كتاب الطلاق
شروط المطلِّق
الأمر الأوّل البلوغ: فلا يصح طلاق الصبيّ، لا مباشرة ولا بتوكيل الغير وإن كان مميّزاً ـ والمميِّز: هو الذي يدرك الطلاق ويعقله ـ وإن لم يبلغ عشر سنين، وأمّا طلاق من بلغها ـ أي العشر سنين ـ ففي صحته إشكال، فلا يترك مقتضى الاحتياط فيه(1).
كما لا يصح طلاق الصبيّ بالمباشرة ولا بالتوكيل، لا يصح طلاق وليّه عنه، كأبيه وجدّه فضلا عن الوصي والحاكم الشرعي.
الأمر الثاني العقل:فلا يصح طلاق المجنون وإن كان جنونه أدواريّاً ـ أي غير مستغرق لجميع الوقت، بل يجنّ في بعض الأوقات ويرجع إلى عقله في الأوقات الاُخرى ـ إذا كان الطلاق في دور جنونه.
يجوز للأب والجدّ للأب أن يطلّق عن المجنون المطبق ـ أي غير الإدواري ـ زوجته مع مراعاة مصلحته، سواء بلغ مجنوناً ـ أي وصل إلى سنّ البلوغ وهو مجنون ـ أو عرض عليه الجنون بعد البلوغ، فإن لم يكن له أب ولا جدّ كان الأمر إلى الحاكم الشرعي.
وأمّا المجنون الإدواري فلا يصح طلاق الولي عنه وإن طال دوره، بل يطلّق هو حال إفاقته، وكذا السكران والمغمى عليه فإنّه لا يصح طلاق الولي عنهما، بل يطلّقان حال إفاقتهما.
الأمر الثالث القصد: بأن يقصد الفراق حقيقةً، فلا يصح طلاق السكران ونحوه ممّن لا قصد له معتدّاً به، وكذا لو تلفّظ بصيغة الطلاق في حالة النوم، أو هزلا، سهواً أو غلطاً أو في حال الغضب الشديد الموجب لسلب القصد، فإنّه لا يؤثر في الفرقة، وكذا لو أتى بالصيغة للتعليم أو الحكاية أو التلقين، أو مداراةً لبعض نسائه مثلا ولم يردّ الطلاق جدّاً.
إذا طلّق ثمّ ادّعى عدم القصد فيه، فإن صدّقته المرأة فهو ـ أي فلا يقع الطلاق ـ وإلاّ ـ أي وإن لم تصدّقه ـ لم يسمع منه، أي يقع الطلاق.
الأمر الرابع الاختيار: فلا يصح طلاق المكرَه ومن بحكمه، أي المضطرّ على الطلاق لسبب ما.
الإكراه: وهو إلزام الغير بما يكرهه بالتوعيد على تركه بما يضرّ بحاله ممّا لا يستحقّه، مع حصول الخوف له من ترتّبه، أي من ترتّب الضرر، ويلحق به ـ موضوعاً أو حكماً ـ ما إذا أمره بإيجاد ما يكرهه مع خوف المأمور من إضراره به لو خالفه وإن لم يقع منه توعيد أو تهديد(2)، وكذا لو أمره بذلك وخاف المأمور من قيام الغير بالإضرار به على تقدير مخالفته، وهذا هو مثال ما يلحق به حكماً.
ولا يلحق به موضوعاً ولا حكماً ما إذا أوقع الفعل مخافة إضرار الغير به على تقدير تركه من دون إلزام منه إيّاه، كما لو تزوّج امرأة ثمّ رأى أنّها لو بقيت في عصمته لوقعت عليه وقيعة من بعض أقربائها، فالتجأ إلى طلاقها فإنّه لا يضرّ ذلك بصحة الطلاق.
وهكذا الحال فيما إذا كان الضرر المتوّعد به ممّا يستحقّه، كما إذا قال وليّ الدم للقاتل: طلّق زوجتك وإلاّ قتلتك، أو قال الدائن للغريم: طلّق زوجتك وإلاّ طالبتك بالمال، فطلّق فإنّه يصح طلاقه في مثل ذلك.
المقصود بالضرر الذي يخاف من ترتّبه ـ على تقدير عدم الإتيان بما اُلزم به ـ ما يعمّ الضرر الواقع على نفسه وعرضه وماله، وعلى بعض من يتعلّق به ممّن يهمّه أمره.
يعتبر في تحقّق الإكراه أن يكون الضرر المتوعّد به ممّا لا يتعارف تحمّله لمثله تجنّباً عن مثل ذلك العمل المكروه، بحيث يعدّ عند العقلاء مُلجِأً إلى ارتكابه، وهذا أمر يختلف باختلاف الأشخاص في تحمّلهم للمكاره، وباختلاف العمل المكروه في شدّة كراهته وضعفها، فربّما يعدّ الإيعاد بضرر معيّن على ترك عمل مخصوص موجِباً ـ أي مؤدّياً ـ لإلجاء شخص إلى ارتكابه، ولا يعدّ موجِباً لإلجاء آخر إليه، وأيضاً ربّما يعدّ شخص مُلجأ إلى ارتكاب عمل يكرهه بإيعاده بضرر معيّن على تركه، ولا يعدّ ملجأً إلى ارتكاب عمل آخر مكروه له أيضاً بإيعاده بمثل ذلك الضرر، أي ربّما يكون شخص واحد يتحمّل مشقّة وضرر الإكراه على عمل دون عمل آخر.
يعتبر في صدق الإكراه عدم إمكان التفصّي ـ أي التخلّص ـ عنه بغير التورية ممّا لا يضرّ بحاله كالفرار والاستعانة بالغير، ويعتبر فيه ـ أي في صدق عنوان الإكراه ـ عدم إمكان التفصّي بالتورية ولو من جهة الغفلة عنها ـ أي عن التورية ـ أو الجهل بها، أو حصول الاضطراب المانع من استعمالها، أو نحو ذلك.
إذا أكرهه على طلاق إحدى زوجتيه ـ أي لا على وجه التعيين ـ فطلّق إحداهما المعيّنة تجنّباً من الضرر المتوعّد به بطل، ولو طلّقهما معاً بإنشاء واحد صحّ فيهما ـ وكذا لو أكرهه على طلاق كلتيهما بإنشاء واحد فطلّقهما تدريجاً ـ أي لادفعة واحدة ـ أو طلّق إحداهما فقط.
وأمّا لو أكرهه على طلاقهما ولو متعاقباً ـ أي واحدة بعد الأُخرى ـ وأوعده على ترك مجموع الطلاقين فطلّق إحداهما عازماً على طلاق الأُخرى أيضاً، ثمّ بدا له فيه وبنى على تحمّل الضرر المتوعّد به فالأظهر بطلان طلاقها، أي لا يقع طلاق واحدة منهما.
لو أكرهه على أن يطلّق زوجته ثلاث طلقات بينها رجعتان، فطلّقها واحدة أو اثنتين، ففي بطلان ما أوقعه إشكال بل منع ـ أي لا يبطل الطلاق ـ إلاّ إذا كان متوعّداً بالضرر على ترك كلٍّ منها أو كان عازماً في حينه على الإتيان بالباقي ثمّ بدا له فيه وبنى على تحمّل الضرر المتوعّد به، أو أنّه احتمل قناعة المكره بما أوقعه وإغماضه عن الباقي فتركه ونحو ذلك.
إذا أوقع الطلاق عن إكراه ثمّ رضي به لم يفد ذلك في صحته، وليسَ كالعقد المكره عليه الذي تعقّبه الرضى.
لا حكم للإكراه إذا كان على حقّ، فلو وجب عليه أن يطلّق وامتنع منه فاُكره عليه فطلّق صحّ الطلاق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
(2) الإلزام بما يكرهه موضوعاً: بمعنى أن الآمر يريد منه إيجاد شيء يكرههه ـ مع خوف المأمور من الضرر ـ حتى وإن لم يوعده أو يهدّده.
المصدر : كتاب / أحكام المرأة والأسرة / ام علي مشكور