أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



فتية وشباب  شباب وبنات  



دروس من القران الكريم                   عدد الزيارات:2548

عزيزي القارئ ، ان هذا الموضوع الذي بين يديك هو من كتابات السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) لصحيفة الاضواء و اعادة دار الزهراء نشره ضمن مجموعة اخترنا لك الاولى التي تضم مجموعة من البحوث الاسلامية للسيد الشهيد ، و ها نحن ننقله اليك لما لمسنا فيه من الفائدة التي تتماشى و حال مجتمعاتنا الاسلامية اليوم .
أستميح الاضواء عذراً إذا ما تمردت على ارادتها شيئاً ما و حاولت ان اقدم لقارئي الكريم على صفحاتها درساً من القران -لا دراسة له- درساً يرتبط كل الارتباط بواقعنا و حياتنا كدعاة للاسلام او كمدعوين للقيام باعباء أضخم رسالة الى الانسانية جمعاء . فقد طلبت مني الاضواء أن أكتب لها بحثاً في القران أو دراسة لجانب من جوانبه الكثر التي تكون بمجموعها خصائص الكتاب السماوي غير أني تلقيت طلبها العزيز و انا في غمرة من الاشغال التي تعوقني عن الاستجابة لهذا الطلب و إن كان عزيزاً عليّ ، غير اني قلت في نفسي و أنا افكر في الاعتذار : لئن كانت الدراسة القرانية بحاجة الى الكثير من الوقت و قسط كبير من الفراغ و محاولة غير يسيرة للاندماج مع القران في أحد جوانبه المشرقة الكثيرة ، فان استمداد الدرس الاجتماعي لواقع حياتنا من القران الكريم عمل يسير لا يتطلب مزيداً من الجهد و لا انصهاراً قرانياً عميقاً ، فان دروس القران متناثرة في كل ايات القران الكريم تلقي اضواء متنوعة في طريق الانسانية الى الحق و العدل و الخير ، و تكشف الستار عن اسرار النفس البشرية و نقاط ضعفها و قوتها و ما تعتمل في اعماقها من عمليات الخير و عمليات الشر و ما هو السبيل الى تنمية تلك و استئصال هذه فلماذا إذن لا احاول أن اكتفي بدرس من القران عن دراسة له ؟ قلت هذا في نفسي و انا أقرأ سورة التوبة قوله تبارك و تعالى :
" يعتذرون اليكم إذا رجعتم اليهم قل لا تعتذروا و لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من اخباركم و سيرى الله عملكم و رسوله ثم تردون الى عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " . فما تمالكت أن وقفت عند هذه الاية الكريمة وقطعت قراءتي لعلي انطلق منها في الدرس القراني الذي اعتزمته .
إن القران الكريم يقطع في هذه الاية الملتهبة العذر على المعتذرين و لا يسمح للنبي بوصفه التعبير الاعلى عن الداعية للاسلام أن يستمتع بعد رجوعه من احدى معاركه الجهادية الى اعتذار المعتذرين الذين تخلفوا عن موكب الدعوة و نكصوا عندما دقت الساعة و أزف الخطر مهما كان لون الاعتذار و اسلوبه .
عشت هذه الاية لحظة و استنشقت جوها الروحي المرتفع و تجاوبت بكل كياني و مشاعري مع تصميمها الهائل بقضية الدعوة عن مستوى الاصغاء الى نفاق المنافقين و دجل المثبطين و تقاعس المصلحين ، و قلت : فليكن هذا هو درسنا من القران في هذه المرة و لنتعلم على يد القران ما هي تلك الاعذار التي يمليها الضعف البشري على المتخلفين عن موكب النور و كيف نجابه تلك الأعذار .
و نحن حين نستعرض الأذار التي يكشف القران الستار عن زيفها و يفضح سر جذورها ، نجد أن الأعذار بالأمس هي الاعذار اليوم لا تختلف في جوهرها و مضمونها الروحي و ميوعتها و دوافعها الأنانية . كما ان الدعوة اليوم كالدعوة بالامس في محنتها بذوي الاعذار و المثبطين و مصيبتها بهم في كلا الحالين فهي إن سجلت نصراً في إحدى معاركها قال المثبطون : انا كنا معكم " و لئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله باعلم بما في صدور العالمين " و إن منيت بخسارة قال المثبطون : قد أنعم الله علينا إذ لم نكن معهم " و إن منكم لمن ليبطئن فإن اصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً " .
يعتذر المعتذرون بطول الطريق : " لو كان عرضاً قريباً و سفرا قاصدا لاتبعوك و لكن بعدت عليهم الشقة و سيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم و الله يعلم انهم لكاذبون " . هذا العذر نفسهيردده المثبطون و المتقاعسون اليوم و يصوغونه في إطار من الواقع المعاش .
يقولون : أن طريق الدعوة شائك و طويل لا أمل في اجتيازه بجهد محدود ، و لا ضمان للتغلب على صعابه و عقابه المنتشرة على طول الطريق بل هو من الطول و الامتداد ما لا يتيح للداعية و هو في مستهل الطريق ان يتبين معالمه الى الاخير أو أن يمد ببصره الى نهاية الطريق ، فكيف نسلك طريقاً مظلم النهاية شائك الدرب أوسع إمتداداً من أبصارنا و قدرتنا على الاستيعاب .
الطريق طويل لأن ميوعة الامة انحدرت اليها ، و غرابة المعطيات الاسلامية اليوم على افكارها و عقولها التي تعودت الابتعاد عن الاسلام في واقع الحياة و الاستعمار الغاشم الداهية الذي يقف للامة بالمرصاد و الحضارة الغربية بكل حماتها و دعاتها حواجز في الطريق لا يمكن للداعية تذويبها و التغلب عليها . إن الطريق طويل و الشقة بعيدة لو كان سفراً قاصداً لو كان عرضاً قريباً لو كان طريقاً قصيراً و غايات محدودة على مرمى البصر لكان للعمل مجال .!
الطريق طويل ، هذا ليس فيه شك ، غير انه لا يعني بالنسبة للدعاية الى الله و شرعه شيئا لأن المسلم لا يستهدف من دعوته مكسباً مادياً يواتيه في نهاية الطريق و جائزة عاجلة يكلل بها جهاده في لحظة النصر ليزهد في طريق طويل قد لا يصل الى آخره و لا يسير فيه الا خطوات ، و إنما الهدف الحقيقي للمسلم من عمله في سبيل الله ثوابه تعالى ( و رضوان من الله أكبر ) و لا ـعرف هدفاً جهادياً يمكن ضمانه للمجاهدين و تأكيد فوزهم به كهذا الهدف بقطع النظر عن طول الطريق و قصره و مشقته و يسره و اجتيازه و عدمه ، فليست المسألة من وجهة نظر السماء إلا مسألة طاعة يحسن العبد فيها نيته لربه فيجزوه على ذلك سواء تمثلت الطاعة في الخطوة الاخيرة ، الاخيرة من الطريق أو في أي خطوة اخرى من هذا الطريق الطويل " ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل الله و لا يطؤن موطأ يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع اجر المحسنين و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة و لا يقطعون وادياً الا كتب لهم ليجزيهم أحسن ما كانوا يعملون " .
و الطريق شائك و لا شك في ذلك ، و من قال انه ليس بشائك و هو طريق صنع الامة من جديد و إعادتها الى مركزها القراني الذي انحرفت عنه . انه طريق بناء الانسانية كلها و تصميمها في قوالب السماء و لكن الشوك و إن أدمى الأبدي التي تحاول إقتلاعه إلا انه يرضخ في النهاية للارادة القوية و التصميم الثابت .
إن الصعاب التي تواجه الدعوة الاسلامية ، واجهت كل دعوة إنقلابية في التاريخ ، فلو انها كانت صعابا قاهرة لجمد التاريخ . بل لقد واجهت الصعاب الدعوة الاسلامية في مطلعها فلو ان احداً كان يتنبأ لحظة إختفاء الرسول الاعظم (صلى الله عليه و آله و سلم) في الغار و العيون منشرة في الصحراء للتفتيش عنه و القضاء عليه لو ان احداً تنبأ في هذه اللحظة بان هذا الطريد الشريد الوحيد سوف يصل في طريقه الى عواصم القياصرة و الأكاسرة و يغزو العالم المتحضر كله و يحدث أعظم انقلاب عرفه التاريخ لقال المثبطون عن هذا المتنبئ انه مجنون .
أي والله ليس بمجنون إن هو إلا ذكر للعالمين و لتعلمن نبأه بعد حين .


المصدر:اخترنا لك - 1 - بحوث اسلامية للسيد محمد باقر الصدر (قدس سره)