كتاب النكاح

من يصوّر الجنين في الرحم
لو فكّرنا قليلا في قدرة الله تعالى على الإنشاء وكيف صوّرنا في الأرحام، لارتقينا إلى مدارج الكمال.
والتفكّر من أفضل العبادات التي يثاب الإنسان عليها، ويعرج من خلالها إلى معارج المعرفة، ويسبح في غمرات الربانيّين.
من الذي يصوّر الجنين في رحم أُمّه؟
هذا السؤال حيّر عقول الفلاسفة والعظماء، لا سيما ارسطو وتلامذته ومن كان قبلهم وبعدهم، وقفوا لا يهتدون إلى شيء ولا يجدون حلاّ لهذا اللّغز العظيم، والكلّ يبدي برأيه ويتحاور مع صاحبه كي يتوصّل إلى الحلّ.
ولكنّ الجواب لا يتأتّى إلاّ على يد منقذ البشرية، الذي خاطبه خبر السماء يا محمد(صلى الله عليه وآله): «إِنَّا خَلَقْنَا الاِْنسَانَ مِنْ نُطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً»(1).
والأمشاج: كناية عن اختلاط النطفة وتداخلها، فلا الطبيعة المحتاجة ولا كلّ ممكن يقوم بهذا الإنشاء ويصوّر هذا المخلوق في الرحم.
قال البعض: إنّ الجنين يتصوّر بطبيعته، وطبيعته هي التي تصوّره، وبها يتكوّن وينمو، وقد غفلوا أنَّ المصوَّر والمصوِّر سيكونا شيئاً واحداً، ولو أمكن ذلك لجاز أن يكون المؤلِّف والمولَّف شيئاً واحد.
وقال آخر: إنّ في الرحم قالب يصوّر الجنين، فيقال لهم: هل شاهدتم قطعة من الطين توضع في القالب ثمّ تقذف بعد تسعة أشهر؟ وهل في البيضة قالب يتصوّر فيه الفرخ؟ وهل توجد قوالب في أجواف الغنم وأرحام إناثها التي تمّ تشريحها على يد الأخصائيّين؟ هذا إذا قيل بعدم إمكان تشريح رحم المرأة، الذي صار ممكناً مع تقدّم العلم وتطوّره.
وقال ثالث: إنّ الجنين بمنزلة النبات.ونقول في جوابه: وهل يمكن أن يبقى إذا قطع رأسه، كما يبقى النبات لو قطعت أُصوله، أو قُصّرت أغصانه فإنّ ذلك يؤدّي إلى حيويّته.
وكذلك قالوا: إنّ كلّ عضو يتخلّق من مثيله، بمعنى أنّ كلّ جزء من أجزاء (الأب) يخرج منه جزءاً شبيهاً له، ولو صحّ هذا لخرج من الأب الأعمى ولد أعمى مثله، وهكذا باقي العاهات الموجودة في بدن الأبوين، وها هو القرآن الكريم يعطي الجواب الفصل بقوله: « هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الاَْرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »(2).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الانسان 76:2.
(2) آل عمران 3:6.