وعاشت يثرب أكثر من عشر سنين في أسعد أيّامٍ وأجلّها وأطهرها ، فقد احتضنتها يدُ الوحي طيلة هذه الأيام التي احتضنت هي فيها رسالة السماء ، ودافعت عنها ودفعت في سبيلها أبهظ الأثمان لكي تعيش الرّسالة وتسود وتخلد ، وانضمّت مكّة ـ هي الأُخرى ـ إلى أُختها يثرب في احتضان الرّسالة الخاتمة ، وبانضمام مكّة إلى اختها يثرب في احتضان الرّسالة ، سقط آخر وثنٍ وطاغوت في الجزيرة العربية كلّها ، وجلى آخر شيطان من أرض الجزيرة لتنمو فيها شجرة الإيمان ، ترويها يد الوحي المقدس.
ووطّد محمد ( صلى الله عليه وآله ) الأمن ، وثبّت أركان العقيدة ، وأوضح معالم الرسالة مجملها وتفصيلاتها حيث أعلن المشرّع الأعلى سبحانه : « اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام ديناً ... » .
وبإعلان السماء إكمال التشريع وإتمام النّعمة وارتضاء الإسلام منهجاً خالداً للأرض ، باتت محافل الأرض تتوقع نبأ جديداً يحمل الأسى في طيّاته ، نبأ انتهاء السّفارة سفارة محمد ( صلى الله عليه وآله ) في الأرض لأنّ دوره هذا ـ حسب تصريح القرآن الكريم ـ أوشك أن ينتهي لتبقى تعاليمه التي غرسها ، ولتبقى مدرسته التي أسّسها تعمل عملها وتؤدّي مهمتها وفاعليّتها في خلق الإنسان الرّسالي الكريم.
وقد تأكد هذا من قرائن شتى كان بضمنها خطبة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) الجامعة التي ألقاها بعد عودته من حجّة الوداع حيث جمع الأُلوف من أبناء الأُمّة الإسلامية وخطبهم خطبة جامعة ضمّنها كلّ ما حوته الرّسالة المقدّسة من أسرار ومعالم وقوانين وأحكام ، وطالبهم مطالبة أكيدة بالإلتزام بها ، ثمّ أكّد إمامة عليًّ ( عليه السلام ) ليقوم بمهمة التنفيذ لهذه الرسالة على الصعيد الإجتماعي والسيّاسي.
وهذه البادرة الجديدة من الرّسول ( صلى الله عليه وآله ) أكّدت لمحافل الأرض أنّ القائد المنقذ لا بدّ مفارق.
وباتت الآذان تتسمع للنّبأ وراحت القلوب تنبض نبضات كلّها رعب ومخاوف ، وما أن انصرم أكثر من شهر واحد من السنة الحادية عشرة من الهجرة إلا وألمّت بالقائد محمد ( صلى الله عليه وآله ) حمى شديدة رافقته أربعة وعشرين يوماً.
ولكنّه مع ذلك ما صحبه من أتعاب وانهيار في صحته لم يترك واجبه كرسول وقائد ، فكان يركّز أقدام العقيدة ، ويبعث بالجيوش لتوسيع الرقعة الإسلامية وتحطيم الطّواغيت وإذلالهم ليأخذ الإسلام مجراه وليظهر على الدّين كلّه ، حيث قد بعث ـ في هذه الفترة من حياته ـ أُسامة بن زيد في أضخم جيش إسلامي لدك صروح الدّولة الرومانيّة التي تمثل معسكر الشّرك الغربيّ ـ يومذاك ـ ولكنّ جيش أُسامة قد أُرجىء بسبب مواقف بعض الصّحابة الّذين احتجُّوا بصغر سنّ أُسامة ، وأنّه ليس أهلاً للقيادة ، ولكنّ الرّسول ( صلى الله عليه وآله ) ألزمهم بالإلتحاق به ، فلم يفعلوا.
وبدأت صحّة الرسول تنهار يوماً بعد يوم ، وهنا يستولي الذهول على البيت الرسالي بأسره ، وفي طليعته الصديقة الزهراء ( عليها السلام ) فقد أحاط بها الحزن ولفّها الأسى ، وكانت تزور أباها في مرضه وتسمع أنينه وتوجعه فتبكي وتستولي عليها اللوعة والألم ، فيبكي لبكائها ويتألّم لألمها ويخفي توجعه رأفةً بها وحدباً عليها.
وفي يوم من أيام مرضه يضمُّ فاطمة إليه ويسرُّ إليها حديثاً ، فترفع رأسها ودموعها تتحدّر على خدّيها ، واللوعة تأخذ مأخذها منها.
ويضمُّها ـ أخرى ـ إليه ويسرُّ إليها حديثاً ، فتبتسم ابتسامة ملؤها السرور والبشر ، ويمثلىء الحاضرون عجباً لهذا الحديث حيث تختلط دموع بابتسامات وجزع بسرور ، ويسأل من شهد هذا الحدث من المسلمين عن سبب بكائها ثم فرحها ، ولكن بعد حين ، فتجيب ، أنّ أباها نعى نفسه لها فبكت ، ولكنّه أردف فأخبرها بأنّها ستكون أول أهل بيته لحوقاً به فسرت لذلك وامتلأت فرحاً.
ويدعو الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولديه الحسن والحسين فيحضران أمامه وهما يمتلئان أسىً وكآبة لما ألمّ بجدّهما الحبيب محمد ، وهما واثقان أنّ هذه اللحظات ستكون آخر عهد يعيشان فيه حنان محمد وحدبه وشفقته عليهما فهو سينتقل إلى مثواه الأخير وسيلتحق بدار الخلود ، فلابدّ لهما أن تجود عيونهما ـ ما شاء الله ـ من الدموع لأنّهما سيواجهان حياة جديدة خالية من عطف محمد الدافىء الرّقيق.
ومهما يكن من أمر ، فانّهما واثقان من أنّهما لن يعيشا وعلى أحسن تقدير عيشة كالعيشة التي عاشاها في كنف أبيهما محمد.
ويضمهما محمد إلى صدره ويقبّلهما ، وعيناه تذرفان دموعاً مشاركة لهما في بكائهما ولوعتهما.
ويشفق عليٌّ على أخيه رسول الله ، فيسرع إليهما لينحيهما عن جدّهما ، ولكنّ الرسول يواجه عليّاً بنبأ غيبي : « يا عليُّ ، دعني أشمُّهما ويشمّاني ، وأتزوّد منهما ويتزودان مني ، أما إنّهما سيُظلمان بعدي ويقتلان ظلماً ، فلعنة الله على من يظلمهم »» (1).
وهنا يلتفت إلى زائريه من المسلمين ليؤكد قيمة الحسن والحسين فضلاً عن أهل بيته ، فيقول : « أيُّها الناس ، يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً ، وقد قدّمت إليكم القول معذرةً إليكم ألا إنّي مخلّف فيكم : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلُّوا بعدي »» (2).
وحين يعلن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أنّ مهمّته في الأرض قد انتهت ، وأنّه يوشك أن يفارق أُمته ، يزداد الحاضرون ألما وحسرةً ويضجُّ أهل البيت بالبكاء ، ويدعو محمد ( صلى الله عليه وآله ) أخاه عليّاً ليضع رأسه في حجره وليفارق الدنيا وآخر عهدٍ به وصيّة عليًّ ( عليه السلام ).
وما هي إلا لحظات تنصرم حتى تعلن الأرض نبأ وفاة محمد ( صلى الله عليه وآله ) نبأ انقطاع الوحي عن الأرض ، بل افتقاد المنقذ والمحرر للإنسانية ـ برمّتها ـ.
ويبلغ النبأ بضعته الطاهرة الزهراء ( عليها السلام ) فتهبّ مذهولة من شدّة الصدمة العنيفة التي فوجئت بها ، فتضجُّ بالبكاء وهي تردّد : « واأبتاه ، إلى جبريل أنعاه ، واأبتاه ، جنّة الفردوس مأواه واأبتاه ، أجاب رباً دعاه ... ».
وراحت تردّد هذه الكلمات بحرقة وألم ـ شديدين ـ وتعيش فاطمة المأساة بكل أبعادها ، فقد رحل عنها دفء المودة والحنان ، رحل عنها الحبيب محمد ، وها هو مسجىً بين يدي المسلمين ، وسوف يحمل ـ بعد مدة ـ إلى مثواه الأخير حيث يغيب شخصه الكريم عن عينها ، يغيب إلى الأبد ، وسيكون اللقاء في دار الخلود والنّعيم.
رسمت فاطمة ( عليها السلام ) هذه الحقائق أمام ناظرها وتصوّرته في ذهنها فاندفعت تشفي غليلها ولكن بحسرات وآهات انعكست لوعة وبكاءً ودموعاً غزيرة . ثم اندفعت تنسج من حزنها شعراً تتغنى به فإذا بها تقول :
| إغبرّ آفـاق السماء وكُوّرت | شمس النّهار وأظلم العصـران | |
| والأرض من بعد النبي كئيبة | أسفاً عليه كثيـرة الرجفــان | |
| فليبكه شـرق البلاد وغربها | وليبكه مضـرٌ وكلُّ يمانــي |
وهذه الأبيات تصور مدى اللوعة ومدى الحزن الذي يرتسم على شخصيّة الزهراء ( عليها السلام ) فهي ترى أنّ الدُنيا كئيبة فاقدة للنُّور مظلمة جوانبها تعيش حالةً من الإضطراب والرّجفان.
وحين تتصوّر فاطمة ( عليها السلام ) الحياة هذا التّصور بعد أبيها ، إنّما تتصور حقيقة لا خيالاً أو مبالغة ، لأنّ أباها كان لهذا الكوكب الأرضيّ ومن فيه وما فيه سراجاً وهّاجاً أضاء لها السبيل وخلّصها من التيه والشرور ، وعلّمها دروب السعادة والسلام.
فحقيق بفاطمة وحقّ لها أن تقول فيه ما تقول.
ويتولى وصيُّة ( عليٌّ ) غسله وتجهيزه ، وجاء ـ بعدئذ ـ وقت الصلاة عليه حيث يدخل عليٌّ ، وجماعة من أهل البيت ( عليهم السلام ) ويقفون بازاء الرسول حيث يتلو عليٌّ قوله تعالى : «إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ يا أيُّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما»ً ويردد من حضر الآية ـ نفسها ـ ، ثم يأمر علي بقية المسلمين بالدُّخول على الرسول جماعةً بعد جماعة يرددون الآية نفسها ، وكانت تلاوة هذه الآية على الرّسول هي بمثابة الصّلاة عليه.
ثم تولّى عليٌّ وبعض أهل البيت ( عليهم السلام ) مواراته في قبره الشّريف وبعد دفنه ازدادت أتراح فاطمة وأخذ الأسى مأخذه من نفسها ، فراحت تنشد الأبيات المحزنة لتتعزّى بها :
| قل للمغيّب تحت أطباق الثرى | إن كنت تسمع صرختي و ندائيا | |
| صُبت عليّ مصائبٌ لـو أنّها | صُبّت على الأيـام صرن لياليا | |
| قد كنتُ ذات حمىً بظلّ محمدٍ | لا أختشي ضيماً ، و كان جماليا | |
| فاليـوم أخشع للذّليــل وأتّقي | ضيمي ، وأدفـع ظالمي بردائيا | |
| فإذا بكـت قُمريـة في ليلهـا | شجناً على غصن بكيت صباحيا | |
| فلأجعلنّ الحزن بعدك مؤنسـي | و لأجعلـنّ الدّمع فيـك وشاحيا | |
| مـاذا على من شمّ تربة أحمد | أن لا يشـمّ مدى الزّمـان غواليا |
نعم هكذا عاشت فاطمة مأساتها ، فهي قد تجلببت بجلباب من الحزن ، وجعلت منه سلوةً لها ومؤنساً ما دام شخص محمد قد غُيّب في جدثه ، وقد تحقّق ما أعلنته فاطمة ، وتغنّت به ، حيث روي عنها : أنّها ما وُجدت مبتسمةً بعد أبيها ـ على الإطلاق ـ حتّى زارها الموت حيث التحقت بعميدها محمد ، ليكفكف دموعها ، ويضمّد جراحها.