أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



سيدتي  سيدتي والمعتقدات  



تكريم الزوجة في ألإسلام                   عدد الزيارات:2977

ألإنسان بأمس الحاجة إلى شريكة الحياة، فجعل ألله المرأة سكنا للرجل والرجل غطاء وسترا لها . ولذلك نلاحظ أن ألإسلام ذلل كل العقبات كيلا تكون عائقا أمام الزواج، فجاء إلى أهم العقبات وهي المهر، فلم يعتبره إلا نحلة وعطية للمرأة كي يطيب قلبها، وليس هو ثمنا .
وأستغرب من عبارة بعض الفقهاء حيث يقول : المهر عوض البِضع(1). والحال أن المهر ليس كذلك، فما تعطيه المرأة من حنان لا يقيّم او يثمن بالنقد، وما يعطيه الرجل كذلك . والعلاقة التي يريدها ألإسلام ليست مادية غليظة فيها بداوة، وإنما يريدها علاقة تقوم على الروح : «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »(2)، ويقول النبي صلى الله عليه وىله وسلم : «النساء شقائق الرجال »(3) . ومعنى ذلك أن المرأة كألأخ الشقيق، فهناك شراكة تقوم على مواجهة مشاكل الحياة، وعلى السراء والضراء، فلا يكون المهر ثمنا للبِضع، وإنما هو وسيلة لقضاء وإنجاز ما يحتاجه ألإنسان من حاجات تتوقف عليها أمور معاشه .
وهذه ألأعراف من البذخ عندنا لا علاقة لها بالحياة الزوجية إطلاقا كالإطعام في مكان معين، والحفلات في مكان معين، والنفقات التي لا موجب لها، بل هي مظاهر تعقد الحياة وتضع عقبات بين الرجل والمرأة . ولا تتصور أن هذه الحفلة الضخمة أو ألاثاث الضخم يستطيع أن يخلق سعادةإذا لم تكن السعادة داخل النفس، فقد تجد كوخا يطفح بالسعادة، وقد تجد قصرا فخما هو أشبه بالمقبرة .
نعم، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «النساء شقائق الرجال »، فالرجل إذا فقد شقه لا يمكنه أن يحتمل ذلك، والمرأة الصالحة لا يمكن أن يعدلها شيء، دخل أحد الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن قوله تعالى : «والّلذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ»(4)، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «الا أُخبرك بخير ما يكنزه المرء؟». قال : ما هو ؟ قال : «المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته »(5).
نعم، تحتاج الحياة إلى ما يحرك نبض ألإنسان، ولا يحركه شيء أكثر من الحب وتبادل المودة والعطف . والمرأة كنز لا يعدله كنز، يقول أحد الشعراء راثيا شقيقة روحه :
شقيقة روحي كيف يغمرك الثرى وشخصك في أعماق روحي يُرسم
مشيت معي والعيش بؤس وكلحةٌ ووجه الليالي عابس متجهم
فلما إستراش الفرخ وإمتد عوده وراح القبيح الجدب وإنزاح علقم
ضحكت وفي الحالين كنت رضية وثغرك بالشكران لله مفعم

فالمرأة تسير معه في السراء والضراء، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقا رضي آخر»(6).
والفرك : البغض والكره (7). والعرب يقسمون النساء قسمين : الفَروك والعَروب، فالعروب المتوددة لزوجها المقبلة عليه (8) وقد كانت فاطمة الزهراء عليها السلام، عزيزة رسول ألله صلى الله عليه وآله وسلم، النموذج المثالي في العلاقة بين الزوجين، هذه النسمة التي كان رسول الله صلى ألله عليه وآله وسلم يتنشقها، فكان إذا مر على باب دارها يقف ويصيح : «يا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة»(9) وكان يقول : «أتأذنون لمحمد بالدخول » . فتقول له : «البيت بيتك، والحرة إبنتك»(10) . فيضع رأسه على رأسها، ويشبع رأسها لثما وتقبيلا، ويقول : «أشم منها رائحة الجنة»(11).
هذه المرأة عاشت مع أمير المؤمنين عليه السلام تلك الفترة، وكان البيت ينبض بالسعادة مع ما مر به من آلم وضيق ومشقة، لكن المهم أن هناك نهرين من المودة يجريان معا ضمن هذا البيت الذي كان يحوي هذين الزوجين وهما يريان الحسن والحسين عليهما السلام، وزينب وأم كلثوم يدرجون فيه . وكان عليه السلام إذا دخل البيت إمتلأت روحه عطفا ورضا وأنسا وحنانا من هذه النسمة التي تعكس له روح النبوة . بألإضافة إلى ما كانت تغدقه من حنان على بيته وعلى أولادها .
لقد مرت على علي عليه السلام لحظات وهو يودعها في لحظاتها ألأخيرة، وهي عليها السلام تقول له : «في صدري وصايا تختلج، وأريد أن أوصيك بها » . قال عليه السلام : «بلى، عز وألله عليَّ فراقك يا بنت رسول ألله ». قالت : «يا ابا الحسن، إن أنا قضيت نحبي فغسلني بثيابي ولا تكشف عني فإني طاهرة مطهرة . يا علي، لا بد للرجال من النساء، فإن اردت أن تتزوج بعدي فعليك بإبنة أختي أمامة فإنها تكون لولدي مثلي، ومع ذلك إجعل لها يوما وليلة وللحسنين يوما وليلة، ولا تصح في وجهيهما، ولا تنهرهما فإنهما يصبحان يتيمين منكسرين، بألأمس فقدا جدهما واليوم يفقدان أمهما » . إلى آخر وصيتها . ثم قالت : «فأدفني ليلا إذا نامت العيون وهدأت ألأصوات »(12).
فكان أمير المؤمنين عليه السلام إلى جانبها وقد وضع رأسها في حجره وهي ترفع وصاياها إليه . إلى ان فاضت روحها الطاهرة . فسجاها واسبل عليها ألإزار وإلتفت إلى أبي ذر قائلا : «يا ابا ذر، أعني على حملها »(13).
هذا علي الذي إقتلع باب خيبر، تلك الباب الضخمة بيد واحدة، يعجز عن فاطمة وهي برعم صغير ؟ نعم، لقد هده المصاب فلم يمكنه أن يتحرك . حمل طرفا من الفراش ، وحمل ابو ذر الطرف ألاخر، وإستقبل امير المؤمنين عليه السلام قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : «السلام عليك يا رسول الله، عني وعن إبنتك النازلة بجوارك والمختار لها ألله سرعة اللحاق بك»(14)، ثم أخر إخراج الجنازة إلى ما بعد منتصف الليل، فأخرجها مع المشيعين وكانوا ثمانية هم : ابو ذر وعمار والمقداد وآخرون، ثم وضعها على حافة القبر وقال لهم : «إرجعوا لا حاجة لي ببقائكم». ثم إلتفت إلى أبي ذر وقال : «خذ بيد الحسنين إلى البيت ». ثم جلس هو على شفير القبر يخط ألأرض بأنامله :
ما لي وقفت على القبور مسلما قبر الحبيب فلم يرد جوابي
أحبيب مالك لا ترد جوابنا أنسيت بعدي خلة ألأحباب(15)
* * * * *


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إيضاح الفوائد 3 : 190 ، جامع المقاصد 13 : 143 ، البحر الرائق 4 : 316 ، حاشية رد المحتار 3 : 116 .
(2) الروم : 21 .
(3) مسند أحمد 6 : 256 ، سنن أبي داود 1 : 59 / 236 .
(4) التوبة : 34 .
(5) الجامع لأحكام القرآن 5 : 170 ، وقريب منه في جوامع الجامع 1 : 396 ، مسند أبي داود الطيالسي : 306 .
(6) مسند أحمد 2 : 329 ، صحيح مسلم 4 : 178 .
(7) صحيح مسلم بشرح النووي 10 : 58 ، وفيه ذكر أن المقصود بالمؤمنة : الزوجة ، لسان العرب 10 : 474 ـ فرك .
(8) لسان العرب 1 : 591 ـ عرب .
(9) تفسير فرات الكوي : 339 / 463 ، بحار ألأنوار 35 : 215 ـ 216 / 20 .
(10) ورد أن الزهراء عليها السلام لما مرضت أراد ابو بكر وعمر أن يزوراها ، فإستأذن لهما ألإمام علي عليه السلام منها فقالت له : «البيت بيتك والحرة زوجتك» . كتاب سليم بن قيس : 391 ، بحار ألأنوار 28 : 303 ، 43 : 198 .
(11) علل الشراءع 1 : 183 / 1 ، بحار ألأنوار 43 : 5 / 4 .
(12) معاني ألأخبار : 356 / 1 ، السقيفة وفدك : 147 ، شرح ألأخبار 2 : 160 / 492.
(13) أنظر : معاني ألأخبار : 356 / 1 ، السقيفة وفدك : 147 ، شرح ألأخبار 2 : 160 / 92 ، بحار ألأنوار 43 : 159 .
(14) نهج البلاغة / الكلام : 202 .
(15) ديوان ألإمام علي عليه السلام : 40 ، بحار ألأنوار 43 : 217 .

المصدر:المرأة في ألإسلام ـ من محاضرات الدكتور الشيخ أحمد الوائلي - اعداد مصطفى آل مرهون