كتاب النكاح

الختان في الشريعة الإسلامية المقدّسة
من كمال العقل أن يعتقد الإنسان للواجبات والمحرّمات ملاكات لا يعلمها إلاّ الله تعالى والراسخون في العلم، وكلّ حكم شرعيّ قبل أن يُجعل يسبق بمرحلتين هما: الإرادة، والملاك. أي وجود غرض لأجله يتمّ تشريع هذا الحكم، أعمّ من كونه واجباً أو محرّماً أو مستحباً أو مكروهاً أو مباحاً اقتضائياً.
فلوكان واجباً كان ملاكه وجود المصلحة، ولو كان محرّماً فملاكه وجود المفسدة الناتجة من القيام به، وهي التي قد غفل عنها كثير من العصاة.
وما نحن فيه من مسألة الختان التي وجبت في شرعنا المقدّس على الذكور من مصاديق ما ذكر، وهنا سؤال يطرح نفسه: هل يوجد دليل من القرآن الكريم على وجوب الختان؟
والجواب: نعم، فقد جاء في تفسير القرطبي في قوله تعالى: « صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ »(1): أن الصبغة هي الختان، وهو صبغة الله للمسلم التي تحلّ محلّ العماد الذي يصبغ به المسيحيون أطفالهم بقصد الطهارة.
وقد استدلّوا على تشريع الختان ووجوبه أيضاً بقوله تعالى: « وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »(2)ففسروا حنيفاً بمعنى أنّه كان مختوناً.
وقال العلاّمة الطباطبائي في الميزان(3) نقلا عن تفسير القمي لقوله تعالى: « قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ »: أنزل الله على ابراهيم الحنيفيّة، وهي الطهارة، وهي عشرة، خمسة في الرأس وخمسة في البدن، فأمّا التي في الرأس: فأخذ الشارب، وإعفاء اللحى، وضفر الشعر(4)، والسواك، والخلال. وأمّا التي في البدن: فأخذ الشعر من البدن، والختان، وقلم الأظفار، والغسل من الجنابة، والطهور بالماء. وهي الحنيفيّة التي جاء بها إبراهيم(عليه السلام) فلم تنسخ ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وجاء عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: "ما أبقت الحنيفيّة شيئاً حتى أنّ منها قصّ الشارب وقلم الأظفار والختان"(5).
وجاء عن الرسول(صلى الله عليه وآله): "من كرامتي على ربّي أنّي ولدت مختوناً، ولم ير أحدٌ سوأتي"(6) أي لأجل الختان، وقد يقال: إنّه لم يتمّ ختانه بل تممّه ملكان أو جدّه عبدالمطلب(عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة 2:138.
(2) البقرة 2:136.
(3) الميزان 1:306.
(4) الضفر: نسج الشعر وغيره، والضفيرة: العقيصة: يقال: ضفرت المرأة شعرها. الصحاح 2:721، "ضفر".
(5) تفسير الميزان 1:310.
(6) ختان الذكور والإناث: 278.


المصدر : كتاب / احكام المرأة والأسرة / ام علي مشكور