كتاب النكاح

عقد النكاح
1 ـ عقد النكاح على قسمين: دائم ، ومنقطع. والعقد الدائم هو عقد لا تعيّن فيه مدّة الزواج ، وتسمّى الزوجة فيه بـ (الدائمة) ، والعقد المؤقت هو العقد الذي تعيّن فيه مدّة الزواج كساعة أو يوم أو سنة أو أقلّ أو أكثر ، وتسمّى الزوجة فيه بـ (المنقطعة أو المتَمَتّع بها).
2 ـ يشترط في النكاح ـ سواء كان مؤقتاً أم دائماً ـ الإيجاب والقبول ، ولا بدّ أن يكونا لفظييّن على الأحوط وجوباً ، فلا يكفي مجرّد التراضي القلبي ، ولا الإشارة المفهِمة هذا في غير الأخرس ، والأحوط وجوباً أن يكون لفظ الإيجاب والقبول بالعربية مع التمكّن منها ، ومع عدم التمكّن من العربية يكفي غيرها من اللّغات المفهمة لمعنى النكاح والتزوج وإن تمكّن أن يوكّل أحداً عنه.
3 ـ الأحوط استحباباً تقديم الإيجاب على القبول ، وإن كان يجوز تقديم القبول على الإيجاب إذا لم يكن القبول بلفظ (قبلت) ـ فيكون حينئذ الاحتياط لزوميّاً أي واجباً ـ أو نحوه من اللفظ الخالي عن ذكر المتعلّق ، كما إذا قال الرجل للمرأة: (أتزوّجك على الصّداق المعلوم) فتقول المرأة: (نعم) ، أو يقول الرجل: (قبلت التزويج بك على الصداق المعلوم) ، فتقول المرأة: (زوّجتك نفسي).
4 ـ الأحوط استحباباً أن يكون الإيجاب من جانب المرأة والقبول من جانب الرجل ، ويجوز العكس بأن يقول الرجل: (زوّجتك نفسي على الصداق المعلوم) ، فتقول المرأة: (قبلت).
5 ـ الأحوط استحباباً أن يكون الإيجاب في الزواج الدائم بلفظ النكاح أو التزويج ، أي تقول المرأة أو الرجل: (زوّجتك نفسي ، أو أنكحتك نفسي) ، كما أنّ الأحوط استحباباً كون الإيجاب والقبول بصيغة الفعل الماضي أي (زوّجت) وإن جاز بغيرها أيضاً.
6 ـ يجوز الاقتصار في القبول على لفظ (قبلت) أو (رضيت) بعد الإيجاب من دون ذكر المتعلّقات التي ذكرت فيه ، فلو قال الموجب ـ الوكيل عن الزوجة ـ للزوج: (أنكحتك موكّلتي فلانة على المهر المعلوم) ، فقال الزوج: (قبلت) من دون أن يقول: (قبلت النكاح لنفسي على المهر المعلوم) صحّ.
7 ـ يجوز أن يباشر الزوجان العقد بنفسهما من دون أن يوكّلا أحداً في ذلك ، فلو باشرا العقد الدائم وبعد تعيين المهر قالت المرأة مخاطبةً للرجل: (أنكحتك نفسي ، أو أنكحت نفسي منّك أو لك على الصداق المعلوم) ، فقال الرجل: (قبلت النكاح) صحّ العقد ، وكذا يصح العقد لو قالت المرأة للرجل: (زوّجتك نفسي ، أو زوّجت نفسي منك أو بك على الصداق المعلوم) فقال الرجل: (قبلت التزويج).
8 ـ لا يشترط المطابقة بين لفظ القبول وعبارة الإيجاب ، بل يصحّ الإيجاب بلفظ والقبول بلفظ آخر ، كأن يقول: (زوجتك) فيجيبه (قبلت النكاح) ، أو يقول: (أنكحتك) فيجيب (قبلت التزويج) ، والأحوط استحباباً المطابقة بين اللّفظين.
9 ـ إذا لحن في صيغة العقد بحيث لم يكن المعنى ظاهراً(1) لم يكف ذلك ، وإذا لحن في مادّة الكلام كما إذا قال بدل زوّجتك: (جوّزتك) كما هو دارج عند البعض كفى ذلك إذا كان المباشر للعقد من أهل تلك اللغة.
10 ـ لا بدّ أن يتحقّق القصد من العقد ، وهو متوقّف على فهم معنى لفظ (زوّجت) أو كلمة اُخرى تقوم مقام ذلك ولو إجمالا ، ولا يعتبر العلم بخصوصيّات اللفظ ولا تمييز الفعل والفاعل والمفعول مثلا ، فإذا كان هناك قصد في إيجاد علقة الزواج وقال: (زوّجت) وقال الطرف الآخر: (قبلت) كفى.
11 ـ تشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول ، بحيث يصدق أنَّ هذا القبول لذلك الإيجاب ، ولا يضرّ الفصل بمتعلّقات العقد من القيود والشروط التابعة له وإن كثرت.
12 ـ يشترط في صحّة النّكاح أن يكون منجّزاً غير معلّق على أمر سوف يحصل في المستقبل ، سواء كان معلوم الحصول أم متوقّع الحصول ، فلو علّقه بطل ، وهكذا يبطل لو علّقه على أمر حاليّ ولكن يحتمل حصوله وكان ذلك الأمر ممّا تتوقّف عليه صحّة العقد ، أمّا إذا علّقه على أمر موجود حالا وهو معلوم الحصول لديه ـ كما إذا قالت المرأة في يوم الجمعة وهي عالمة أنّه يوم الجمعة: (أنكحتك نفسي إن كان اليوم الجمعة) فيصحّ العقد ـ وكذلك يصحّ لو علّق على أمر مجهول الحصول ولكنّه ممّا يتوقّف عليه صحّة العقد كما لو قالت المرأة: (أنكحتك نفسي إذا لم أكن اُختك).
13 ـ يشترط في العاقد ـ وهو الذي يُجري صيغة العقد ـ أن يكون قاصداً للمعنى حقيقةً ، فلا عبرة بعقد الشخص الهازل الذي يقول الصيغة بنحو المزاح ، أو الساهي ، أو الغالط في كلامه ، أو النائم لو قال الصيغة في حال نومه ، وكذلك لا عبرة بعقد السكران الذي لا يفهم ما يقول ولا المجنون ، وإن كان جنونه أدوارياً بأن يؤثّر عليه الجنون ساعة ويفيق منه اُخرى ، إن كان قد أجرى صيغة العقد في حال جنونه.
ومن الشرائط أيضاً كون العاقد بالغاً ، فلا يصحّ عقد الصبيّ لنفسه وإن كان مميّزاً ـ حتّى لو قصد المعنى(2) ـ إذا لم يكن بإذن الوليّ ، أو كان بإذنه ولكن كان الصبيّ مستقلاّ في التصرّف ، والأحوط وجوباً أن لا يتولّى الصبي إنشاء الصيغة حتّى لوكان العقد من الولي نفسه وكان الصبيّ وكيلا عنه في إنشاء الصيغة.
14 ـ نجد البعض ممّن يجبر البنت أو الولد على الزواج غافلين عن اشتراط رضى الزوجين في صحة العقد حسب الواقع لا الظاهر ، فلو أذنت الزوجة وأظهرت الكراهة وعُلم منّها الرضى القلبي صحّ العقد ، ولو تظاهرت بالرضى وعُلم منها الكراهة قلباً بطل العقد ، الاّ إذا كانت البنت باكراً غير مستقلّه في شؤون حياتها وزوّجها الأب بدون رضاها وكان العقد لصالحها حسب النظر العقلائي فإنّ الحكم بالصحّة أو البطلان مشكِل ـ والأحوط وجوباً إذا لم ترض البنت ـ أن يطلّقها الرجل وإذا رضيت بعد الردّ يجدّد العقد.
15 ـ لو كان الزوجان أو أحدهما كارهاً للعقد واُجري على هذه الحالة وبعد ذلك رضياً وأجازا العقد صحّ ، والأفضل إعادة العقد مرّة أخرى.
16 ـ لو كان للأب عدّة بنات وقال للزوج: أزوّجك إحدى بناتي ، فإنّه لا يصح ، فلا بدّ حينئذ من التعيين بحيث تمتاز التي يريد تزويجها عن غيرها ، سواء كان التعيين بالاسم أو الإشارة كأن يقول: (زوّجتك بنتي هذه) وكذلك يبطل لو قال لأب الزوج: (زوّجت بنتي أحد أبنيك ، أو أحد هذين) وهو يشير إليهما معاً.
ولكنّه يصح لو كانا معلومين لدى المتعاقدين ، فلا يشترط عندئذ التعيين عند إجراء الصيغة سواء بالاسم أم بالإشارة ، وكذلك يصحّ لو كانا متقاولين على تزويج بنته الكبرى من ابنه الكبير ـ مثلا ـ وحين إجراء الصيغة قال: (زوّجت بنتي من ابنك) وقَبِل الآخر فالظاهر الصحّة.
17 ـ لو وقع اشتباه بين الزوجة التي عَيّنت بالوصف والاسم وبيّن مَن هي المقصودة في الواقع ، كما إذا قصد تزويج بنته الكبرى وتخيّل أنّ اسمها فاطمة وكانت المسمّاة بفاطمة هي الصغرى وكانت الكبرى مسمّاة بخديجة وقال: (زوّجتك الكبرى من بناتي فاطمة) وقع العقد على الكبرى التي اسمها خديجة ولا يقع على فاطمة ، وإن كان المقصود تزويج فاطمة وتخيّل أنّها الكبرى فتبيّن أنّها الصغرى وقع العقد على المسمّاة بفاطمة واُلغي وصفها بأنّها الكبرى ، وكذا لوكان المقصود تزويج المرأة الحاضرة وتخيّل أنّها الكبرى واسمها فاطمة فقال: (زوّجتك هذه وهي فاطمة وهي الكبرى من بناتي) وتبيّن أنّها الصغرى واسمها خديجة وقع العقد على المشار إليها ، ولا عبرة بالاسم والوصف ، ولو كان المقصود العقد على الكبرى فلمّا تصوّر أن هذه المرأة الحاضرة هي تلك الكبرى قال: (زوّجتك الكبرى وهي هذه) وقع العقد على تلك الكبرى وتُلغى الإشارة فلا عبرة فيها.
18 ـ لو أوكلت المرأة شخصاً لإجراء العقد عنها فلا يجوز له أن يتزوّجها إلاّ إذ كان كلامها في التوكيل عامّاً ، بحيث يشمل الموكَّل أيضاً ، فلو كان كذلك جاز أن يتزوّجها(3).
19 ـ يجوز أن يتولّى إجراء العقد كلّ من الزوجين أو يجعلا وكيلا واحداً عنهما معاً سواء كان العقد دائماً أم مؤقّتاً ، والأحوط استحباباً أن لا يتولّى العقد شخص واحد بل يكون وكيل المرأة غير وكيل الرجل.
20 ـ إذا ادّعت المرأة أنّها غير ذات بعل واحتمل صدقها جاز أن يتزوّج منها ، من غير فحص وسؤال حتّى إذا كان لها زوج سابقاً فادّعت أنّها تطلّقت منه أو مات عنها ، نعم لو كانت متّهمة(4) فالأحوط وجوباً الفحص عن حالها.
21 ـ يصحّ التوكيل في النكاح من طرف الزوج أو الزوجة أو من الطرفين إذا كانا كاملين ، وكذلك يصحّ توكيل وليّهما إن كانا قاصرين ، ويجب على الوكيل أن لا يتعدّى عمّا عيّنه الموكِّل ، من حيث الشخص والمهر والخصوصيات الأُخرى وإن كان على خلاف مصلحة الموكّل ، وإن تعدّى كان فضوليّاً متوقّفاً على إجازته.
22 ـ إذا وكّلا شخصاً في إجراء صيغة العقد لم تجز لهما الاستمتاعات الزوجيّة حتّى النظر المحرّم قبل الزواج ، وتحلّ لهما الاستمتاعات إذا اطمئنا بأنّ الوكيل أجرى صيغة عقد النكاح ، ولا يكفي ظنّهما بإجراء الصيغة ، ولو أخبر الوكيل خبراً لا يوجب الاطمئنان فلا يجوز لهما الاعتماد على هذا الخبر ، ولكن لو علما أنّه أجرى صيغة عقد النكاح وشكّاً في صحّته فيجوز لهما الاستمتاعات الزوجيّة.
23 ـ إذا ادّعى رجل أنّه زوج لامرأة وأنكرت ـ هي ـ ذلك فيجوز لها أن تتزوّج من غيره ، ويجوز للغير أن يتزوّجها ما لم يحرز كذبها ، ويجوز زواجها من غيره إذا كان قبل إقامة الدعوى عند الحاكم الشرعي ، وإن كان بعد الدعوى وأقام المدّعي البيّنة على أنّه زوجها حَكَم الحاكم الشرعي بإبطال العقد الجديد ولو لم يأتي بالبيّنة لم تُسمع دعواه ، وليس هناك يمين على المرأة ولا على الذي عقد عليها ، هذا فيما إذا كان قد ادّعى أنّه زوجها قبل رفع الأمر إلى الحاكم ، وأمّا إن كان بعد طرح الدعوى عند الحاكم فالأحوط وجوباً الانتظار إلى حين فصل النزاع ، فإذا أتى المدّعي بالبيّنة حُكم له ، وإن لم يكن له بيّنة طلب توجيه اليمين إلى المنكِر ـ أي إلى الزوجة في محلّ كلامنا ـ فإن حلفت حكم لها ، وإن لم تحلف ولم يرد الحاكم اليمين على المدّعي وإن كان عدم الردّ عن غفلة أو جهالة جاز للحاكم أن يحكم على المدّعي ، وللحاكم الولاية بأن يردّ اليمين على المدّعي انتظاراً لفصل النزاع ، وإن ردّ المنكِر أو الحاكم اليمين على المدّعي فحلف المدّعي حُكم له ، وأن نكل(5) المدّعي حكم عليه وأعطي الحقّ للزوجة ، هذا بحسب الموازين القضائيّة ، أمّا بحسب الواقع فيجب على كلّ منهما العمل على ما هو تكليفه بينه وبين الله ، لكي يحلّ النزاع بينهما.
24 ـ لو غاب الزوج عن الزوجة غيبة طويلة وانقطع خبره عنها بحيث لم يعلم موته ولا حياته ، وادّعت الزوجة حصول العلم بموته فلا يجوز لمن أراد أن يتزوّجها الاكتفاء بقولها ، ولا يجوز للوكيل عنها الاكتفاء بقولها وإنشاء العقد ، والأحوط وجوباً أن لا يتزوّجها إلاّ من لم يطّلع على حالها ولم يعلم أنّه كان لها زوج وقد فقد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أيّ لا يفهم منه أنّه صيغة للعقد.
(2) لأنّ القصد شرط في صحّة العقد ، ولكن إذا كان العاقد بالغاً فلا يكفي القصد في غير البالغ.
(3) أي يجوز للموكَّل نفسه أن يتزوّجها.
(4) أي يشكّ في صدق ادّعائها بأنّها غير ذات بعل.
(5) نكَلَ عن العَدُوِّ وعن اليمينِ يَنْكُلُ بالضمّ ، أي جَبُنَ ، الصحاح 5:1835 ، "نكَل".