كتاب النكاح
النفقات
تجب النفقة بأحد أسباب أربعة: الزوجيّة، والقرابة، والملك، والاضطرار.
1 ـ تجب نفقة الزوجة على الزوج فيما إذا كانت دائمة ومطيعة له فيما يجب إطاعته عليها، فلا نفقة للزوجة المتمتّع بها إلاّ مع الشرط ـ أي إلاّ إذا شرطت ذلك عليه ضمن العقد ـ كما لا نفقة للزوجة الناشزة على تفصيل تقدّم سابقاً، وقد تقدّم أيضاً بيان ما يتحقّق به النشوز، وإن سقوط نفقة الناشزة مشروط بعدم توبتها، فإذا تابت وعادت إلى الطاعة رجع الاستحقاق.
2 ـ لا فرق في وجوب الإنفاق على الزوجة بين المسلمة والكتابيّة، وأمّا المرتدّة فلا نفقة لها، فإن تابت قبل مضيّ العدّة استحقّت النفقة، وإلاّ بانت من زوجها، أي فصلت عنه بسبب الارتداد.
3 ـ الظاهر ثبوت النفقة للزوجة في الزمان الفاصل بين العقد والزفاف، إلاّ مع وجود قرينة على الإسقاط، أيّ على إسقاط حقّ الزوجة من النفقة ولو كانت هي التعارف الخارجي، أي ولو كانت هذه القرينة قد ثبتت عرفاً، كما إذا كانت الزوجة في بيت أبيها مثلا، فلا هي تستحقّ النفقة ولا هو يستحقّ الاستمتاع عليها.
والأظهر عدم ثبوت النفقة للزوجة الصغيرة غير القابلة للاستمتاع منها على زوجها، خصوصاً إذا كان الزوج صغيراً غير قابل للتمتّع والتلذّذ، وكذا الزوجة الكبيرة إذا كان زوجها صغيراً غير قابل لأن يستمتع منها، نعم لوكانت الزوجة مراهقة، وكان الزوج مراهقاً أو كبيراً، أو كان الزوج مراهقاً وكانت الزوجة كبيرة، لم يبعد استحقاق الزوجة للنفقة مع تمكينها له من نفسها على ما يمكنه من التلذّذ والاستمتاع منها.
4 ـ لا تسقط نفقة الزوجة بعد تمكينها له من نفسها لعذر من حيض أو نفاس أو إحرام أو اعتكاف واجب أو مرض مدنف ـ أي ثقيل منعها من تمكين زوجها ـ أو غير ذلك، ومن العذر ما لوكان الزوج مبتلى بمرض معد خافت من سرايته إليها بالمباشرة.
5 ـ إذا استصحب الزوج زوجته في سفره كانت نفقتها عليه وإن كانت أكثر من نفقتها في الحضر، وكذا يجب عليه بذل اُجور سفرها ونحوها ممّا تحتاج إليه من حيث السفر، وهكذا الحكم فيما لو سافرت الزوجة بنفسها في سفر ضروري يرتبط بشؤون حياتها، كأن كانت مريضة وتوقّف علاجها على السفر إلى طبيب، فإنّه يجب على الزوج بذل نفقتها واُجور سفرها.
وأمّا في غيره من السفر الواجب، كما إذا كان أداءً لواجب في ذمّتها، كأن استطاعت للحجّ، أو نذرت الحجّ الاستحبابي بإذن الزوج، وكذا في السفر غير الواجب الذي أذن فيه الزوج، فليس عليه بذل اُجوره، ويجب عليه بذل نفقتها فيه كاملة وإن كانت أزيد من نفقتها في الحضر، نعم إذا علّق الزوج إذنه لها في السفر غير الواجب على إسقاطها لنفقتها فيه كلاّ أو بعضاً ـ أي جعل إسقاط جميع نفقتها أو بعضها ـ في السفر غير الواجب ـ شرطاً في إذنه وترخيصه لها بالسفر ـ وقبلت هي بذلك لم تستحقّها عليه.
6 ـ تثبت النفقة لذات العدّة الرجعيّة ما دامت في العدّة كما تثبت لغير المطلّقة، من غير فرق بين كونها حائلا أو حاملا ـ أي حامل أولا ـ ولو كانت ناشزة وطُلّقت في حال نشوزها لم تثبت لها النفقة، إلاّ إذا تابت ورجعت إلى الطاعة، كالزوجة الناشزة غير المطلّقة، وأمّا ذات العدّة البائنة ـ أي التي لا رجوع فيها ـ فتسقط نفقتها سواء أكانت عن طلاق أو فسخ ـ أي سواء بانت عن الزوج بالطلاق أو بفسخ العقد ـ إلاّ إذا كانت عن طلاق وكانت حاملا فإنّها تستحقّ النفقة والسكنى حتّى تضع حملها، ولا تلحق بها المنقطعة ـ أي الزوجة المؤقتة ـ والحامل الموهوبة: وهي التي وهب لها الزوج المدّة قبل أوانها أو المنقضية مدّتها، وكذا الحامل المتوفّى عنها زوجها، فإنّه لا نفقة لها مدّة حملها، لا من تركة زوجها ولا من نصيب ولدها على الأقوى.
7 ـ إذا ادّعت المطلقة بائناً أنّها حامل، فإن حصل الوثوق بصحة دعواها استناداً إلى الأمارات التي يستدّل بها على الحمل عند النساء، أو تيسّر استكشاف حالها بإجراء الفحص الطبيّ عند الثقة من أهل الخبرة فهو، وإلاّ ففي وجوب قبول قولها والإنفاق عليها بمجرّد دعواها إشكال، بل منع، أي لا يقبل قولها اعتماداً على قولها فقط دون قرائن اُخرى.
ولو أنفق عليها ثمّ تبيّن عدم الحمل استُعيد منها ما دُفع إليها، ولو انعكس الأمر ـ أي لم يدفع إليها باعتقاد أنّها حائل ثمّ تبيّن بعد ذلك أنّها حامل ـ دفع إليها نفقتها أيام حملها.
8 ـ لاتقدير للنفقة شرعاً، بل الضابط القيام بما تحتاج اليه الزوجة في معيشتها من الطعام والادام، هو الشيء الذي يؤكل معه الخبز(1).
والكسوة والفراش والغطاء، والمسكن والخدم، وآلات التدفئة والتبريد وأثاث المنزل، وغير ذلك ممّا يليق بشأنها بالقياس إلى زوجها، ومن الواضح اختلاف ذلك نوعاً وكمّاً وكيفاً، بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والحالات والأعراف والتقاليد اختلافاً فاحشاً أي كثيراً.
فبالنسبة إلى المسكن مثلا ربّما يناسبها كوخ، أو بيت شعر في الريف أو البادية، وربّما لا بدّ لها من دار أو شقّة أو حجرة منفردة المرافق في المدينة، وكذا بالنسبة إلى الألبسة ربّما تكفيها ثياب بدنها من غير حاجة إلى ثياب اُخرى، وربّما لا بدّ من الزيادة عليها بثياب التجمّل والزينة.
نعم، ما تعارف عند بعض النساء من تكثير الألبسة النفيسة خارج عن النفقة الواجبة، فضلا عمّا تعارف عند جمع منهنّ من لبس بعض الألبسة مرّة أو مرّتين في بعض المناسبات، ثمّ استبداله بآخر مختلف عنه نوعاً أو هيئة في المناسبات الأُخرى.
9 ـ من النفقة الواجبة على الزوج اُجرة الحمّام عند حاجة الزوجة إليه، سواء أكان للاغتسال أو للتنظيف، إذا لم تتهيّأ لها مقدّمات الاستحمام في البيت، أو كان ذلك عسيراً عليها لبرد أو غيره، كما أنّ منها مصاريف الولادة واُجرة الطبيب والأدوية المتعارفة التي يكثر الاحتياج إليها عادة، بل لا يبعد أن يكون منها ما يصرف في سبيل علاج الأمراض الصعبة التي يتفق الابتلاء بها وإن احتاج إلى بذل مال كثير مالم يكن ذلك حرجيّاً على الزوج.
10 ـ النفقة الواجبة للزوجة على قسمين:
القسم الأوّل:ما يتوقّف الانتقاع به على ذهاب عينه ـ أي لاذهاب قيمته ـ كالطعام والشراب والدواء ونحوها، وفي هذا القسم تملك الزوجة عين المال بمقدار حاجتها عند حلول الوقت المتعارف لصرفه، فلها مطالبة الزوج بتمليكه إيّاها وتسليمه لها تفعل به ما تشاء، ولها الاجتزاء ـ كما هو المتعارف ـ بما يجعله تحت تصرّفها في بيته ويبيح لها الاستفادة منه، فتأكل وتشرب ممّا يوفّره في البيت من الطعام والإدام والشراب حسب حاجتها إليه، وحينئذ يسقط مالها عليه من النفقة، فليس لها أن تطالبه بها بعدد ذلك.
11 ـ لا يحقّ للزوجة مطالبة الزوج بنفقة الزمان المستقبل، ولو دفع إليها نفقة أيام كاسبوع أو شهر مثلا وانقضت المدّة ولم تصرفها على نفسها، إمّا بأن أنفقت من غيرها، أو أنفق عليها أحد، كانت ملكاً لها، وليس للزوج استردادها، نعم لو خرجت عن الاستحقاق قبل انقضاء المدّة بموت أحدهما ـ أي أحد الزوجين ـ أو نشوزها أو طلاقها بائناً، يوزّع المدفوع على الأيام الماضية والآتية، ويستردّ منها بالنسبة إلى ما بقي من المدّة، بل الظاهر ذلك أيضاً فيما إذا دفع إليها نفقة يوم واحد وعرضت إحدى تلك العوارض في أثناء اليوم، فيستردّ الباقي من نفقة ذلك اليوم.
12 ـ يتخيّر الزوج بين أن يدفع إلى الزوجة عين المأكول كالخبز والطبيخ واللحم المطبوخ وما شاكل ذلك، وأن يدفع إليها موادها كالحنطة والدقيق والأُرز واللحم ونحو ذلك ممّا يحتاج في إعداده للأكل إلى علاج ومؤونة، فإذا اختار الثاني كانت مؤونة الإعداد ـ أي الطبخ ونحوه ممّا يجعل الطعام قابلا للأكل ـ على الزوج دون الزوجة.
13 ـ إذا تراضيا على بذل الثمن وقيمة الطعام والأدام وتسلّمته ملكته وسقط ما هو الواجب على الزوج، ولكن ليس للزوج إلزامها بقبول الثمن، وليس لها إلزامه ببذله، فالواجب ابتداءً هو العين، أي لا ثمنها.
القسم الثاني:ما ينتفع به مع بقاء عينه، وهذا إن كان مثل المسكن فلا إشكال في أنّ الزوجة لا تستحقّ على الزوج أن يدفعه إليها بعنوان التمليك ـ أي يكفي أن يدفعه إليها بعنوان الانتفاع به ـ والظاهر أنّ الفراش والغطاء وأثاث المنزل أيضاً كذلك، وأمّا الكسوة فلا يبعد كونها بحكم القسم الأوّل فتستحقّ على الزوج تمليكها إيّاها، ولها الاجتزاء بالاستفادة بما هو ملكه أو بما استأجره أو استعاره، أي ممّا ليس بملك له، ولكن يحقّ له التصرّف فيه.
14 ـ إذا دفع إليها كسوة قد جرت العادة ببقائها مدّة، فلبستها فخلقت ـ أي استهلكت ـ قبل تلك المدّة أو سرقت لا بتقصير منها في الصورتين، وجب عليه دفع كسوة اُخرى إليها. ولو انقضت المدّة والكسوة باقية ليس لها مطالبة كسوة اُخرى، ولو خرجت في أثناء المدّة عن الاستحقاق لموت أو نشوز أو طلاق، فإن كان الدفع إليها على وجه الإمتاع والانتفاع ـ كما في البيت وأثاثه ـ جاز له استردادها إن كانت باقية، وأمّا إذا كان على وجه التمليك ـ كما في الطعام والشراب ـ فليس له ذلك.
15 ـ يجوز للزوجة أن تتصرّف فيما تملكه من النفقة كيفما تشاء، فتنقله إلى غيرها ببيع أو هبة أو إجارة أو غيرها، إلاّ إذا اشترط الزوج عليها ترك تصرّف معيّن فيلزمها ذلك، أي يكون هذا الشرط لازماً لا يجوز لها مخالفته للإمتاع والانتفاع به، فلا يجوز لها نقله إلى الغير ولا التصرّف فيه بغير الوجه المتعارف إلاّ بإذن من الزوج.
16 ـ النفقة الواجب بذلها للزوجة هو ما تقوّم به حياتها من طعام وشراب وكسوة ومسكن وأثاث ونحوها، دون ما تشتغل به ذمّتها ممّا تستدينه لغير نفقتها ـ أي أنّ الدين الذي في ذمّتها لا يحسب من نفقتها ـ وما تنفقه على من يجب نفقته عليها، وما يثبت عليها من فدية أو كفّارة أو أرش جناية ـ أي غرامة الجناية التي ارتكبتها ـ ونحو ذلك.
17 ـ إذا لم يكن عنده ما ينفقه على زوجته وجب عليه تحصيله بالتكسّب اللائق بشأنه وحاله، وإذا لم يكن متمكّناً منه أخذ من حقوق الفقراء من الأخماس والزكوات والكفّارات ونحوها بمقدار حاجته في الإنفاق عليها، وإذا لم يتيسّر له ذلك تبقى نفقتها ديناً عليه، ولا يجب عليه تحصيلها بمثل الاستيهاب والسؤال.
وهل يجب عليه الاستدانة لها إذا أمكنه ذلك من دون حرج ومشقّة، وعلم بالتمكين من الوفاء فيما بعد؟ الظاهر ذلك، أي يجب عليه الاستدانة. وأمّا إذا احتمل عدم التمكّن من الوفاء احتمالا معتدّاً به ـ أي ليس احتمالا قليلا لا يؤخذ بعين الاعتبار ـ ففي وجوبها عليه إشكال، هذا في نفقة الزوجة؟
وأمّا نفقة النفس ـ أي نفقة نفسه لا غيرها ـ فليست بهذه المثابة، فلا يجب السعي لتحصيلها إلاّ بمقدار ما يتوقّف عليه حفظ النفس والعرض، والتوقّي عن الإصابة بضرر بليغ، وهذا المقدار يجب تحصيله بأيّة وسيلة حتى بالاستعطاف ـ أي بطلب العطف والاسترحام من الآخرين ـ والسؤال، فضلا عن الاكتساب والإستدانة.
18 ـ إذا كان الزوج عاجزاً عن تأمين نفقة زوجته، أو امتنع من الإنفاق عليها مع قدرته، جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي كما تقدّم.
19 ـ إذا لم تحصل الزوجة على النفقة الواجبة لها كلاّ أو بعضاً، كمّاً أو كيفاً ـ أي من ناحية مقدارها أو نوعيّتها ـ لفقر الزوج أو امتناعه، بقي مالم تحصله منها ديناً في ذمّته كما تقدّمت الإشارة إليه، فلو مات اُخرج من أصل تركته كسائر ديونه، ولو ماتت انتقل إلى ورثتها كسائر تركتها، سواء طالبته بالنفقة في حينه أو سكتت عنها، وسواء قدّرها ـ أي النفقة ـ الحاكم وحكم بها أم لا، وسواء عاشت بالعسر ـ أي بالضيق ـ أو أنفقت هي على نفسها ـ باقتراض أو بدونه ـ أو أنفق الغير عليها تبرّعاً من نفسه، ولو أنفق الغير عليها ديناً على ذمّة زوجها مع الاستئذان في ذلك من الحاكم الشرعي اشتغلت له ذمّة الزوج ـ أي بقي ديناً في ذمّته ـ بما أنفق، ولو أنفق ـ أي الغير ـ عليها تبرّعاً عن زوجها لم تشتغل ذمّة الزوج له ولا للزوجة، أي لا يكون ذلك الإنفاق ديناً لا في ذمّتها ولا في ذمّة الزوج.
20 ـ لا يعتبر في استحقاق الزوجة النفقة على زوجها فقرها وحاجتها، بل تستحقّها على زوجها وإن كانت غنيّة غير محتاجة.
21 ـ نفقة النفس مقدّمة على نفقة الزوجة، فإذا لم يكن للزوج مال يفي بنفقة نفسه ونفقة زوجته أنفق على نفسه، فإن زاد شيء صرفه إليها.
22 ـ المقصود بنفقة النفس المقدّمة على نفقة الزوجة مقدار قوت يومه وليلته، وكسوته وفراشه وغطائه، وغير ذلك ممّا يحتاج إليه في معيشته، بحسب حاله وشأنه.
23 ـ إذا اختلف الزوجان في الإنفاق وعدمه مع اتفاقهما على استحقاق النفقة، فالقول قول الزوجة مع يمينها، إذا لم تكن للزوج بيّنة، أي شاهدين من الرجال.
24 ـ إذا كانت الزوجة حاملا ووضعت، وقد طُلّقت رجعيّاً، فادّعت الزوجة أنّ الطلاق كان بعد الوضع ـ أي وضع حملها ـ فتستحقّ عليه ـ أي على الزوج ـ وادّعى الزوج أنّه كان ـ أي استحقاقها للإنفاق ـ قبل الوضع وقد انقضت عدّتها فلا نفقة لها، فالقول قول الزوجة مع يمينها، فإن حلفت استحقّت النفقة، ولكن الزوج يلزم باعترافه ـ لأنّه اعترف بانقضاء عدّتها ـ فلا يجوز له الرجوع إليها.
25 ـ إذا اختلفا في الإعسار واليسار ـ أي في كون الزوج قادراً على الإنفاق أو غير قادر عليه لفقره ـ فادّعى الزوج الإعسار وأنّه لا يقدر على الإنفاق، وادّعت الزوجة يساره ـ أي قدرته عليه ـ كان القول قول الزوج مع يمينه. نعم إذا كان الزوج مؤسراً وادّعى تلف أمواله وأنّه صار معسراً فأنكرته الزوجة كان القول قولها مع يمينها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأُدْمُ والإدَام ما يؤتدم به، تقول منه: أدم الخبز باللحم بأدمه بالكسر، الصحاح 5:1859 "أدم".
المصدر : كتاب / أحكام المرأة والأسرة / ام علي مشكور