أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



اباء وامهات  مع انفسنا  



دَرسٌ مِنَ الرَبِيع                   عدد الزيارات:3141

ترجمة : جعفر صادق الخليلي


بسم الله الرحمن الرحيم

النزوع الى التنوع والتجديد :
من طبيعة الإنسان أن يشعر بالملل من الرتابة، ويميل الى التنوع والتجديد. ولكن لماذا؟ لماذا يكون المرء في غاية التشوق للحصول على شيء ما، ثم ما ان يناله حتى يخبو شوقه إليه وتخمد حدة رغبته فيه، ويصاب بالبرود تدريجياً نحوه، بل قد يبلغ به الأمر أحياناً أن يشعر بالتعب والنفور منه؟
لست الآن بصدد الدخول في تفاصيل ذلك، ولكن يرى بعضهم أن هذا من خصائص البشر الذاتية، فالإنسان يريد دائماً الحصول على ما لا يملك، وإن التملك مقبرة الحب. إلا أن هناك آخرين لهم نظرة أدق من ذلك، فيقولون: إذا كان الشيء مطلوباً حقاً بصورة غريزية، فلا يمكن الوصول إليه ونيله مدعاة للبرود نحوه والنفور منه. إن في غريزة البشر وقراراتهم معشوقاً اسمى وحبيـباً ذا كمال لا يتناهى. فكل محبوب يطلبه الإنسان دون ذلك يكون في الحقيقة رمزاً يرى فيه المعشوق الأصيل والحقيقي الذي يصبو ويتشوق إليه، يحسب أنه الحبيب المطلوب، ولكنه بعد الوصول إليه يرى إنه ليس مطلوبه الأصيل، وإنه غير قادر على ملء فراغ وجوده، فيميل عنه بحثاً عن مقصوده الأساس، وهكذا، وفي اليوم الذي يتصل فيه بمعشوقه الأصيل والحقيقي، يكون قد بلغ كماله الحقيقي، وهو الإتصال بالكمال غير المتناهي، ويغرق في بهجة السعادة الكاملة، ويتحقق إطمئنانه الدائم، ولن يصاب بعدئذ بالكآبة والكسل والملل:«أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (1).
لقد جاء في القرآن الكريم عن الجنة:«لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً»(2). وهذا هو إختلافها عن النعم الدنيوية التي سرعان ما يضجر منها المرء ويملها وينفر منها ويطلب تغييرها وتجديدها، ولكنه في الآخرة لن يرغب في تحويل ولا في تغير أو تجديد.
على كل حال، ما من شك في أن الإنسان في هذه الدنيا دائم الرغبة في التنويع والتجديد، والتنقل من مطلوب الى مطلوب، فالتجديد يبعث على الإرتياح والبهجة، خصوصاً إذا كان ذلك التجديد في ظروف الحياة وتنوع مظاهرها، لأن ذلك يزيل الكدر والملل.
ولقد روعي هذا في التشريع ايضاً، فقد خصص من كل اسبوع يوم، ومن كل سنة شهر للعبادة. اي إن التشريع قد واكب التكوين، فيوم الجمعة من الأسبوع، وشهر رمضان من السنة، جعلا لتجديد الحياة المعنوية، ولتحرير الخاطر من الطلبات المادية المملة.
جاء في الحديث الشريف:(لكل شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان). ويقول علي (ع):(تعلّموا القرآن فإنه ربيع القلوب)(3).
الشمس هي التي تبعث الربيع الطبيعي، فبعد أن تكون قد ابتعدت عن الأرض زماناً تعود لتحيي الطبيعة الميتة بأشعتها الدافئة، ولتوقظ الأرض النائمة. أما الربيع الروحي فإنه شمس القرآن المشعة توقظه في القلوب الميتة والأرواح الكئيبة، فينبغي أن نستفيد من الربيع الروحي مثلما ينبغي أن نستفيد من الربيع الطبيعي، يقول الرسول (ص) بخصوص الربيع الروحي، في شهر رمضان المبارك:(فاسألوا الله بنيّات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لعبادته وتلاوة كتابه) (4).
حصة الإنسان من الربيع:
يرد مكرراً في القرآن الكريم عن هذا التجديد الحياتي الذي يطرأ على الأرض في الربيع، ولكنه يرد على أنه درس وهداية للبشر وكيفية إستلهامه من هذا الفصل الباعث على الحياة، فالأزهار والخضرة في هذا الفصل تصل الى تمام نموها وإزدهارها وجمالها ـ وتصل الخيول والماشية والأغنام الى الكفاية من العلف فتعلف، فتسمن وتقفز وتمرح.
والإنسان من حيث كونه إنساناً، له عقل وله إدراك، كما ان له قلباً ومشاعر وعواطف، وكذلك له نصيبه من هذا الفيض العام، فما نصيبه؟
يعتبر فصل الربيع فصل الإحياء، في نظر بعض الناس. وربيع الإلهام ودرساً نافعاً، وهو عنده فصل الإلهام يرى فيه اسرار وحقائق مفيدة. ولكن الذي يدعو الى الأسف هو ان بعضاً آخر من الناس لا يستفيد من الربيع باكثر مما يستفيد منه الحيوان. إن كل ما يستهويه من هذا التجلي الرائع في الطبيعة، هو إتخام بطنه والشرب حتى السكر والعربدة والإنحطاط الى اسفل دركات الحيوانية، إنه أيضاً يأتيه الإلهام في هذا الفصل، ولكنه الإلهام للإيغال في الجريمة والقتل والفحشاء والفساد وتحطيم القيود الإنسانية.
أليس من منتهى سوء الحظ أن يكون حاصل ايام بهذا اللطف والصفاء والروعة هو ظلمة العقل والروح، وقساوة القلب؟ أجل، فكل إناء بالذي فيه ينضح.
فصل الربيع، على كل حال، فصل تجديد الحياة وعودتها ثانية الى ارضنا هذه . إنه فصل إنبعاث الحياة في الأرض وإزدهارها ونشاطها، فصل تصبح فيه الأرض في ظروف جديدة، تستعد فيها لتقبل أعظم هبات الله، وهو عودة الحياة إليها مرة ثانية.
إن هذا التجدد في الحياة، وهذه الحالة التي تنتاب الأرض يرد ذكرها في القرآن الكريم كثيراً، أكثر من خسمة عشر مرة، ولكن بإعتبارها درساً وحكمة ينبغي التعلم منها.
الحقيقة وآثار الحياة:
إن السؤال عن ماهية حقيقة الحياة ما يزال بغير جواب، لإن المعرفة البشرية لم تشكف عن اسرارها بعد. ويرى بعض المحققين أن الستار لن يرفع عن هذا السر ابداً، لإن هؤلاء يرون أن حقيقة الحياة وحقيقة الوجود امر واحد، فكما أن حقيقة الوجود عصية على التعريف والتحديد والتصوير، كذلك هي حقيقة الحياة ابعد ما تكون عن التعريف والتحديد والتصوير، وكما ان الى حقيقة الوجود درجات من الضعف والشدة، ومن الأضعف والأشد كذلك الأمر بالنسبة الى حقيقة الحياة. فكل كائن يكون حظه ان انبعاث الحياة في الأرض أوفي اي كائن ميت آخر إنما هو العثور على درجة من الحياة أعلى وأكمل، إذ ليس هناك ميت مطلق، فالميت المطلق هو المعدوم المطلق.
ولكن على من أن حقيقة الحياة خافية على البشر، أو انها غير قابلة للإدراك، فإن آثار الحياة واضحة بينة. إننا وإن لم نحس بالحياة ذاتها، اي: إننا لانرى الحياة ذاتها، لا نلمسها ولا نذوقها، ولكننا نرى آثارها ونلمسها. آثار الحياة هي الظاهر والحياة هي الباطن، ومن هذا الظاهر نحن ندرك وجود ذاك الباطن، من هذا القشر نصل الى اللب.
حقائق غير محسوسة :
ظهر في العالم اناس قالوا: إننا لانؤمن بوجود شيء إلا إذا أحسسنا بوجوده بواسطة إحدى الحواس مباشرة. إن الشيء الوحيد يمكن الإيمان بوجوده هو ذاك الذي يمكن إدراكه بالحواس، فالذي لا يحس لا وجود له. ولذلك نقول : إن الطبيعة موجودة لإنها غير قابلة للإحساس أو اللمس مباشرة، ونقول: لا وجود لما وراء الطبيعة لإنه ليس قابلاً للمس أو الإحساس به.
على الرغم من أن هذا المنطلق ناقص بحد ذاته، لإنه ليس هناك ما يدعو الى القول: إن ما لا احس به لاوجود له، فإن فيه نقصاً أكبر من ذلك، وهو انهم لم يتذكروا أن في الطبيعة نفسها حقائق مسلماً بها، ولايمكن إنكارها وهي مع ذلك مما لانحس بها بإحدى حواسنا ولكننا نعرف بوجودها من آثارها الموجودة، كالحياة نفسها، ثم إن كل ما لا نحس به لا يلزم أن يكون من ما وراء الطبيعة. إن ما وراء الطبيعة غير محسوس، ولكن ليس كل ما لا نحس به جزء من وراء الطبيعة.
إن العلماء دققّوا في هذه الموضوعات تدقيقاً تاماً وأثبتوا أن الكثير من الحققائق المسلم بها في عالم الطبيعة نفسه الذي نعيش في أحضانه ونتربى في كنفه، له وجود حقيقي مع اننا لا نستطيع الإحساس به إحساساً مباشراً. إن ما ندركه بحواسنا بصورة مباشرة يكون مدركاً من حيث لونه أو شكله أو من حيث حجمه وكميته، أو من حيث درجة حرارته، أو من حيث نعومته وخشونته. إن أياً من هذه ليست هي المادة الخارجية عينها، بل هي جميعاً من مظاهر المادة وآثارها. إن الحياة الطبيعية الحاصلة للأرض وأبناء الأرض حقيقة مسلم بها وفي الوقت نفسه لا نحس بها، ومع أننا محاطون من جميع الجهات بآثارها وتجلياتها، إلا أننا نحسب أن حواسنا تتعامل معها مباشرة. مالذي نراه في الوردة؟ نرى النمو، ونرى الرواء والطراوة، نرى اللون ونشم العطر، وعن طريق هذه كلها نحكم أن في الوردة حياة، إن حكمنا هذا عن باطن هذه الوردة، الذي هو حقيقة الحياة، لم يصدر عن طريق حواسنا، بل عن طريق قوة أخرى موجود فينا، هي أيضاً من باطننا. إننا ندرك ظاهر العالم وقشره بظاهر وجودنا وقشره، اي الحواس والأجهزة الجسمية فينا، وندرك بباطننا وبلبّ وجودنا، اي بالعقل والوجدان، شيئاً من باطن العالم ولبّه، أي الحقائق غير المحسوسة.
اللبّ في القرآن :
ثمة تعبير رائع في القرآن، فحيثما يريد الكلام على الحقائق الخافية تحت الظواهر، يقول: إن الذين يدركون هذه الحقيقة هم«أولوا الألباب». واللب يعني المركز الخالص الذي نزع عنه القشر. وقد جاء في اللغة: إن اللب خالص كل شيء، العقل الخالص من الشوائب، كما أن الراغب (الإصفهاني) يقول في مفرداته: (اللب: العقل الخالص من الشوائب). إذن اللب هو العقل الذي فصل عنه ماكان مخلوطاً به، إنه لا يقول: عقل خال من الشوائب، بل يقول عقل خالص من الشوائب، أي منفصل عن الشوائب وذلك لان العقل في بدئه يكون غير ناضج. تختلط فيه المحسوسات بالموهومات والمعقولات، ثم تأخذ هذه بالإنفصال بعضها عن بعض، ويكون لها مقر خاص بها، فإذ وصل عقل الإنسان الى تلك المرحلة التي يستطيع فيها التحرر من سيطرة الوهم والخيال والحس، اطلق عليه اسم (اللبّ) إذ إن مثل العقل وهو الباطن بالنسبة الى القوى الظاهرة المحسوسة، كمثل اللب الى القشرة في اللوزة أو الجوزة وأمثالهما.فهذه متمازجة في بدء أمرها، لا يتميز من لبها، ولكن عندما تتدرج في النضج يأخذ اللب بالإنفصال عن القشر ويكون لكل منهما مميزاته الخاصة به وأثره، من دون أن يختلط احدهما بالآخر.
إذا وصل الإنسان في العلم الى درجة الكمال، انفصل عقله عن الحس والوهم والخيال، وأصبح قادراً على تمييز الحكم الصادر عن كل منها دون أن يخلط بينهما، في هذه الحالة يكون الشخص (لبيباً) أي من بلغ عقله مرحلة النضج والإستقلالية.
يقول العارفون: إن مراحل الوجود الإنساني تتطابق مع عوالم الوجود. إن الإنسان في مراحل وجوده يكون ذا جبروت وملكوت وناسوت، وترتبط كل مرحلة من مراحل العالم الكلي.
إن جهاز العقل في الإنسان يزداد قوة عن طريق الحس، والمحسوسات، فطريق الوصول الى المعقولات يمر بالمحسوسات، وقد دعا القرآن الى تدبر هذه المحسوسات، إذ من خلالها يتم الوصول الى المعقولات، على أن لا نمكث في عالم المحسوسات طويلاً:«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ» (5).اي إن في هذه، وهي من القشور، دلائل على لب العالم وروحه، ولكن لا يصل الى ذلك إلا من كان هو نفسه من ذوي الألباب:«الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (6) .
وجاء في آية أخرى:« . . . فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» (7) .
إن ما يسمعه الإنسان يكون عن طريق الأذن، اي عن طريق حاسة السمع في الجسم، والأذن لاتميز بين ما تسمع إن كان خيراً أو شراً، فليس من واجبها غربلة ما تسمع، إلا أن في الإنسان قدرة أخرى قادرة على تمحيص ما يرد إليها عن طريق الأذن، فتختبر وتفرق بين جيده ورديئه، سليمه وسقيمه، صحيحه وكاذبه. تلك القوة امر باطن غير محسوس، وليست شيئأً كما ان الوظيفة التي تؤديها ليست من الوظائف المحسوسة.
نعم، إن الإ نسان بقشره والقسم الظاهري في عالم وجوده، يحس بقشرة العالم الكبير وبقسمه الظاهر، وبلبّ عالم وجوده غير المحسوس يتصل بباطن العالم ولبّه وجوانبه الكبيرة غير المحسوسة.
سأل شخصاً الإمام علياً: (ع): (هل رأيت ربك؟) فأجاب: (لم أعبد رباً لم أره) ثم أضاف: (لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان)(8).
حدود الحواس:
إن قابليات الإنسان من حيث بناءه الجسمي محدودة جداً، وهو يستطيع البقاء إلا في ظروف خاصة من درجة الحرارة والضغط الجوي، والمواد الغذائية، وضمن فترة معينة وفي مكان محدود، ولكنه في جسمه وروحه ليس مقيداً بحدود وقيود. لولا كان الإنسان محدداً في جانبه الروحي بمثل تلك القيود والأشكال والقوالب لما استطاع ان يدرك الكلي واللامحدود، والمرسل اي تلك القواعد الكلية الخاصة بالعلوم الطبيعية والرياضية وبما أنه من حيث جسمه محدد ومقيد بحدود الزمان والمكان والقدرات، فكل ما يصل إليه عن جمسه محدد ومقيد بحدود الزمان والمكان والقدرات، فكل ما يصل إليه عن طريق أجهزته الجسمية، اي الحواس، يكون كذلك ضمن تلك الدائرة المحدودة، إلا أن هذا المحدود هو طريق العبور الى اللامحدود، إن البشر يسير من المحدود الى اللامحدود، ومن الجزئي الى الكلي ومن النسبي الى المطلق. إذ ليس من الممكن للإنسان أن يحس باللامحدود عن طريق إحدى الحواس ولكنه يستطيع تعقل اللامحدود. إنه يستطيع ان يرى اللامحدود بعين بصيرته اللاجسمانية، ولكن ليس بالإمكان وضع اللامحدود في المحدود واللامتعين في المتعين.
ثمة مثال يضربونه لقضية محدودية الإدراك الحسي في الإنسان، فيقولون: إن فيلاً قد أتي به من الهند الى مدينة لم يكن أهلها قد رأوا فيلاً من قبل، وإن يكن قد سمعوا باسمه، فأوقفوه في زاوية مظلمة، حيث كان الناس يتقدمون نحوه ويتحسسونه بأيديهم، ثم يخرجون ويصفونه للناس، فالذي لمست يده خرطوم الفيل خرج يقول إن الفيل يشبه الميزاب، والآخر الذي لمس أذن الفيل، قال عنه يشبه المروحة، والثالث الذي لمس رجل الفيل، خرج يقول إن الفيل يشبه العمود، والرابع الذي لمس ظهره، قال إنه يشبه السرير، وهكذا...
القرآن والربيع:
يشير القرآن في بعض مواضعه الى هذا الدرس الموحى فيقول:« . . . وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (9).
في عالم الوجود ــ سواء في الكائنات الحية أو التي لا حياة فيها ــ ثمة نظام وتآلف وانسجام يظهر العالم كله وكأنه جسم واحد، ترتبط أجزاؤه وأعضاؤه فيما بينها برباط من الإنسجام يكشف عن وجود مشيئة واحدة وتدبير كلي يسود العالم كله في وحدة منسجمة وفريدة. وعن أن اجزاء هذا العالم ليست متروكة الى ذاتها تفعل ما تشاء بغير ان يكون لها هدف معين ضمن المجموعة الكلية في هذا النظام الجبار، بل العكس إن وضع العالم يدل على أن كل جزء من اجزائه وذرة فيه اشبه بالمسمار أو اللولب أو العجلة أوالقضيب أو الأنبوب الذي ركب في معمل ليقوم بعمله، وفي الوقت نفسه ينسجم عمله ويتزامن مع اعمال سائر أجزاء المعمل. أو كما جاء في تعبير القرآن، أن جميع الموجودات في العالم، بكل قواها، وقدراتها (مسخرة) لمشيئة وإرادة واحدة، وهذا هو السبيل الذي يؤدي بنظامه وانتظامه في وظائف العالم الى الإعتراف بوجود الناظم والمنظم، وإن الإنسان هو جزء من نظام هذا الكون، خلق في أحسن صورة وتقويم وإتقان، صنع ليرى الله من خلال آيات قدرته وحكمته في نفسه وفيما يحيط به من آفاق.
إلا أن هناك درساً آخر فيما يتعلق بالكائنات الحية، وهو أن الله يهبها الحياة، بالإضافة الى ما جعله من إنتظام وإنسجام بين أجزائها المادية، إنه يهبها حقيقة وكمالاً كانت تفتقده. إننا إذا صغنا ذرات العالم الميتة بأي صورة أو شكل وفي اي نظام وترتيب نشاء، فإن ذلك لا يوجد فيها حقيقة لم تكن موجودة فيها، ولكن الذي يحصل في الكائنات الحية ليس هذا التنظيم والترتيب فحسب، بل تضاف الى ذلك حقيقة غير موجودة، فالحياة لاوجود لها في المادة الميتة، ولكنها توجد فيما بعد، والمادة ليس فيها إحساس ولا إدراك، ولكنهما يوجدان بقدرة قادر، ليس ثمة رغبة ولا حب ولا إنفعال، ثم تكون لا عقل ولا ذكاء ولكنهما يتخلقان، ولا حواس ولا لذة، فتتهيأ، كل هذه غير موجودة في المادة أساساً، ولكنها تطرأ عليها وتوجد فيها بعد، ولهذا فإننا نرى الله في الكائنات الحية في صورة عفو وفيض وكمال، وفي إفاضة الوجود والكمال، في لباس القبض والبسط، في الإحياء والإماتة، إنه يعطي ويأخذ، يوجد ويعدم.
إن الآيات الواردة بهذا الشأن كثيرة، بعضها يشير الى انبعاث الحياة في الأرض كدليل هاد الى التوحيد، وبعض آخر يصف يوم القيامة، وبعض ثالث يشير الى الحالتين كلتيهما .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الرعد : الآية : 28 .
(2) سورة الكهف : الآية : 108 .
(3) تحف العقول : 150 .
(4) بحار الأنوار : 93 / 356 .
(5) سورة آل عمران : الآية : 190 .
(6) سورة آل عمران : الآية : 191 .
(7) سورة الزمر : الآية : 18 .
(8) نهج البلاغة : الخطبة : 179 .
(9) سورة الحج : الآية : 5 .

المصدر:سلسلة تراث وآثار الشهيد مرتضى المطهري - الثورة والدولة