإن الكذب ـ سواء كان قليلاً أم كثيراً ـ يعد معصية عظيمة ، ولكن هناك فرق عظيم بين من تصدر منه كذبة أو عدة كذبات على أثر الغفلة أو بعض الظروف الحرجة في الحياة ، وبين من بين كيانه على أساس الكذب والخديعة ونشأ ( كذاباً ). إن الخطر العظيم والداء الوبيل يتوجه نحو الصنف الثاني ، إن هدف التربية الصحيحة هو أن لا ينشأ الأطفال وأن لا يضرب هذا الداء الفتاك بجذوره في أرواحهم.
هذا المسألة التربوية والنفسية تعرضت لها الروايات والاحاديث الإسلامية ويهتم لها العلماء المعاصرون أيضاً ، ولمزيد الاطلاع نعرض على المستمعين الكرام نماذج من كلا الصنفين.
1 ـ « قال ابن مسعود : قال النبي صلّى الله عليه وآله : « لايزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذباً » (6).
2 ـ عن عبد الرحمن بن الحجاج ، قال : « قلت لأبي عبدالله ( ع ) : الكذاب هو الذي يكذب في الشيءٌ قال : لا ، ما من أحد إلا أن يكون ذلك منه ، ولكن المطبوع على الكذب » (7).

المحيط التربوي :
من أهم العوامل المؤثرة في تنمية فطرة الصدق عند الأطفال المحيط التربوي الذي يعيشون فيه ، فعندما يكون الوالدان ملتزمين بالصدق بعيدين عن الكذب والاحتيال ، فإن الطفل ينساق تلقائياً إلى طريق الصدق والاستقامة ، ومن السهل جداً إزالة العوائق التي تقف في طريقه من الناحية النفسية.
وعلى العكس من ذلك فإن الوالدين اللذين لا يتورعان عن الكذب يعودان الطفل على هذه الصفة الذميمة من حيث لا يشعران ، في أسرة كهذه يصبح الإهتمام بالظروف والعوامل النفسية للوقاية من الكذب عقيما. إن المحيط التربوي اهم العوامل الصانعة لكيان الطفل ، ولا يمكن مقايسة أي من العوامل النفسية به ، ذلك أن الطفل ينسجم مع المحيط الذي ينشأ فيه بصورة لا شعورية ، وتنطبع في ذهنه صور الأشياء التي يشاهدها أو يسمعها.
« إن محيط الصدق والشهامة المطلقة أهم عوامل الكفاح ضد الكذب. فإذا كانت الاستقامة مسيطرة على جو الأسرة أو المدرسة لم يقترب الطفل من الكذب ، واذا صادف أن جرت كذبة على لسانه فإن التجارب تثبت أن هذه الكذبة لا تصل إلى حد الخيانة والاجرام ولا تبعث بجذورها في قلبه ».
ان محيط الأسرةّ هو المدرسة الأولى للطفل ، وإن سلوك الوالدين يمكن أن يصبح مقياساً لازدهار الأسرة أو انحطاطها. ان امرأة أو رجلاً بغض النظر عن عنوان الأمومة أو الأبوة عندما تصدر منه كذبة يكون قد ارتكب معصية كبيرة واستحق بذلك عقوبة. أما عندما يكون هذا الرجل أباً أو عندما تكون المرأة أماً فإن الكذبة الصادرة منه أمام عيني الطفل النافذتين ، وأذنيه الواعيتين لا يمكن أن تعد ذنباً واحداً. ففي هذه الصورة يكون ذنب آخر غير ذنب الكذب قد ارتكب... ذلك هو ذنب التعويد على الكذب وهذا أعظم بكثير من الذنب الأول.
الصدق والنجاة :
ما اكثر الأفراد الذين التزموا الصدق في المواقع الحرجة والمآزق الشديدة وكان ذلك سبب خلاصهم.
لا يجهل أحد مدى الجرائم التي قام بها الحجاج بن يوسف الثقفي والدماء التي أراقها من غير حق. في يوم من الأيام جيء بجماعة من اصحاب عبد الرحمن مأسورين وكان قد صمم على قتلهم جميعاً. فقام أحدهم واستأذن الأمير في الكلام
ـ إن لي عليك حقاً ! فأنقذني وفاء لذلك الحق.
قال الحجاج : وما هوٌ
قال : كان عبد الرحمن يسبّك في بعض الأيام ، فقمت ودافعت عنك.
قال الحجاج : ألك شهود ؟
فقام أحد الأسرى وأيّد دعوى ذلك الرجل. فأطلقه الحجاج ، ثم التفت الى الشاهد ، وقال له : ولماذا لم تدافع عني في ذلك المجلس ؟!
أجاب الشاهد في أتم الصراحة : لأني كنت أكرهك.
فقال الحجاج : أطلقوا سراحه لصدقه (8).
« وخطب الحجاج ذات مرة فأطال، فقالم رجل فقال : الصلاة، فان الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك. فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله فقال :
ـ إن أقرّ بالجنون خلّيته.
فقيل له، فقال : معاذ الله، لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاج، فعفا عنه لصدقه » (9).
وكما أن الصدق يجلب العزة والكرامة ، فإن الكذب يسبب الذلة والصغار لصاحبه. يقول الرسول الأعظم : « إياك والكذب ، فإنه يسود الوجه » (10).
بلغ المنصور الدوانيقي أن مبلغاً ضخماً من أموال بني أمية مودعة عند رجل ، فأمر الربيع باحضاره. يقول الربيع : فأحضرت الرجل وأخدته الى مجلس المنصور. فقال له المنصور : بلغني ان أموال بني أمية مودعة عندك ، فيجب أن تسلمني إياها بأجمعها.
فقال له الرجل : هل الخليفة وارث الأمويين ؟!
فأجاب : كلا.
فقال : هل الخليفة وصي الأمويين ؟!
فأجاب : كلا.
فقال الرجل : فكيف تطالبني بأموال بني أمية ؟!
فأطرق المنصور برهة ثم قال : إن الأمويين ظلموا المسلمين وانتهكوا حقوقهم وغصبوا أموالهم ، وأنا الآن خليفة المسلمين ووليهم ، أريد أن استرد أموال المسلمين وأودعها في بيت المال.
فقال الرجل : إن الأمويين امتلكوا أموالاً كثيرة كانت خاصة بهم وعلى الخليفة أن يقيم شاهداً عدلاً على أن الأموال التي في يدي لبني أمية إنما هي من الأموال التي غصبوها وابتزوها من غير حق.
ففكر المنصور ساعة ، ثم قال للربيع ، ان الرجل يصدق ، فابتسم بوجهه وقال له : ألك حاجة ؟!
قال الرجل : لي حاجتان. الأولى : أن تامر بإيصال هذه الرسالة إلى أهلي بأسرع وقت ، حتى يهدأ إضطرابهم ويذهب روعهم. والثانية : أن تأمر بأحضار من أبلغك بهذا الخبر ، فو الله لا توجد عندي لبني أمية وديعة أصلاً. وعندما أحضرت بين يدي الخليفة وعلمت بالأمر تصورت أني لو تكلمت بهذه الصورة كان خلاصي أسهل. فأمر المنصور الربيع بإحضار المخبر ، وعندما حضر نظر اليه الرجل نظرة ثم قال : إنه عبدي سرق مني ثلاثة آلاف دينار وهرب. فأغلظ المنصور في الحديث مع الغلام وأيّد الغلام كلام سيده في أتم الخجل وقال : إنّي اختلقت هذه التهمة لأنجو من القبض علي. هنا رق قلب المنصور لحال العبد وطلب من سيده أن يعفو عنه ، فقال الرجل : عفوت عنه وسأعطيه ثلاثة آلاف أخرى. فتعجب المنصور من كرامة الرجل وعظمته ، وكلما ذكر اسمه كان يقول : لم أر مثل هذا الرجل » (11).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) سورة المنافقين | 1.
( 2 ) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|339.
( 3 ) عن كتاب بالفارسية نحن و ابنائنا "ما وفرزندان ما ص 59".
( 4 ) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|100.
( 5 ) ما وفرزندان ما ص 61.
( 6 ) المحجة البيضاء في إحياء الأحياء ، للفيض الكاشاني ج5|239.
( 7 ) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|340.
( 8 ) تحف العقول ص 391.
( 9 ) المستطرف في كل فن مستظرف للابشيهي ج2|7.
( 10 ) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|100.
( 11 ) ثمرات الأوراق ، لابن حجة الحموي ص 233.

المصدر:الطفل بين الوراثة و التربية - محمد تقي فلسفي ترجمة فاضل الحسيني الميلاني