تعدد الزوجات
وأمر الوحدة والتعدد فيما نشاهده من أقسام الحيوان غير واضح ففيما كان بينها اجتماع منزلي تتأحد الإناث وتختص بالذكور لما أن الذكور في شغل شاغل في مشاركتها في تدبير المنزل وحضانة الأفراخ وتربيتها وربما تغير الوضع الجاري بينها بالصناعة والتدبير والكفالة أعني بالتأهيل والتربية كما يشاهد من أمر الديك والدجاج ونحوها.
وأما الإنسان فاتخاذ الزوجات المتعددة كانت سنة جارية في غالب الامم القديمة كمصر والهند والصين والفرس بل والروم واليونان فإنهم كانوا ربما يضيفون إلى الزوجة الواحدة في البيت خدناً يصاحبونها بل وكان ذلك عند بعض الامم لا ينتهى إلى عدد يقف عليه كاليهود والعرب فكان الرجل منهم ربما تزوج العشرة والعشرين وأزيد وقد ذكروا أن سليمان الملك تزوج مئات من النساء.
واغلب ما كان يقع تعدد الزوجات إنما هو في القبائل ومن يحذو حذوهم من سكان القرى والجبال فإن لرب البيت منهم حاجة شديدة إلى الجمع وكثرة الأعضاد فكانوا يقصدون بذلك التكاثر في البنين بكثرة الاستيلاد ليهون لهم أمر الدفاع الذي هو من لوازم عيشتهم وليكون ذلك وسيلة يتوسلون بها إلى الترؤس والسودد في قومهم على ما في كثرة الازدواج من تكثر الأقرباء بالمصاهرة.
وما ذكره بعض العلماء أن العامل في تعدد الزوجات في القبال وأهل القرى إنما هو كثرة المشاغل والأعمال فيهم كأعمال الحمل والنقل والرعى والزراعة والسقاية والصيد والطبخ والنسج وغير ذلك فهو وإن كان حقاً في الجملة إلا أن التأمل في صفاتهم الروحية يعطي أن هذه الأعمال في الدرجة الثانية من الأهمية عندهم، وما ذكرناه هو الذي يتعلق به قصد الإنسان البدوى أولا وبالذات كما أن شيوع الإدعاء والتبني أيضاً بينهم سابقاً من فروع هذا الغرض.
على أنه كان في هذه الامم عامل أساسي آخر لتداول تعدد الزوجات بينهم وهو زيادة عدة النساء على الرجال بمالا يتسامح فيه فإن هذه الامم السائرة بسيرة القبائل كانت تدوم فيهم الحروب والغزوات وقتل الفتك الغيلة فكان القتل يفني الرجال، ويزيد عدد النساء على الرجال زيادة لا ترتفع حاجة الطبيعة معها إلا بتعدد الزوجات. هذا.
والإسلام شرع الإزدواج بواحدة،وأنفذ التكثير إلى أربع بشرط التمكن من القسط بينهن مع إصلاح جميع المحاذير المتوجهة إلى التعدد على ما سنشير إليها قال الله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف (البقرة: 228).
وقد استشكلوا على حكم تعدد الزوجات:
اولا أنه يضع آثاراً سيئة في المجتمع فإنه يقرح قلوب النساء في عواطفهن ويخيب آمالهن ويسكن فورة الحب في قلوبهن فينعكس حس الحب إلى حس الانتقام فيهملن أمر البيت ويتثاقلن في تربية الأولاد ويقابلن الرجال يمثل ما أساؤا إليهن فيشيع الزنا والسفاح والخيانة في المال والعرض فلا يلبث المجتمع دون أن ينحط في أقرب وقت.
وثانياً: أن التعدد في الزوجات يخالف ما هو المشهود المتراءى من عمل الطبيعة فإن الإحصاء في الامم والأجيال يفيد أن قبيلي الذكورة والإناث متساويان عدداً تقريباً فالذي هيأته الطبيعة هو واحدة لواحد، وخلاف ذلك خلاف غرض الطبية.
وثالثاً: أن في تشريع تعدد الزوجات ترغيباً للرجال إلى الشره والشهوة، وتقوية لهذه القوة في المجتمع.
ورابعاً: أن في ذلك حطاً لوزن النساء في المجتمع بمعادلة الأربع منهن
بواحد من الرجال وهو تقويم جائر حتى بالنظر إلى مذاق الإسلام الذي سوى فيه بين مرأتين ورجل كما في الإرث والشهادة وغيرهما، ولازمة تجويز التزوج باثنتين منهن لا أزيد ففي تجويز الأربع عدول عن العدل على أي حال من غير وجه. وهذه الاشكالات مما اعترض بها النصارى على الاسلام أو من بوافقهم من المدنيين المنتصرين لمسألة تساوي حقوق الرجال والنساء في المجتمع
والجواب عن الأول ما تقدم غير مرة في المباحث المتقدمة أن الإسلام وضع بنية الجتمع الإنساني على أساس الحياة التعقلية دون الحياة الإحساسية فالمتبع عنده هو الصلاح العقلي في السنن الاجتماعية دون ما تهواه الإحساسات وتنجذب إليه العواطف.
وليس في ذلك إماتة العواطف والإحساسات الرقيقة وإبطال حكم المواهب الإلهية والغرائز الطبيعية فإن من المسلم في الأبحاث النفسية أن الصفات الروحية والعواطف والإحساسات الباطنة تختلف كما وكيفاً باختلاف التربية والعادة، كما أن كثيراً من الآداب والرسوم الممدوحة عند الشرقيين مثلاً مذمومة عند الغربيين وبالعكس، وكل امة تختلف مع غيرها في بعضها.
والتربية الدينية في الإسلام تقيم المرأة الإسلامية مقاماً لا تتألم بأمثال ذلك عواطفها. نعم المرأة الغربية حيث اعتادت منذ قرون بالوحدة ولقنت بذلك جيلاً بعد جيل استحكم في روحها عاطفة نفسانية تضاد التعدد . ومن الدليل على ذلك الاسترسال الفظيع الذي شاعت بين الرجال والنساء في الامم المتمدنة! اليوم.
أليس رجالهم يقضون أوطار الشهوة من كل من هووها وهوتهم من نسائهم من محارم وغيرها ومن بكر أوئيب ومن ذات بعل أو غيرها، حتى أن الإنسان لا يقدر أن يقف في كل ألف منهم بواحد قد سلم من الزنا سواء في ذلك الرجال والنساء ولم يقنعوا بذلك حتى وقعوا في الرجال وقوعاً قل ما يسلم منه فرد حتى بلغ الأمر مبلغاً رفعوا قبيل سنة إلى برلمان بريطانيا العظمى أن يبيح لهم اللواط سنة قانونية وذلك بعد شيوعه بينهم من غير رسمية، وأما النساء وخاصة الأبكار وغير ذوات البعل من الفتيات فالأمر فيهن أغرب وأفظع.
فليت شعري كيف لا تأسف النساء هناك ولا يتحرجن ولا تنكسر قلوبهن ولا تتألم عواطفهن حين يشاهدن كل هذه الفضائح من رجالهن؟ وكيف لا تتألم عواطل الرجل وإحساساته حين يبنى بفتاة ثم يجدها ثيباً فقدت بكارتها وافترشت لا للواحد والاثنين من الرجال ثم لا يلبث حتى يباهي بين الأقران أن السيدة ممن توفرت عليها رغبات الرجال وتنافس في القضاء منها العشرات والمئات!! وهل هذا إلا أن هذه السيئات تكررت بينهم ونزعة الحرية تمكنت من أنفسهم حتى صارت عادة عريقة مألوفة لا تمتنع منها العواطف والإحساسات ولا تستنكرها النفوس؟ فليس إلا أن السنن الجارية تميل العواطف والإحساسات إلى ما يوافقها ولا يخالفها.
وأما ما ذكروه من استلزام ذلك إهمالهن في تدبير البيت وتثاقلهن في تربية الأولاد وشيوع الزنا والخيانة فالذي أفادته التجربة خلاف ذلك فإن هذا الحكم جرى في صدر الإسلام وليس في وسع أحد من اهل الخبرة بالتاريخ أن يدعي حصول وقفة في أمر المجتمع من جهته بل كان الأمر بالعكس.
على أن هذه النساء اللاتي يتزوج بهن على الزوجة الاولى في المجتمع الاسلامي وسائر المجتمعات التي ترى ذلك أعني الزوجة الثانية والثالثة والرابعة إنما يتزوج بهن عن رضاء ورغبة منهن وهن من نساء هذه المجتمعات، ولم يسترققهن الرجال من مجتمعات اخرى، ولا جلبوهن للنكاح من غير هذه الدنيا وإنما رغبن في مثل هذا الازدواج لعلل اجتماعية، فطباع جنس المرأة لا يمتنع عن مسألة تعدد الزوجات، ولا قلوبهن تتالم منها بل لو كان شيء من ذلك فهو من لوازم أو عوارض الزوجية الأولى أعني أنالمرأة إذا توحدت للرجل لا تحب أن ترد عليها وعلى بيتها اخرى لخوفها أن تميل عنها بعلها أو تترأس عليها غيرها أو يختلف الأولاد ونحو ذلك فعدم الرضاء والتألم فيما كان إنما منشأه حالة عرضية (التوحد بالبعل) لا غريزة طبيعية.
والجواب عن الثاني أن الاستدلال بتسوية الطبيعة بين الرجال والنساء في العدد مختل من وجوه.
منها أن أمر الازدواج لا يتكي على هذا الذي ذكروه فحسب بل هناك عوامل
وشرائط اخرى لهذا الأمر فأولا الرشد الفكري والتهيؤ لأمر النكاح أسرع إلى النساء منها إلى الرجال فالنساء وخاصة في المناطق الحارة إذا جزن التسع صلحن للنكاح، الرجال لا يتهيؤون لذلك غالباً قبل الست عشرة من السنين (وهو الذي اعتبره الإسلام للنكاح)
ومن الدليل على ذلك السنة الجارية في فتيات الامم المتمدنة فمن الشاذ النادر أن تبقى فتاة على بكارتها إلى سن البلوغ القانوني فليس إلا أن الطبيعة هيأتها للنكاح قبل تهيئتها الرجال لذلك.
ولازم هذه الخاصة أن لو اعتبرنا موالد ست عشرة سنة من قوم (والفرض تساوي عدد الذكورة والإناث فيهم) كان الصالح للنكاح في السنة السادسة عشر من الرجال وهي سنة أول الصلوح مواليد سنة واحدة وهم مواليد السنة الاولى المفروضة، والصالحة للنكاح من النساء مواليد سبع سنين وهي مواليد السنة الاولى الى السابعة، ولو اعتبرنا مواليد خمسة وعشرين سنة وهي سن بلوغ الأشد من الرجال حصل في السنة الخامسة والعشرين على الصلوح من الرجال مواليد عشرة سنين ومن النساء مواليد خمس عشرة سنة، وإذا أخذنا بالنسبة الوسطى حصل لكل واحد من الرجال اثنتان من النساء بعمل الطبيعة.
وثانياً أن الإحصاء كما ذكروه يبين أن النساء أطول عمراً من الرجال ولازمه أن تهيىء سنة الوفاة والموت عدداً من النساء ليس بحذائهن رجال. (1)
وثالثاً: أن خاصة النسل والتوليد تدوم في الرجال أكثر من النساء فالأغلب
على النساء أن يئسن من الحمل في سن الخمسين ويمكث ذلك في الرجال سنين عديدة بعد ذلك، وربما بقي قابلية التوليد في الرجال إلى تمام العمر الطبيعي وهي مئة سنة فيكون عمر صلاحية الرجل للتوليد وهو ثمانون سنة تقريباً ضعفه في المرأة وهو أربعون تقريباً وإذا ضم هذا الوجه إلى الوجه السابق أنتج ان الطبيعة والخلقة أباح الرجال اتعدي من الزوجة الواحدة إلى غيرها فلا معنى لتهيئة قوة التوليد والمنع عن الاستيلاد من محل شأنه ذلك فإن ذلك مما تأباه سنة العلل والأسباب الجارية.
ورابعاً: أن الحوادث المبيدة لأفراد المجتمع من الحروب والمقاتل وغيرهما تحل بالرجال وتفنيهم أكثر منها بالنساء بما لا يقاس كما تقدم أنه كان أقوى العوامل لشيوع تعدد الزوجات في القبائل فهذه الأرامل والنساء العزل لا محيص لهن عن قبول التعدد أو الزنا أو خيبة القوة المودعة في طبائعهن وبطلانها.
ومما يتأيد به هذه الحقيقة ما وقع في الآلمان الغربي قبل عدة شهور من كتابة هذه الأوراق: أظهرت جمعية النساء العزل تحرجها من فقدان البعولة وسألت الحكومة أن يسمح لهن بسنة تعدد الزوجات الإسلامية حتى يتزوج من شاءهن الرجال بأزديد من واحدة ويرتفع بذلك غائلة الحرمان، غير أن الحكومة لم تجبهن في ذلك وامتنعت الكنيسة من قبوله ورضيت بفشو الزنا وشيوعه وفساد النسل به.
ومنها أن الاستدلال بتسوية الطبيعة النوعية بين الرجال والنساء في العدد مع الغض عما تقدم إنما يستقيم فيما لوفرض أن يتزوج كل رجل في المجتمع بأكثر من الواحدة إلى أربع من النساء لكن الطبيعة لا تسمح بإعداد جميع الرجال لذلك ولا يسع ذلك بالطبع إلا لبعضهم دون جميعهم والإسلام لم يشرع تعدد الزوجات بنحو الفرض والوجوب على الرجال بل إنما اباح ذلك لمن استطاع أن يقيم القسط منهم، ومن أوضح الدليل على عدم استلزام هذا التشريع حرجاً ولافساداً أن سير هذه السنة بين المسلمين وكذا بين سائر الأمم الذين يرون ذلك لم يستلزم حرجاً من قحط النساء وإعوازهن على الرجال بل بالعكس من ذلك أعد تحريم التعدد في البلاد التي فيها ذلك الوفا عن النساء حرمن الأزواج والاجتماع المنزلي واكتفين بالزنا.
ومنها أن الاستدلال المذكور مع الإغماض عن ما سبق إنما يستقيم لو لم يصلح هذا الحكم ولم يعدل بتقييده بقيود ترتفع بها المحاذير المتوهمة فقد شرط الإسلام على من يريد من الرجال التعدد أن يقيم العدل في معاشرتهن بالمعروف وفي القسم والفراش وفرض عليهم نفقتهن ثم نفقة أولادهن ولا يتيسر إلانفاق على أربع نسوة مثلاً ومن يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة وغير ذلك إلا لبعض اولى الطول والسعة من الناس لالجميعهم.
على أن هناك طرقاً دينية شرعية يمكن أن تستريح إليها المرأة فتلزم الزوج على الاقتصار عليها والإغماض عن التكثير.
والجواب عن الثالث: أنه مبني على عدم التدبر في نحو التربية الإسلامية ومقاصد هذه الشريعة فإن التربية الدينية للنساء في المجتمع الإسلامي الذي يرتضيه الدين بالسترو العفاف والحياء وعدم الخرق تنمي المرأة وشهوة النكاح فيها أقل منها في الرجل (على الرغم مما شاع أن شهوى النكاح فيها أزيد وأكثر واستدل عليه بتولعها المفرط بالزينة والجمال طبعاً) هذا أمر لا يكاد يشك فيه رجال المسلمين ممن تزوج بالنساء الناشئات على التربية الدينية فشهوة النكاح في المتوسط من الرجال تعادل ما في أكثر من مرأة واحدة والمرأتين والثلاث.
ومن جهة اخرى من عناية هذا الدين أن يرتفع الحرمان في الواجب من مقتضيات البع ومشتهيات النفس فاعتبر أن لا تختزمن الشهوة في الرجل ولا يحرم منها فيدعوه ذلك إلى التعدي إلى الفجور والفحشاء والمرأة والواحدة ربما اعتذرت فيما يقرب من ثلث أوقات المعاشرة والمصاحبة كأيام العادة وبعض أيام الحمل والوضع في المباحث السابقة من هذا الكتاب أن الإسلام يبني المجتمع على أساس الحياة التعلية دون الحياة الإحساسية فبقاء الإنسان على حالة الإحساس الداعية إلى الاسترسال في الأهواء والخواطر السوء كحال التعزب ونحوه من أعظم المخاطر في نظر الإسلام.
ومن جهة اخرى من أهم المقاصد عند شارع الإسلام تكثر نسل المسلمين
وعمارة الأرض بيد مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد.
فهذه الجهات وأمثالها هي التي اهتم بها الإسلام في تشريع تعدد الزوجات دون ترويج أمر الشهوة وترغيب الناس إلى الانكباب عليها ولو أنصف هؤلاء المستشكلون كان هذه السنن الاجتماعية المعروفة بين هؤلاء البانين للاجتماع على أساس التمتع المادي أولى بالرمي بترويج الفحشاء والترغيب إلى الشرة من الإسلام الباني للاجتماع على أساس السعادة الدينية.
على أن في تجويز تعدد الزوجات تسكيناً لثورة الحرص التي هي من لوازم الحرمان فكل محروم حريص، ولاهم للممنوع المحبوس إلا أن يهتك حجاب المنع والحبس فالمسلم وإن كان ذا زوجة واحدة فإنه على سكن وطيب نفس من أنه ليس بممنوع عن التوسع في قضاء شهوته لو تحرجت نفسه يوماً إليه،وهذا نوع تسكين لطيش النفس، وإحصان لها عن الميل إلى الفحشاء وهتك الأعراض المحرمة.
وقد أنصف بعض الباحثين من الغربيين حيث قال: لم يعمل في إشاعة الزنا والفحشاء بين الملل المسيحية عامل أقوى من تحريم الكنيسة تعدد الزوجات. (2).
والجواب عن الرابع أنه ممنوع فقد بينا في بعض المباحث السابقة عند الكلام في حقوق (3) المرأة في الإسلام: أنه لم يحترم النساء ولم يراع حقوقهن كل المراعاة أي سنة من السنن الدينية أو الدنيوية من قديمها وحديثها بمثل ما احترمهن الإسلام وسنزيد في ذلك وضوحاً.
وأما تجويز تعدد الزوجات للرجل فليس بمبني على ما ذكر من إبطال الوزن الاجتماعي وإماتة حقوقهن والاستخفاف بموقفهن في الحياة وإنما هو مبني على جهات من المصالح تقدم بيان بعضها.
وقد اعترف بحسن هذا التشريع الإسلامي وما في منعه من المفاسد الاجتماعية والمحاذير الحيوية جمع من باحثي الغرب من الرجال والنساء من أراده فليراجع إلى مظانه.
وأقوى ما تشبث به مخالفوا سنة التعدد من علماء الغرب وزوقوه في أعين الناظرين ما هو مشهود في بيوت المسلمين تلك البيوت المشتملة على زوجات عديدة ضرتان أو ضرائر فإن هذه البيوت لا تحتوي على حياة صالحة ولا عيشة هنيئة، لا تلبث الضرتان من أول يوم حلتا البيت دون أن تأخذا في التحاسد حتى أنهم سموا الحسد بداء الضرائر وعندئذ تنقلب جميع العواطف والإحساسات الرقيقة الي جبلت عليها النساء من الحب ولين الجانب والرقة والرأفة والشفقة والنصح وحفظ الغيب والوفاء والمودةوالرحمة والإخلاص بالنسبة إلى الزوج وأولاده من غير الزوجة وبيته وجميع ما يتعلق به إلى أضدادها فنقلب البيت الذي هو سكن للإنسان يستريح فيه من تعب الحياة اليومي وتألم الروح والجسم من مشاق الأعمال والجهد في المكسب معركة قتال يستباح فيها النفس والعرض والمال والجاه، لا يؤمن فيه من شيء لشيء، ويتكدر فيه صفوا لعيش وترتحل لذه الحياة، ويحل محلها الضرب والشتم والسب واللعن والسعاية والنميمة الرقابة والمكرو المكيدة، واختلاف الأولاد وتشاجرهم، وربما انجر الأمر إلى هم الزوجة بإهلاك الزوج، وقتل بعض الأولاد بعضاً أو أباهم، وتتبدل القرابة بينهم إلى الأوتار التي تسحب في الأعقاب سفك الدماء وهلاك النسل وفساد البيت، أضف إلى ذلك ما يسري من ذلك إلى المجتمع من الشقاء وفساد الأخلاق والقسوة والظلم والبغي والفحشاء وانسلاب الأمن والوثوق وخاصة إذا اضيف إلى ذلك جواز الطلاق فإباحة تعدد الزوجات والطلاق ينشئان في المجتمع رجالاً ذواقين مترفين لاهم لهم إلا اتباع الشهوات والحرص والتولع على أخذ هذه وترك تلك، ورفع واحدة ووضع اخرى، وليس فيه إلا تضييع نصف المجتمع واشقاؤه وهو قبيل النساء، وبذلك يفسد النصف الآخر.
وهذا محصل ما ذكروه، وهو حق غير أنه إنما يرد على المسلمين لاعلى الإسلام وتعاليمه، ومتى عمل المسلمون بحقيقة ما ألقته إليهم تعاليم الإسلام حتى يؤخذ الإسلام بالمفاسد التي أعقبته أعمالهم؟ وقد فقدوا منذ قرون الحكومة الصالحة التي تربي الناس بالتعاليم الدينية الشريفة بل كان أسبق الناس إلى هتك الأستار التي أسد لها
الدين ونقض قوانينه وإبطال حدوده هي طبقة الحكام والولاة على المسلمين، والناس على دين ملوكهم، ولو اشتغلنا بقص بعض السير الجارية في بيوت الملوك والفضائح التي كان يأتي بها ملوك الإسلام وولاته منذ تبدلت الحكومة الدينية بالملك والسلطنة المستبدة لجاء بحياله تأليفاً مستقلاً وبالجملة لورود الإشكال فهو وارد على المسلمين في اختيارهم لبيوتهم نوع اجتماع لا يتضمن سعادة عيشتهم ونحو سياسة لا يقدرون على إنفاذها بحيث لا تنحرف عن مستقيم الصراط، والذنب في ذلك عائد إلى الرجال دون النساء والأولاد وإن كان على كل نفس ما اكتسبت من إثم وذلك أن سيرة هؤلاء الرجال وتفديتهم سعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم وصفاء جو مجتمعهم في سبيل شرهم وجهالتهم هو الأصل لجميع هذه المفاسد والمنبت لكل هذه الشقوة المبيدة.
وأما الإسلام فلم يشرع تعدد الزوجات على نحو الإيجاب والفرض على كل رجل وإنما نظر في طبيعة الأفراد وما ربما يعرضهم من العوارض الحادثة، واعتبر الصلاح القاطع في ذلك (كما مر تفصيله) ثم استقصى مفاسد التكثير ومحاذيره وأحصاها فأباح عند ذلك التعدد حفظاً لمصلحة المجتمع الإنساني، وقيده بما يرتفع معه جميع هذه المفاسد الشنيعة وهو وثوق الرجل بأنه سيقسط بينهن ويعدل فمن وثق من نفسه بذلك ووفق له فهو الذي أباح له الدين تعدد الزوجات، وأما هؤلاء الذين لا عناية لهم بسعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم ولا كرامة عندهم إلا ترضية بطونهم وفروجهم ولا مفهوم للمرأة عندهم إلا أنها مخلوقة في سبيل شهوة الرجل ولذته فلا شأن للإسلام فيهم، ولا يجوز لهم إلا الازدواج بواحدة لو جاز لهم ذلك والحال هذه.
على أن في أصل الإشكال خلطاً بين جهتين مفرقتين في الإسلام، وهما جهتا التشريع والولاية.
توضيح ذلك أن المدار في القضاء بالصلاح والفساد في القوانين الموضوعة والسنن الجارية عند الباحثين اليوم هو الآثار والنتائج المرضية أو غير المرضية الحاصلة من جريانها في الجوامع وقبول الجوامع لها بفعليتها الموجودة وعدم قبولها، وما أظن أنهم على عفلة من أن المجتمع ربما اشتمل على بعض سنن وعادات وعوارض لا تلائم الحكم
المبحوث عنه وأنه يجب تجهيز المجتمع بما لا ينافي الحكم أو السنة المذكورة حتى يرى إلى ما يصير أمره؟ وماذا يبقي من الأثر خيراً أو شراً أو نفعاً أو ضراً؟ إلا أنهم يعتبرون في القوانين الموضوعة ما يريده ويستدعيه المجتمع بحاضر إرادته وظاهر فكرته كيفما كان، فما وافق إرادتهم ومستدعياتهم فهو القانون الصالح وما خالف ذلك فهو القانون غير الصالح.
ولذلك لما رأواو المسلمين تائهين في اودية الغي فاسدين في معاشهم ومعادهم نسبوا ما يشاهدونه منهم من الكذب والخيانة والخنى وهضم الحقوق وفشوا البغي وفساد البيوت واختلال الاجتماع إلى القوانين الدينية الدائرة بينهم زعماً منهم أن السنة الإسلامية في جريانها بين الناس وتأثيرها أثرها كسائر السنن الاجتماعية التي تحمل على الناس عن إحساسات متراكمة بينهم، ويستنتجون من ذلك أن الإسلام هو المولد لهذه المفاسد الاجتماعية ومنه ينشأ هذا البغي والفساد (وفيهم أبغى البغي وأخنى الخنى، وكل الصيد في جوف الفراء) ولو كان ديناً واقعياً وكانت القوانين الموضوعة فيه جيدة متضمنة لصلاح الناس وسعادتهم لأثرت فيهم الآثار المستعدة الجميلة، ولم ينقلب وبالا عليهم؟
ولكنهم خلطوا بين طبيعة الحكم الصالحة المصلحة، وبين طبيعة الناس الفاسدة المفسدة والإسلام مجموع معارف أصلية وأخلاقية وقوانين عملية متناسبة الأطراف مرتبطة الأجزاء إذا أفسد بعض اجزائها أوجب ذلك فساد الجميع وانحراف في التأثير كالأدوية والمعاجين المركبة التي تحتاج في تأثيرها الصحي إلى سلامة أجزائها وإلى محل معد مهيأ لورودها وعملها، ولو افسد بعض أجزائها أو لم يعتبر في الإنسان المستعمل لها شرائط الاستعمال بطل عنها وصف التاثير، وربما أثرت ما يضاد أثرها المترقب منها.
هب أن السنة الإسلامية لم تقو على إصلاح الناس ومحق الدمائم والرذائل العامة اضعف مبانيها التقنينية فما بال السنة الديموقراطية لاتنجع في بلادنا الشرقية أثرها في البلاد الاوروبية؟ وما بالنا كلما أمعنا في السير والكدح والغنا في الرجوع على أعقابنا القهقري ولا يشك شاك أن الذمائم والرذائل اليوم أشد تصلباً وتعرقاً فينا
ونحن مدينون متنورون منها قبل نصف قرن ونحن همجيون، ولس لنا حظ من العدل الاجتماعي وحياة الحقوق البشرية والمعارف العامة العالية وكل سعادة اجتماعية إلا أسماء نسميها وألفاظاً نسمعها.
فهل يمكن لمعتذر عن ذلك إلا بأن هذه السنن المرضية إنما لم تؤثر أثرها لأنكم لا تعلمون بها، ولا تهتمون بإجرائها فما بال هذا العذر يجري فيها وينجع ولا يجري في الإسلام ولا ينجع؟
وهب أن الإسلام لوهن أساسها (والعياذ بالله) عجز عن التمكن في قلوب الناس والنفوذ الكامل في أعماق المجتمع فلم تدم حكومته ولم يقدر على حفظ حياته في المجتمع الإسلامي فلم يلبث دون أن عاد مهجوراً فما بال السنة الشيوعية؟ وما بالها انقلبت إلى السنة الديمقراطية وكانت سنة مرضية عالمية ارتحلت بعد الحرب العالمية الكبرى الأولى عن روسية وانمحت آثارها وخلفتها السنة الشيوعية؟ وما بالها انقلبت الى السنة الشيوعية بعد الحرب العالمية الكبرى الثانية في ممالك الصين ولتوني واستوني وليتواني ورومانيا والمجار ويوغوسلاوي وغيرها، هي تهدد سائر الممالك وقد نفذت فيها نفوذاً؟
وما بال السنة الشيوعية بعد ما عمرت ما يقرب من أربعين سنة، وانبسطت وحكمت فيها يقرب من نصف المجتمع الإنساني ولم يزل دعاتها وأولياؤها يتباهون في فضيلتها أنها المشرعة الصافية الوحيدة التي لا يشوبها تحكم الاستبداد ولا استثمار الديموقراطية وأن البلاد التي تعرقت فيها هي الجنة الموعودة ثم لم يلبث هؤلاء الدعاة والأولياء أنفسهم دون أن انتهضوا قبل سنتين على تقبيح حكومة قائدها الوحيد (ستالين) الذي كان يتولى إمامتها وقيادتها منذ ثلاثين سنة، وأوضحوا أن حكومة كانت حكومة تحكم واستبداد واستعباد في صورة الشيوعية، ولا محالة كان له التأثير العظيم في وضع القوانين الدائرة وإجرائها وسائر ما يتعلق بذلك فلم ينتش شيء من ذلك إلا عن إرادة مستبدة مستعبدة وحكومة فردية تحيي لوفاً وتميت لوفاً وتسعد أقواماً وتشقي آخرين . والله يعلم من الذي يأتي بعد هؤلاء ويقضي عليهم بالمثل ما قضوا به على من كان قبلهم.
والسنن والآداب والرسوم الدائرة في المجتمعات (أعم من الصحيحة والفاسدة)
ثم المرتحلة عنها لعوامل متفرقة أقواها خيانة أولياؤها وضعف إرادة الأفراد المستنين بها كثيرة يعثر عليها من راجع كتب التواريخ.
فليت شعري ما الفارق بين الإسلام من حيث إنها سنة اجتماعية وبين هذه السنن المتقلبة المبتدلة حيث يقبل العذر فيها ولا يقبل في الإسلام؟ نعم كلمة الحق اليوم واقعة بين قدرة هائلة غربية وجهالة تقليد شرقية فلا سماء تظلها ولا أرض تقلها وعلى أي حال يجب أن يتنبه مما فصلناه أن تأثير سنة من السنن أثرها في الناس و عدمه وكذا بقاؤها بين الناس وارتحالها لا يرتبط كل الارتباط بصحتها وفسادها حتى يستدل عليه بذلك بل لسائر العلل والأسباب تأثير في ذلك فما من سنة من السنن الدائرة بين الناس في جميع الأطوار والعهود إلا وهي تنتج يوماً وتعقم آخر وتقيم بين الناس برهة من الزمان وترتحل عنهم في اخرى لعوامل مختلفة تعمل فيها؛ وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء.
وبالجملة القوانين الإسلامية والأحكام التي فيها، تخالف بحسب المبنى والمشرب سائر القوانين الاجتماعية الدائرة بين الناس فإن القوانين الاجتماعية التي لهم تختلف باختلاف الأعصار وتتبدل بتبدل المصالح لكن القوانين الإسلامية لا تحتمل الاختلاف والتبدل من واجب أو حرام أو مستحب أو مكروه أو مباح غير أن الأفعال التي للفرد من المجتمع أن يفعلها أو يتركها وكل تصرف له أن يتصرف به أو يدعه فلوالي الأمر أن يأمر الناس بها أو ينهاهم عنها ويتصرف في ذلك كأن المجتمع فرد والوالي نفسه المتفكرة المريدة.
فلو كان للإسلام وال أمكنه أن يمنع الناس عن هذه المظالم التي يرتكبونها باسم تعدد الزوجات وغير ذلك من غير أن يتغير الحكم الإلهي بإباحته، وإنما هو عزيمة إجرائية عامة لمصلحة نظير عزم الفرد الواحد على ترك تعدد الزوجات لمصلحة يراها لا لتغيير في الحكم بل لأنه حكم إباحي له أن يعزم على تركه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومما يؤيد ذلك ما نشره بعض الجرائد في هذه الايام (جريدة الاطلاعات المنتشرة في طهران المورخة بالثلاثا 11 ديماه سنة 1335) حكاية عن دائرة الاحصاء في فرنسا ما حاصله: قد تحصل بحسب الاحصاء أنه يولد في فرنسا حذاء كل (100) مولودة من البنات (105) من البنين، ومع ذلك فان الاناث يربوعدتهم على عدة الذكور بما يعادل (1765000) نسمة ونفوس المملكة (40 مليوناً تقريباً) والسبب فيه أن البنين أضعف مقاومة من البنات قبال الامراض ويهلك بها (5%) الزائد منهم الى سنة (19) من الولادة.
ثم يأخذ عدة الذكور في النقص ما بين 25 ـ 30 من السنين حتى إذا بلغوا سنى 60 ـ 65 لم يبق تجاه كل (15000000) من الاناث إلا (750000) من الذكور.
(2) رسالة المستر جان ديون بورت الانجليزي في الاعتذار الى حضرة محمد والقرآن ترجمة الفاضل: السعيدي بالفارسية.
(3) البحث العلمي من الجزء الثاني س 273.
المصدر : الميزان في تفسير القرآن