أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



اباء وامهات  مع اولادنا  



قَـبِّلِـي السيِّــــدَة . . . . . كلمات لا تقولوها أبداً                   عدد الزيارات:787

دعوني أقص عليكم حكاية حدثت لي مؤخراً مع إبنتي التي تبلغ من العمر سنتين ونصف, لقد أقامت إبنتي أول صداقة لها مع كلويه، وهي رفيقة لها في الثالثة من عمرها. بين الحين والآخر نصطحب أنا ووالدة كلويه الصغيرتين الى دوامة الخيل الخشبية, وهي لعبتهما المفضلة، خصوصاً إذا كانتا معاً، فـتـتسليان كالمجنونتين وتطلقان العنان لنفسيهما فتتحرران من الضغوط النفسية والتوترات المتراكمة طوال النهار، فبعد عدة ساعات تمضيانها في دار الحضانة، تشكل هذه الفترة من التسلية والراحة المكافأة الأجمل لأنستينا الصغيرتين .
ــ أيتها الفتاتان، دورة واحدة بعد، ثم نذهب .
أجل !
توقفت الدوامة فأمسكت الفتاتان الواحدة بيد الأخرى وتردد صدى ضحكاتهما طوال الطريق الى سيارتينا .
ــ حبيبتي، قولي الى اللقاء لرفيقتك كلويه !
تعانقت الفتاتان وراحتا تقبلان بعضهما ثم أندفعت كلويه الى ذراعي لتقبلني أنا أيضاً. عندئذٍ، قالت أمها، التي لم تكن ربما لتقبل أبنتي بصورة عفوية :
ــ أنا أيضاً أريد قبلة يا نينا !
لكن إبنتي تراجعت وأختبأت خلفي في حالة لتفادي القبلة .
ــ قبلي والدة كلويه يا حبيبتي !
ــ لا أريد، تمتمت الصغيرة .
ولكن حبيبتي، ماذا يعني هذا ؟ قبلي والدة كلويه !
ــ كلا !
وأخفت فمها وراء أصابعها الصغيرة، التي راحت تفتلها وتللويها بحركة مستمرة .
ــ نينا قبلي والدة كلويه !
ــ لايهم، ستفعل ذلك في المرة القادمة !
قالت ذلك والدة كلويه ممسكة بيد أبنتها، وقد تكدرت ربما بعض الشيء .
أين يتوقف التهذيب وأين يبدأ الإحترام ؟
لقد فهمت أن إصراري على إقناع أبنتي ( بتقبيل السيدة ) كان خطأ كبيراً. ولكن على غرار الكثير من الأمهات في مثل هذا الموقف، لم أتصور نفسي أقول لها مثلاً : ( حبيبتي، لاتقبلي والدة صديقتك، إذا كنت لا ترغبين في ذلك ! ) إذ يعني ذلك ضمنياً : ( إذا كنت لاتحبينها ! ) .
هذا خطأ . كان من المفروض أن أنقل لها هذه الرسالة بالتحديد . لكن آداب السلوك أوقعتني في الشرك . بعد مرور الحادثة أشعر بالرضا لأن طبعها المستقل وشخصيتها القوية قد دفعاها الى عدم إطاعتي فبقيت أمينة لإنفعالاتها ومشاعرها الشخصية . هذا هو الأمر الأساسي الجوهري وستفهمون للتو سبب ذلك . لم تكن إبنتي عديمة التهذيب، لأنها تمتمت ( الى اللقاء ) لوالدة صديقتها . فلماذا وجب عليها أن تقبل تلك السيدة إذا لم تكن تشعر بالرغبة في ذلك ؟
كونها ليست بخيلة عادة بتوزيع قبلاتها, كان علي أن أتوقف عند تصرفها . لكنني لم آخذ ذلك بعين الإعتبار . لماذا وجدت نفسي مضطرة الى دفعها الى تقبيل والدة كلويه ؟ لكي أتبع العادة السائدة ؟ لكي لا أصدم السيدة أو أثير حفيظتها ؟ لكي لا أجرح إحساسها ؟ ولكن ما هو المهم حقاً ، العادات أم إبنتي ؟ أترككم لتجدون وحدكم الجواب الصحيح !
ليست القبلة علامة تهذيب
كثيراً ما تسبب عفوية الأولاد الإحراج للراشدين الذين يجهدون للسيطرة على إنفعالاتهم لكي يقدموا أفضل صورة عن أنفسهم في المجتمع . ولا يهم إن كانت تلك الصورة هي أيضاً الصورة الأكثر خبثاً .
يعبر الولد عما يشعر به من دون أي خلفية . فليس لديه حس المجاملات واللياقات الذي يكتسبه الراشدون شيئاً فشيئاً، أو ذلك الخبث الإجتماعي والطبقة من الطلاء اللماع التي تحافظ على المظاهر . وتزعج عفوية الطفل الشخص الراشد الذي إعتاد أن يكبت رد الفعل هذا منذ أقدم العصور . والوالد ( أو الوالدة ) الذي يحمل ولده رغباته الشخصية وآماله يشعر بالذنب وحتى بالخجل حيال تصرف ولده، فيحمر وجهه هو ويستاء هو .
ولكن ماذا حدث إذا عكستم الأدوار ولو للحظة ؟ هل أنتم مستعدون، أنتم الأهل، أن تقبلوا، باسم اللياقة، أشخاص تصادفونهم بين الحين والآخر ولا تشعرون بأي ألفة تجاههم ؟ كلا طبعاً ! فلماذا تجبرون أولادكم إذن على التصرف بهذه الطريقة ؟ تقومون بذلك لأن أهلكم قد فعلوا ذلك معكم ! لأنهم لم يحترموا ما تشعرون به ومالا تشعرون به ! لأنهم أجبروكم على تقبيل السيدة العجوز التي لا تعرفونها والتي تفوح منها رائحة كريهة . كانوا بالطبع مخطئين . فالقبلة ليست بالطبع علامة تهذيب أو لياقة، لكنها دليل عاطفة . فالقبلات التي تغمرون بها ولدكم هي مظهر من مظاهر الحب . إنه العهد الذي أخذتموه على أنفسكم عند ولادته . لكنكم، فجأة تطلبون منه أن ( يقبل السيدة )، أي أن يظهر حباً تجاه شخص لا يمثل شيئاً مطلقاً في عينيه, هذا أمر لايستطيع أن يفهمه . في ذهنه، أنتم تطلبون منه أن يحب تحت الطلب .
والقبلة الإجتماعية في كل ذلك ؟
بالرغم من طابعها البروتوكولي ، تظل هذه القبلة علامة على وجود ود وتعاطف حيال الآخر . نحن لانقبل أياً كان في أي ظرف كان، ولا نقبل خصوصاً أشخاصاً نشعر حيالهم بالنفور . لذلك فمن الجوهري إحترام الولد وعفويته، حتى وإن كان لا يتقن فن الشكليات وقواعد اللياقة والأدب ليتجاوز نفوره أو حذره الفطري .
علموا أولادكم كيف يحمون أنفسهم
إن إحترام الطفل لإنفعالاته ومشاعره حيال الكبار الذين يقابلهم يعني السماح له بتنمية قدرته على فهم الآخرين وبالتالي عدم كبتها أو معاكستها . وتسمح له هذه المقدرة، الضرورية في بناء العلاقات الإجتماعية، بتفادي التصرف بحميمية زائدة مع الآخرين . فيتعلم الولد الحذر وعدم الركض وراء أي كان بحجة أن السيد أو السيدة لطيفان معه . عندما نعلمه الإصغاء وأخذ مشاعره بعين الإعتبار، نعلمه أن يحمي نفسه . ففي زمن تنتشر فيه الإساءة الجنسية بحق الأطفال إنتشار النار في الهشيم، من الضروري أن نعلم أولادنا بأن ( الجميع ليسوا بالضرورة لطفاء ! ) . من غيرالمجد تعليم ذلك لأطفالنا بخطب إصلاحية طويلة لن يفهموها خصوصاً إذا كانوا لايزالون صغاراً . بالمقابل يمكنكم أن تقترحوا على الطفل تقبيل السيدة، إذا كنتم متمسكين بذلك، ولكن من دون أن تفرضوا عليه ذلك . هو من يقرر . يمكنكم أن تقولوا مثلاً : ( حان وقت الذهاب، تعالي ودعي السيدة يا حبيبتي ) . على كل حال ( ولابد أنكم لاحظتم ذلك قبلاً ) إذا شعر ولدكم بالرغبة في تقبيل الشخص الذي تودعونه، فسيفعل ذلك تلقائياً .
مهما يكن موقف الولد، فمن الضروري إحترام خياره، خصوصاً إذا كان غير راغب في ( تقبيل السيدة )، وحتى وإن تعلق الأمر بأحد أفراد الأسرة أو بصديق قديم . مهما تكن أسبابه ، فإن الطريقة التي يرى بها الولد الشخص الذي يفترض تقبيله وإحساسه به ، مختلفان تماماً عما تشعرون به أنتم، وليس من المفروض أن يكون شعوره مطابقاً لشعوركم . وإن كان لايزال صغيراً، لايكاد يطال مسكة الباب، فهو كائن بشري كامل . لذلك فمن الضروري أن تحترموا مشاعره .
مخاطر القبلة القسرية
عندما تجبرون ولدكم على (تقبيل السيدة )، فإنكم تؤثرون بذلك سلباً على علاقاته بالآخرين . إذا خضع الولد للإكراه و( قبل السيدة )، فإنه يكبت مشاعره كما لو أنه يطمرها في التراب كيلا يحس بها بعد ذلك . إنه لايحترم ذاته كما لايحترمه الشخص الراشد الذي أجبره على ذلك . فتنطبع في نفسه ، بتأثير من إكراه الوالد ( أو الوالدة ) له، فكرة أنه لايستحق هذا الإحترام .
وعندما يصبح الخضوع وإحتقار الذات أمرين ( طبيعيين ) في ذهن الولد، يفقد القدرة على حماية نفسه من التصرفات المشبوهة التي من المفترض أن يراها سلبية وحتى خطرة عليه ــ والتي من المفترض ان يرفضها غريزياً فتصبح مقبولة لديه . إن إجباره على إعطاء تلك القبلة اللعينة للسيدة أو للسيدد، يضعف خطوط دفاعه .


المصدر:كلمات نقتل بها أولادنا .... لا تقولوها أبداً ... جوزيف وكارولين ميسينجر ترجمة أفيرا عون