أدب الطف دائرة المعارف المواقع التابعة إصداراتنا البث المباشر



سيدتي  سيدتي والمعتقدات  



تكريم المرأة(محاضرة)                   عدد الزيارات:3019
بِسمِ أللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
«يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ»(1)

مباحث ألآية الكريمة
المبحث ألأول : بعض الجوانب ألإيجابية حيال المرأة
ترسم هذه ألآية الكريمة صورة من الصور ألإجتماعية التي كانت سائدة في محيط الجزيرة العربية قبل ألإسلام، وإستمرت رواسبها إلى ما بعد ألإسلام . وهذه ألآية نزلت بعد قوله تعالى : «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ»(2)، فمن هنا نعرف أن ألإسلام يبدأ مع المرأة منذ إنفصالها عن رحم ألأم إلى نهاية حياتها، ويعالج نظرة المجتمع لها .
ولدينا في هذا الموضوع جانبان :
ألأول : الجانب الموضوعي
وهو أن النساء شقائق الرجال، ولا فرق بينهن وبين الرجال، غاية ما في ألأمر أن المرأة لديها وظائف خاصة في الحياة، وألله تعالى كيّف أعضاءها وفقا لتلك الوظائف، والرجل له وظائف خاصة في الحياة فكيّف أعضاؤه وفقا لتلك الوظائف أيضا . وهنا لا بد من توضيح نقطة مهمة، هي أن المدرسة السلوكية التي يترأسها «فرويد» تقول : إن العضو يخلق الوظيفة . فوظيفة الطير مثلا هي الطيران، وهذه الوظيفة عند المدرسة السلوكية هي التي خلقت له الجناحين، والمرأة كذلك فهي لما كانت مصدر النسل، وهي التي تحمل الطفل خلقت لها هذه الوظيفة الرحم، في حين أن المدرسة الإسلامية تقول : إن ألله تعالى خلق الرحم ليحدد وظيفة الحمل والولادة .
وقد يقول قائل : إن هذا النزاع لا يعنينا من الناحية العملية، ولا ثمرة له .
فنقول : لا، إنه يعنينا من ناحية مهمة هي أن ألله تعالى وضع للكائن ألإنساني تصميما منذ البداية، وخصص له وظائفه في الحياة . فإن كان ألأمر كذلك، فالمسألة ليس فيها تفضيل، إنما فيها تصنيف، فهذا الصنف لوظيفته وهذا لوظيفته . وبالنتيجة فإن الوظائف المتنوعة تحتاج إلى تخصص، وكل صنف يختص بالعمل الذي يمارسه .
الثاني : الجانب الذاتي
وهو نظرةالمجتمع للمرأة وتقييمه لها، فهل يقيّم المجتمع المرأة تقييما موضوعيا أو ذاتيا ؟ لاشك أن المجتمع يقيمها تقييما ذاتيا، بمعنى أنه يقيمها وفق ميراثه من الجاهلية والعصور التي سبقت، فينظر لها من هذا المنظار، وذلك كمن يلبس نظارة زرقاء فيرى ألأشياء من حوله زرقاء على غير حقيقتها . فنحن في جانب النظر إلى المرأة نلبس نظارة من الميراث ألإجتماعي، أو التحليلات المخطوءة لنصوص الشريعة . وهذا ما جعلنا ننظر إليها نظرة مخطوءة وغير واقعية، وإلا فالمرأة تمثل النصف ألآخر من المجتمع، وكل ما في ألأمر أن العملية هي عملية تصنيف لا تفضيل .
المبحث الثاني : دوافع التعامل السلبي مع المرأة
وبعد هذا المبحث الذي عقدناه كمقدمة وتوطئة لما بعده من مباحث تعود إلى المجتمع الذي نزلت فيه هذه ألآية وهو الجزيرة العربية، وسنجد أنه مجتمع ذو نظرة خاصة للمرأة تنقلها لنا هذه ألآية : «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ». فلنتعرف للدوافع التي جعلتهم ينظرون إليها هذه النظرة السلبية، فمنها :
ألأول : دوافع الشرف والكرامة
فإن جريمة الزنا مثلا يمارسها الرجل ويخرج منها دون أية تبعة إجتماعية ظاهرة، أما إذا مارستها المرأة فتخرج بتبعة الحمل والفضيحة الناتجة عن علاقة غير شريفة . وهذا يتصادم مع أوضاع إجتماعية قائمة مثل الشرف والكرامة، فيؤدي ذلك حتما إلى نتائج مرعبة . ومن ذلك أيضا أنه حدث مرة أن أغارت قبيلة على أخرى وسبت بعضا من نسائها ، ثم أهادتهن غليها ، فكان أن تمسكت بعض المسبيات بمن سباهن وبقين معه، فحول ذلك من وجهة نظر أهلهن إلى فضيحة وعار على قبيلتهن .
الثاني : دافع الفقر والجوع
فالجزيرة العربية كانت تعيش الفقر المدقع، وقد وصفت الزهراء عليها السلام تلك الحالة بقولها : «وكنتم على شفا حفرة من النار أذلة خاسئين تقتاتون القد(3) وتشربون الطرق(4)» (5)، فكان فقرهم يبلغ بهم حدا يأكلون معه حتى جلد الشاة، أو يحشون المصارين بالدم فيأكلونها، كما أنهم أيضا كانوا يقتتلون على ماء ألآبار لقلة المياه عندهم .
وقد روّض المجتمع الجاهلي المرأة على أن تكون جليسة البيت، أما الرجل فقد روضه على الغزو والقتل والفتك، فكانت المرأة عرضة لخطر الجوع وطلب الحاجة، وقد تتعرض للإمتهان وسلب الكرامة والعرض . وهنا لا ينظر المجتمع إلى الظروف الموضوعية التي أدت بها إلى ذلك، بل يعتبرها خاطئة، وينظر إليها على أنها قد إنحرفت .
وهذا أشبه شيء ببعض النظم التي تعتبر نفسها إسلامية، فتقطع يد السارق لمجرد معرفتها أنه سرق، دون أن تنظر إلى الظروف الموضوعية التي دعته للسرقة، فربما يكون قد سرق بسبب التربية الفاسدةأو الجوع، أو عدم تلبية المطالب ألأساسية، أو بسبب القدوة السيئة، أو غير ذلك من الظروف التي سببت عنده التوجه نحو السرقة . كل ذلك وغيره لا بد أن يدرس، ثم يقرر ما إذا كان يستحق القطع أو لا . ولذا يمنع فقهاء المسلمين مثلا قطع اليد في عام المجاعة، لأن الجوع عامل مساعد على إرتكاب الجريمة .
فأهل الجاهلية لم يكونوا ينظرون إلى الظروف الموضوعية التي سببت للمرأة إرتكاب الجريمة . وفي عصرنا هذا أيضا يوجد من يهيء أسباب ألإنحراف للمرأة، فيجعلها تخرج بزينتها، وتخالط الرجال، وتراقصهم أحيانا، وقد تشرب معهم، فيضعها في النار ثم يعاقبها إذا إحترقت . وهناك من يكون مع المرأة على العكس من ذلك، فيجعلها لا ترى الشمس . فيكون ألأمر إما إفراطا أن تفريطا .
إذن، كان بعض ألآباء يتصور أن إبنته سوف تجوع بعده، وإذا جاعت ذلت، يقول أحد الشعراء في هذا المعنى :
لولا أميمة لم أجزع من العدم ولم أجب في الليالي حندس الظلم
إذا تذكرت بنتي وهي تندبني جرت بعيني مني دمعة بدم(6)

فهذا الشاعر يقول : إن كل همي أن تكون إبنتي أميمة تعيش بعيدا عن الجوع والفقر، ولولاها لما جزعت من الفقر، ولا ذهبت في الليالي الظلماء أبحث عن القوت . ويقول آخر :
أحب بنيتي وودت أني دفنت بنيتي في قاع لحد
وما بي أن تهون علي لكن أخاف بأن تلاقي الذل بعدي(7)

إذن، هذا واحد من الدوافع التي كانت تدفعهم لحمل هذه النظرة غير الموضوعية للمرأة .
الثالث : دافع الغلظة والقسوة
فهناك صنف من الناس قد ربي على القساوة والغلظة، تجد قلبه أشد قساوة من الحجارة . وقد قاسى النبي صلى ألله عليه وآله وسلم من هؤلاء ما قاسى، دخل أحدهم يوما على النبي صلى ألله عليه وآله وسلم فقبل يده، ثم قال : يا رسول ألله، ليس للإسلام في فمي طعم / ولم أجد حلاوة ألإسلام منذ أسلمت . فقال صلى ألله عليه وآله وسلم : «لماذا ؟» . قال : كانت لي بنت في الجاهلية، فأمرت أمها يوما فزينتها، ثم أخذتها إلى واد سحيق، فدفعتها فيه، فسمعتها تقول : ابي قتلتني . وهذه الكلمة لا زالت في قلبي إلى ألآن .
أنظر كيف أن التربية الفاسدة تفسد فطرة ألإنسان، وتأمل كيف تعب ألإسلام ليطوع هذه القلوب القاسية، وكم تحمل ليجعل من هذه القلوب الشبيهة بالصخور الصماء قلوبا تقطر بالرحمة ؟ يقول أحد الشعراء :
طيبةٌ يا شذى البساتين طيبا يا هديل المثرجّع ألأُغرود
يا رؤى جبرئيل والنور وألأنــ ـغام في نظرة الكتاب المجيد
يا عطاء القرآن يصنع دنيا الــ ــحب في أمة من الجلمود

هذه المجموعة من العوامل وغيرها جعلت قسما من مجتمعهم يقف هذه الوقفة السلبية من المرأة، وإلا فإن المجتمع الجاهلي لم يكن كله سلبيا تجاه النساء، فهناك من كان يعتبرهن شقائق الرجال . ولا ننس أن قسما من ذلك المجتمع كان متأثرا برواسب من الحضارات السابقة التي كانت تنظر إلى المرأة نظرة إجلال وإحترام، بإعتبارها تحمل السر المقدس . ومن هؤلاء فلاسفة اليونان أيام سقراط وإفلاطون، الذين كانوا يخلعون قبعاتهم ويقفون خشوعا وإحتراما عندما تمر بهم إمرأة حامل فهي عندهم تحمل السر المقدس، فلولا ألأمومة التي تحملها ألأم لما كان للدنيا أن تقوم .
نعم كان من العرب أيام الجاهلية من يستشير أهله ويسكن إليها، وهناك من قوادهم من كان يجلس إلى زوجته ويطارحها الرأي، ثم جاء المشرع ألإسلامي فدعم هذا المعنى .
ويتضح موقف ألإسلام هذا منذ بداية الدعوة، وذلك لما جاء النبي صلى ألله عليه وآله وسلم خديجة مرتعدا عند نزوزل قوله تعالى : «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ»(8)، فجلس إلى جانبها قائلا : «دثروني» . فقالت عليها السلام : إن ألله لا يفعل بك إلا خيرا، لأنك تقري الضيف، وتصل الرحم، وتعطي الجائع، فدثرته إلى أن سكن، فهبط عليه جبرئيل عليه السلام يحمل ألآية الثانية :« يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ{1} قُمْ فَأَنذِرْ{2}»(9). فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى أول أمره إلى المرأة، لأن ألله تعالى جعلها سكنا للرجل(10)
فأهل الجاهلية لم يكونوا جميعا يقفون من المرأة موقفا سلبيا، بل يعتبرها بعضهم الكائن الذي يمد المجتمع بالجيل . ولا أرى أن نابليون كان مخطئا عندما قال : «إن المرأة التي تهز المهد بيمناها تهز العالم بيسراها» . وهي كذلك طبعا، فهي التي تربي الجيل وتنشئه، وهي التي تستطيع أن تبعث العزيمة في نفس الرجل أو تبعث الخور فيها . تقول إحداهن لإبنها وقد فقد ملكه في ألإندلس، وهو آخر الملوك فيها :
إبك مثل النساء ملكا مضاعا لم تدافع عنه دفاع الرجال

وهذا موقف من المواقف التي تبعث العزيمة في النفس، وهناك موقف معاكس يرسمه لنا حال عبدالملك بن مروان عندما عزم على قتال مصعب بن الزبير، فقد وقفت له زوجته أم البنين، وقد كانت على درجة من الجمال والتأثير عليه، فأمسكته وقالت له : متعنا بنفسك ، ولا تلق بها في لهوات الحرب . فقال : كلا ، ثم أنشد :
إذا ما اراد الغزو لم تثن عزمه حصانٌ عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهى عاقه بكت فبكى مما شجاها قرينها(11)

فألإسلام إذن بدأ يستل من قلوب هؤلاء تلك القساوة شيئا فشيئا، وجعلها قلوبا تنبض بالرحمة والعطاء والتعامل ألإنساني . ثم ذهب النبي صلى ألله عليه وآله وسلم معهم شوطا أبعد من هذا، فقال لهم : «من دخل السوق فإشترى تحفة إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج، وليبدأ بألإناث قبل الذكور »(12).
فأراد صلى ألله عليه وآله وسلم أن يحدث التوازن في ذلك المجتمع . ويقول صلى ألله عليه وآله وسلم «من كفل إبنتين فعالهما حتى كبرتا وزوجهما، دخل الجنة»(13) . فالنبي صلى ألله عليه وآله وسلم بدأ يعدل التوازن في تلك ألأجواء التي كانت تعتبر المرأة عارا، يقول شاعرهم :
إذا المرئيّ شبَّ له بنات عصبن برأسه إبة وعارا(14)

وهكذا أخذ ألإسلام يعزز هذا المعنى، فكان النبي صلى ألله عليه وآله وسلم لا يذهب إلى الصلاة ما لم يطرق باب بيت فاطمة عليها السلام فيقول : «السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، أتأذنون لمحمد بالدخول ؟ ». فتخرج الزهراء عليها السلام لتقول : «البيت بيتك والبنت بنتك ». فيأخذها النبي صلى ألله عليه وآله وسلم فيقبلها (15).
وكان صلى ألله عليه وآله وسلم إذا رآها وقد اقبلت إلى المسجد وأحس أن عندها حاجة إنتفض قائما واقبل إليها ليجلس معها وينظر في حاجتها . فكان في فعله هذا يوحي لهؤلاء بأن البنت يجب أن تعامل كما يعامل الولد . هذا بالإضافة طبعا إلى ما كان للزهراء عليها السلام من المنزلة الرفيعة والمقام السامي والخصائص الجليلة التي أختصت بها (سلام ألله عليها ) .
بعد هذا وصل مع فاطمة عليها السلام إلى مرحلة الزواج، فأعطاها حقوقا لا حدود لها، وأهم هذه الحقوق إختيار الزوج، فالمرأة لا تجبر على من لا تريده، أما إذن الولي في زواج البكر، وهل هو من ألأمور التي لابد منها أو لا، فأغلب الفقهاء على أنها تستقل بإرادتها، إلا في حالات معينة يعتبر فيها إذن الولي شرطا، وهي الحالات التي يخشى من ورائها وقوع الفساد أو ما شابه .
المبحث الثالث : مسألتان هامتنا حول الزواج
وأحب أن أشير هناإلى نقطتين مهمتين :
ألأولى : دور ألأب في زواج إبنته
فإنه لا يمكن أن نتصور أن أبا من ألآباء لا يريد أن يختار البيت المناسب والزوج المناسب لإبنته، فهو تدفعه الشفقة والرحمة والنظر للمستقبل أن يراعي بنته . وهذا من مقتضى ألأبوة والفطرة، وقد يحصل شذوذ عن هذه القاعدة فنرى أن بعض ألآباء يكون متعنتا ، أو غير مقدر للأمور تقديرا سليما، فيشترط على الزوج شروط هتلر للصلح، وهذا خارج عن منهج ألإسلام الذي يقول : «من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته فزوجوه»(16). وليس هناك من شرط في الكفاءة سوى الإسلام البعيد عن التهاون في العرض أو الدين .
فعلى ألأب ألا يعضل البنت، فيشترط شروطا يتصور أنها من مصلحة البنت، وأن ينظر إلى الواقع من الناحية المادية والعرفية والمعنوية، فقد ورد عن النبي صلى ألله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام أن المرأة كالثمرة الناضجة، لابد من قطفها حين القطاف وإلا فسدت . فليس هناك من داع للشروط التافهة التي توضع أمام الزوج، لأن هذا من الفتنة التي نهى عنها النبي صلى ألله عليه وآله وسلم : «إلا تفعلوه تكن فتنة في ألأرض وفساد كبير ».(17).
الثانية : النتائج السلبية للطلاق وهي أن بداية الزواج لها شأن يؤكد عليه علماء النفس، فالزوجان من أسرتين متباعدتين في الطباع وألأخلاق والسلاوك والتصرفات، وليس من الممكن أن نرى ألإنسجام منذ اليوم ألأول، بل إن علماء النفس يعتبرون السنتين ألأولى والثانية بل وحتى الثالثة فرصا مهيأة للطلاق، فألأم ترى إبنها قد إنفصل فجأة من حضنها وأصبح في حضن إمرأة، وأم البنت ترى أن إبنتها أصبحت فراشا لرجل أجنبي، فهذه تريد أنت تستبد بإبنها، وتلك بإبنتها، وهذه العوامل تخلق لونا من التوتر . وهنا على المجتمع أن يلتزم في هذه المسألة نظرية ألإسلام، حَكَمٌ من أهله وحكم من أهلها(18/sup>.
فمن الواضح أن معظم حالات الطلاق التي تسمم المجتمع كان يمكن تلافيها من أقصر طريق عبر إلتزام أخلاقيات ألإسلام، ولكنها لما أهملت أدت إلى نتائج مرعبة، ومن هذه النتائج :
النتيجة ألأولى : عدم توفر فرصة للبنت في الزواج
فأول هذه النتائج المرعبة أن البنت قد لا تحصل لها فرصة أخرى في الزواج، خصوصا في مجتمعنا الذي أصبح مثل المجتمع المسيحي الذي يشدد على عدم الزواج بالمطقة في حين أن ألإسلام يدعو إلى سترها وجبران خسارتها في تجربتها السابقة . وليس من الدين أو العقل أن توضع علامات ألإستفهام حول المطلقة، فعدم توفر الظروف الموضوعية في زواج المرأة ألأول، وعدم إنسجامها مع زوجها لا يعني القضاء عليها، ألم يتزوج النبي صلى ألله عليه وآله وسلم المطلقات ؟ وهل كان زواجه بهن عفوا، أم أنه صلى ألله عليه وآله وسلم اراد أن يضع ألأسوة والقدوة لنا في الزواج ؟
نعم؛ أراد النبي صلى ألله عليه وآله وسلم أن يقول لنا : إن الزواج قد يكون تعويضا للمرأة عما أصابها من ألم أو سترا لها أو تكريما، فأراد أن يقضي على تلك النعرة في النفوس، وإلا فقد كان النبي صلى ألله عليه وآله وسلم يستطيع الزواج من أي البيوت والقبائل التي كانت حوله .
وقد تزوج أمير المؤمنين عليه السلام من نساء صالحات مطلقات، كأسماء بنت عميس الخثعمية التي كانت متزوجة بإثنين قبله، فقد تزوجت جعفرا الطيار، ثم ابا بكر، ثم تزوجها أمير المؤمنين عليه السلام فوُلد له منها يحيى وعون . وهكذا جملة من أزواجه عليهالسلام . وكان هذا المعنى أيضا في حياة ألأئمة عليهم السلام، فلماذا يكون عندنا عيبا ؟
نحن مع ألأسف لا نملك التفكير الجماعي بمجتمعاتنا وبلداننا وأسرنا، وإلا فإن الزواج بالمطلقة إنقاذ للمجتمع وحماية له، وفيه جوانب إنسانية كبيرة تتعلق بحاة إمرأة من نساء المسلمين .
النتيجة الثانية : ضياع ألأطفال وتشرذمهم
فالتأثير السلبي الذي يؤدي إليه الطلاق فيما إذا كان عند المرأة طفل أن هذا الطفل قد تتزوج أمه أو يتزوج أبوه، ويبقى هو ينظر بهين لأمه المشغولة ببيت جديد، فيتحول إلى مأساة وكارثة . إلى غير ذلك من المشاكل التي يؤدي إليها الطلاق الذي وصفه ألإسلام بأنه أبغض الحلال إلى ألله (19)، وأن العرش يهتز منه(20).
وقد يلجأ البعض إلى الطلاق لمجرد أنه إختلف مع زوجته إختلافا بسيطا، خصوصا إذا كان من أهل ألأموال، لكنه لا يلتفت إلى أنه قد كسر قلب إنسان، وألله تعالى لا يدع أصحاب القلوب الكسيرة . ومن هنا حدثت ردود ألأفعال التي نشاهدها في مصر أو بعض البلدان العربية، وهي أن المرأة أخذت تشترط ضمن العقد ألا يتزوج عليها الرجل . وهذا شرط مخالف للعقد لا يأخذ به الفقهاء (21)،لكن الذي أريد قوله هو أن هناك ردود أفعال وتشنجات أخذت تحدث بسبب الشطط عند الزوج .
ومن الغريب في هذه ألأيام أن بعض ألأزواج يقول : إن إمرأتي قد أصابها الترهل والكبر بسبب الحمل وكثرة ألإرضاع، وقد مللتها لكثرة المعاشرة . وهذا هو منهى ألأنانية، فالمرأة وضعت ألأولاد للزوج، وخدمت في بيته، فهل هذا من الوفاء ؟ وهل من ضروب الوفاء أن المرأة التي أفنت ذاتها من أجل ولد لك تربيه، أو بيت لك تصلحه، أو ثوب لك ترفوه، أو حاجة تقضيها أن تقابل بالعقوق ؟
فألآية الكريمة موضع البحث تصف حال هؤلاء الذين إذا بشر أحدهم بألأنثى غيّب وجهه عن الناس حياء وهروبا من العار، في حين أن الذي يحدد جنس المولود هو نطفة الرجل لا نطفة المرأة، فالرجل هو المسؤول عن كون الولد ذكرا أو أنثى .. تقول إعرابية وهي ترقّص ولدها :
ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل بالبيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا وإنما نأخذ ما أعطينا
ونحن كألأرض لزارعينا نعطيهم ما بذروه فينا(22)

المبحث الرابع : قضية الوأد ومعالجة ألإسلام لها
ثم قالت ألآية : «أيُمسِكُهُ على هُونٍ» أي أنه بين أمرين : إما أن يتركها في البيت وهو معيّر، وهذا يسبب له الجفاء وألإحتقار، فقد كانوا يحتقرون أبا البنات إلى حد أنهم لا يأكلون في بيته . ويلاحظ هنا أنه ورد في الروايات أن ألأنبياء آباء بنات، اي أن ألله تعالى أكرمهم بهذه المكرمة فجعل ذريتهم من البنات، أما هؤلاء فكانوا ينظرون لأبي البنات نظرة إحتقار وإزدراء، فيكون الأب متأرجحا بين أن يتركها في البيت أو يدسها في التراب .
وهذا هو الذي اشرنا إليه من أن قلوب بعضهو كانت أقسى من الصخر، فينتظرها حتى تكبر ثم يزينها ويدفنها، وكان قائلهم يقول :
أحب أصهاري إليّ القبر(23)

ولذا فإن ألإسلام عاملها معاملة تتناسب معها، فوضع الخطط لتربية ألأبناء، ذكورا كانوا أو إناثا . وقد وقف النبي صلى ألله عليه وآله وسلم يرسم ذلك مع إبنته، ومما قام به صلى ألله عليه وآله وسلم أنه أراد أن يكسر أحد الحواجز النفسية التي كانت سائدة، وهو أن الرجل كان لا يطيق أن يرى إبنته تتزوج في حي هو فيه، وإنما يطلب من زوجها في ليلة زفافها أن يأخذها إلى مكان آخر . فما كان من النبي صلى ألله عليه وآله وسلم إلا أن جمع رؤساء الصحابة ليلة زفاف فاطمة عليها السلام لبعلها، ثم قال لأم سلمة : «يا أم سلمة، هيئي لإبنتي حجرة» . قالت : واي حجرة تريد ؟ قال صلى ألله عليه وآله وسلم : «حجرتك» . فهيأت الحجرة، ثم قال لها : «إستدعي لي عليا » . فدعته له، فقال له : «إصنع لأهلك طعاما وإدع من أحببت».
تقول أم سلمة : فدعا علي عليه السلام الصحابة، فأكلوا وصدروا شباعا، ثم دعاني رسول ألله صلى ألله عليه وآله وسلم لما غابت الشمس وقال : «هل أصلحت إبنتي ؟» . قلت : نعم، فصلى النبي صلى ألله عليه وآله وسلم المغرب ثم إستدعى سلمان وابا ذر وعمارا والمقداد وجمعا من الصحابة، فجعلهم أمام الناقة، وكان النبي صلى ألله عليه وآله وسلم وكبار الصحابة معهم في موكب فاطمة عليها السلام، ونساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابيات معهم وهن ينشدن مستبشرات بهذه المناسبة :
سرن بعون ألله جاراتي وإذكرنه في كل حالات
وإشكرن ما أنعم ربّ الورى من دفع مكروه وآفات

وطاف النبي صلى ألله عليه وآله وسلم بإبنته على المسجد، وزمام الناقة بيد سلمان وإلى جانبه عمار والمقداد وباقي الصحابة، فلما وصل صلى ألله عليه وآله وسلم إلى الحجرة أخذ زمام الناقة بيده، وثنى ركبته، ونحى الصحابة عنه، ثم أنزل فاطمة عليها السلام بيده، ثم دخل إلى الحجرة، فقال : «يا أم سلمة، هاتي لي ماء».
تقول : فأتيته بقدح فيه ماء، فشرب منه شيئا وبض الباقي في القدح ثم قال : «إستدعي لي عليا » . فنضح بين صدره عليه السلام ونحره، ونضح بين صدر فاطمة عليها السلام ونحرها، ثم أمسك يد فاطمة عليها السلام بيده وأمسك بيد علي عليه السلام فقال : «يا علي هذه وديعتي عندك» . ثم رفع شيبته إلى السماء فقال : «أللهم إنك باركت على آل عمران فبارك على آل محمد، أللهم أخرج منها النسل الطاهر، أللهم كن بهما حفيا ولهما وفيا ».
ثم ودعهما وخرج وعيناه تنظر إليهما، ثم أطبق باب الحجرة خلفه(24).فليتك يا رسول ألله (صلى الله عليك وآله وسلم ) تقف على هذا الباب لترى ما جرى عنده :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النحل : 59 .
(2)النحل : 58 .
(3) القد : جلد الخروف بعد أن يؤخذ لحمه . لسان العرب 3 : 345 ـ قد .
(4) الطرق : ماء السماء الذي تبول فيه ألإبل وتبعر . لسانالعرب 8 : 151 ـ طرق .
(5) من خطبتها عليها السلام في ألإحتجاج على الخليفة ألأول لمنعها فدك ، أنظر شرح ألأخبار 3 : 34 ـ40 ، بحار ألأنوار 92 : 220 ـ 235 .
(6) تاريخ مدينة دمشق 38 : 135 ، ولم ينقل البيت الثاني ، بل نقل أبياتا غيره .
(7) البيتان لعبدالعزيز الديريني ، المستطرف من كل فن مستظرف 2 : 23 .
(8) العلق : 1 .
(9) المدثر : 1 ـ 2 .
(10) قال تعالى : «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» الروم : 21 .
(11) البداية والنهاية 9 : 279 ، تاريخ مدينة دمشق 50 : 89 ، 69 : 245 ـ 246 ، والبيتان لكثير .
(12) ثواب ألأعمال : 201 .
(13) قريب منه في الكافي 6 : 6 /10 .
(14) العين 8 : 420 ـ ابو ، الصحاح 1 : 230 ـ وأب ، والمرئي في ألصل : إمرئي : نسبة إلى إمرئ القيس ، ثم قالوا مرئي ، فكأنهم جعلوها منسوبة إلى (مرء) مطلقا . وألإبة : الخزي.
(15) لم نعثر عليه بهذا النص ، وقد ورد أن الزهراء عليها السلام لما مرضت اراد ابو بكر وعمر أن يزوراها ، فإستأذن لهما ألإمام علي عليه السلام منها فقالت له : «البيت بيتك والحرة زوجتك» . كتاب سليم بن قيس : 391 ، بحار ألأنوار 28 : 303 ، 43 : 198 . اما تقبيله صلى ألله عليهوآله وسلم لها وقوله : «أشم منها رائحة الجنة» ن فقد ذكر في علل الشرائع 1 : 183 / 1 ، بحار ألأنوار 43 : 5 / ،وغيرهما . وقد مر في ج2 ص 279 .
(16) الكافي 5 : 247 / 1 ، الفقيه 3 : 393 / 4381 ، كنز العمال 6 : 459 / 45427 .
(17) المصدر نفسه .
(18) قال تعالى : «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً »النساء : 35 .
(19) سنن إبن ماجة 1 : 650 / 2018 ، سنن أبي داود 1 : 484 / 2178 .
(20) مكارم الأخلاق : 197 ، مجمع البيان 5 : 304 ،وسائل الشيعة 22 : 8 ـ ) / 27880 .
(21) أنظر المكاسب 6 : 43 .
(22) الجامع لأحكام القرآن 16 : 70 .
(23) شطر بيت لعقيل بن علفة . أمالي المرتضى 2 : 40 ، تاريخ مدينة دمشق 14 : 32 .
(24) أنظر أمر زواجهما عليهما السلام كاملا في مناقب آل ابي طالب 3 : 393 ـ 405 ،بحار ألأنوار 43 : 111 ـ 117 ، 125 ـ 127 .
(25) تنبيه الغافلين : 41 ، مناقب آل أبي طالب 1 : 207 ، بحار ألأنوار 43 : 213 .

المصدر: المرأة في ألإسلام ـ من محاضرات الدكتور الشيخ أحمد الوائلي - اعداد مصطفى آل مرهون