أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



اباء وامهات  مع اولادنا  



الدور الثقافي للأب                   عدد الزيارات:2234
الجهل الذاتي في الطفل :
لا يعرف الطفل بعد ولادته سوى بعض المعلومات الغريزية والفطرية . فهو يجهل جهلا كاملا تلك الظواهر المختلفة لهذا العالم الواسع . ولا يعلم شيئا عن قضايا العلة والمعلول ، ولا يمكنه أن يستثمر ما هو موجود في الحياة اليومية ويستفيد منه . و بنمو الطفل يتضح جهله أكثر فأكثر بحيث يمكننا أن نلمس ذلك في تعامله وسلوكه وكلامه وعمله ، ومن خلال مواقفه تجاه ألأحداث والظواهر المختلفة . لذا فإن تعلم الطفل هو أحد حقوقه التي يجب على ألأب وألأم أداءه . وتكمن خلف كل سؤال من أسئلة الطفل قوى فاعلة وأهداف نفسية توفير المناخ الملائم لنموه ونشاطه في مجال كسب العلم . إن حب ألإستطلاع لدى الطفل يوجهه نحو إكتساب المعلومات وتفسير الظواهر المختلفة .
إكتساب الوعي :
فالطفل بحاجة إلى الوعي حتى يدرك ماذا عليه أن يفعل في هذا العالم ، وما هي المواقف التي لا بد من أن يتخذها . وواضح أن الوعي هو أساس العمل ، وأن المعرفة تسبق العمل . والطفل فقير في معرفته مما يجعله يقف مبهوتا لا يدري ما يصنع . فهو بحاجة إلى إكتشاف العالم ومعرفة دوره في هذا الوجود ومعرفة فلسفة الحياة ، والهدف الذي لا بد أن يختاره لحياته ، ومعرفة أفضل أسلوب لمعاشرة الجماعة وألآداب والتقاليد التي ينبغي مراعاتها. والطفل لا يتمكن من بناء نفسه وتربيتها لتتطابق مع المُثل العليا في هذا العالم البديع العظيم ، وهو بحاجة في الوقت نفسه ليكتشف المدنية ويستفيد من مزاياها . وتفرض هذه ألأمور أن نهتم بتربية الطفل وتوعيته ثقافيا لكي يتمكن من إدراك هذه المواضيع .
دور ألأب ووظيفته :
ألأب هو المسؤول عن توعية طفله وتنشأته ثقافيا ، فالطفل يعتقد أن أباه يعلم كل شيء ، ويمكنه ألإجابة على جميع ألأسئلة ، ويعي جميع المعادلات ، وأنه يعلم بجميع الحوادث أينما وقعت ، وهو الذي يجب أن يتحدث عن الماضي ويخبر عن المستقبل ويدرك تفاصيل الحياة ودقائقها . وأخيرا فإنه هو الذي يفتح بوابة العلم والمعلومات أمام طفله . قد يكون الطفل مفرطا في تصوره عن والده ، لكن الكبار وبشكل عام يحملون تجارب أوسع ومعلومات أفضل من ألأطفال الذين يفتقدونها ، وأنهم سيحرمون ألأطفال تلك الفرصة المناسبة فيما لو بخلوا بهذه المعلومات عليهم . ويجب على ألأب أن يقوم بدوره الذي يعجز عن أدائه ألاخرون . فألأب هو معلم ألأسرة وقائدها وعن طريقه يصل الطفل ـ كما يقول الخواجة نصير الدين الطوسي ـ إلى الكمالات النفسية كالثقافة وألأدب والفن والصناعة والعلم وطريقة العيش ، وكلها من أسباب البقاء وكمال النفس .
ليس صحيحا أن نتصور بأن المدرسة هي المسؤولة فقط عن ثقافة الطفل ، فألأب يشيد دعائم العلم والمعرفة في ألأسرة ويبذل جهده لكي يسلك ألأولاد طريق العلم والبناء ويربي الذوق ويوجه كل ذلك نحو الطريق القويم . فعندما يقدم ألأب لولده الكثير مما يعلم ويحل مشاكله ويكشف له عن المجاهيل التي تعترضه في حياته ، إنما يكون بذلك كالدليل الموجه لطفله ، يعبّد له طريقه في الحياة .
حدود الدور الثقافي :
يعتبر ألأب معلما لولده ومرشدا له ، يقدم له المعلومات قبل أن يدخل المدرسة . وإذا أصبح تلميذا فإنه سيعوضه عن النقص في هذا المجال ، فإلإسلام يؤكد على دور ألأب في توعية ولده ، وما المدرسة والمعلم إلا وكلاء عن ألأب في تحقيق هذه الوظيفة والقيام بمهمة التعليم ونقل المعرفة ، ويمكن تحديد الوظائف ألأساسية للأب بالنقاط التالية :
1 ـ التعريف بالحياة الدنيا : إن العالم الذي يحيط بالطفل مليء بالغرائب والعجائب التي يرغب الطفل كثيرا في التعرف عليها بسبب إمتلاكه لغريزة حب ألإستطلاع والتطلع وإكتشاف طرق ألإستفادة منها . ولا يخفى على ألآباء وألأمهات تلك ألأسئلة العديدة التي يطرحها الطفل بشأن العالم المحيط به ورغبته في معرفة كل شيء عن الحياة . فحري بألأب أن يماشي طفله خطوة خطوة ويتحدث معه ويرشده ويوجهه ويعرفه بهذا العالم . وإنه مسؤول عن تفسير ظواهر العالم المختلفة لولده وإرشاده إلى طريقة ألإستفادة منها .
يطرح الطفل في مرحلة متقدمة عادة أسئلة أخرى حول الحياة الدنيا وكيف ظهرت للوجود ؟ وإلى أين ستنتهي ؟ وما هو معنى الموت والفناء وغير ذلك .
2 ـ التعريف بفلسفة الحياة : يعتبر ألأب مقصرا في عمله ومسؤوليته فيما لو صرف جهده وتفكيره في مجال توفير الحاجات المادية للطفل فقط فالولد يرى في والده الكمال من خلال المعلومات التي يملكها والتصور الذي يحمله عن الحياة . ومن مسؤوليات ألأب المهمة مساعدة ولده بإختيار طريقه في الحياة وليكتشف بنفسه علل تصرفاته وأعماله المختلفة كي يدرك فلسفة حياته ولماذا سيموت وماذا عليه أن يعمل ؟ وما هي المشاكل ؟ وكيف يتصرف إزاءها ؟ .
3 ـ التعريف بألأدب وألآداب : وتشمل ألآداب ، الشعر والنثر وألأمثال حيث تساهم هذه الأمور في البناء ألأخلاقي للأمم ، وتسوق ألإنسان نحو أهداف محددة . ومن هنا تبرز ألأهمية الكبرى للدروس والمواضيع ألأدبية . ويتحدد دور ألأب في إنتخاب أفضل المواضيع ألأدبية خاصة تلك التي تنسجم مع فطرته وترشده نحو طريق الخير والسعادة . فما أكثر الذين تأثروا سلبا أو إيجابا بالدروس ألأدبية وألأمثال والحكم فإنعكس ذلك على تعاملهم وخلقهم ، ويعود السبب في ألأغلب إلى غفلة ألأسرة أو إهتمامها وحذرها .
4 ـ التعريف بالعادات والتقاليد : حيث يمكننا القول إن العادات والتقاليد تساهم في بناء فكر ألإنسان وعقله . وسيواجه الطفل هذه ألأمور منذ اللحظة التي يدخل فيها معترك الحياة الجماعية . فينبغي على ألأب أن يرشد ولده نحو العادات والتقاليد الجيدة والنافعة التي يمكنها أن تبني ألإنسان بناء جيدا لا أن تضله وتخدعه . فالعادات والتقاليد لا بد أن تكون دروسا بناءة للطفل فيلتزم بها ويكتشف دربه في الحياة .
5 ـ التعريف بالفن : إن ألآباء مضطرون ـ وهم يؤدون وظيفتهم التربوية ـ إلى تعريف أولادهم ببعض البرامج التي تساهم في تلطيف روح الطفل وتؤثر على أفكاره لما لها من معان سامية ورائعة . وسوف يستفيد الطفل من الفن كثيرا بشرط أن ينمي لديه قابلية التطور وألإندفاع نحو الخير . وينبغي للأب أن يعلم ولده الفن الملتزم وأن يحافظ على ذوقه الفني حياً عنده حتى يكون الطفل على بصيرة من أمره ، ويتعلم كيف يواجه ألأحداث المختلفة ويستثمر أوقات فراغه بشكل إيجابي .
6 ـ التعريف بالقيم : إن لجميع المجتمعات قيما بناءة وأخرى هدامة تؤثر على حياة ألإنسان وتدفعه إما نحو الصلاح والفضيلة وإما نحو الفساد والرذيلة . وتمثل ألأسرة النواة ألأولى للقيم ألإنسانية التي توجه الطفل وترشده نحو طريق الخير والصلاح أو نحو طريق الشقاء وألإنحطاط . وتبرز مسؤولية ألأب في نقل هذه القيم وترسيخها لدى الطفل ، إذ يستطيع أن يوفر له حياة معنوية جيدة فيما لو نقل إليه القيم النبيلة .
7 ـ التعريف بالحضارة والمدنية : ثمة مواضيع تدخل تحت مظلة التمدن فيكون ألإنسان مضطرا للإلتزام بها . ومن وظائف ألأب تعريف ولده بألأبعاد المختلفة للتمدن البشري ـ خاصة الحضارة ألإسلامية ـ والتراث الثقافي لذلك المجتمع .
يجب على ألأب أن يمارس مهمته بشكل يمكنه أن يمنع ولده من ألإنبهار بالمدنيات ألأخرى خاصة في مرحلة النشوء والشباب .

متى تكون البداية ؟ :
متى يبدأ دور ألأب ؟ الجواب هو قبل ولادة الطفل بل عند إختيار الزوجة . إننا نعتقد بأن دور ألأب يبدأ منذ اللحظة التي يتم فيها تبادل العلاقة الثقافية والعاطفية بينه وبين ولده . . . أي منذ إبتسامته لوالده ، ولا بد من ألإسراع في هذه المهمة لأن ذلك ينفع الطفل كثيرا وينفع ألأب أيضا .
يجب أن يوجه الطفل ثقافيا منذ وقت مبكر كي يمكنه الوقوف بوجه تأثيرات ألآخرين ، ولا بد من ألإشارة هنا إلى أن ألأفكار الصحيحة أو الخاطئة التي يكتسبها الطفل خلال السنوات الست ألأولى من حياته ، ستبقى عالقة في ذهنه ، ولا يمكن إزالتها أبدا . وسوف تتحول تدريجيا إلى بديهيات ليعتمد عليها في الكثر من ممارساته وتصرفاته .
ضرورة التخطيط :
لا بد من وضع برنامج مدروس يتحرك ألأب على ضوئه من أجل الوصول إلى تربية سليمة . ويجب أن تكون الكلمات المطروحة والخطوات المتخذة مدروسة تماما قبل وصولها إلى الطفل . فقد يشاهد ألأطفال صورا عديدة للوالدين لا يفهمون معانيها وهم في تلك المرحلة ، لكن إنعكاساتها ستجتاح الذهن فيما بعد لتتضح المعاني فتؤدي بهم إلى ألإنحراف ، وما أكثر الكلمات وألإيحاءات الحقة والباطلة التي لا يفهم الطفل معانيها حاضرا ، إلا أنه سيدركها مستقبلا .


المصدر:دور الاب في التربية - للدكتور علي القائمي .