أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



اباء وامهات  مع اولادنا  



الطفل والدين                   عدد الزيارات:3524

عالم الاطفال مثير ، وأن مسألة النمو الناتجة عن التغيرات المنسجمة والمتوالية التي تحصل في جميع مراحل حياة الانسان تعتبر أمرا اكثر اثارة ، فالطفل حينما يأتي الى الدنيا لا يمتلك اية معلومات كما يدور في هذه الدنيا ، ثم يبدأ بالحصول على تلك المعلومات تدريجيا ، ولكن ماهية ذلك التعلم ، والانفعالات المتكررة التي تقع في ذهن أو نفس الانسان لكي يتعلم ، والتي يمكن أخضاعها للتجربة لا زالت من المواضيع المثيرة أيضا ، ولم يتمكن العلم الحديث من كشف أسرارها حتى الان .

  • الطفل والدين :
    من الامور المثيرة في عالم الاطفال هي عالمهم الديني والايماني والاعتقادي . فالطفل مفطور على معرفة الله بسبب طبيعة خلقه التي تضم نفحة من روح الله ، ففي داخله الكثير من الاعتقادات الدينية التي يسعى لقبولها والاقرار بها ومطابقة ذاته معها ، بمجرد أدنى تذكير أو تنبيه من الوالدين والمربين ، وبمجرد العثور على مصاديق لها في العالم الخارجي .
    لا شك أن مفهوم الدين مفهوم واسع يشمل كل جوانب حياة الانسان . لكن الطفل يقبل من الدين ما يتناسب مع رغباته ، وما هو قائم على مشاهداته وتجاربه الشخصية .
    وعندما يزداد نمو الطفل ونضوجه ، وتكثر تبعا لذلك معلوماته المكتسبة ، تتسع دائرة أرتباطه بالدين ، وتمهد امامه الارضية لظهور بعض الحالات عليه ، والتي يمكن تسميتها بالحالات الدينية ، وتبرز بعض ملامحها بين سن 7 و 8 سنوات وحتى في سنوات أقل في بعض الحالات .

    بداية ظهور الشعور الديني :
    تتوقف نوعية المظاهر الدينية عند الطفل وما يتصل بها على نوعية تعامل الوالدين والمربين معه . فما أكثر الاطفال الذين يقلدون المواقف والحركات الدينية التي يؤديها والداهم ، وحتى انهم يقفون الى جانبهم متجهين نحو القبلة ويؤدون الصلاة ، أو أنهم يقلدون حركات والديهم في الدعاء ، أو تلك التي تقترن مع الشعائر الدينية الاخرى .
    تظهر الدراسات التي أجراها علماء النفس بان موضوع الحس الديني يظهر في الاشهر السابقة لسن الرابعة ، وحتى أنه يلاحظ عند بعض الاطفال بين سن 2 -3 سنوات .
    ثم يصبح هذا الشعور واضحا وظاهر مع نمو الطفل وزيادة سنه ، مثلما يلاحظ على الطفل في سن السادسة من مظاهر دينية ورغبة واضحة في أداء السلوك الديني ، وفي مثل هذا السن تبرز لدى الطفل رغبة دينية عميقة ، فهو يرغب مثلا في مناجاة ربه وأقامة نوع من الاتصال معه ، وهذا ما يثير غضب وقلق الوالدين غير المتدينين . ومن غير الواضح طبعا ان مثل هذا الاندفاع سيبقى لديه أم لا ، ولذا ينبغي الانتظار لفترة من الزمن لنرى ما تستقر عليه أحواله . ان للدين معان مختلفة بالنسبة للاطفال في سنوات أعمارهم المختلفة ، الا ان دنياهم منذ سن السادسة تصبح مليئة بحب الله وتعظيمه وأجلاله وحمده والثناء عليه ، والشعور بالخجل منه عند أي عصيان لاوامره ، وحتى قد يبرز ذلك على مظهره ، يتزايد في سن الثامنة فما فوق شعوره الديني ، وتصبح رغبته أكثر عمقا ؛ وبعبارة أخرى يصبح أكثر تدينا ـ فيحاول القيام بما ينال به رضا الله حسب ما يعبر عنه الوالدان والمربون .

    مدى فهمه لمعنى الاله :
    منذ السنة الرابعة تتسع رغبة الطفل في حب الاستطلاع ، فيؤدي به ذلك الى معرفة بعض حقائق هذا العالم ، وهذه المعارف تفضي به تلقائيا الى البحث عن مبدأ الوجود والاقرار بوجود الله ، وهذه المرحلة هي السن الطبيعية لمعرفة وجود الله ، اذ يتكون خلالها الشعور بعدم أمكانية ظهور اي شيء من غير علة ، وهذا الشعور يكون الاساس الذي تقوم عليه كل مواقفه وأحكامه .
    فالطفل في سن الرابعة متصل بأبويه ، فيعتبر والده كبيرا ومهما ، ويفهم ان الله مثل أبيه أيضا ولكنه أكبر ، وحتى أنه يرى فيه عضوا من أعضاء عائلته ، والاسئلة التي يطرحها الطفل في هذه المرحلة تعكس وتبرهن صحة هذا الادعاء ، ولعله يتصور عند رؤيته لاية صورة جميلة ولكنها غامضة الاطوار وغير واضحة ، انها الله . ويلصق بها صفة المعبود ، وغالبا ما يشعر بالاشباع والقناعة من جراء اختلاف هذا التصور .
    فحتى سن السادسة يبقى مفهوم الله وصفاته غير متجذرة في ذهنه ، ولكنه بعد سن السابعة يرى فيه قدرة هائلة تفوق أوصاف الوالدين ، فيرغب في معرفة قوانينه وأوامره .
    صفات الله تبدو واضحة امامه الى حد ما ، لكن بعض ابعاده الاخرى تبقى غامضة لديه ، مثل كونه أزليا وأبديا . وتجب الاشارة أيضا الى أن ادراكه محصور حتى الان في نطاق الجوانب المحسوسة لا الامور الذهنية المجردة .

    ارتباط الطفل بالله :
    أظهرت التحقيقات بان للاطفال في سن الثالثة رغبة قوية في الادعية والاناشيد الدينية ، وينشرحون لها وخاصة اذا كانت مصحوبة بالاصوات الجماعية ، ومنذ السنة السادسة من عمر الطفل تبدأ علاقته بالله تأخذ طابع الكلام والطلب ، ولا تفوتنا الاشارة الى ان طلباته في هذه المرحلة ذات صورة مادية كالطعام ، ووسائل اللعب ، والثياب ... الخ .
    فهو يتمنى على الله ان تمطر السماء اليوم لكي لا يذهب الى المدرسة ، أو أن لا تمطر لكي لاتبتل وسائل ألعابه ، ويدعو ربه أحيانا لكي يجعله ولدا طيبا ، او ان يحول دون أبيه كي لايضربه ، أو ان لا يفعل ما يتعارض أرادة الله .
    وفي بعض الحالات يكون دعاؤه مضحكا ، فهو مثلا يحب أباه كثيرا ؛ لذلك يدعوا أن يموت بسرعة حتى يذهب الى الجنة ، وهذا النمط من التفكير شائع عند الاطفال في سن 5 - 6 سنوات . فيجد في مثل هذه الطلبات والادعية والاماني وسيلة للهدوء والارتباط بالله ، وكلما تقدم السن أزدادت رغباته وأمانيه من الله .

    الاماني المستحيلة :
    من عجائب عالم الاطفال أدعيتهم التي تفوح بالامل والاماني المستحيلة التحقيق ، فينطلق الاطفال عادة من الامال والمثل التي يعتقدون بها ، فيتمنون على ربهم شتى الاماني ، ويصرن أيضا بشدة على ضرورة تحقيقها .
    فأحد أمنياته مثلا ، أن يرى الله ، ويجلس الى جانبه ، ويتكلم معه ، ويصبح صديقا له ، ويطير معه في السماء .... الخ . ويتمنى ايضا ان يصير كالطير ، وأن يمنحه الله جناحين ليطير بهما . ويدعوا من الله أن لا يموت أبدا ، وأن يبقى أبوه وأمه أحياء أبدا . انه يعتبر الله مظهرا للعدالة ، ويرى ان عدالة الله لاتصح الا اذا حققت له أمانيه ، ولهذا يصبح فعل الله في رأيه عرضة للانتقاد كأن يقول : لماذا لا يعطي الله أباه المال الكثير ؟ أو لماذا مات أبوه ؟ أو لماذا لم يقدم الله له هدية ازاء الصلاة التي أداها ؟ أو ما دام الله قادرا على كل شيء فلماذا لا يقضي له حاجاته ؟

    فهمه لموضوع الموت :
    يبنى تصور الطفل عن ذاته على أنه سيبقى حيا الى الابد ، ومن الصعب عليه التصور بأنه سيموت يوما ما . وتجدر الاشارة الى ان أفكار الطفل ، ومعتقداته عن الموت محدودة جدا ، ويصعب عليه تصور ما حل بالشخص الفلاني حين سماعه لخبر موته ، الا اذا رأى بعينه حالة موته وعملية دفنه ، يتعسر على الاطفال في سن الثالثة أدراك معنى الموت ، ويظل حائرا أمام قضية دفن الميت ، فينشغل فكره بها وتمر في ذهنه علامات التعجب بالعشرات .
    تتضح أفكاره عن الموت في سن الخامسة ، وفي مثل هذه السن تقريبا تبرز منه مشاعر خاصة تجاه موت ابيه أو امه ، فهو عادة يتصور أن الموت أمر خاص بالكبار ، وأن الناس يهرمون ثم يموتون ، وأما فكرة عمومية الموت ، وانه ربما يشمل أحيانا حتى الاطفال والشباب فهي من دواعي الحزن والالم له . تربية الطفل

    فهمه لموضوع الجنة والنار :
    ليس لدى الاطفال أي أطلاع عن ماهية الجنة ، أو ما هية النار ، وهو يتصور بناء على ما يسمع أن الجنة مثلا حديقة جميلة فيها أنواع المأكولات من الحلوى والفواكه ووسائل اللعب للاطفال ، فيمكنه هناك اللعب بالارجوحة ، ويركب الدراجة الهوائية ذات العجلتين ، أو الثلاث عجلات ، ويمكنه أن يلعب ويمرح ويلهو ويقضي في المكان الفسيح المليء بالاشجار ، وأن يلعب لعبة الاختفاء والبحث (الختيلة) ، وحتى يمكنه ان يختفي في مكان لا يستطيعون العثور عليه !!!
    وتصوره عن جهنم لا يتجاوز كونها مشهدا من النار ، ولا يتصور مطلقا بأنه سيلقى فيها يوما ما ، بل ويتصور بأن في ميسوره أن يحيد عنها ، أو يجتازها وينقذ نفسه منها ، أو أنه يتحمل حريقها بشكل أو آخر ... الى آخر ذلك .
    وهو في الوقت نفسه يعيش بعض لحظات الامل والشوق للجنة والحياة في أجوائها البديعة ، والخلاص من النار . انه مستعد لسماع كلام أبيه وأمه من أجل الجنة ، واذا أدرك أن عدم أطاعة الام تؤدي به الى دخول جهنم فسيحاول اطاعتها جهد الامكان . ونضيف أيضا ان الخوف من جهنم يدفعه الى الصدق في القول ، واجتناب الكذب والعصيان ، وفي مقابل ذلك يدفعه الطمع بالجنة الى الصلاة والعبادات ، والى حب الله وأبيه وأمه . وعلى المربي ان يتجنب تخويفه من النار قبل سن السابعة لان ذلك يسلبه الامن والاستقرار .

    الاسئلة الدينية للاطفال :
    أسئلة الطفل الدينية عجيبة ، فانها تنم عن حبه للاستطلاع وهو يحاول فهم كل ماهو مجهول بالنسبة له ، ومعرفة عالم الدين ، وعالم ما وراء الطبيعة . ففي ذهنه الكثير من الغموض والشكوك التي يسعى ال فهمها . ولو تهيأ له المربي الجيد الواعي لامكن التفاؤل له بمستقبل مشرق .
    أسئلة الطفل كثيرة ، وهي تختلف بأختلاف درجة نضجه وفهمه وأدراكه ، وتتناسب مع سنه . نشير فيما يلي الى بعض من تلك الاسئلة على سبيل المثال لكي يستفيد الابوان والمربون للاجابة عنها :
    1- في السنوات الست الاولى : يختلف نوع الاسئلة في هذا السن ، حتى عن الاسئلة التي تطرح في سن السابعة ، فالطفل في سن 3 -4 سنوات يسأل عادة عن مصدر وعلة الاشياء ، فهو يسأل مثلا : من أين جئت ؟ من الذي أعد وسائل اللعب هذه ؟ أين ذهب حسن ولماذا ؟ من الذي صنع السماء ؟ولماذا ؟؟ هل مات ابي ؟ وأين ذهب ؟ . الخ وكما نلاحظ فان بؤرة أسئلته تتركز على موضوع المبدأ والمعاد . فهو يرغب في معرفة مصدر ومنشأ الامر الفلاني ، وما هو مصيره ؟ وهذا هو الامر الذي نعتقد بوجوده بشكل فطري متجذر في نفوس الاشخاص .
    أسئلة الطفل كثيرة ، وهي دليل على مدى تعطشه ، وان الاصغاء اليها يحتاج الى الكثير من الصبر والاناة ، يرى بعض الاباء أن هذه الاسئلة تأتي اعتباطا ، ومن غير أساس ، أو جذور . ولكن قليل من التأمل يظهر انها ليست كذلك فالاسئلة تنم عن نضج الطفل ، وان اهتمام الوالدين والمربين واحترامهم للطفل يؤدي الى نضجه دينيا .
    2- بين سن 7 - 10 سنوات : اعتبارا من سنة السابعة فما فوق ، يبدأ التفكير المنطقي بالنمو لدى الطفل ، ولهذا تصبح أسئلته أكثر عمقا . فالاسئلة التي يطرحها عن الله دقيقة ولا يقنع بالاجابة الساذجة ، بل يبغي الحصول على اجابات غنية ودالة ، وقاطعة .
    تتلخص أسئلتهم في مواضيع من قبيل : لماذا لانرى الله ؟ كيف يوجد الله في كل مكان ؟ ما هو الله؟ ان لم يكن الله كالسحاب ، أو كنور الشمس ، فكيف يمكن ان يكون ؟ ان كان الله يحبنا فلماذا يلقينا في جهنم ؟ كيف يبعث الانسان يوم القيامة حيا ؟ و هل نمتلك في القيامة بيتاً ؟ ان كنا لا نرى الله حاليا ، فهل بالامكان رؤيته يوم القيامة ؟ لماذا لا يكلمنا الله ؟
    أسئلة الطفل كثيرة ، ولا انقطاع لها ، وعلى الوالدين والمربين تقديم ماتيسر من الاجوبة المقنعة جهد الامكان . كما ان الاسئلة التي يطرحونها عن الموت والمعاد ، والجنة والنار ، يجب ان تلقى الاجابات الصادقة بعيدا عن اللبس والغموض .
    3- في سنوات الشباب : من البديهي أن النضوج الفكري والعقلي للشباب يصبح في وضع أفضل مما كانوا عليه في السابق . فوعيهم ورؤيتهم الكونية تكون اوسع ، وعليه فلا بد أن تكون أسئلتهم أيضا أكثر عمقا ونضجا .
    ان ما يستحق الذكر هنا هو أن أسسهم الاعتقادية السابقة لابد وأن تكون قد ترسخت في أذهانهم طوال فترة ما قبل المراهقة . ان أجاباتنا التي نقدمها لائسئلتهم قبل سن العاشرة لها دور فاعل في تكوين هذه الاسس الاعتقادية ، وهذا يعني ألتزام والدي الطفل بأدخاله في ما يشبه الدورة المركزة والمبسطة في أصول الاعتقادات ، والنمط العملي في التدين ويعتبر هذا جزءا من حقوقه عليهما .
    ولا تفوتنا هنا الاشارة الى ثلاث نقاط لها علاقة بمدى تدين أبنائنا في مرحلة المراهقة وهي : ـ
    1- ظهور الحس الديني ، والميل الى الدين وتعاليمه ، مما يجعله ذائبا في الدين .
    2- بزوغ معالم الشك لديه يعود سببها الى تعلمه في السابق ، وهو يحاول حالياً وكنتيجة منطقية لذلك ـ اعادة النظر فيما تعلمه ليتأكد من صحته .
    3- تتوارد على ذهنه الكثير من الاسئلة الناتجة في الغالب من تلك الشكوك وكافراز طبيعي لنضوج استدلاله المنطقي ، الا انه غير مستعد ـ بسبب غروره وأنانيته ـ لطرحها في أي زمان ومكان . وهذا ما يدعوا الوالدين والمربين الى الاجابة عن اسئلته بشكل مباشر ، أو غير مباشر ، ودفعه الى أظهار ما يعتلج في باطنه .

  • معنى التدين في رأي الطفل :
    يمارس أطفالنا سلوكهم الديني أنطلاقا من سلامة فطرتهم ، وأشباعا لروح حب الاستطلاع المغروسة في نفوسهم ، فيؤدون الشعائر العبادية على خطى آبائهم وأمهاتهم فنراهم يدعون ربهم أحيانا ، ويبكون ويتضرعون أحيانا أخرى .
    لايعني تدين الطفل وجود انسجام وتعقل في سلوكه وتفكيره الديني . فلا يتخذ السلوك الديني عند الطفل طابعا عقليا الا بعد سن السابعة حيث ، يصبح لديه حينذاك فهم لبعض المواضيع التي يتلقاها . أما قبل هذه السنين فلا يعد وسلوكه أن يكون مجرد ، مشاعر وتظاهر بمجاراة الابوين والاخرين .
    يصلي الطفل برفقة والديه قبل سن السابعة ، ولكن لا يستبعد أن يجري خلال الصلاة وراء صرصر ، أو اذا لفت انتباهه شيء من الحلوى أو ماشابهه يتحرك نحوه ليأخذه ، انه يشارك في المجالس الدينية ، ويؤدي الطقوس والشعائر المتفاوتة عند الناس ، لكن هذا لا يمنع من تعلقه بلذات أخرى ، كأن يجعل من الفروض الدينية وسيلة للتسلية واللعب .
    في حوالي السنة السابعة من عمره ، يبدأ بالتذمر اذا لم يوقظوه لتناول السحور خلال شهر رمضان ، أو يصر على صيام هذا الشهر ولا يصغي لنصائح والحاح والديه على ضرورة الافطار ، ويبدي رغبة شديدة في مواصلة الصوم حتى وقت تناول طعام الافطار .
    اذا وقع بصره حين الصلاة على بعض الحلويات لا يقطع الصلاة ، بل يحاول الحصول عليها بعد انهاء الصلاة .

  • حالات الطفل الدينية :
    قد تستغربون قولنا بأن لاطفالنا أحيانا حالات دينية ، لكن هذا الكلام واقعي وصحيح . قد يكون اداء هذه الحالات قبل سن الرابعة ذا صبغة تقليدية ، ولكن بعد السنة الرابعة من العمر هذه الحالات طابع الجدية بشكل أو آخر .
    فهو يتمتم حينما يكون مع الاخرين أو حتى بمفرده ببعض الكلمات التي تعلمها مع ما فيها من ابهام أو أخطاء . وفي بعض الحالات يسبغ الوضوء بهدف التهيؤ للصلاة . يقف ميمما وجهه شطر القبلة ، ويصر على الوقوف وقفة صحيحة غير منحرف عن القبلة ، بينما كان في سن الرابعة يقف في مقابل أمه وجها لوجه حينما كانت تقف للصلاة .
    كل مايقوم به الاطفال دون السابعة من ممارسات دينية ، ولا يتعدى انعكاسات عاطفية غايتها نيل رضا الوالدين ، ولكنها من بعد سن السابعة تأخذ وجهة عقلانية ، حتى انه اذا ارتكب خطأ ندم عليه ، او حتى انه يبكي ويذرف الدموع بسبب ذلك .
    انه وليس في سن أو ظرف يسمح لنا بالقول ، بأنه في حالة مناجاة . كل ما نستطيع قوله هو ان الاطفال في سن التاسعة تظهر لديهم أمثال هذه الحالات . ويشعرون بالخجل أمام الله من ذنوبهم ، واذا ادركوا ان عملهم كان ذنبا يستوجب العقوبة بالنار ينتابهم القلق والخوف ، ويهرقون الدموع توبة وندما ، ولا شك ان توبة هؤلاء أصدق كثيرا من توبة غيرهم .

    السلوك المعكوس :
    قد يبدو من الطفل احيانا سلوك ديني مقلوب بسبب قلة أدراكه ، وعدم معرفته بأبعاد المفاهيم الدينية ، فقد يقدم على سرقة شيء من مكان ما ويعطيه لشخص فقير لكي يستحق بذلك الجنة !! وقد يتصرف في بعض المواقف بسلوكين متناقضين ، كأن يتشاجر مع أبيه وأمه ويسيء لهما بالقول ، وبعد دقائق يدعو لهما من الله بالمغفرة ويتوسل اليه بأن يدخلهما الجنة .
    ولا يرى الاطفال ضيرا في الكذب بغية انقاذ أنفسهم من عقوبة الوالدين والمعلم ، ثم يتوبون من بعد ساعة وهم متأكدون ان غفران ذنبهم مضمون عند الله .وهذه الحالة تحصل حينما يرى نفسه غير مستحق للعقوبة ، اضافة الى تصوره بأن الله واسع المغفرة .
    ان السلوك الديني المعكوس الذي يبديه الاطفال ناتج في حقيقته عن المعلومات والتصورات الخاطئة التي يتلقونها ، وكذلك عن التعليم الذي يركز على جانب واحد من موضوع ما ويهمل سائر جوانبه الاخرى . ولهذا السبب فاننا نرى ضرورة أن نشرح للطفل بعض المسائل البسيطة ، مع التركيز على جميع جوانبها وأبعادها . فأذا جرى الحديث عن مساعدة الفقير يجب تفهيم الطفل هذه النقطة أيضا وهي وجوب مساعدته من مالنا الخاص ، لا من المال المأخوذ من الناس ، أو عن طريق السرقة .

    مشاعراللذة الدينية عند الاطفال :
    الدين يشبع روح الطفل وفطرته السليمة . والمفاهيم الاصيلة في الدين هي تلك التي تأنسها فطرة الطفل ، فحينما يسمع بضرورة أن يكون الانسان نزيها وأمينا يرتاح الى مثل هذه السجايا من أعماق قلبه . وحين يقال له ان لهذا الكون ربا ، وهو الذي أوجد جميع هذه الكائنات ، يقر بهذه الحقيقة ولا يستثقلها .
    لايشعر الطفل بقساوة السلوك الديني ، أو ثقل الفرائض الدينية ، بل يشعر في أدائها بنوع من الاشباع والارتياح . فاذا صلى يشعر وكانه أدى واجبا ، وأذا صام يعتقد أن ذلك العمل كان ضروريا بالنسبة له ، فلا يشعر بالانزعاج والنفور مما افترضه عليه الدين من تعب وجوع وعطش . يرغب في سماع القصص عن الله و الجنة ، وفضائل الاولياء . ويحب ان يكلم الله ، وان يقيم معه نوعا من العلاقة وأن يبلغ الجنة بأسرع ما يمكن ويعيش في ضلالها الورافة . وحينما تمتزج من امثال هذه التخيلات الصبيانية في ذهنه ، تترك عليه آثارا كبيرة .
    لا يمكن وصف مشاعر البهجة والارتياح التي تغمر الطفل حين مشاهدته أحد الوالدين وهو في حالة العبادة . لقد بقي الامام الحسن المجتبى (ع) يتحدث لسنوات طويلة عن عبادة ودعاء أمة في المحراب حينما كان طفلا ويرى هذه المشاهد . وصفوة كلامنا هو ان الطفل لا يلتذ بعبادته فقط ، بل ويلتذ أيضا لمشاهدة عبادة الاخرين .
    وتجدر الاشارة الى انه يهدف الى جانب نيل اللذة الروحية والمعنوية ، تحقيق غرض آخر وهو رغبته في معرفة نتيجة عبادته في نفس الساعة . وأقل ما يمكن أن يتحقق له من نتيجة عبادته هو رضا الوالدين عنه وتشجيعهم اياه ، أو الاهتمام به أكثر في مجال توفير الطعام والثياب ، وبقية مستلزمات الحياة .

    الطفل والمحافل الدينية :
    يرغب الاطفال بالمشاركة في المحافل الدينية والتغلغل بين الناس ؛ لكي يشاهدوا عن كثب الكيفية التي يتصرف فيها بعض الناس في مجال الشؤون الدينية ، فمن الامور المسلية لهم هي الاناشيد الجماعية ، والاشعار والادعية ، والمراثي الجماعية ، وصلاة الجماعة وما شابهها . ومن الامور الاخرى التي يرتاح لها الطفل ، النقاشات الثنائية ، والاحاديث ، والمجالس وأقامة الشعائر ، ولا سيما اذا تخللها الشاي والحلويات والاطعمة . لو انتبهنا الى الاطفال في أمثال هذه المراسيم والاجتماعات لرأيناهم طافحين بالبشر والسعادة . ولو نظرنا اليهم أثناء اقامة شعائر العزاء والمسيرات لشعرنا بمدى شوقهم وسعادتهم ، وكيف يتعلق بأحد والديه ليصحبه الى أمثال هذه المشاهد .
    لا شك ان مثل هذه المواقف تعتبر ذات أهمية بالنسبة للطفل ، ولكن بشرط أن تحتوي أولا : على بعض المضامين التي يعرفها الطفل ، ويدرك ماهيتها .
    وثانيا : أن لا يصاب بالارهاق ويتعرض للتعب والاذى ، بحيث ينتهي به الامر الى الضجر والملل . وثالثا : أن يحصل من بعد انتهاء تلك المراسيم على بعض اللذات المادية كالطعام أو الشربت ، أو اللذات المعنوية كالتشجيع والاستحسان .


  • المصدر:تربية الطفل دينياً و اخلاقياً-للدكتور علي القائمي