أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



فتية وشباب  شباب وبنات  



رِجــَــالٌ وذَهــَـب                   عدد الزيارات:1280

حينما رآها لأول مرة دخلت قلبه, كانت تبحث عن عمل ترتزق منه, وهو رجل أعمال كبير, ونجح نجاحاً باهراً, وكان الشعار الذي يردده دائماً (لامجال للعواطف في الأعمال المالية والتجارية), ولذا يختار موظفيه بدقة, وبعد إجراء إختبارات عدة, ويراقبهم عن كثب, ويلم بكل ما يجري حوله, ولايقبل وساطة من صديق, ولاشفاعة من قريب بخصوص العمل. . قالوا عنه إنه جامد الإحساس, بليد, قلبه من حجر, قال له أحد أصدقاؤه :
ــ أنت رجل مادي صرف .
رد عليه في ثقة :
ــ أنا لا أعبد المال, ولكني أسخرها لمصلحتي, وفي ذلك سعادتي. . كلنا يبحث عن السعادة, وقد وجدتها في ذلك النجاح الذي حققته . .
وعاد صديقه ييقول :
ــ لكنك يوماً ما ستموت, ولن تأخذ معك شيئاً . .
قال ضاحكاً :
وأنت ايضاً. . مصير مشترك لا نجاة منه, لذا لا أفكر فيه. . لا حل لمشكلة الموت. . فلننظر للحياة . .
عندما جاءته (نهال) تطلب وظيفة كتابية, أطال إليها النظر, ترى ما الذي يجذبه إليها, هذه الفتاة الفقيرة المسكينة ذات الثياب البسيطة الأنيقة؟ لم تكن مضطربة أو قلقة أو خائفة من النتيجة, على وجهها الجميل سلام ورضى من نوع عجيب, وفي عينيها الواسعتين فرحة واطمئنان طبيعيان, قال لها :
ــ أريد أن أعرف إمكانياتك ؟
قالت: أطبع على الآلة الكاتبة عربي وإنجليزي. . لدي خبرة في الترجمة والتلكس . . إشتغلت في شركة الطيران . . هذا كل شيء . .
كانت نهال لديها فكرة مسبقة عن دقته وجديته, وكانت تعلم أنها سوف تمر بسلسلة من الإمتحانات والمقابلات, واذا وقفت في ذلك فستعمل لمدة شهرين تحت التجربة. . وسمعته يقول :
ــ وافقت على تعيينك .
نظر سكرتيره في دهشة وفغر فاه, هذه أول مرة تحدث مسألة التعيين بتلك السرعة, وعلى هذه الصورة, ونهال هي الأخرى لم تصدق ما سمعته, فاستفسرت قائلة :
ــ أيمكنني أؤدي الإختبار اليوم ؟
قال باسماً :
لقد تم تعيينك . . إنتهى الأمر . . وسوف تعملين هنا في مكتبي مع طاقم السكرتارية . .
كان ( يوسف ) في حوالي الخمسين من عمره, يتدفق حيوية ونشاط, يبدو عليه وكأنه في الأربعين, واضح, صريح, يتخذ قرارته بحزم, لا مجال للتردد, ويمضي في طريقه دون ان يلتفت الى الوراء, ولاشك إن إلحاق نهال بالعمل على هذه الصورة, كان مثار لغط وتعجب وهمسات خبيثة, وننتظمت نهال في واجباتها الوظيفية بسهولة ويسر, وكانت تعرف المنوط بها وتنجزه في خفه ودقة, ظن بعض العاملين في الشركة أنها اصبحت مركز ثقل أو قوة, وسرعان ما أخذوا يتقربون إليها, هذا يقدم لها زجاجه من المشروبات الباردة, وآخر يقدم لها قطعة من الشكولاته, وثالث يحضر لها هدية كراديو ضغير . . أو نوعا من الروائح الفاخرة .
وتقرأ نهال في عيونهم الإحترام الممزوج باخوف, وتلحظ الإستسلام التام لكل مطالبها, ثم أخذ بعضهم يطلب منها التدخل في إنجاز بعض رغباته وآماله في العلاوة والترقية, أو يطلب منها أن تذكره بخير لدى ( يوسف )المليونير الناجح . . وكانت هي تدرك ما وراء تلك التصرفات وأسبابها, كانت تحللها تحليلاً فطرياً واعياً بذكائها وكانت ترد دائماً قائلة :
ــ من اكون ؟ !
فيرد أحدهم :
ــ أنت كل شيء اليوم . . لا تتواضعي . .
فتقول بدهشة :
ــ لماذا ؟
فيقولون :
ــ هذا لايحتاج الى تأويل أو تفسير . . لقد أحدث وجودك إنقلاباً هائلاً في الشركة . . يوسف لم يعد الذي نعرفه من سنين . . لسنا واهمين . . تلك هي الحقيقة . . وتهز نهال كتفها وتمضي غير عابئة . .
الموظفون يتزاحمون على الباب, وطلاب الحاجات والمتعاملون مع الشركات ينتظرون دورهم, ونهال تدخل وتخرج في أي وقت . .
وكان مساء . .
يوسف يجلس وحيداً في مكتبه . . لقد انتهى موعد العمل, وطلب نهال, ودخلت وقد حملت حقيبتها إستعداداً للإنصراف . قال يوسف في توتر :
ــ وفيم العجلة ؟
قالت : وهل بقي شيء وتريدني أن أنجزه ؟
صمت برهة وأشعل سيجارة . . وهو نادر التدخين, رأيت فيه رجلاً آخر غير الرجل الذي يعرفه الناس, هذا الجامد الصلب ملامحه ترق وتلين . . إنه يبتسم . . يفرك يديه كطفل صغير أوقعه عبثه في إرتكاب خطأ ويخاف من عقاب والديه . . هذه اول مرة يطول فيها الصمت . هي الأخرى شعرت بقلق مبهم . . أرتبكت الفرحة والطمأنينة التي تلازمها من قديم . .
قال وهو يحاول التماسك :
ــ أنا اجيد المساومة والمضاربة في الأسواق . .
تنهدت في إرتياح, وحمدت الله, الموضوع موضوع عمل إذن, لكنه أستطرد قائلاً :
ــ لكن الأمور الكبيرة تحتاج لشيء آخر . . هناك أشياء لا تقبل المساومة . .
وقد قبلها, وشعرت أن الأشياء توشك أن تتعرى دفعة واحدة, إنها تعرفه, يدخل في موضوعه دون مقدمات, وإذا لجأ للتمهيد, فإنه يستعمل كلمات قليلة . .
وجاءها صوته ليضع حداً لحيرتها الشديدة :
ــ أنا أرغب في الزواج منك . .
إرتعشت ركبتاها, نظرت إليه, النظارة ذات الإطار الذهبي وساعة الرولكس الذهبية, وخاتم البلاتين, حتى المسبحة التي يمسك بها أيضاً حباتها من ذهب, وعلى مكتبه تمثال ذهبي صغير لنسر فارد أجنحته . . رجل من ذهب . . وعاد يقول :
ــ ما رأيك :
أنه قلما يطلب رأي أحد, دائماُ يصدر الأوامر, يا إلهي ! ! ما الذي يحدث الآن؟ إنها لم تشتر بعد أية ملابس جديدة, جيدها عارٍ من الحلي, وكذلك معصمها وأذناها. . إنها ضئيلة بالقياس إليه . . ضئيلة لحد كبير . . هل يريد الزواج حقاً ؟ أم أنها حيلة من حيل التجار ؟ وتذكرت ضائقتها المالية . . تذكرت حسام خطيبها . . مسكين وفقير مثلها . . فكرت هي وهو أن يبحثا عن حل . . نعم . . فلتبحثي عن عمل . . راتبي وحده لايكفي . . وخرجت الى الطريق تبحث عن عمل . . حفيت قدماها بحثاً عن الرزق . . إصطدمت بالذئاب والثعالب والضائعين . . وشاء الله أن يفتح لها باب الأمل على يد يوسف . . قالت وقتها : هذا رزقي ورزق حسام . . إن الله أراد لنا الستر والخير . . ببركة دعاء الوالدين . . لايترك أحداً يمد إليه يده . . والعالم مليء بالقلوب الطيبة . . لكنها الآن ترى أمراً لم تحسب حسابه . . يوسف يريد أن يتزوجها . . لماذا هي بالذات ؟ إنه يريد أن يشتري بذهبه . . بملايينه عشرات الفتيات .
إزداد توتره وقال :
فيم تفكيرين ؟ ألا اعجبك ؟
همست والدموع توشك أن تقطر من عينيها :
ولكني مرتبطة . .
قال : لم تتزوجي بعد . .
قالت : أجل . . بيننا عهد . .
وقف ثم أستدار حول مكتبه, وأقترب منها قائلاً :
ــ أضنك ناضجة العقل . . وقد تخطيت سن المراهقة . .
أنا لست شاباً طائشاً . . إني أعرف عنك كل شيء, لا تسأليني كيف . . المهم أن مصلحتك تقتضي أن تعيدي التفكير في . .
شهقت باكية, وهرولت الى الخارج, وأصطدمت بالسكرتير الذي كان واقفاً وراء الباب, وهتفت في عصبية والدموع تبلل أهدابها :
ــ أخبر سعادة المدير إنني مستقيلة .
كان يوسف يجلس في مكانه السابق, والعرق يتقاطر على جبينه, ونظراته شاردة وحزينة, تلعثم السكرتير, لم يكن يعرف ماذا جرى, ولاكيف يبدأ الحديث, تناول يوسف واحدة من المحارم الرقيقة, ثم أخذ يجفف عرقه ويقول :
ــ سمعتها تقول شيئاً ؟
هز السكرتير رأسه في خوف وقال :
ــ لقد أستقالت . .
لأول مرة في حياته يرى إنساناً يدوس على الوظيفة . . والذهب والمجد من أجل كلمة . . فليسموها عهداً أو وعداً أو خطبة . . أو فليسموها حباً . . أيمكن أن تصل الحماقة بإمرأة أن تضحي بهذه الحياة الخرافية لتحافظ على شاب بسيط فقير ؟
ورفع يوسف رأسه وقال للسكرتير :
أتعلم إنني طلبت منها الزواج فرفضت؟
ضحك السكرتير في بلاهة وقال :
مجنونة بنت كلب . . إنها لاتساوي بصلة, وأنت .. قاطعه يوسف صارخاً :
إخرس أنت حيوان . .
سقطت الأوراق من يد السكرتير, وسرعان ما انحنى يجمعها في أضطراب وإنزعاج وهو يتمتم :
ــ آسف . . آسف . .لم يكن قصدي أن . .
لوح يوسف بيده قائلاً :
ــ كفى . .
وعاد لشروده وأخذ يقول :
ما تعودت أن يرفض لي أحد طلباً . . وأعرف لي زوجة وستة من البنين والبنات . . لم أنهزم في معركة قط . . كنت أضحك على من يقولون أن الإنسان مسير لامخير . . عندما رأيتها دخلت قلبي . . بلغتكم الدارجة . . أجببتها . . كلمة حب لا تكفي, لكني لا أعرف كلمة في اللغة سواها . . خيل لي أنها شيء آخر غير النساء قاطبة . . كنت أعتز بملاييني أما اليوم فقد عرفت شيئاً آخر . . كنزاً من أروع كنوز الدنيا . . اسمه الحب . . شيء لم أصادفه في حياتي كلها . . كنت أبحث عنه في أسرتي . . في مكتبي . . في المجتمع . . لم أكن أعرف أن الذي أجدّ في طلبه دون ان ادري مجسماً في تلك الفتاة النحيلة . . الجميلة . . ذات الروح الآسرة . . حسبت المادة وسيلة للوصول لأي شيء . .أ كنت مخطئاً طوال هذه السنين ؟ آه . . أنتظر . . أشعر بقبضة هائلة تعتصر قلبي في قسوة . . استدع الطبيب . . على الفور . . يجب أن تسرع . . لاتخبر أحداً بأي شيء مما جرى . . آه . . يا ربي . .
كانت الشركة في اليوم التالي في صخب عارم, والجميع يتحدثون عن النوبة القلبية التي فاجأت المدير, فمن قائل أنها بسبب الإرهاق في العمل, ومن قائل بإن ضغط الدم قد أرتفع فجأة, وأن نسبة الكولسترول في الدم عالية, أو إنخفاض في قيمة الإسترليني والدولار . . وغير ذلك من الأسباب الكثيرة . .
واستطاع الطبيب أن يجري الإسعافات الروتينية, ونقل المريض الى غرفة الإنعاش . . كما أمكنه أن يعرف من السكرتير كل شيء بعد أن أقنعه بأهمية توضيح الأمور في علاج المريض وهو شخص غير عادي . .
وتقاطر الموظفون على المستشفى يحملون باقات الأزهار . . لم يكن يوسف الراقد تحت خيمة الأوكسجين يكترث لشيء . . لكن السكرتير أتى إليه في اليوم الثالث وقال :
ــ نهال تريد زيارتك .
أشرق وجهه بالفرحة, وقال : أدخلوها .
ودخلت مذعورة حزينة . . خطفت يده وقبلتها . .
خرج الجميع . . بقيت نهال والطبيب والمريض . .
قالت نهال :
ــ لقد فكرت جيداً . . وإقتنعت أخيراً . . وعندما يتم الشفاء سوف . . وضع يده على فمها باسماً وقال :
إستدع خطيبك . . سوف يستلم وظيفة عندي . . ولقد قررت أن تكون تكاليف الزفاف وإيجار الشقة على حسابي . .
إحتضنته منتحبة وهي تقول :
ــ أنت أخي . . وأبي . . و . .
همس : لاتقولي شيئاً . . لقد تعلمت منك الكثير . .
وإلتفت الى الطبيب قائلاً :
ــ ماهو أثمن معادن الأرض يا دكتور ؟
قال الطبيب :
ــ الذهب طبعاً .
رد يوسف :
ــ بل قلب الإنسان الشريف . . لكن للأسف . . أنتم الأطباء لا تعرفون عنه سوى النبضات والعضلات والشرايين التاجية التي تغذيه . . وتجاهلتم أهم غذاء له . . أتفهم ؟
هز الطبيب رأسه قائلاً :
ــ نعم . . الحب . .
وأبتسم يوسف قائلاً :
ــ أذن خذوا زجاجات الجلوكوز والمحاليل والأوكسجين وأملأوا أوانيكم بالحب . .
وضحك يوسف والطبيب . .
وضحكت نهال بصدق على الرغم من الدموع التي ما زالت عالقة بأهدابها . . (1) .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)نجيب الكيلاني .

المصدر:دنيا الفتيات، قصص وحكايات - كمال السيد