أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



فتية وشباب  شباب وبنات  



آخر أساطِــير الحُـب                   عدد الزيارات:4572

لك أن تتصور أن فتاة في ربيع العمر ( 19 عاماً ) وجهها الطفولي البريء أضظر الجلادون الى عرضها على طبيب للتأكد من عمرها الحقيقي قبل تنفيذ حكم الإعدام . .
لك أن تتصور هذه الحورية بوجهها المتورد طهراً وحياءً . . عيناها النجداوان بالأمل . . وقلبها النابض بالحب . . حب الناس الطيبين . . حب الوطن . . حب الله . . هذا القلب الطاهر يكاد يسع الوجود بأسره . .
فتاة بطهر الندى ورقة النسيم وعبير البنفسج . .
يقول التاريخ أنها من مواليد مدينة الكاظمية . . نشأت في ظلال أسرة ثرية . . دخلت الجامعة لتدريس اللغة في كلية الآداب . . التحقت بالعمل الجهادي في زمن عز فيه الرجال, وكان معها شاب أحبها وأحبته وجمع بين قلبيهما الحب الطاهر في ظلال من الإيمان الوارفة . وعندما أراد ذلك الشاب ــ وكان طالباً في كلية الطب يدعى حسام ــ أن يطلب يدها رسمياً ذكرت له مهراً عجيباً ؟ ! القيام بعمل ثوري لزعزعة نظام الطاغية نمرود العراق في القرن العشرين . .
لقد كان إستشهاد الإمام محمد باقر الصدر على ذلك النحو المأساوي وراء تفجير نبع العشق الإلهي في قلبها . . إنها ثقافة عاشوراء التي ترى في التضحية طريقاً للحب الإلهي . .
أرادت هذه الفتاة أن تقف الى جانب خطيبها حسام فقي جهاده الباسل ضد طغمة حزب البعث المنحط .
ِاعتقلت مع جميع أفراد خليتها الجهادية, وكانوا بعدد أفراد الأصابع, بعد ما دل عليهم ( الأسخربوطي ) ذلك المهندس الحقير . .
وأعترفت ميسون بكل شجاعة أدهشت الجلادين؛ إذ لم يكن هناك من مجال للإنكار . .
وسيقت الى المحكمة ليصدر بحقها حكم الإعدام شنقاً حتى الموت, وكان ذلك في خريف عام 1984 م .
أمضت فترى توقيفها في العبادة ونظم الأشعار العرفانية التي تتغنى بالعشق الإلهي ولقاء المحبوب . . وطالما أحيت الليل البهيم تتأمل النجوم في أغوارها السحيقة, وكانت أمنيتها الوحيدة في أيامها الأخيرة أن تلتقي خطيبها لتفي بالوعد الذي قطعته على نفسها .
وأقترب موعد تنفيذ حكم الإعدام . . وجاءت السيارة السوداء . . سيارة الإعدام . .
تألف وجهها بالفرح وأرتدت أكفانها تحت ثيابها . . حتى أكفانها كانت مطرزة بالكلمات المقدسة . . آيات ومناجاة . . وتجمعت النسوة حولها والفتيات السجينات . . لقد حانت لحظات الوداع . .
كانت تعانقهن الواحدة تلو الأخرى وتترنم بشعر عرفاني كانت قد نظمته إستعداداً للرحيل :
النور ملء عيوني والحور ملك عيني
وكالملاك أغني لجنة وعيون
أرى الحياة متاعاً ورحلة وصراعاً
فاخترت دربي بنفسي وسرت فيه سراعاً
غداً تقولوا خسرنا فلتسألوا الأمس عنا
إن كان في الخدّ خسر فالخير أن تخسرونــي

ثم أعتلت منضدة أو كرسياً لتخطب في المودعات من أخواتها ورفيقات المحنة والمعاناة وتبشر يسقوط النمرود الى الأبد . .
أخذوها الى سجن ( أبو غريب ) الى أعواد المشانق المنصوبة للأحرار من شبان العراق وفتياته . .
وجاءوا أيضاً بخطيبها حسام . . وهناك أبدت رغبتها في لقاء خطيبها حسام . . ولا أحد يدري لماذا سمح الجلادون باللقاء . .
لقد وافق الضابط الجلاد على ذلك لدقائق, وجيء بحسام وكان الفريد . . وأمتلأت العيوم بالدموع . . لقد حان وقت الوفاء . . الوفاء بالعهد .
طلبت ميسون من خطيبها الحبيب أن يقرأ صيغة الزواج والعقد الشرعي . . وهكذا تم عقد القران بين حبيبين جميلين وسط ذئاب الليل المجنونة . .
لا حبيب ولا قريب ولا صديق يشهد هذا الزواج سوى أؤلئك الجلادين الأوغاد .
أجل تم عقد الزواج في حفلة إعدام . . أشار الجلاد بإنتهاء اللقاء بعد أن تعاهد الحبيبان إذا رزقهما الله الجنة أن يعيشا معاً في ظلال الأشجار الخالدة حياة زوجية هانئة . .
وجروا حسام الى أعواد المشانق . . أما هي فأخذوها الى الكرسي الكهربائي . . لقد تغير حكم الإعدام من الشنق الى الصعقة الكهربائية لماذا ؟ لأن ميسون شتمت نمرود وحولت مشهد الوداع الى مهرجان خطابي وتبشر بسقوط صدام, أستمر صعقها بموجات الكهرباء زهاء الساعتين حتى أستحال لسانها الى خشبة . .
طلبت مسيون جرعة ماء, ولكن الجلادين الذين استلهموا ميراثهم من يزيد وعبيد الله بن زياد رفضوا ذلك حتى ( أم سفيان ) (1) رق قلبها الصخري لهذه الحورية المعذبة . .
وأخيراً سكن الجسد الذي مزقته الكهرباء . . وقد عرجت الروح وأنطلقت بعيداً الى عالم مفعم بالسلام . .
وستلتقي هناك الحبيب . . حسام الذي رحل قبلها بساعتين . .
هل هذه قصة واقعية ؟ ! لا أكاد أصدق ولكنها حقيقة كبرى يتضائل أمامها الخيال . .
أجل لقد قاست ميسون الأحوال في الكرسي الكهربائي وأراد الجلادون إنتزاع كلمة ثناء واحدة لنمرود ولكن دون جدوى . .
هكذا رجلت ميسون . . رحلت وظلت قصتها التي لايصدقها أحد . . ومن حق أي أنسان ألا يصدق قصة هذه الفتاة التي عشقت النور فهوت إليه فراشة تدور حول شموع العشق . . العشق الإلهي . . ظلت تطوف وكانت الروح تسطع والجسد الآدمي يتقد ويتوهج . .
وأخيراً أحترقت ميسون فبلغت تلك مرحلة الفناء في ذات المحبوب وتلك ذروة العشق . .
وأستحالت ميسون في النهاية الى آخر أساطير الحب في الربع الأخير من القرن العشرين . .
أجل ميسون وحسام آخر أسطورة حب في هذا العصر المثقل بالآثام . .
الى تلك الحورية الشهيدة :
لن يطول الزمان . .
فاللقاء الذي إنتظرناه قادم من وراء الدخان . .
عرسنا قائم هناك . .
إنني أسمع منذ الآن شدو الأغاني
وأرى في عيون الصبايا الضحاك . .
بزوغ الأماني . .
لن يطول الزمان . .
سيولد القمر بسمة في السماء . .
سماء العراق . .
والنجوم التي أستشهدت في المساء ستغدو منابت ورد . .
وتلك الدماء التي قد أريقت . .
ستغدو فؤوساً تهشم وجه الذي قال : إني إله . .
إله العراق . .
إله أنهاره والمياه . .
إله أشجاره والنخيل . .
ألا فانظروا ما رواء المدى . .
إنني ألمح الآن عرساً وراء تلك الضباب . .
ضباب السنين العجاف . .
آه تلك ميسون . .
وذاك !
حسام زين الشباب . .
كفـّها الرقيقة تمتد لكف الحبيب الملاك . .
ألا بورك عرس الشهيد . .
بورك عرس الخلود . .
خلود الحياة . .
وبورك حب تطهر من كل شيء . .
بورك عشق الإله .

المصدر:دنيا الفتيات، قصص وحكايات - كمال السيد